مجلة الشرق الأدنى

الزعيم العراقي الشيعي، مقتدى الصدر (AFP)
الزعيم العراقي الشيعي، مقتدى الصدر (AFP)

وجوه مقتدى الصدر العديدة

مقتدى الصدر هو إحدى الشخصيات الأكثر تأثيرًا اليوم في بلاد الرافدين، ومن المتوقع أن يلعب دورا رئيسيا في مواصلة الصراع السنّي - الشيعي في الشرق الأوسط

اشتدّت، في الشهر الأخير، “الحرب الباردة” في الشرق الأوسط بين إيران والمملكة العربية السعودية. في معظم الحالات في الماضي، فضّلت كلتا القوّتين الإقليميّتين، بشكل أساسيّ، جذب الخيوط من وراء الكواليس، ولكن التدخّل السعودي المباشر في اليمن أشار إلى صعود درجة في التوتّر بين الدولتين. قد تؤثر خطوات السعودية على مراكز أخرى في الصراع الطائفي مثل العراق سوريا، والكرة الآن بيد طهران.

وزير الداخلية الأمير محمد بن نايف في الوسط، ووزير الدفاع السعودي محمد بن سلمان بن عبدالعزيز، يشرفان على عملية "عاصفة الحزم" (Twitter)
وزير الداخلية الأمير محمد بن نايف في الوسط، ووزير الدفاع السعودي محمد بن سلمان بن عبدالعزيز، يشرفان على عملية “عاصفة الحزم” (Twitter)

كجزء من التأثير الهائل للإيرانيين في العراق، فهم يحتفظون بتأثيرهم على لاعب مهمّ جدّا؛ وهو القائد ورجل الدين الشيعي مقتدى الصدر، الذي عاد مؤخرا إلى الواجهة خلال الحرب ضدّ داعش. حاز الصدر على أوصاف عديدة خلال السنين: رجل الدين المتطرّف الذي يشجّع العنف، مناضل من أجل الحرية ومقاوم واضح للاحتلال الأجنبي، وطني براغماتي بل و “متوّج الملوك” في العراق. على أية حال، يُعتبر مقتدى الصدر إحدى الشخصيات الأكثر تأثيرا اليوم في بلاد الرافدين، ومن المتوقع أن يلعب دورا رئيسيا لاحقا في الصراع السنّي – الشيعي في الشرق الأوسط.

من هو مقتدى الصدر؟

الزعيم العراقي الشيعي، مقتدى الصدر (AFP)
الزعيم العراقي الشيعي، مقتدى الصدر (AFP)

وُلد مقتدى الصدر عام 1973 في مدينة النجف الشيعية جنوب وسط العراق. مقتدى الصدر هو سليل أسرة محترمة في العالم الشيعي والتي تشمل شخصيات مثل “محيي الشيعة” في لبنان، رجل الدين موسى الصدر. اضطُهدت عائلة الصدر كثيرا من قبل نظام صدام حسين: فقد قُتل والد مقتدى – آية الله محمد صديق الصدر، وزوج والدته آية الله محمد باقر الصدر، بسبب خوف صدام من تأثيرهما الكبير على السكان الشيعة في العراق. ومع ذلك، تمتّع مقتدى الصدر بدعم شعبي واسع في أوساط المجتمع الشيعي وذلك بسبب الحركة السياسية “الصدرية” وشبكات الرعاية الاجتماعية التي أسّستها عائلته على مرّ السنين.

تأثيره في الساحة العراقية

في أعقاب الغزو الأمريكي عام 2003 ازدادت شعبية مقتدى الصدر وأصبح إحدى الشخصيات الأكثر تأثيرا في الحرب بالعراق. بعد إسقاط نظام صدام حسين، أقام الصدر ميليشيا مُسلّحة وقوية اسمها “جيش المهدي” واستغل مكانته كرجل دين ذي نسب من أجل التصريح ضدّ الاحتلال الأمريكي. في إحدى مقولاته الأكثر شهرة قال الصدر: “كان صدام حسين الثعبان الأصغر، ولكن أمريكا هي الثعبان الأكبر”. خلال تلك الفترة، حظي الصدر بدعم مالي ولوجستي واسع من إيران، وبدءًا من عام 2004، لم يتردّد في تشغيل الميليشيا التي يقودها، “جيش المهدي”، ضدّ القوات المختلفة للتحالف الدولي. أكسبتْ تلك العمليات الصدرَ شعبية كبيرة في أوساط الشعب العراقي وجعلته رمزًا لمقاومة الاحتلال الأجنبي.

ومع ذلك، فبالنسبة للولايات المتحدة والحكومة العراقية يُعتبر الصدر واعظا متطرّفا وعنيفا، ليس أقل خطورة من تنظيم “القاعدة في العراق”. وفي أعقاب التغيير الاستراتيجي للولايات المتحدة في العراق عام 2007، والذي عززت الولايات المتحدة أيضًا في إطاره قواتها في العراق بعشرات آلاف الجنود، هرب الصدر إلى إيران عندما شنّت جيوش الولايات المتحدة والعراق عملية مشتركة ضدّ “جيش المهدي”. بعد معارك طاحنة وخسائر فادحة، وفي أعقاب تسوية بينه وبين الحكومة العراقية بوساطة إيران، أعلن الصدر في شهر آب عام 2008 عن تفكيك الميليشيا وتحويلها إلى منظّمة رعاية اجتماعية بحتة.

https://www.youtube.com/watch?v=Lv08Xg5tlZg

بين عاميّ 2007-2010، كرّس الصدر وقته للدراسة الدينية في إيران من أجل أن يحظى بلقب آية الله الذي سيمنحه تأثيرا أوسع. وفي المقابل، شاركت للمرة الأولى “الحركة الصدرية” في انتخابات البرلمان العراقي عام 2010 وحظيت بنجاح كبير عندما حصدت 39 مقعدًا. بعد أن أعرب عن دعمه لنوري المالكي في منصب رئيس الحكومة، تم تتويج الصدر من قبل الباحثين بلقب “متوّج الملوك” في العراق بسبب قوته السياسية الكبيرة.

وفي أعقاب إقامة حكومة المالكي الثانية في شهر كانون الثاني عام 2011، عاد الصدر من المنفى إلى مسقط رأسه في النجف واستُقبل بترحيب وابتهاج من قبل الجماهير في المدينة. ومع انسحاب القوات الأمريكية الأخيرة من العراق في كانون الأول عام 2011، بدأ الصدر في تشكيل خطّ أكثر اعتدالا وبدأ بالتصريح بمصطلحات “العراق الديمقراطي” و “سيادة القانون”، وبرز تغيير في نهج الصدر مقارنة بالواعظ الشاب صاحب الخطاب المنفّر في السنوات السابقة. قال بعض المحلّلين بأنّ التغيير في نهج الصدر نابع من كونه قد طمح إلى التصالح مع عناصر القوة الأخرى في العراق وإنشاء إجماع وطني حوله وليس فقط من الطائفة الشيعية. وقدّر كثيرون بأنّ الصدر “يهيئ الأرضية” ليصبح رئيس حكومة في يوم من الأيام. ولذلك فوجئ الكثيرون عندما أعلن الصدر بشكل مفاجئ في شباط عام 2014، قبل شهرين من الانتخابات البرلمانية، بأنّه سيستقيل فورا عن الحياة السياسية وأنّه ليست هناك أية هيئة سياسية تمثّله أو تمثّل عائلته. وهكذا، بعد ست سنوات من تفكيك “جيش المهدي”، اختفى الصدر من الخطاب السياسي في العراق. ولكن ليس لوقت طويل.

عودة الصدر إلى الساحة العراقية

هل بعد انتهاء الحرب في العراق سيندمج الصدر بشكل نهائي في النظام السياسي كزعيم عراقي (AFP)
هل بعد انتهاء الحرب في العراق سيندمج الصدر بشكل نهائي في النظام السياسي كزعيم عراقي (AFP)

في شهر حزيران عام 2014، بعد يوم واحد من سقوط مدينة الموصل بيد تنظيم داعش، أعلن الصدر عن إقامة “سرايا السلام”، وهو تجسّد جديد لـ “جيش المهدي” الذي تم تفكيكه عام 2008، وذلك من أجل إيقاف تمدّد داعش. في نفس اليوم، توجّه إلى الشوارع 10000 من مقاتلي الميليشيا في عرض قوة مثير للإعجاب في حيّ الصدر الشيعي في بغداد، والذي سُمّي على اسم والد مقتدى. انضمّت الميليشيا إلى تنظيم أعلى للميليشيات الشيعية تحت مُسمى “الحشد الشعبي”، والذي تأسس بشكل خاصّ من أجل مواجهة تهديد داعش. في شهر أيلول عام 2014، أعلن الناطق باسم “سرايا السلام” فعليّا بأنّ التنظيم قد قتل 30 مقاتلا من داعش قرب مدينة أمرلي شرقي العراق. وبالمناسبة، لم تكن تلك هي المرة الأولى التي يُقاتل فيها الصدر التنظيم السنّي المتطرّف، فإنّ داعش أيضًا هي تحوّل عن “القاعدة في العراق”، والتي قاتلت “جيش المهدي” خلال الحرب الأهلية بين عاميّ 2006-2007.

في شهر آذار عام 2015، شاركت “سرايا السلام” التابعة للصدر في القتال من أجل تحرير المدينة الشمالية تكريت، مكان ولادة صدام حسين. انضمّت ميليشيا الصدر إلى تحالف أوسع يشمل قوات الجيش العراقي؛ بقية الميليشيات الشيعية المشاركة في “الحشد الشعبي”؛ قوات “قدس” الإيرانية؛ ومن المفارقات: قوات سلاح الجو الأمريكي بل ومقاتلين من العشائر السنّية التي ضاقت ذرعًا بتعامل داعش مع السكان المحلّيّين. قال الناطق باسم التنظيم إنّهم يعملون “من أجل مساعدة مجتمع من المسلمين ومساعدة الشعب العراقي”. بعد عدة أسابيع من القتال الشرس، ذُكر في 12 نيسان بأنّ داعش انسحبت من المدينة وبأنّ قوات التحالف قد طهّرت آخر جيوب المقاومة.

