سابينا عبدولايب

سابينا عبدولايب تكتب رسالة الدكتوراة في قسم علوم الشرق الأوسط في جامعة بن غوريون بالنقب، تحت إشراف د. محمد العطاونة. موضوع البحث هو الحوار الخاص بالتيار المركزي في الإسلام بعد أحداث 11 أيلول 2001 وعلاقته الدينية مع "الآخر".
مجلة ال- 99
مجلة ال- 99

أبطال خارقون إسلاميون ينقذون العالم

رسامات ورسامون مسلمون يحتجون على العرض من جانب واحد للإسلام في قصص مصوّرة صُنعت في الغرب، ويديرون كفاحا مشتركا للجميع: ضدّ الآراء المسبقة، التعصّب، والظلم في كل العالم

في الخمسينيات من القرن الماضي دخلت القصص المصوّرة إلى العالم الإسلامي عندما تكيّف ميكي ماوس، عائلته وأصدقاؤه، و “اعتنقوا الإسلام”. أصبحت القصص المصوّرة حلالا ووافقت عليها السلطات، الوزراء والمفوّضون المشرفون على شؤون الثقافة والدين في الدول ذات الغالبية المسلمة. في الغالب كانت تهدف إلى التسلية ووُجهت إلى عموم السكان. وكانت بمثابة أداة تخدم المؤسسة الحاكمة من أجل نشر الأيديولوجية القومية وترسيخها في وعي مواطنيها. ولكن سخرتها المعارضة أو المجموعات المتنافسة سريعا لإنشاء خطاب مضاد وتقويض السلطات وجدول أعمالها.

سرّعت عمليات 11/9، وآثارها على الغرب وخارجه، إحياء القصص المصوّرة الإسلامية. أنشأ فنانون مسلمون شخصيات لأبطال خارقين، أو رجال ونساء مسلمات عاديات، تعيد قصصهم التاريخ الإسلامي. انتشرت القصص المصوّرة الإسلامية في الغالب على المنصّات عبر الإنترنت بالعربية والإنجليزية، كردّة فعل على القصص المصوّرة التي أنتِجت في الغرب وعُرض فيها أبطال خارقون يقاتلون قوى الشر التي تتجسّد، في نهاية المطاف، بمتعصّبين مسلمين. ويذكر رسامو القصص المصوّرة المسلمون، من ناحية أخرى، أنّ الصراع الحقيقي بين قوى النور وقوى الظلام يجري دائما داخل نفس الإنسان.

ال-99
ال-99

يحاول رسام القصص المصوّرة الإسلامي إعادة تعريف علاقة الإسلام السني مع “الآخر” في العالم ما بعد 11/9. لقد أخرجت محاولات المصالحة بين السنة والشيعة الأخيرين من فئة “الآخر”. في إحدى القصص المصوّرة يظهر ثلاثة أشخاص، أحدهم يحذّر صديقه من الشيعي الذي يخفي هويته (وفقا لمبدأ التقية). يحتجّ الصديق على هذا الرأي المسبق، وحينها يتوجه الثالث إلى الأول ويحذّره من الشيعة القادرين على قتله بشعاع ليزر يخرج من أعينهم. فيشكره الأول والخوف يظهر في عينيه. في نهاية القصص المصوّرة يتم عرض التحذيرات من الشيعة باعتبارها سخيفة وبعيدة عن الواقع.

تأسست مجلة الـ 99 (التسعة وتسعون) على يد نايف المطوع، أخصائي نفسي ورجل أعمال من أصول كويتية. يقاتل الأبطال الخارقون التسعة وتسعون الذين في المجلة، والمسمّين على اسم أسماء الله الـ 99 والقادمين من 99 دولة مختلفة، ضدّ كل قوى الشرّ في العالم. هناك صفة خاصة لكل بطل تنبع من اسمه: الرحمن، القوي، أو نورة ملكة النور التي تقاتل أعداءها بكرات من نور. تبدأ الرواية عام 1258 للميلاد عندما يحاول هولاكو، حفيد جنكيز خان، السيطرة على بغداد، عاصمة الحضارة حينذاك. يسارع الأبطال الخارقون إلى إنقاذ بغداد ومن هناك تبدأ مغامراتهم، التي تمر بأحداث مهمة في التاريخ الإسلامي.