ذو وجهين؟

رغم التعاون مع المقاتلين السنة، هناك تقارير عن مجازر وحرق منازل نفّذتها الميليشيات الشيعية في القرى السنّية حول تكريت. واستمرارا للخطاب “الوطني” الذي استخدمه الصدر في السنوات الماضية، لقد أدان الأعمال العدائية ضدّ السكان السنّة وأعلن بأنّ “سرايا السلام” لم تُشارك فيها. وفي تصريح مشابه في شهر شباط عام 2015، دعا الصدر اثنتين من الميليشيات الشيعية المتنافسة إلى تعليق عمليّاتهما في أعقاب اغتيال شيخ سنّي في بغداد. بشكل متناقض، قال الصدر بعد تلك الحادثة: “ما حدث يُثبت أنّ العراق لا يُعاني فقط من عوامل خارجية وإنما من ميليشيات مُلحدة. تعمل هاتان الجهتان على تقويض الحكومة العراقية وتشكّلان تهديدا أمنيا على البلاد”. تشير جميع هذه التصريحات على الأوجه المتعددة للصدر: فهو من جهة يقف على رأس ميليشيا طائفية ومن جهة أخرى يعرض نفسه كزعيم وطني وبراغماتي ويطمح لقيادة عموم الشعب العراقي بمختلف تنوعاته وطوائفه.

https://www.youtube.com/watch?v=3U9pvWU3lp0

والآن مع الانتصار في تكريت هناك علامات استفهام كثيرة حول مستقبل مقتدى الصدر المتقلّب. هل بعد انتهاء الحرب في العراق سيندمج الصدر بشكل نهائي في النظام السياسي كزعيم وطني وسيفكّك أو يدمج الميليشيا الخاصة به مع قوات الأمن العراقية؟ أم إنّ الأحداث في اليمن ستؤدي إلى عودة الصدر الطائفي والمتطرّف للقتال في إحدى الدول في المنطقة؟

في الماضي شاركت عدة ميليشيات شيعية من العراق (مثل حزب الله من لبنان وبدعم إيراني) في القتال بسوريا إلى جانب جيش بشار الأسد. ومن بينها، كان هناك أيضا أعضاء من “جيش المهدي” سابقا والذين اعترفوا بأنّهم قاتلوا من أجل الدفاع عن الأماكن الشيعية المقدّسة في سوريا. وكذلك من الجدير بالذكر بأنّ مركز سكن الشيعة هو في جنوب العراق، على مسافة بضعة كيلومترات من الحدود السعودية الشمالية. إذا حدث تدهور إقليمي بسبب الحرب في اليمن، فإنّ “سرايا السلام” قد تُستخدم كوكيل القوة التابع لإيران للتحرّش بالحدود السعودية.

نُشرت هذه المقالة للمرة الأولى في موقع ‏Near East‏

اقرأوا المزيد: 1193 كلمة
عرض أقل
محاكمة أعضاء ينتمون لتنظيم القاعدة في اليمن (AFP)
محاكمة أعضاء ينتمون لتنظيم القاعدة في اليمن (AFP)

ذراع القاعدة الطويل في اليمن

يثبت الهجوم الأخير في باريس أن التنظيم ما زال يمتلك القدرة التي ميّزته في السنوات السابقة: الوصول إلى أهداف بعيدة بواسطة أذرعه

لمن يتابع مسار الإرهاب في الشرق الأوسط، والتقارير التي تُشير إلى أن سعيد الكواشي، أحد من قاموا بالعملية الهجومية على مؤسسة شارلي ايبدو في باريس، قد اجتاز سلسلة من التدريبات في معسكرات القاعدة في اليمن، فلن يجد الأمر مفاجئا.

حسب التقارير من عدة جهات إعلامية، اجتاز الكواشي سلسلة تأهيل في استعمال وتحضير القنابل في اليمن تحت رعاية القاعدة. فرع القاعدة اليمني، المكوّن عمليا من لاجئي التنظيم السعودي، قد أثبت في السابق قدراته، المبهرة والمقلقة على حدٍّ سواء، في الوصول إلى الأهداف البعيدة بعدا كبيرا عن حدود الدولة اليمنية وإصابتها. يُعرف التنظيم في أوساط المخابرات بقدراته ومهاراته العالية وقد صنفت مؤسسات المخابرات الأمريكية التنظيم كأخطر التنظيمات على أمنها القومي منذ 2008، قبل مدة طويلة من موجة الانقلابات في 2011.

لكن مُذّاك، تحت غطاء الفوضى التي اجتاحت اليمن منذ الثورة على الرئيس السابق علي عبد الله صالح، متّنت القاعدة قاعدتها ووسعت سيطرتها على مناطق كثيرة في الدولة. لقد تلقى التنظيم ضربات قاصمة في السنوات الأخيرة من الجيش اليميني بتغطية طائرات أمريكية، وعلى يد المتمردين الحوثيين الشيعيين، الذين خرجوا في السنة الأخيرة من معقلهم في محافظة صعدة الشمالية واستولوا على مناطق واسعة في اليمن.

أنور العوالقي (Wikipedia)
أنور العوالقي (Wikipedia)

بسبب الأعمال الواسعة والمركّزة للجيش اليميني، اضطرت القاعدة إلى الانسحاب من المناطق التي احتلها جنوب اليمن بعد 2011. لكن مع ذلك، يحافظ التنظيم على معاقله في مركز اليمن وينجح دائما في تنفيذ عمليات فتاكة ضد القوات الأمنية اليمنية وضد المتمردين الحوثيين.

عدا عن الصراعات التي تديرها القاعدة في شبه الجزيرة العربية في اليمن، أثبت التنظيم عدة مرات سابقا قدرته في استهداف أهداف غربية وعربية حتى خارج حدود الدولة. في كانون الثاني 2009، أعلِن عن التوحيد ما بين الذراع السعودية للقاعدة، التي تلقت ضربة قاصمة من قوات الأمن السعودية، وبين الذراع اليمينة تحت اسم “قاعدة شبه الجزيرة العربية”. لقد أسس التنظيم نفسه في اليمن وبدأ بتنفيذ عمليات ضد أهداف عالمية متنوعة. في نفس السنة، كاد انتحاري بعثت به القاعدة اليمنية أن ينجح في قتل ابن وزير الداخلية السعودي حينئذٍ، محمد بن نايف، حين استضاف الأخير أناسا في بيته في جدة. الانتحاري، الذي يُعرَف عنه أنه ناشط إرهابي لكنه اجتاز عملية “العودة للأفضل” قام بتفجير عبوة حملها حول جسمه. أصيب ابن نايف، الذي لم يكن مستهدفا صدفة، بل كان على رأس الصراع الذي أدارته السعودية ضد الجهات الإرهابية في الدولة، إصابات طفيفة فقط.

أدى توحيد القواعد السعودية واليمنية للقاعدة سنة 2009 إلى ازدياد التعاون بين القوى الأمنية اليمنية والأمريكية، التي زادت من هجماتها من طائرة بلا طيار على معاقل ونشطاء التنظيم. لقد أدى هذا التعاون إلى جعل القاعدة تستحث جهودها المكثفة من أجل استهداف أهداف أمريكية.

في عيد الميلاد 2009، حاول التنظيم، بمساعدة عضو نيجيري متدربٍ في اليمن، تفجير طائرة أمريكية وإسقاطها أرضا. وصل الناشط، عمر فاروق عبد المطلب، إلى اليمن من أجل التدرب على العملية ضد الولايات المتحدة. لقد استقل الطائرة عائدا إلى إفريقيا والقنبلة مخبأة في سرواله. ثم من إفريقيا استقل طائرة أخرى إلى هولندا ومن هناك إلى دترويت. حين كانت الطائرة في أجواء الولايات المتحدة، حاول عبد المطلب تفجير القنبلة لكن بعد عطل فيها بدأت تشتعل ولم تنفجر. نجح طاقم الطائرة والأمن في السيطرة على الاشتعال والمخرب، والذي حُكم عليه بالمؤبد في الولايات المتحدة.

أنور العولقي، مسؤول التنظيم الرفيع الذي اغتيل في 2011

في محاولة أخرى، أرسل نشطاء القاعدة قنابل متفجرة مخبأة في عبوات حبر للطابعات من اليمن للولايات المتحدة. كان يُفترض على ما يبدو أن تنفجر القنابل والطائرة محلقة في الجو لكن التفجير مُنع بفضل معلومات استخبارية وصلت من الاستخبارات السعودية. لقد ضُبطت إحدى القنابل في مطار دبي بعد أن أرسِلت من اليمن للدوحة، عاصمة قطر، ومن هناك للإمارات. اتخذت القنبلة الأخرى طريقها لدبي، وأرسِلت لألمانيا، حتى ضُبطت في المحطة الثالثة فقط في مطار بريطانيا وتم تفكيكها.

حين فشلت هذه العملية، وجدت القاعدة في شبه الجزيرة العربية طرقا أخرى للتفجير في قلب الولايات المتحدة، بواسطة الدعاية في الإنترنت وتجنيد مفجرين عن بعد. قُتل 13 جنديا أمريكيا حين قام جندي أمريكي مسلم يدعى نضال حسن، والذي تواصل مع الواعظ اليمني الأمريكي للقاعدة، أنور العولقي، عبر البريد الإلكتروني، بإطلاق النار في قاعدة أمريكية في بورت هود في تكساس. قُتل العولقي نفسُه بعد ذلك في هجوم طائرة بلا طيار سنة 2011.

نجحت الذراع اليمنية للقاعدة في استهداف المواصلات البحرية في منطقة اليمن والخليج الفارسي. حتى في تشرين الأول 2000، نجح التنظيم في إطلاق قارب بحري محمل بـحوالي 270 كيلوغراما من المواد المتفجرة كي تنفجر بقرب حاملة الطائرات الأمريكية التي توقفت توقفا عاديا للتزود بالوقود في ميناء عدن. لقد أدى التفجير إلى موت 17 جنديا بحريا أمريكيا وأوقع أضرارا تفوق 250 مليون دولار لحاملة الطائرات. سنة 2010، نجحت القاعدة في إصابة ناقلة نفط يابانية مرت من مضيق هرمز، على مشارف الخليج العربي.

في السنة الفائتة وجهت القاعدة في شبه الجزيرة العربية مجهودها في مجابهة انتشار المتمردين الحوثيين واستفرغت وسعها في تنفيذ عمليات كبرى في اليمن. بعد أيّام معدودة فقط من دخول المليشيات الشيعية إلى العاصمة صنعاء، نشر التنظيم بيانا أعلن فيه أن الشيعة كفرة ودعا السنيين إلى حمل السلاح وقتالها. عمليا، لقد خدم التمرد الحوثي تنظيم القاعدة اليمني حيث اضطر الجيش اليمني إلى نقل قواته من الجنوب، التي تقاتل ضد القاعدة، إلى المحافظات الشمالية بغية كبح جماح اجتياح المتمردين الحوثيين. منذ أيلول، تولى التنظيم المسؤولية عن 150 عملية إرهابية في أرجاء الدولة، منها أهداف عسكرية يمنية وأهداف أجنبيه في اليمن.

مظاهرة في اليمن ضد العنف والإرهاب (AFP)
مظاهرة في اليمن ضد العنف والإرهاب (AFP)

لقد قامت القاعدة بهجومين ضد سفارة الولايات المتحدة في اليمن، أصيب فيها رجال الأمن هنالك، ومحاولة اغتيال فاشلة للسفير الأمريكي في اليمن. في عملية أخرى في شهر كانون الأول الأخير، قام نشطاء التنظيم بهجوم ضد قاعدة تابعة لجنود أمريكيين في اليمن. ادعى التنظيم أن الحديث عن عملية انتقام على عملية فاشلة قام بها الجيش الأمريكي في محاولة لإطلاق سراح صحفي اتُخذ رهينة لدى القاعدة، قُتل في العملية عدة نشطاء من القاعدة. يضافُ أن التنظيم قد نفذ هجوما بواسطة سيارة مفخخة ضد السفارة الإيرانية في صنعاء، مدعيا أن إيران تُسلح وتدعم المتمردين الحوثيين.

يثبت آخر هجوم في باريس أن القاعدة في شبه الجزيرة العربية رغم وجودها في ذروة معركة عسيرة ونازفة في أرضها، ما زالت تمتلك قدرات ميّزتها في السنوات الماضية: استهداف أهداف بعيدة بواسطة مبعوثين، استعمال وسائل دعائية ووسائل متنوعة. إصرار القاعدة على إصابة أهداف أمريكية شديد للغاية بسبب الضرر الكبير الذي سببته عمليات القصف من الطائرات الأمريكية بلا طيار في اليمن، التي أودت بنشطاء عديدين ومنهم مسؤولو تنظيم رفيعو المستوى. مع ذلك، سيكون الهجوم التالي المرتقب على ما يبدو مفاجئا وغير متوقع كسابقه.

نشر هذا المقال لأول مرة على موقع الشرق الأدنى

اقرأوا المزيد: 998 كلمة
عرض أقل
قناة السويس المصرية (AFP)
قناة السويس المصرية (AFP)

أمل وتحدّيات في الطريق إلى قناة السويس

تتوقع الحكومة المصرية أن يزيد توسيع قناة السويس الإيرادات منها حتى مبلغ 13.5 مليار دولار في المرحلة النهائية

حفّزت المشاريع الوطنية دائما مخيّلة المصريين، وأثارت آمالا لمستقبل أفضل، ولتحسين الوضع الاقتصادي لبلاد النيل، التي تكافح منذ عقود طويلة ضد صعوبات اقتصادية وفقرا آخذا بالازدياد. كان طبيعيا ومطلوبا أن يبدأ الرئيس المصري الجديد، عبد الفتاح السيسي، توليه للمنصب بالإعلان عن مشروع وطني ضخم من شأنه أن يحقّق أرباحا ضخمة لتمويل مصر ولإنشاء الآلاف من أماكن العمل الجديدة لجموع الشباب العاطلين عن العمل في البلاد. في شهر آب الماضي، ألقى السيسي قنبلة عندما أعلن نيته بتوسيع قناة السويس الحالية وتحويل منطقة القناة إلى مركز دولي للتجارة، الخدمات، والصناعة.

ليست فكرة توسيع قناة السويس وإضافة مسار مواز فكرة جديدة، وقد تم طرحها عدة مرات في فترة حكم السادات ومبارك، ولكنها رُفضت حينذاك لعدم وجود تمويل كاف. تُعتبر قناة السويس، التي تم حفرها في القرن التاسع عشر بتعاون بريطاني – فرنسي والتي تصل بين البحر الأبيض المتوسّط والبحر الأحمر، أحد الموارد الوطنية الأهم في مصر، حيث تصل رسوم الإبحار في القناة إلى نحو 5 مليار دولار سنويا. تتوقع الحكومة المصرية الآن أن يزيد توسيع قناة السويس الإيرادات منها حتى مبلغ 13.5 مليار دولار في المرحلة النهائية. على نفس القدر من الأهمية، تم إطلاق مشروع توسيع القناة كمشروع وطني بكل معنى الكلمة. جرى تمويل المشروع في معظمه من قبل الشعب المصري، حيث أصدر المصرف المركزي في مصر “رسوم استثمار” في مشروع القناة لعامة الشعب، مع عائد مضمون بنحو 12%. تم إطلاق هذه الرسوم بمبالغ منخفضة نسبيًّا، بين 10 إلى 1000 جنيه مصري، ممّا يسمح للمصريين العاديّين، وليس فقط أصحاب الأموال، بالمشاركة في تمويل المشروع والاستفادة من العائد السخيّ الذي سيتحقّق.

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي (AFP)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي (AFP)

وفعلا، فقد أعرب الجمهور المصري بوضوح عن ثقته بالمشروع الوطني الجديد، حيث بعد ثمانية أيام فقط تم تجنيد مبلغ يصل نحو 8 مليار دولار، كله تقريبًا من قبل مستثمرين من القطاع الخاص. ويبدو أن هذا الانقضاض قد جاء نتيجة للعائد السخي الذي تم وعد المستثمرين به، ولكن يمكن بالتأكيد أن نرى فيه أيضًا تعبيرا عن الثقة بالحكم الجديد. بالإضافة إلى ذلك، فمن المُفترض أن يعالج المشروع الضخم العديد من الصعوبات التي تواجهها البلاد، بما في ذلك إنشاء مليون مكان عمل جديد، إنعاش الاقتصاد المصري ومواجهة الازدحام الذي لا يُطاق في القاهرة من خلال تطوير مدن منطقة القناة: الإسماعيلية، السويس وبورسعيد.

ولكن رغم الحماسة الأولية، فلدى المستثمرين أنفسهم وللحكومة المصرية عدّة أسباب وجيهة للخوف على مستقبل المشروع الطموح. تتصدر هذه الأسباب التقاليد غير الرائعة في إقامة المشاريع الوطنية في مصر. انتهت آخر مرة أعلنت فيها الحكومة عن مشروع طموح يُعالج مشاكل مصر الديمغرافية والاقتصادية، بخيبة أمل قاسية. كان المشروع الذي سُمّي “توشكا” يستند إلى فكرة بسيطة بحسبها يتم ضخّ المياه من بحيرة ناصر، التي تجمّعت نتيجة بناء السدّ على نهر النيل في أسوان، من خلال قنوات إلى الصحراء الغربية لتصبح الأراضي هناك صالحة للزراعة. وذلك بواسطة إحياء الأراضي الصحراوية على نطاقات واسعة ومن خلال إنشاء أماكن عمل لمئات الآلاف وتخفيض الضغط عن المراكز السكانية المزدحمة. ولكن المشروع، الذي بدأ بناؤه عام 1997، وواجه صعوبات عديدة كنتيجة لسوء التخطيط، وصعوبة في تحقيق أهدافه، حتى وصل الأمر إلى أن تعلن الحكومة عام 2005 بأنّه قد تم تقليص الأهداف بشكل كبير وتمديد موعد إتمام المشروع لخمس سنوات.

هناك من يدّعي أنّ نفس الغطرسة وانعدام التخطيط اللذين أفشلا “توشكا” من المفترض أن يُفشلا أيضًا المشروع الحالي. تم تحديد موعد إتمام العمل لعام واحد، وهو غير واقعي في نظر الكثيرين، وبالطريقة المتسرّعة التي أُطلق المشروع بها، بقي العديد من الأسئلة مفتوحًا بخصوص قدرته على تلبية التوقعات. قريبا من بداية الأعمال، واجهت الحفارات مياه جوفية في مسار الحفر، والتي أدت إلى إغراق موقع الحفر وتأخير العمل. من المرتقب أن تزيد التأخيرات الناجمة عن الحفر في طريق المياه الجوفية من تكلفة الأعمال بشكل ملحوظ بنسبة تصل إلى 10 أضعاف، كما أفاد هيثم عواد، بروفيسور في الهندسة والذي أجرى مقابلة في الموضوع على قناة العربية. في الواقع، يبدو أنّ مخطّطي المشروع قد تجاهلوا توصيات المهندسين، الذين قالوا إنّ المسافة بين المسار الجديد الذي تمّ حفره وبين القناة الحالية ينبغي أن تكون 1.5 كيلومتر على الأقل، بينما في الواقع فإنّ المسافة أقل من نصف هذا النطاق.

قناة السويس المصرية (AFP)
قناة السويس المصرية (AFP)

ولكن حتى لو حقّق المصريون غايات البناء، تثور أسئلة حول قدرة المشروع على تلبية التوقعات المالية. كما ذكرنا، يتوقع المصريون عائدا بقيمة 13.5 مليار دولار سنويا، كنتيجة لمضاعفة قدرات حركة المرور في القناة الجديدة. ولكن ودون علاقة للبنى التحتية الجديدة، فإنّ مضاعفة الحركة في القناة متعلقة بحجم التجارة الدولية والطلب على خدمات المرور من خلالها. أشار خبراء اقتصاديون درسوا الموضوع لعدد من المواقع الإعلامية إلى أنّ التخمين الذي يقول إنّه حتى عام 2023 ستتم مضاعفة الحركة في قناة السويس، ليس واقعيّا، لأنّ حجم التجارة الدولية ينمو بنسبة نحو 2% إلى 3% في العام الواحد فقط، ولا يتضمن ذلك أوقات الركود الاقتصادي. تتحدّث بعض التقديرات عن عوائد إضافية بقيمة 200 حتى 300 مليون دولار فقط في السنة كنتيجة لإتمام مشروع القناة. وعلاوة على ذلك، فستُضطرّ قناة السويس الجديدة للتنافس مع مشاريع يتم بناؤها في المقابل لتوسيع وتطوير قناة “بنما” وحفر قناة جديدة في نيكاراغوا. قد تُوجّه هذه المشاريع بعضا من حركة الملاحة البحرية التي تمرّ من خلال قناة السويس من آسيا إلى الشواطئ الشرقية للولايات المتحدة في المسارات البديلة. تضر هذه التوقعات بشكل خاصّ على ضوء الالتزام بالعوائد العالية للمستثمرين في المشروع من قبل الحكومة المصرية، وهو الالتزام الذي من شأنه أن يحمّل أعباء ثقيلة على ميزانية الدولة.