قال المطوع إنّه طالع في المصادر الإسلامية ووجد أن الإسلام يعارض العنف ويطمح إلى السلام وإلى إقامة العلاقات الجيّدة مع الآخر. بحسب رأيه، فهي ليست قصصا مصوّرة “دينية”: فلا أحد من أبطالها يصلّي أو يدخل إلى المسجد ولا أحد يتحدث عن الإسلام، حتى لو كان هناك بطلات خارقة يرتدين الحجاب على رؤوسهنّ. يقاتل الأبطال الخارقون ضدّ الآراء المسبقة والمتطرّفة، لا يقعون في خطيئة الغطرسة بل ومستعدون للانضمام إلى مجموعة العدالة الأمريكية التي فيها باتمان، سوبرمان، وأبطال خارقون “غربيّون” آخرون.

وفقا للمطوّع، فإن الرسالة التي تهدف إليها المجلة هي التسامُح مع الآخر والاستعداد للتعاون ضدّ كل منتهكي الهدوء والسلام في العالم. في المقابلات معه يقول إن في العالم الإسلامي في عصرنا هناك معسكران. المعسكر المحافظ الذي يعتمد على تفسير تقليدي للمصادر الإسلامية، وفي المقابل المعسكر الثاني، الذي ينتمي المطوع إليه، يلائم تفسير المصادر مع تغيرات الزمان والمكان.‎ يقاتل أبطاله الخارقون من أجل هذا المعسكر، ويأمل المطوع أن يتبنى أبناؤه هذا النهج كنموذج للمحاكاة.‎

إنّ القصص المصوّرة الإسلامية الحالية تتبنى نهج المساواة بين النساء والرجال في العالم الإسلامي. يروّج الرسّامون والرسّامات لنقل رسالة احترام المرأة وتشجيع الأبناء في الأسرة على المساعدة في المهامّ المنزلية. كُتب في إحدى الرسومات أن النبي محمد نفسه قام بمهام البيت ومن هنا لا ينبغي تركها للأمهات والأخوات.

Samda
Samda

القصة المصوّرة “القاهرة” هي موضوع رسالة مثير للاهتمام. البطلة الخارقة، التي يتوافق اسمها مع اسم العاصمة المصرية ، هي امرأة مصرية بلباس محافظ تدافع عن النساء وعن الضعفاء. في الحلقة الأولى تشاهد فقيها في الدين يعظ جمهورا من الرجال أنّ “المرأة الجيدة هي المرأة المطيعة”. ردّا على ذلك تقوم المرأة بتعليقه على حبل غسيل وتقول “يجب على المرأة الجيّدة أن تتفوّق في مهامّ المنزل، وخصوصا في تعليق الغسيل”. عندما تسمع محاضرة لامرأة غربية تشرح للنساء مثلها أنّ “هذا هو السبب الذي نحتاج من أجله إلى إنقاذ النساء المصريات” تردّ عليها البطلة الخارقة، بارتجال، قائلة إن النساء المصريات قادرات على تنفيذ ما يردن من دون مساعدة خارجية.

في حلقة أخرى تنقذ القاهرية امرأة مصرية توجّهت إلى محطة الشرطة واشتكت من تحرّشات متكررة من قبل رجال في شوارع المدينة.‎ يصدّق قائد الشرطة شكواها، ولكنه يقترح عليها أن تنظر أولا إلى ملابسها – بلوزة وبنطلون – غير المحتشمة. تغادر المرأة محطة الشرطة يائسة، وفي طريقها إلى منزلها تواجه رجالا آخرين يتحرّشون بها. تهرع البطلة الخارقة إلى مساعدتها، تعلّق الجميع على أعمدة عالية وجدتها في محطة الشرطة وتعد بتعليم المرأة الدفاع عن نفسها.

القصص المصوّرة الإسلامية هي بديل للثقافة العلمانية والأبطال الخارقين الذين يقترحهم الغرب. في نظر المنتجين، فإنّ صناعة الترفيه، السينما الهوليوودية والموسيقى “الغربية” تنشر الكراهية ضدّ الإسلام وتحطّم كل فرصة للسلام والتسامح بين الأديان. بمساعدة القصص المصوّرة يحاول أولئك المنتجات والمنتجين عرض صراع عالمي مشترك بين الجميع: صراع ضد الآراء المسبقة، التعصّب والظلم القائم في كل العالم.

نشر هذا المقال للمرة الأولى في موقع منتدى التفكير الإقليمي

اقرأوا المزيد: 780 كلمة
عرض أقل
مسلم يقرأ في القرآن في المسجد الأقصى (Flash90/Sliman Khader)
مسلم يقرأ في القرآن في المسجد الأقصى (Flash90/Sliman Khader)

هل يوجد ملحدون في المجتمعات المسلمة؟

في محاولة لمواجهة العنف القاسي تجاه "الكفار" يعرض فقهاء معتدلون في الإسلام مواقف أصلية بخصوص إحدى الخطايا الكبرى في الإسلام: الإلحاد

عززت عمليات الحادي عشر من أيلول تصرفات المتطرفين دينيا، المسيحيين، والمسلمين، ولكن وللمفارقة عززت أيضا تصرفات الملحدين في أرجاء العالم، بما في ذلك في أوساط المسلمين.‎ جعل الإرهاب عموم المسلمين يتطرّقون إلى مسائل الأخلاق والشريعة، وكان هناك من وجد إجابة على أسئلته في القرآن والحديث بشكلٍ مُستقلّ، وهناك من حصل على الإجابات من مختلف الفقهاء، وبينما ظل آخرون يشعرون بخيبة أمل كبيرة وتوجّهوا للإلحاد. من الصعب أن نعثر على بيانات حول عدد المسلمين الذين أصبحوا ملحدين خلال العقدين الأخيرين. أظهرت مصادر غربية أنّه في العام 2015 عاش في البلدان العربية نحو ألفي ملحد من بين 300 مليون شخص. إذا أخذنا بالحسبان البلدان الآسيوية، ولا سيما، الجمهوريات الإسلامية من الاتحاد السوفياتي سابقا، فالعدد أكبر.

في الكويت، قطر، السعودية، وفي الإمارات حُدّدت في القانون عقوبة الإعدام للذين يرتدّون عن الدين. في السنوات الأخيرة نُشرت في السعودية لوائح تعرّف الملحدين على أنهم إرهابيين ومهددين قوميا. تراقبهم السلطات في البلاد رقابة وثيقة، يُعتقلون أحيانا من دون أي سبب واضح (تكفي الوشاية من أحد أفراد العائلة أو الجيران)، ويُسجنون حتى يُحكم عليهم بالإعدام. في الغرب أيضا هناك “محاكمة داخلية” في المجال الشخصي، ومخفية عن أنظار الحكومة، وفي نهاية المطاف يتم الإلقاء بالملحدين خارج الإطار الأسري، المجتمعي الإسلامي، ويجدون أنفسهم معزولين تماما. كمهاجرين، فإنّ احتمالات بقائهم على قيد الحياة في دولة أجنبية من دون دعم الأسرة الصغيرة ضئيلة.

تتغذّى أوامر الدولة ولوائحها، المضايقات و “المحاكمة الداخلية” كلها على النقاش الفقهي والمعاصر. يعتبر المحافظون الإلحاد تهديدا على الدين وعلى أمة الإسلام، بشكل مشابه للتهديد الشيوعي الذي حلّق فوق العالم الإسلامي في فترة الحرب الباردة. دعت كلا الأيديولوجيّتين اللتين “تم استيرادهما من الغرب”، إلى شن ثورة في العالم الإسلامي كانت نتيجتها الدمار والفوضى. في الأحكام التي ناقشت مسائل الخطيئة الأشد خطرا – الإلحاد أم الشرك – اعتمد فقهاء الشريعة المحافظين على كتابات ابن تيمية وادعوا أنّ الإنسان الذي لا يؤمن بأي إله يكون أشدّ كفرا من الذي يؤمن بتعدّد الآلهة. كذلك لم يُستثنَ الملحد الصالح والذي يقوم بأعمال الخير لأنه إذا لم يعترف بوجود الله كخالق له فلا معنى أو قيمة لأعماله الصالحة. يُبطل الفقهاء المحافظون صلاحية الزواج من ملحد/ة، ويقررون أن النساء الملحدات يجلبن العار على أسرهنّ لأنّهنّ يهملنَ القيم الأخلاقية والدينية.