وبالإضافة إلى المشكلات الاقتصادية والتخطيطية، يجذب المشروع معارضة من قبل منظّمات الحفاظ على البيئة والعلماء الذين يقولون إنّ توسيع القناة قد يؤدي إلى عواقب وخيمة نتيجة لزيادة تغلغل الأنواع من المحيط الهندي والبحر الأحمر إلى حوض البحر الأبيض المتوسّط. ويخشى العلماء أن تنتشر بعض الأنواع الجديدة التي ستصل من المحيط الهندي بلا هوادة وأن تلحق الضرر بالتوازن البيئي في البحر الأبيض المتوسّط.

ولكن رغم المشاكل المحتملة، فإنّ المشروع يثير الكثير من الأمل في مصر، والتي عانى اقتصادها كثيرا من عدم الاستقرار السياسي والأمني منذ ثورة 2011. تستعد مصر لعقد مؤتمر اقتصادي دولي والذي من المقرّر عقده في القاهرة في شهر آذار القريب، وستُبذل كل الجهود لعرض التقدّم حتى ذلك الحين، على أمل استعادة المستثمِرين الأجانب إلى البلاد والذين تجنّبوا المجيء إليها في السنوات الأخيرة. إنّ مشروع توسيع قناة السويس عنصر هامّ في الرؤية الاقتصادية لمصر الجديدة.

نُشر هذا المقال للمرة الأولى في موقع “الشرق الأدنى”

اقرأوا المزيد: 967 كلمة
عرض أقل
جامعة الدول العربية (AFP)
جامعة الدول العربية (AFP)

الاتحاد المكسور: الجامعة العربية والأزمة الإقليمية

إنّ الوظيفة الرئيسية للمنظّمات الإقليمية أو الدولية هي العمل من أجل حلّ النزاعات وضمان الاستقرار والأمن، إلى جانب تطوير التعاون في المجالات الاقتصادية، الثقافية وغيرها. ولكن فاعلية تلك المنظّمات في أداء رسالتها غالبا ما تكون محدودة

المنظمة الإقليمية التي تربط الدول العربية، الجامعة العربية، هي المنظّمة الإقليمية الأقدم في الواقع اليوم، ورغم ذلك، فقد فشلت هذه المنظّمة في تهدئة العنف الذي هو تقريبا غير مسبوق والذي ينتشر في المنطقة في السنوات الأخيرة. وتطرح هذه الحقيقة السؤال التالي: كيف يمكن توصيف نشاط الجامعة على مرّ السنين، وكيف أثّر على استقرار المنطقة، التي تعيش اليوم حالة من الفوضى أكثر من أي وقت مضى؟

السيد نبيل العربي أمين عام جامعة الدول العربية (AFP)
السيد نبيل العربي أمين عام جامعة الدول العربية (AFP)

تأسّست الجامعة العربية، أو جامعة الدول العربية، في شهر آذار من عام 1945 حيث كان في عضويتها 6 دول فقط. كانت تلك الدول هي مصر، العراق، إمارة شرق الأردن، لبنان، المملكة العربية السعودية وسوريا. وانضمّت بعد ذلك اليمن إلى صفوفها فورا، واليوم هناك 22 دولة عضو لغتها الرسمية هي العربية (من بينها فلسطين، الممثّلة من قبل قيادة منظمة التحرير الفلسطينية) و 3 دول مراقبة ليست عربية. والهدف الرئيسي الذي قامت الجامعة من أجله هو تقريب وتعزيز العلاقات بين الدول الأعضاء، لتنسيق التعاون وتطوير المصالح الاقتصادية للعالم العربي. كل ذلك من خلال ضمان استقلال وسيادة مختلف الدول الأعضاء. وبشكل شبيه للأمم المتحدة، فتحت هذه المنظمة أيضا تعمل لجان ولجان فرعية في مجالات التعليم، الثقافة، الاقتصاد ومجالات أخرى. المجال الرئيسي للمنظمة هو مؤتمر الجامعة الذي يُستخدم للتصويت، إطلاق التصريحات ومحاولات الوساطة في الصراعات، التي تندلع بشكل متكرّر منذ تأسيسها.

تأسّست جامعة الدول العربية، في شهر آذار من عام 1945 حيث كان في عضويتها 6 دول فقط. كانت تلك الدول هي مصر، العراق، إمارة شرق الأردن، لبنان، المملكة العربية السعودية وسوريا

لقد تأسست ونمت الجامعة العربية إلى جانب موجات القومية العربية القوية، مثل الحكم الناصري في مصر وأنظمة البعث، التي رأت في الأمة العربية جسدا واحدا تمّ تقسيمه من قبل قوى أجنبية. ومع ذلك، فقد واجهت هذه الرؤية معارضة من قبل عناصر قوة محافظة وجدت فيها خطرا على مصالحها بل تهديدا لوجودها. ويمكننا أن نكتشف بسهولة صراعات القوة التي أضرّت بالوحدة العربية. فقد وضع الصراع على الهيمنة وقيادة العالم العربي في سنوات الخمسينيات والستينيات كلا من مصر والعراق في مسار تصادمي. وجرى صراع آخر بين الملكيات المحافظة مثل الأردن والسعودية في مواجهة الأنظمة الثورية مثل “الضباط الأحرار” في مصر أو نظام القذافي في ليبيا. ونتيجة لذلك، عانت الجامعة العربية من خصومات داخلية وتضارب للمصالح والتي جعلتها منظّمة مصابة بالشلل إلى حدّ ما. أيضًا الخطوات العالمية، وعلى رأسها الحرب الباردة، أنشأت استقطابا في صفوف أعضاء الجامعة العربية، حيث انتمى معظمهم إلى الكتلة السوفياتية، وبدأ غيرهم يميل أكثر فأكثر إلى اتجاه حلف شمال الأطلسي والغرب. ثمّ بعد ذلك كانت حرب الولايات المتحدة ضدّ العراق، والتي فرّقت مرة أخرى أعضاء الجامعة. في الماضي غير البعيد فرّقت العالم العربي الخصوماتُ بين حلفاء إيران في المنطقة وبين الأنظمة السنية الحليفة للولايات المتحدة، حيث أضيف اليوم عامل آخر للانقسام متمثّلا بحركات الإسلام السياسي، التي تحظى بدعم قطر ولكن يُنظر إليها كتهديد وجودي من قبل الأنظمة الأخرى في المنطقة مثل السعودية، مصر والإمارات العربية المتحدة.

لجان جامعة الدول العربية المصغرة (AFP)
لجان جامعة الدول العربية المصغرة (AFP)

أوجدت كثرة النزاعات بين الدول الأعضاء صعوبة كبيرة في تحقيق توافق للآراء بشأن أية قضية على جدول الأعمال، ناهيك عن صياغة سياسة واضحة على المدى البعيد من شأنها أن تسهم في الاستقرار الإقليمي. أظهرت دراسة نُشرت في أواخر العقد الماضي أنّه من بين 36 حربا كبيرة بين الدول في المنطقة، شاركت الجامعة في 7 فقط، ومن بين 22 حالة من الحرب الأهلية، انضمّت المنظمة للعمل السياسي في 5 حالات فقط. وتفسير ذلك ليس كامنا فقط في المصالح المتضاربة وصراعات النفوذ لدى الدول الأعضاء، حيث أنّ هناك عيوبا هيكلية تلقي بظلالها على عمل الجامعة: في التصويت الذي يُعقد في مؤتمر الجامعة، فقط الدول التي تصوّت لصالح قرار ما هي الملزمة بتنفيذه. ليست لهذه القرارات أية دلالة للإلزام تجاه سائر أعضاء الجامعة، مما يضرّ جدا بقدرتها على صياغة سياسة موحّدة وفرض التسوية على الصراعات.

أظهرت دراسة نُشرت في أواخر العقد الماضي أنّه من بين 36 حربا كبيرة بين الدول في المنطقة، شاركت الجامعة في 7 فقط، ومن بين 22 حالة من الحرب الأهلية، انضمّت المنظمة للعمل السياسي في 5 حالات فقط

أنشأت هذه العوامل وغيرها ممّا يضيق المجال عن ذكره للمنظّمة في العقد الحالي سمعة الجسد الكسول والفاقد للأسنان. بل كان هناك من وصفها بـ “جامعة المستبدّين”. أخذت هذه الصورة منعطفا في عام 2011 مع اشتعال “الربيع العربي”. في مأزقها بين الولاء للدكتاتوريات القديمة وبين دعم الشباب في مطالب الحرّية، اختارت الجامعة الخيار الثاني، وعلى عكس الماضي، شاركت في العديد من التحرّكات الكبيرة. كانت إحدى تلك التحرّكات تعزيز العمل لتطبيق منطقة حظر طيران في ليبيا، من أجل تحييد التفوّق الجوّي للقذّافي الذي يقيم المذابح لمواطنيه. وكانت هناك خطوات أخرى مثل فرض العقوبات على سوريا، وإرسال لجنة تحقّق في أحداث الحرب الأهلية المحلية. وسواء في القضية الليبية أو السورية فقد أظهرت الجامعة موقفا قاطعا، بل وعلّقت عضوية تلك الدول من صفوفها في ذلك الوقت. في الواقع، لا يزال تعليق سوريا ساري المفعول.

ومع ذلك، فإنّ الرياح النشطة التي هبّت في أروقة الجامعة عام 2011 تلاشت، وذهب معها أمل تحقيق الاستقرار السريع في المنطقة. كان الوفد الذي أرسلته الجامعة إلى سوريا مثيرا للجدل واتّضح بأنّه غير فعال، وبدلا من العمل من أجل عملية توافقية تضع حدّا لحمّام الدم في البلاد، أصبحت الحرب الأهلية السورية “حرب المراسلين”، تُموّل فيها دول الجامعة العربية وغيرها وتفعّل جماعات مسلّحة داخل البلاد بشكل يخدم مصالحهم، ويصبّون بذلك الزيت على النار فحسب. وليست سوريا هي الحالة الوحيدة في العالم العربي التي لم تتوقف فيها الحرب منذ العام 2011، بل ازدادت. يمكننا أن نضيف إلى هذه القائمة كلا من ليبيا، اليمن وبالطبع العراق. لقد عادت الخطابات التقريرية الجوفاء، وتبادل الاتهامات لتملأ مكان الإجراءات الحاسمة على مسرح الجامعة.

من طرائف بعض الرؤساء العر في قممهم:

https://www.youtube.com/watch?v=dPfNrcYbxNI

هناك من يأمل بأنّه من خلال الأزمة الحالية ستأتي دعوة لتغيير هيكل الجامعة وطريقة عملها، بشكل مماثل للحالة الأفريقية. في أعقاب الاضطرابات التي تسبّبت بالمذبحة في رواندا عام 1994، مرّت “منظّمة الوحدة الأفريقية” (‏OAU‏) بمراجعة حقيقية، وفي عام 1999 خرجت في طريق جديد. تأسّس عام 2002 “الاتحاد الأفريقي”، والذي عزّز بخلاف سابقه الهدف النهائي للدولة، إدارة وحلّ الصراعات، وذلك على حساب مبدأ السيادة وعدم التدخّل المقدّس أيضا في خطاب تعيين الجامعة العربية. رغم أنّ أوضاع دول أفريقيا المختلفة بعيدة من أن تكون متكاملة، فإنّ المنظمة التي سمّيت في الماضي “نادي الطغاة” تقود الآن خطّا أكثر فاعلية بكثير، حيث تدخّلت في السنوات الأخيرة في العديد من مناطق الصراع من بينها ساحل العاج، بوروندي، دارفور، مالي وغيرها. وبخلاف الجامعة العربية، فإنّ قرارات “الاتحاد الأفريقي” ملزمة لجميع الأعضاء فيه، وهو أمر يمكّنه من صياغة سياسة موحّدة وحاسمة. بالإضافة إلى ذلك، تكثر المنظّمة من فرض عقوبات على أعضائها الذين لا يحذون حذوها، وهذا بخلاف الجامعة العربية التي فرضت بجهود كبيرة عقوبات (والتي هناك شكوك حول فاعليّتها) في بضع مرات فقط في السنوات الأخيرة.

القضية التي تحظى بتوافق الآراء هي نضال الشعب الفلسطيني نحو الاستقلال. الاقتراحات والقراءات المهتمّة بهذه القضية مثل فرض العقوبات على إسرائيل، أو بدلا من ذلك مبادرة السلام العربية؛ حظيت مرات عديدة بإجماع لدى الدول الأعضاء في الجامعة

ليس دقيقا أن نقول بأنّ دول الجامعة العربية لا تحمل آراءً توافقية إطلاقا. القضية التي تحظى في غالب الأحيان بتوافق الآراء هي نضال الشعب الفلسطيني نحو الاستقلال. إنّ الاقتراحات والقراءات المهتمّة بهذه القضية مثل فرض العقوبات على إسرائيل، أو بدلا من ذلك مبادرة السلام العربية؛ حظيت مرات عديدة بإجماع لدى الدول الأعضاء في الجامعة. ولكن في الوضع الراهن بالإضافة إلى مرات عديدة في الماضي، فإنّ القضية الفلسطينية قد “ابتُلعت” من قبل قضايا أكثر إلحاحا، مثل الكفاح من أجل القضاء على “الدولة الإسلامية” في أراضي الشام.

تتجسّد جميع الظواهر المذكورة هنا بشكل جيّد في قمّة الجامعة العربية الأخيرة التي عُقدت في شهر آذار في الكويت. لقد رفضت الدول المشاركة فكرة الاعتراف بدولة إسرائيل، ولكنها فشلت في الاتفاق على القضايا الأخرى. لقد استُخدم مسرح الجامعة بشكل أساسي لتبادل الاتهامات. جدل شديد في موضوعات متنوعة مثل القتال في سوريا، “الإخوان المسلمون”، إيران وقطاع غزة، كل ذلك أنشأ جمودًا أدّى بقادة دول مهمّة في المنطقة مثل السعودية والإمارات إلى عدم حضور القمة الأخيرة. الحدث الذي مضى عليه يومين، لمن يتساءل، تم تتويجه كما هو معتاد بنجاح من قبل الدبلوماسيين. يبدو أنّ الأمين العام للجامعة العربية اليوم نبيل العربي والأعضاء الرئيسيين فيها يحتاجون إلى الكثير من العمل والقرارات الصعبة من أجل تغيير وجه المنظّمة وتحويلها في عامها السبعين إلى جسم حيوي ذي تأثير إيجابي في هذه المنطقة النازفة.

نشر هذا المقال لأول مرة على موقع مجلة الشرق الأدنى

اقرأوا المزيد: 1289 كلمة
عرض أقل
السيس يواسي أباً فقد إبنه في الحرب ضد الإرهاب في سيناء (AFP)
السيس يواسي أباً فقد إبنه في الحرب ضد الإرهاب في سيناء (AFP)

المشكلة الحقيقية للسيسي في مصر

صعوبة إدارة مواجهة فعالة لدى الجيش المصري ضدّ العناصر الإرهابية في سيناء مرتبطة بشكل مباشر بعداء السكان

فورًا، وبعد وقوع حادثة الإرهاب التي جرت في سيناء في 24 تشرين الأول، والتي قُتل فيها 31 جنديّا مصريا، أمر الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بسلسلة من الخطوات التي تهدف إلى زيادة كثافة وفعالية المواجهة المتواصلة التي تشنّها القوى الأمنية المصرية ضدّ العناصر الإرهابية في شبه الجزيرة وفي أنحاء البلاد. تشمل تلك الخطوات إعلان حالة الطوارئ لثلاثة أشهر في منطقة شمال سيناء، توسيع سلطات الجيش في الحرب على الإرهاب وإنشاء منطقة عازلة من 500 متر بين رفح المصرية وحدود قطاع غزة. منذ فترة طويلة، ترى مصر في حماس والمجموعات المسلّحة في غزة مسؤولين عن موجة الإرهاب التي حلّت في شبه الجزيرة. ويدل إنشاء المنطقة العازلة، التي هي مشروطة بهدم مئات المنازل لسكان رفح، على رغبة مصر في قطع العلاقة بين شبه جزيرة سيناء والعناصر الإرهابية ومراكز تهريب السلاح في غزة، وفي الاستمرار بعزل حركة حماس.

ومع ذلك، فعلى الرغم من عزم مصر على العمل في حدود غزة، فإنّ المشكلة في سيناء أعمق بكثير وتتطلّب استجابة واسعة وتشمل أكثر بكثير من الخطوات التكتيكية التي تم اتخاذها حتى اليوم. في الواقع فإنّ مشكلة سيناء، التي تفجرت مع سقوط نظام مبارك عام 2011، نضجت في شبه الجزيرة خلال عشرات السنين. بشكل تقليدي، تطرقت الحكومة في القاهرة إلى سيناء باعتباره “فناءً خلفيّا” وعانى سكانها من الإهمال والتمييز في جميع المجالات. لا يرى النظام المركزي في مصر، بالإضافة إلى أجزاء واسعة من الشعب، في بدو سيناء جزءًا أساسيّا من الشعب المصري. إنهم يعانون من وصمات باعتبارهم ممّن تعاونوا مع إسرائيل في فترة السيطرة الإسرائيلية على شبه الجزيرة، ومن اعتبارهم سكانًا بدائيين ومجرمين ومخالفين للقانون.

https://www.youtube.com/watch?v=EiGFIUY_e84

إنّ انعدام الثقة من جانب السلطات زاد فقط من صعوبة كسب السكان الفقراء والمهمَلين في شبه الجزيرة لرزقهم باحترام. إنّهم لا يتجنّدون للجيش ولقوى الأمن، بل وإنّ الصناعات المحلية في شبه الجزيرة، مثل صناعة النفط، اعتادت على استيراد عمال مصريين من وسط البلاد. حتى المنتجعات الكبيرة والمربحة في جنوب سيناء ليست ملكًا لجهات محلية، وقد أُجبر سكان المنطقة على الاعتماد في رزقهم على وظائف ثانوية بمرتّبات منخفضة، مثل قيادة سيارات الأجرة، أو تشغيل مواقع السياحة الصغيرة والبدائية. أيضا فإنّ البنى التحتيّة والخدمات العامة في سيناء مهمَلة وتنخفض في مستواها عن تلك التي في وسط البلاد.

لا يرى النظام المركزي في مصر، بالإضافة إلى أجزاء واسعة من الشعب، في بدو سيناء جزءًا أساسيّا من الشعب المصري. إنهم يعانون من وصمات باعتبارهم ممّن تعاونوا مع إسرائيل في فترة السيطرة الإسرائيلية على شبه الجزيرة، ومن اعتبارهم سكانًا بدائيين ومجرمين ومخالفين للقانون

فضلا عن ذلك، تميل السلطات المصرية إلى النظر لسيناء بشكل أساسيّ من زاوية نظر أمنية. وبشكل خاص منذ العمليات الإرهابية التي ضربت شبه الجزيرة في منتصف العقد الماضي، اعتادت القوى الأمنية المصرية على ضرب السكان المحليين بيد من حديد بهدف إخافتهم وثنيهم عن التعاون مع العناصر التخريبية. يقول البدو إنّهم يتعرضون للمضايقات والاعتداءات التعسّفية من قبل الشرطة والقوى الأمنية. إنّ صناعة الجريمة والتهريب التي ازدهرت في شبه الجزيرة على ضوء الفقر القاسي المنتشر فيها زادت فقط من التوتر بين البدو والنظام.