تبنّى الخطاب الإسلامي المعتدل أيضا هذا الخطّ المتشدّد ضدّ المرتدّين عن الدين، وخصوصا ضدّ الملحدين. أفتى يوسف القرضاوي أنّ الإلحاد والعلمانية يتنافيان مع الإسلام والشريعة وأعرب عن تأييده لإنزال عقوبة قاسية ضدّ المرتدين، اعتمادا على حديث يقول إنّ الخليفة علي أمر بحرق شخص ظهر بأنّه ملحد. ولكن هناك فقهاء معتدلون يفرّقون بين الصالحين والشريرين في مجموعة الملحدين، ويعتقدون أنّ الملحدين الصالحين والذين يقومون بأعمال الخير يستحقّون ضمان سلامتهم وأمنهم في هذا العالم، حتى لو لن تكون لهم حصة في العالم الآخر. وذكر آخرون أنّه لم تُذكر في القرآن أن عقوبة الردّة عن الدين هي الإعدام.

دفع التوتر بين المسلمين وبين أبناء دينهم الذين تحوّلوا إلى ملحدين الفقهاء المعتدلين إلى محاولة التأثير أولا وقبل كل شيء على خفض مستوى العنف، ولكن أيضًا تقديم الاستجابة للمسلمين الذي ضلّوا في طريقهم الروحي. بروح الدعابة يدعون إلى تهنئة الملحد المبتدئ لتمسّكه بالجزء الأول من الشهادة، “لا إله”، بحيث يبقى هكذا فقط إقناعه بالجزء الثاني، “إلا الله”.

ومن جهتهم، لا يجرؤ الملحدون على “الخروج من الخزانة”، لأنّ الدين هو جزء لا يتجزأ من الجوانب الأخرى في حياتهم مثل الحياة الزوجية، الأسرية، المجتمعية، والثقافية. إنهم يقترحون على المنضمين الجدد أن يتوخوا الحذر وألا يعلنوا على الملأ إلحادهم، وإنما أن يعرضوا أنفسهم كـ “تقدّميين” أو “إصلاحيين”. معظم نشاطهم هو بواسطة الإنترنت، والذي يسمح بالسرية وعدم الكشف عن الهوية. يعمل في أوروبا، كندا، وفي الولايات المتحدة بعض بذور المسلمين الذين أصبحوا ملحدين، ولكن ليست هناك معلومات عن وجود مثل هذه المنظمات في البلدان ذات الغالبية المسلمة.

يفضّل المسلمون الذين أصبحوا ملحدين العمل بسرية والمساهمة في التغيير الاجتماعي والتربوي، أكثر من الانكشاف والدخول في نقاش عام حول مصداقية الحقائق الدينية التي هي بالنسبة لهم عبثية.

نُشرت هذه المقالة للمرة الأولى في موقع منتدى التفكير الإقليمي

اقرأوا المزيد: 614 كلمة
عرض أقل
مؤمنون شيعة في البحرين يجلدون أنفسهم لوفاة الإمام (AFP)
مؤمنون شيعة في البحرين يجلدون أنفسهم لوفاة الإمام (AFP)

السنة والشيعة: النضال من أجل استعادة التعقّل

في العقد الأخير يؤكد فقهاء وسطيون على أن الشيعة هم مذهب شرعي في الدين الإسلامي بل ويجيزون الزواج بين السنة والشيعة

أدت وفاة النبي محمد عام 632 للميلاد والصراع العنيف على خلافة الزعامة إلى تأسيس الطائفة الشيعية في الدين الإسلامي عام 680 للميلاد. حتى بعد مرور مئات السنين استمر فقهاء السنة بإخراج الشيعة من الإسلام بسبب اختلافات في العقيدة الدينية، فالتيار الشيعي لا يعترف بالخلفاء الثلاثة الأوائل ويعتبر الخليفة الرابع، علي بن أبي طالب، ابن عم النبي محمد، خليفه الحصري. بل وأضاف الشيعة مبدأ اعتقاديا ليس واردا في السنة، وهو الولاية، والذي يقضي أنّه يجب على الإمام أن يكون من ذرية علي. هناك لكل جيل إمام خاص به يكون وسيطا بين الله والمؤمنين، ولكن في الجيل الحالي فالإمام غائب.

تسود بين السنة والشيعة علاقات متوترة حتى اليوم. يعتبر الخطاب السني المحافظ الشيعة خونة بل وكفرة، من بين أسباب أخرى، لأن الشيعة يتهمون عائشة، زوجة النبي، بخيانة علي وينسبون إلى الأئمة صفات فوق بشرية ترفعهم إلى مستوى واحد مع النبي. يستند المحافظون إلى فتوى تقليدية للفقيه السني تقي الدين ابن تيمية، الذي عاش في القرن الثالث عشر، والتي قرر فيها أنّ الشيعة أكفر من اليهود، المسيحيين، والوثنيين، وهم أعداء الإسلام تماما كالصليبيين والمغول حينذاك.

مسلمون يصلون صلاة العيد في المسجد الأقصى (Flash90/Muath Al Khatib)
مسلمون يصلون صلاة العيد في المسجد الأقصى (Flash90/Muath Al Khatib)

تؤثر الأسباب غير العقدية في علاقات السنة والشيعة في أيامنا أيضا. جلب صعود الإسلام الشيعي في الثورة الإسلامية في إيران عام 1979 معه سياسة “تصدير الثورة”، والتي هددت مكانة الدول السنية الرئيسية في الشرق الأوسط. دعمت إيران احتجاجات السكان الشيعة في العراق، البحرين، والمملكة العربية السعودية بدعوى حق تقرير المصير والمساواة في الحقوق، وموّلت من أجل ذلك مراكز دينية ومنظمات خيرية.

في المقابل، يدعي فقهاء من التيار “الوسطي” في الإسلام أنّ تعامل الإسلام السني مع الآخرين، بما في ذلك الشيعة، يجب أن يكون مؤسسا على التفاهم المتبادل وعلى السلام. إنهم يخشون إذا تعزز التوتر السني-الشيعي فلن يُحتمل الثمن الذي سيدفعه المسلمون. يعمل الوسطيون على جَسْر الفجوات السياسية والدينية بين التيارين وهناك من يقترح إنشاء إطار موحد، بما يشبه الاتحاد الأوروبي. ويذكرون أيضًا أنّه على مدى التاريخ عاش الشيعة والسنة إلى جانب بعضهما البعض، بل وفي بعض المدن صلّوا معا في نفس المساجد.

يعتمد الكثير من الفقهاء على كلام حسن البنا، الزعيم الروحي للإخوان المسلمين، الذي أكد أنّه فيما عدا البهائيين تحظى جميع الطوائف في الإسلام بمكانة متساوية، وعلى فتوى محمد شلتوت عام 1959 والتي أعلن فيها أنّ الشيعة يعتبرون المذهب الخامس في الإسلام وأنّ فقط من ينكر رسالة النبي فهو كافر.

ويعمل يوسف القرضاوي، الفقيه الوسطي الأبرز اليوم، كثيرا على الوساطة بين مختلف الطوائف في الإسلام. وهو يعتقد أنّه يجب إدانة الآراء المتطرفة ضدّ جميع الطوائف، وفي فتوى نشرها على خلفية العنف في العراق عام 2004 دعا السنة والشيعة إلى البدء بمحادثات الوساطة فورا. ويؤكد القرضاوي على أنّ هناك عامل مشترك بين الطوائف، مثل الإيمان بإله واحد وبرسوله واحترام الواجبات الخمسة في الدين، ويوصي لها باعتماد النموذج الأوروبي (الاتحاد الأوروبي) أو الأمريكي (الفدرالية). وفي فتوى أخرى وُجّهت لكلا الجنسين أجاز القرضاوي الزواج بين الشيعة والسنة، وإن كان قد قضى أنّه من المفضل تجنّب ذلك.