وقد أدى هذا الواقع من التمييز والقمع بالسكان المحليين في سيناء إلى تطوير عداء متجذّر تجاه الدولة والسلطات. وقد اشتدّ الوضع أكثر في أعقاب الإطاحة بمبارك في بداية عام 2011، والذي جرّ معه فترة طويلة من عدم الاستقرار السياسي والأمني وترك سيطرة السلطات المصرية على سيناء. تفاقمت جميع عوامل التوتر هذه، فضلا عن فقر السكان المحليين. تضرّرت مصر بسبب أزمة اقتصادية شديدة في أعقاب الاضطرابات السياسية، والذين عانوا بشكل خاصّ كانوا سكان سيناء الفقراء. لقد حرم الإضرار بالسياحة الكثير من سكان جنوب سيناء من دخلهم المتواضع وصعّب ارتفاع أسعار السلع الأساسية من حياة هذه الشريحة السكانية الهشّة أصلا. وقد أثر أيضا ارتفاع أسعار الوقود والطاقة بشكل سيّء على سكان سيناء، الذين يعيشون في منطقة صحراوية كبيرة، أكثر من تأثيره على سكان المدن في مصر.

أدى هذا الواقع من التمييز والقمع بالسكان المحليين في سيناء إلى تطوير عداء متجذّر تجاه الدولة والسلطات. وقد اشتدّ الوضع أكثر في أعقاب الإطاحة بمبارك في بداية عام 2011، والذي جرّ معه فترة طويلة من عدم الاستقرار السياسي والأمني وترك سيطرة السلطات المصرية على سيناء

وبالمقابل، تزايدت الحوافز أمام سكان شبه الجزيرة للانخراط في أنشطة غير مشروعة، وبشكل أساسي تجارة السلاح، حيث إنّ تفكّك الجيش في ليبيا أغرق مصر بأنواع مختلفة من الأسلحة. بالإضافة إلى ذلك، استغلّت العناصر الجهادية السلفية التي تم الإفراج عن كثير منها من السجن أو عادوا إلى مصر بعد الإطاحة بمبارك، الحالة الصعبة للسكان وعدائهم تجاه الدولة لأهدافهم، وبشكل أساسي لضرب القوى الأمنية المصرية وإطلاق الصواريخ تجاه إسرائيل.

https://www.youtube.com/watch?v=It8lguwJ9e4

منذ الإطاحة بالرئيس الذي ينتمي للإخوان المسلمين، محمد مرسي، ازدادت عمليات العناصر الجهادية في سيناء، والتي ترى في النظام الذي يقوده الجنرال السابق السيسي نظامًا كافرًا وغير شرعيّ. وتشير التقديرات إلى أنّ الكثير من أنصار الإخوان المسلمين أيضا توجّهوا للتطرّف في أعقاب قمع النظام للحركة ويئسوا من العملية السياسية، ممّا أدى بهم إلى الانضمام إلى حركات الجهاد السلفية. إنّ صعوبة إدارة مواجهة فعالة لدى الجيش المصري ضدّ العناصر الإرهابية في سيناء مرتبطة بشكل مباشر بعداء السكان. إنّ المعلومات الاستخباراتية والتعاون من قبل عناصر محلية هي أمور حاسمة في كلّ مواجهة ضدّ مجموعات العصابات، وغياب هؤلاء بسبب فقدان الثقة الكبير لدى البدو يصعّب الأمر على الجيش المصري. في ظلّ غياب المعلومات الاستخباراتية الموثوقة، يستخدم الجيش والقوى الأمنية في مرات كثيرة طرقًا من العقاب الجماعي، وهي طرق تزيد فقط من عداء السكان المحليين وتدفعهم إلى أذرع التنظيمات الإرهابية.

"ابن الجيش المصري". الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي (AFP)
“ابن الجيش المصري”. الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي (AFP)

وتدرك القاهرة أنّه باعتبارهم جزءًا من المشكلة، يجب على البدو في سيناء أن يكونوا أيضًا جزءًا من الحلّ، ولكن حتّى الآن فشلت جميع الأنظمة في مصر بمعالجة المشاكل التي لا تزال تتنامى فحسب. هناك خطط شاملة لتنمية شبه جزيرة سيناء قائمة منذ العام 1995، ولكن معظمها بقي في الغالب حبرًا على ورق. في الوقت الذي استطاعت الشرطة فيه في الماضي إدارة السكان من خلال علاقاتها مع رؤساء القبائل في سيناء و”شراء” تعاونهم، ففي السنوات الأخيرة ترد التقارير عن أنّ تأثير هؤلاء (رؤساء القبائل) على السكان من الشباب آخذ في التناقص، حيث يُنظر إليهم باعتبارهم دمى بيد الحكومة ويفقدون تدريجيّا احترامهم ومكانتهم.

في ظلّ غياب المعلومات الاستخباراتية الموثوقة، يستخدم الجيش والقوى الأمنية في مرات كثيرة طرقًا من العقاب الجماعي، وهي طرق تزيد فقط من عداء السكان المحليين وتدفعهم إلى أذرع التنظيمات الإرهابية

وهناك مشكلة أخرى تواجهها القوى الأمنية المصرية وهي التأثير المتزايد على السكان المحليين من قبل التنظيمات الإرهابية، وخصوصا جماعة أنصار بيت المقدس، التي تعرّف باعتبارها فرعًا مصريّا للقاعدة وتَنسب إليها أخبار كثيرة نُشرت مؤخرا عن علاقات مع تنظيم الدولة الإسلامية (داعش). لقد تحوّل جزء كبير من سكان سيناء إلى التطرّف الديني في السنوات الماضية، ويرجع ذلك جزئيّا إلى وجود العناصر الجهادية في شبه الجزيرة. ولكن أبعد من ذلك، فقد بدأ أنصار بيت المقدس في الأشهر الأخيرة بحملة مغطاة بشكل جيّد إعلاميّا لردع السكان المحليين عن التعاون مع القوى الأمنية ومع إسرائيل. على سبيل المثال، تُظهر أفلام تم رفعها مؤخرا على الشبكة من قبل عناصر التنظيم اعترافات مواطنين محليين بأنّهم تعاونوا مع الجيش أو مع إسرائيل وتُظهر رؤوسهم وهي تُقطع بأيدي ملثّمين.

https://www.youtube.com/watch?v=btD3EiQL1Lg

إنّ حملات الترهيب من هذا النوع تترك انطباعها على السكان المحليّين وقد تردع أيضًا العناصر المحلية التي ليس لديها عداء للدولة عن التعاون مع القوى الأمنية. ومع ذلك، فمن الواضح أيضًا أنّها أثارت ردود فعل من قبل بدو سيناء غير المنتمين للتنظيمات الإرهابية. نُشر في الأسبوع الماضي فيلم من قبل ميليشيا جديدة مكونة من بدو من سيناء يسمّون أنفسهم “أبناء سيناء”، ويظهر فيه أعضاء الميليشيا الملثّمين وهم يقسمون على قتال العناصر الجهادية التي تهددهم وعلى دعم جهود مكافحة الإرهاب التي تقوم بها القوى الأمنية.

وبينما يتهم السيسي “أياد أجنبية” بالتورّط في الهجمات الأخيرة، فإنّ الإجابة لمشكلة سيناء مرتبطة بالجهود المحلية أكثر ممّا يحدث في غزة. إنّ معالجة مشكلة الإرهاب في سيناء تتطلّب من قبل النظام الاهتمام بالمشكلات الجذرية للسكان البدو. ولكن من المتوقع أن تأخذ معالجة هذه المشكلات وقتًا طويلا وتحتاج إلى أن يكون هناك قتال مواز ضدّ التنظيمات الإرهابية التي تضرب الاستقرار الأمني، السياسي والاقتصادي لمصر. إنّ الموازنة بين التنمية الاقتصادية في سيناء وبناء علاقات الثقة مع السكان البدو، وبين محاربة التنظيمات الإرهابية المراوغة والوحشية هو تحدّ معقّد يميّز العديد من التحدّيات التي تواجه الرئيس المصري الجديد.

نُشرت هذه المقالة للمرة الأولى في موقع‏ Near- East‏

اقرأوا المزيد: 1265 كلمة
عرض أقل
مظاهرة "الإخوان المسلمون" في الأردن ضد إسرائيل (AFP)
مظاهرة "الإخوان المسلمون" في الأردن ضد إسرائيل (AFP)

وضع حَرِج: الإخوان المسلمون في الأردن

هل تتجّه حركة الإخوان المسلمين في الأردن نحو طريق عنيف من شأنه زعزعة ثبات المملكة، أم أنّها تُقيم هُناكَ حربًا محلّيّة بائسة تفتقر إلى السلطة الحقيقيّة؟

هزّت نداءات “الموت لإسرائيل” الصادرة من حوالي 15 ألفَ مُتظاهرٍ غاضبٍ، شوارعَ عَمّان في شهر آب الماضي. تمّ تنظيم هذه المُظاهرة، التي كان هدفها تصريحَ المُساندة لحماس باقتتالها ضدّ إسرائيل، على يد حركة “الإخوان المسلمين” في الأردن، التي استخدمتها كوسيلة لسحق الملك ونظامِه القائم. أثارت مرةً أخرى أحداثُ الشهر الأخير التساؤلَ: هل تتجه الحركة الأردنية نحو طريق أكثرَ عنفًا من شأنه أن يُضعضعَ ثبات المملكة، أم أنها تقيم هناك حربا محلّية تفتقر للسلطة الحقيقية؟

على ضوء الأحداث المأساويّة على حدودها مع سوريا والعراق، بقيت جارتنا الشرقيّة صامدة نسبيّا على طول الأعوام الأخيرة، بل حتى العقود الأخيرة. يتمّ حكمُ الدولة، منذ إقامتها، على يد النظام الملكيّ الهاشميّ، ومذ عام 1999 يحكم الدولة الملكُ عبد الله الثاني. باستثناء المؤسسة الملكيّة، يرتكز الحكم على قوانين مجلس النواب (البرلمان) الذي يشمل المجلس الأعلى للقضاء الذي يُموَّل ممثّلوه على يد الملك، والمجلس الأدنى الذي يُنتخب ممثّلوه من قِبل الشعب. يتكوّن سكان الأردن من مواطنين “أصليّين” للدولة، ومن سكان فلسطينيّين نزحوا عن أرض إسرائيل بإجبار منها في عامَيْ 1948 و- 1967. نسبة الفلسطينيّين الدقيقة في الدولة هي قضية مثيرة للجدل وتختلف فيها الآراء، وتتراوح التقديرات بحوالي 60 بالمئة.