الشيخ يوسف القرضاوي (AFP)
الشيخ يوسف القرضاوي (AFP)

ورغم أن القرضاوي يؤيد العلاقات الجيدة بين الشيعة والسنة (التقريب، تقريب القلوب)، إلا أنه يعارض نشر المذهب الشيعي في أوساط السنة. في فتوى نشرت عام 2010 أكد على أنّ الشيعة هم “مبتدعة”، أي إنهم أضافوا ممارسات غير مقبولة في الإسلام السني، مثل الحج إلى القبور المقدسة لدى الشيعة وإحياء ذكرى الحداد في شهر عاشوراء. ومع ذلك، إذا شنّت الولايات المتحدة حربا على إيران فسيضطر السنة إلى الوقوف بجانب الأخيرة من أجل الدفاع عن بلاد الإسلام. دفعت الحرب الأهلية السورية القرضاوي إلى تغيير رأيه، وفي عام 2013 دعا السوريين السنة ذوي الخبرة العسكرية إلى “النهوض لقتال العلويين والشيعة”. وقد اتّهمه فقهاء وسطيون آخرون بأنّه بذلك يلهب الحرب بين الإخوة أي يثير فتنة.

ورغم أن الصراع بين السنة والشيعة أصبح عنيفا في مناطق معينة في الشرق الأوسط، فإنّ الفقهاء الوسطيين لم يستسلموا. عام 2005، على سبيل المثال، وقّع 170 فقيها، من بينهم سعوديون وهابيون، على “إعلان عمان”، الذي حظي بتأييد كبير في العالم الإسلامي، وقرر أنّ المذاهب الفقهية الثمانية هي جزء من الإسلام، ولا يمكن أن يعتبر التابعون لها كفارا وأن يعتبر دمهم وأموالهم حراما. دعا الإعلان إلى وضع حدّ لكل مظاهر التمييز والعنف بين الطوائف.

بعد عقد من ذلك ادعى رئيس جامعة الأزهر، محمد الطيب، أنّه يجوز للمسلم تبني التشيّع، والذي سماه المذهب الخامس في الإسلام. بل إنّ الطيب لم يعرب عن معارضته للزواج بين كلا التيارين. وقد ذهب إلى أبعد من ذلك عندما أوضح أنّ تقلّبات العصر الذهبي في الإسلام، والتي ولّدت الصراع بين السنة والشيعة وجعلت الخليفين أبو بكر وعمر زعيمَي الأمة الإسلامية، لا تتعلق بمبادئ الإيمان وأسسه.

نشر هذا المقال للمرة الأولى في موقع منتدى التفكير الإقليمي

اقرأوا المزيد: 706 كلمة
عرض أقل
مرشد العطور الإسلامي (AFP)
مرشد العطور الإسلامي (AFP)

مرشد العطور الإسلامي

العطور التقليدية، على أساس كحول العنب أو الزيت، هي بديل صحّي، أخضر وشرعي وفقا للفقه الإسلامي لمنتجات العناية الشائعة على أساس الكحول. الفقهاء وأتباع الدين راضون

تعتبر السعودية المستهلك الأكبر للعطور في العالم العربي. ومع ذلك، فاستخدام العطور لدى النساء والرجال المسلمين يثير أسئلة جندرية وفقهية عديدة: يتم تسويق العطور كمنتج فاخر، عصري، يتصل بالجمال، بالشهوانية، والأناقة، ويستدعي الإغراءات المحظورة. تثير الرسائل التي تُنقل إلى المستهلكين المسلمين عدم الراحة بخصوص استخدام العطور، ويُطرح السؤال إذا ما كان من المسموح استخدام منتجات العطور وفقا للشريعة.

بدأت تقاليد استخلاص العطور من أزهار الياسمين، الورود، رانتج الأشجار، والزيوت المختلفة في اليونان ومصر القديمة قبل الميلاد. في القرن السابع تطوّرت تجارة واسعة للعطور والزيوت العطرية داخل أراضي الإمبراطورية الإسلامية وبينها وبين جيرانها. نمتْ صناعة العطور وتطوّرت بفضل المساهمة الهائلة للكيميائيين المسلمين للعلم، وقد كان ابن سينا (‏1037‏—‏980‏) من البارزين، وهو طبيب، فيلَسوف وعالم من أصول فارسية، وكان أول من طوّر عملية التكرير لصناعة مركّبات العطور.

العطور الإسلامية
العطور الإسلامية

خلال الحملات الصليبية في القرن الثاني عشر جعل اللقاء بين الصليبيين والحضارة الإسلامية المسيحيين يستعيرون العلوم التي خزنها المسلمون في مجالات العلوم الإنسانية، الاجتماعية، الطبيعة، والطبّ، بما في ذلك تقنية استخلاص العطور وتكريرها. في تلك الفترة تم إنتاج معظم العطور من أزهار الخزامى، والتي كانت احتمالات نموّها في المناخ الأوروبي البارد منخفضة جدّا. في القرن الرابع عشر والخامس عشر، عندما وصلت التجارة بين أوروبا، الهند، والجزيرة العربية إلى ذروتها، استورد الأوروبيون مركّزات من أزهار الخزامى. في القرن التاسع عشر بدأوا بإنتاج العطور من خلال خلط الكحول بنسبة عالية (96%) مع مركَّز من الأزهار. واليوم أيضا تُستخدم الكحول الصناعية بنسبة مرتفعة في العطور، بسبب تكلفتها المنخفضة.

يعارض الكثير من الفقهاء استخدام المسلمين للعطور بسبب الكحول الموجودة فيها. وفق أقوالهم، لا ينبغي استهلاك المنتجات التي تكون فيها نسبة كحول مرتفعة (فيما عدا الاستخدام الطبي). فضلا عن ذلك، تضر الكحول الصناعية الموجودة في منتجات الرعاية ببشرة وصحّة المؤمنين. يجوز للمسلم المؤمن استخدام العطر على أساس الزيت فقط، وقبل الصلاة عليه تنظيف كل بقايا الكحول عن جسمه، شعر رأسه، وملابسه. يُحظر على المسلمة المؤمنة استخدام العطر ذي الرائحة الحلوة لأسباب تتعلق بالاحتشام، ويمكن للعطور النسائية أن تكون متنوعة الألوان ولكن ألا تفوح رائحتها. وإذا كان استخدامها هو لأسباب التعقيم أو منع رائحة الجسم غير اللطيفة فاستخدامها مسموح، ولكن أيضا في مثل هذه الحالات من المفضل استخدام الماء أو العطور على أساس الزيت.

العطور الإسلامية
العطور الإسلامية

ويجيز الفقهاء المعتدلون، مع ذلك، استخدام منتجات الرعاية على أساس الكحول، إذا كان الهدف منها هو الحفاظ على نظافة الجسم وصحته. وذلك باعتبار أن الكحول مصنوعة من السكّر، وهي مادّة طاهرة فقهيا. فضلًا عن ذلك، فإنّ استخدام المنتجات التي تكون فيها نسبة معينة من الكحول مسموح إذا لم تكن مسكرة، وطالما أن ليس هناك خوف من أن يُغرى المؤمنون لتذوّق السائل. وقد أجاز فقهاء آخرون للمصلّين تطهير أيديهم وأرجلهم قبل الصلاة أو قبل الحجّ إلى مكة بالعطور والزيوت (بدلا من الماء). وذلك بسبب منهج النبي، الذي شجّع المصلّين على القدوم إلى المسجد أو الحج وجسدهم نظيف ورائحته زكية.

ولأنّ هناك خلاف فقهي حول مسألة إنتاج، تسويق، واستهلاك العطور، فحتى المعتدلون من الفقهاء ينصحون رجال الأعمال المسلمين بترك منتجات الرعاية والاستثمار في مجالات أخرى. ولكن الفقهاء يدعمون رجال الأعمال والمسوّقين الذين ينتجون عطورا “تقليدية”، غير صناعية، خالية من الكحول وعلى أساس الزيت.