في بداية حركة الإخوان المسلمين في الأردن في سنوات الخمسينات، قد ارتكزت العلاقات بينها وبين النظام على أسس إيجابيّة أكثر. وفّرت المملكة حصانة سياسيّة في العديد من المرات لأعضاء الحركة الذين اضطُهدوا في مصر في عهد جمال عبد الناصر، في حين ناهضَ “الإخوان” بالمُقابل مُحاولاتِ الرئيس المصري بتقويض الحكم الهشّ للملك الشاب حسين بن طلال.

مظاهرة "الأخوان المسلمون" في الأردن ضد إسرايل (AFP)
مظاهرة “الأخوان المسلمون” في الأردن ضد إسرايل (AFP)

وكجزء من العلاقات المتينة مع النظام، سُمِحَ للحركة بممارسة أنشطتها الاجتماعيّة والتربويّة بصورة قانونيّة، حتّى عندما دُفعت جميع المنظمات السياسيّة إلى خارج القانون عام 1957. بدأ النظر إلى الإخوان المسلمين وتوجّه الإسلام السياسيّ، الذين كانوا في القيادة، على أنهم تهديد جليل فقط في بداية سنوات التسعينات، في الزمن الذي سمَحَ فيه النظام لأوّل مرة المُشاركة السياسيّةَ في نطاق المجلس الأدنى لمجلس النواب. أقامت الحركة، التي نعمَت باستقلال ذاتي تنظيميّ لسنوات طويلة، حزبَ “جبهة العمل السياسيّ”، وسُرعان ما سادت وسيطرت على المجلس الأدنى. ومنذ تلك الأيام، اتّسع الصدعُ بين الحركة والنظام، حيث تعمل الحركة مرارًا وتكرارًا ساعيةً لتحقيق إصلاحات ذات طابع إسلاميّ أكبر للدولة العلمانيّة، لكنّها حُذّرت من عدم تجاوز الحدود الرفيعة بين المُشاركة السياسيّة والتهديد ضد استقرار النظام.

أثناء العقد الأول من سنوات الـ 2000، أدّت تغييرات داخليّة بقيادة الحركة إلى نهج أكثر صرامةً ضد النظام، الأمر الذي انعكس في مقاطعة انتخابات عام 2007، وانضمام قوى أخرى في المملكة بِنِداء هجوميّ من أجل إحداث الإصلاحات السياسيّة والدستوريّة المُعتبَرة. ازدادت ثقة “الإخوان” بأنفسهم أكثرَ عام 2012 إثرَ الأحداث المحلّيّة التي جرت.

أيقظ اندلاعُ الحرب بين المواطنينَ في سوريا عمليات الفصيلة السورية التابعة للحركة داخل أراضي الدولة، وذلك بعد سنوات من الاغتراب والمنفى. والأهم من ذلك، ضاعف وصول الحركة التاريخي للحكم في مصر قوّتَها وهيبتها إلى أبعد الحدود. أدّت هذه التطورات، التي دعمت الجماعة الأردنيّة، إلى أنْ تعمل بصورة لاذعة أكثر مما سبق. وعلاوة على ذلك، تدخّلت فصائل الحركة المُختلفة الموجودة في عواصم دول عربيّة، خاصة في القاهرة والدوحة، بصورة مُباشرة في السياسة الأردنيّة. ومثال على ذلك، إقالة عبد المجيد ذنيبات، قائد سياسيّ أردنيّ وعضو مجلس الشيوخ، في كانون الثاني عام 2012 على يد الملك. في هذه المرحلة، تعاونت الحركة مع قادة القبائل وتابعي المُعارضة العلمانيّة على إنشاء مُظاهرات كثيرة ضد سياسة الملك الاقتصادية-الاجتماعيّة المُختلّة.

الملك عبد الله الثاني (AFP)
الملك عبد الله الثاني (AFP)

لكن كلّما أخذ المحور الذي يحكم زمامَه “الإخوان” في مصر وحلفائهم في قطر بالترسّخِ والتوطّد، تبدأ الحركة الأردنيّة بالتلاشي. لم يكُن الانقلاب العسكريّ في مصر الذي أعاد القوات العسكريّة العلمانيّة للسلطة السببَ الوحيد لذلك. أدى أيضا التحوّل التدريجيّ للثورة السوريّة إلى سفك وحشيّ لدماء المسلمين ذا تأثير يُذكَر على مسرح السياسة الأردنيّة، إذ أدّى أيضا إلى الاشمئزاز والذعر من الحركات الإسلاميّة. قاد هذا الأمر بدوره إلى هبوط حادّ في شعبيّة الحركة. من جانب آخر، خضع كثيرون من المعسكر الإسلاميّ نفسه لتطرّف حادّ كتأثير للزوابع التي حدثت في العالم الإسلاميّ. تتقدّم الحركة السلفيّة في الأردن، كما في أماكن أخرى في العالم، بوتيرة وتسارع أكثر فأكثر. وللتوضيح، من المُقدّر أنّ 500 أردنيًّ قد عبروا الحدود وانضموا للاقتتال في سوريا مع صفوف منظمة “جبهة النصرة” المتطرّفة. كما أنّ مؤسّسَ تنظيم “الدولة الإسلاميّة” – أبا مصعب الزرقاوي، هو مناصر وتابع للسلفيّة الأردنيّة. جاء تأييد هذه الجماعات على حسابِ الفصائل الإسلاميّة الأكثر اعتدالا، ومن بينهم الإخوان المسلمون.

سبب إضافي لضعف الحركة السريع، هو الانقسام الداخليّ فيها بين أبناء الضفة الشرقيّة وأبناء الضفة الغربية – أيّ بين الأردنيّين الأصليّين واللاجئين الفلسطينيّين الذين قطنوا في الدولة والتحقوا بالحركة. تميل الجماعة الفلسطينيّة الموجودة داخل حركة “الإخوان” الأردنيّة، المرتبطة بشكل أكبر مع التوجه الهجومي المتشدّد، إلى تأييد منظمة حماس والصراع الفلسطيني العنيف بإسرائيل. يقوم مجرّد هذا التوجّه بتوسيع الصدع بين الأصوات المُعتدلة والأخرى الأكثر تشدّدا، داخلَ وخارجَ الحركة. وبالإضافة إلى هذا، تُعاني الحركة من اتهامات بصدد الفساد العارم داخلها، ومن قضايا شراء أصوات خلال الانتخابات الداخليّة التي أقيمت قبل نحو عامَيْن. في نهاية عام 2012، أبدى رحيل الغرايبة، أحد رؤساء الحركة سابقًا، مبادرة كانت إحدى أهدافها تجريد الإخوان المسلمين من احتكار الخطاب الإسلاميّ في الدولة. طمحَ الغرايبة بإقامة بديل إسلاميّ تصالحيّ وشامل أكثر، وهذا من أجل إثارة استياء ناشطي الحركة الأصليّة.

حاليّا، تتواجد الحركة على مَفرق طرق حاسم. إذ أنّ قادتها على دراية تامة بضعف تأثيرهم وتعاطف الناس معهم في الشارع الأردنيّ، وحاجتهم إلى حدوث تغيير بموازين القوى لصالحهم. وفي ذات الوقت، هم على دراية بالضعف الذي تُبديه الحركة، وبالعداء نحوها من جانب الملك عبد الله، الذي لقّبهم علنا بـ”ذئب بملابس خروف”. هناك لدى الناس مخاوف من أيّ قمع من قِبل النظام كما جرى في مصر، ويتمسكون بالعهد التاريخيّ بينهم وبين قصر المملكة. مؤخرا، كمحاولة جاهدة من قِبل الحركة لاحتلال قلوب الأردنيّين، حولوا ركوب تيار المناهضة والعداء لإسرائيل على طول حملة “الجرف الصامد”، وبانوا بعشرات الأشخاص في الشوارع في مظاهرة دعم لحماس والشعب الفلسطينيّ. نالت النداءات المُحرّضة في الشوارع دعما وزيادة في الطلب من قِبل المعارضة، من أجل تغيير علاقات الدولة مع إسرائيل. لكنّ النظام الحاليّ، الذي يشعر بثبات واستقرار نسبي أكثر، تجاهلَ هذه الادعاءات دون إعارة أي انتباه لها.

وفق ذلك، تبيّن أنّ صعود حركة “الإخوان” الأردنيّة للبرنامج السياسي اليوم، كأحد الآثار لعملية “الجرف الصامد”، هو مؤقت ولا يرتكز على قوى ذات تأثير على السياسة الأردنيّة. إذ تسير الحركة بين الأمْرَيْن – بين تحدّي النظام، وبين الحفاظ على العلاقات معه خوفا من الملاحقات. علاوة على ذلك، حقيقة كوْن النظام الأردنيّ لم يعمل على قمع تام للحركة في أراضيه بعد، كنظيره المصري الذي قام بذلك قبل زمن ليس ببعيد، تُقيّد إلى صالح المنظمة وضعفها، التي ليس لديها القوة الآن على تنفيذ أي تأثير ملموس على استقرار النظام الأردنيّ.

نُشرت المقالة لأوّل مرة في موقع مجلة “الشرق الأدنى – Near East”.

اقرأوا المزيد: 1031 كلمة
عرض أقل
باسم يوسف، الإعلامي المصري صاحب البرنامج الساخر "البرنامج" (AFP)
باسم يوسف، الإعلامي المصري صاحب البرنامج الساخر "البرنامج" (AFP)

البرامج العربية الساخرة: حرية في تراجع

موجة البرامج الساخرة في العالم العربي لا تهددها فقط الأنظمة المتهاوية التي تجد صعوبة في السيطرة على ما يتم فعله على شبكة الإنترنت. الكثير من الأشخاص في المجتمع العربي يعارضون هم أيضًا تلك القضية الجديدة واللاذعة

واحدة من تأثيرات الربيع العربي كانت فتح مجال الحوار الجماهيري. ظهرت، مع التوسع المفاجئ لنطاق حرية التعبير، مسألة جديدة – قديمة في وسائل الإعلام في الشرق الأوسط: برامج سياسية ساخرة لاذعة وقاسية.

جاءت هذه الظاهرة لترتبط مع الإحباط العام للكثير من المواطنين من النظام القديم وحازت على نجاح أولي باهر، رغم أن الطريق إلى ذلك لم يكن سهلاً ومستقبل هذه الظاهرة يبدو كئيبًا.

فرض حكام الدول العربية، حتى عام 2011، أنظمة استبدادية وقمعية لم تترك لحرية التعبير سوى زاوية صغيرة جدًا ذات حدود واضحة جدًا ومقيّدة. وجدت البرامج السياسية الساخرة، نتيجة لذلك، صعوبات في تلك المرحلة “بأن ترفع رأسها” وحتى من كانوا يفعلون ذلك كانوا يفعلونها بشكل قانوني وكانوا حذرين من عدم تحدي النظام القائم. مثلاً، يتم ومنذ 14 عامًا وخلال شهر رمضان، على شاشة التلفزيون السعودية، المسلسل الاجتماعي الساخر “طاش ما طاش” الذي يُعتبر واحدًا من البرامج الأكثر شعبية في المملكة. إضافة إلى ذلك، يُعرض البرنامج على قناة MBC التي تخضع لمرجعية حكومية، وهي محدودة جدًا من ناحية النقد الذي يمكن توجيهه ضد النظام والتواصل مع متطلبات جيل الشباب بالإصلاح والتغيير.

ألزمت الثورات، التي عصفت بالعالم العربي، الأنظمة أيضًا؛ التي صمدت بوجه تلك العاصفة، بالتأقلم مع الواقع الجديد وإعطاء حرية التعبير مساحة أكبر. وكانت شبكات التواصل الاجتماعي هي التي حفزت ذلك الجوع المتجدد للنقد الساخر ضد الأنظمة السياسية كما وفرت منبرًا جماهيريًا وغير قابل للمراقبة حتى لمقاطع الفيديو، رسوم الكاريكاتير والنقد اللاذع.

http://www.youtube.com/watch?v=Vq1sojZseN0

هناك أمثلة كثيرة على ذلك: فقد انتشرت في تونس سلسلة رسومات كوميكس ساخرة، على الفيس بوك تحت عنوان “كابتن خبزة” والتي تتحدث عن متظاهر تونسي يتسلح برغيف خبز بدل السلاح. وفي السعودية هناك برنامجان ؛على اليوتيوب، يحققان نجاحًا كبيرًا وعنوانهما “لا يكثر” و “على الطاير”. حتى في سوريا، التي ما زالت تنزف، تُعرض برامج مختلفة على الشبكة تشير إلى النقد الهام للجيل الشاب وتسخر من الوضع المزري للدولة.

إلا أن، موجة البرامج الساخرة في العالم العربي لا تهددها فقط الأنظمة المتهاوية التي تجد صعوبة في السيطرة على ما يتم فعله على شبكة الإنترنت. يعارض الكثير من الأشخاص في المجتمع العربي أيضًا تلك القضية الجديدة واللاذعة. تجد المؤسسات الدينية، والأوساط المحافظة في تلك المجتمعات، صعوبة كبيرة بتقبل النقد السياسي الساخر ويدعون أن تلك الظاهرة جاءت لتنتقد النظام السياسي فقط ولا تحمل أي انتقادات بناءة. هنالك اتهام آخر ضد تلك البرامج الساخرة وهو أن تلك البرامج تحفر في عمق القيم الإسلامية الأساسية، وما هو ممكن في الدول الغربية المستهترة لا يجوز في العالم الإسلامي، الذي، حسب ادعائهم، يجب أن يكون مبني على أساس الشريعة الإسلامية.

https://www.youtube.com/watch?v=k1zXv66FfSQ

لا شك بأن المثال الأبرز على البرامج السياسية الساخرة التي ظهرت بعد “الربيع العربي” هو برنامج الإعلامي المصري باسم يوسف والذي تعكس قصته وضع تلك الظاهرة في السنوات الأخيرة وفي هذه الأيام.

يوسف، هو طبيب جراح، جمع حوله بعض رفاقه المقربين بتأثير “ثورة الـ 25 من يناير” وبدأ بإنتاج برنامج سياسي ساخر سري على الشبكة. تحوّلت سلسلة مقاطع الفيديو، التي مدة كل منها خمس دقائق واسمها “The B+ Show”، إلى مادة كثيرة المشاهدة بشكل سريع. تحوّل باسم يوسف، الذي صرح أنه متأثر جدًا من أسلوب جون ستيوارت وبرنامج “The Daily Show”، إلى أشهر اسم بالنسبة لرواد شبكة الإنترنت في الشرق الأوسط.

ضمت القناة التلفزيونية المصرية ONTV ، بعد 3 أشهر و 5 ملايين مشاهدة في اليوتيوب، يوسف لطاقم عملها وأنتجت برنامجه “البرنامج”. أعطى نجاح الجراح المصري المفاجئ الإلهام للكثيرين في العالم العربي وتمت دعوته في حزيران من العام 2012 إلى برنامج جون ستيوارت. حظي يوسف بالكثير من الإشادة من مقدم البرامج الأمريكي الشهير والذي جاء لاحقًا حتى إلى القاهرة وحل ضيفًا على برنامج يوسف.

تونس، الدولة التي أشعلت "الربيع العربي" (AFP)
تونس، الدولة التي أشعلت “الربيع العربي” (AFP)

تم بث الموسم الثاني من برنامج “البرنامج” على شبكة الـ CBC الرئيسية، في قلب القاهرة وأمام جمهور حي وفي أستوديو ضخم. استمر يوسف بتوجيه انتقاداته اللاذعة ضد الذين كانت في أيديهم السلطة، محمد مرسي وحركة “الإخوان المسلمين”. حظي البرنامج بنسبة مشاهدة كبيرة جدًا، حيث تم تسجيل 24 مليون مشاهدة في التلفزيون وأكثر من 184 مليون مشاهدة على الإنترنت. بدأ، بالمقابل، بالكتابة في الصحيفة المستقلة “الشروق” وحتى أنه جاء ضمن قائمة الـ 100 شخصية الأكثر تأثيرًا في العالم حسب صحيفة “التايمز”.

إلا أنه في الوقت ذاته تم إطلاق الكثير من الشكاوى على محتوى البرنامج، من قبل الكثير من المواطنين، الذين اتهموه بمعاداة نظام الحكم والإسلام، إلى جانب ملاحقته المتزايدة من قبل السلطات. عاد البرنامج للظهور ثانية بعد 4 أشهر من التوقف؛ في تشرين الثاني 2013، ولكنه عاد ليترك أثرًا سلبيًا لدى الجمهور المصري. في هذه الأثناء أثار يوسف حفيظة المؤسسة العسكرية العليا، الرئيس المؤقت عدلي منصور، والكثير من مؤيدي “ثورة الـ 30 من حزيران”، الذي أسماها يوسف بالانقلاب العسكري. لم ينظر الرئيس المصري الجديد؛ عبد الفتاح السيسي، إلى التهكم السياسي لباسم يوسف على أنه شيء جيد، حيث أن ذلك النقد كان يتحدى في كل مرة حدود حرية التعبير في البلاد التي راحت تضيق شيئًا فشيئًا على إثر الانقلاب العسكري في تموز 2013. على إثر الضغط الاجتماعي والسلطوي قررت شبكة قنوات CBC أن تنأى بنفسها عن تقديم البرنامج المثير للجدل ووقف بثه. بدأ النائب العام المصري، إضافة إلى ذلك، بتحويل جزء من الشكاوى إلى تحقيقات جنائية ضد يوسف.

http://www.youtube.com/watch?v=FA7wIHOUsWQ

لم ييأس طاقم البرنامج، ففي شهر شباط من العام 2014، عاد البرنامج للظهور على شاشة “MBC مصر”. ولكن، استمر الواقع السياسي الخانق بمطاردة البرنامج وتم توقيفه خلال الانتخابات الرئاسية المصرية التي أُجريت في العام ذاته لأن القابضين على خيوط السلطة لم يرغبوا بأن يؤثر البرنامج على رأي الجمهور في هذه الفترة الحساسة.

كان من المفترض أن يعود البرنامج للعرض ثانية ولكن كان يتم دائمًا اقتطاع مواد تنتقد الانتخابات. جاء الضغط الجماهيري أخيرًا بنتيجة حيث صرح يوسف في شهر حزيران، خلال مؤتمر صحفي، أنه تم إلغاء البرنامج نزولاً عند رغبة قناة MBC . وفي تصريح له قال يوسف: “لا تلائم الأجواء في مصر عرض برنامج سياسي ساخر… تعبت من الصراع من أجل أمني الشخصي وأمن عائلتي”. اعتبر كثيرون أن إلغاء البرنامج هو ضربة قاسية لحرية التعبير في مصر والعالم العربي عمومًا.

وجدت البرامج السياسية الساخرة منبرًا لها على إثر أحداث “الربيع العربي”، سواء كان على القنوات التلفزيونية أو على مواقع التواصل الاجتماعي. تُرجم إحباط الجيل الجديد، من النظام القديم والواقع الذي لا يُحتمل، إلى مزاح ناقد وتهكمي وحظي بنجاح منقطع النظير.

إلا أنه كما يمكننا أن نرى من خلال تجربة باسم يوسف أنه كلما صارت هناك يقظة وتراجع للشكوك التي لفت الثورات العربية، تتعزز قبضة السلطات المحكمة. يمكننا فقط، في هذا الواقع، أن نتمنى أن حرية التعبير والبرامج السياسية الساخرة في العالم العربي لم تقل نكتتها الأخيرة.

نُشرت هذه المقالة لأول مرة على موقع مجلة الشرق الأدنى

اقرأوا المزيد: 1007 كلمة
عرض أقل