ومن المعتاد أن تضاف إلى العطور على أساس الزيت التي يتم إنتاجها في أوروبا اليوم وفقا لهذه التعليمات كحولا “حلال” يتم إنتاجها من العنب فقط. يحظى هذا البديل الصحّي والأخضر بدعم كبير في عالم الفقه الإسلامي. يتم إنتاج العطور من شمع النحل، من زيت جوز الهند أو زيت اللوز، وتباع هذه المنتجات أيضًا في الإنترنت ويؤكد رجال الأعمال أنّهم يتبرّعون بعشرة بالمائة من الإيرادات للصدقات، وهو كما يبدو حلّ يرضي الفقهاء والمؤمنين أيضًا. وللمفارقة، فإنّ المؤمنين الخُضَريّين يعارضون استخدام شمع النحل في مستحضرات التجميل، بل ويطالبون – لأسباب تتعلق بالأخلاق والبيئة – باستخدام بدائل صناعية، ومن بينها الكحول الصناعية.

نشر هذا المقال للمرة الأولى في موقع منتدى التفكير الإقليمي

اقرأوا المزيد: 586 كلمة
عرض أقل
مقاتلو داعش يأسرون الطيار الأردني معاذ الكساسبة
مقاتلو داعش يأسرون الطيار الأردني معاذ الكساسبة

التعامل مع أسرى الحروب وفقًا للشريعة الإسلامية

حُدد واجب التعامل الإنساني مع أسرى الحرب منذ عهد النبي محمد، واعتُمد من قبل المذاهب الفقهية الأربع في الإسلام السني منذ القرون الوسطى. في الغرب تم إرساء مثل هذه المعاملة فقط في معاهدة جنيف الثالثة عام 1929

أثارت استعراضات مقاتلي تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) الذين يحرقون معارضيهم وهم أحياء ردود فعل قاسية ضدّ الدين الإسلامي في الخطاب العام في البلاد وفي العالم. وقد أثار السؤال إذا ما كان تنظيم داعش يمثّل حقّا النواة “الحقيقية” للإسلام نقاشا فقهيا إسلاميا داخليا عاصفًا حول موقف المسلم تجاه العدوّ الذي يسقط في الأسر. تطرّق الفقهاء والباحثون إلى أسئلة عديدة، ومنها التعامل المناسب مع الأسرى والمختطفين.

يعتقد فقهاء التيار الرئيسي في الإسلام (الوسطية) أنّ عناصر داعش ينتهكون بشكل واضح ويومي الشريعة الإسلامية.‎ ‎أكّد الفقهاء الوسطيون مرارًا وتكرارا أنّ أسس التعامل اللائق تجاه الأسرى، سواء كانوا مقاتلين أم مدنيين، وتجاه الشعوب التي احتُلّت من قبل المسلمين، قد تقرّرت منذ عهد النبي محمد. في الفترة التي سبقت الإسلام انتشر في شبه الجزيرة العربية عدم استقرار سياسي، اقتصادي، اجتماعي، وأخلاقي. في فترات الحرب تم قتل الأسرى بالسيف أو حرقهم وهم أحياء. ومع انتشار الإسلام أمر نبي المسلمين بإدارة حروبهم من أجل الدفاع الذاتي عن الأراضي المحتلة والسكان الذين يعيشون فيها، وفي المقابل نشر السلام والهدوء في كل مكان حولهم. بل إنّه شجّع المؤمنين على التوصّل إلى اتفاقات سياسية مع أعدائهم.

عندما أعلن النبي عن نفسه كرسول الله واندلعت الحروب بين القبائل العربية وبين المسلمين الأوائل كان عليه أن يقرّر قواعد وأنظمة واضحة بخصوص التعامل مع الأسرى. وقد تأسست تلك القواعد بشكلٍ رسميّ في فترة مستقرّة وهادئة نسبيًّا، من قبل النعمان بن ثابت أبو حنيفة (699-768 للميلاد)، مؤسس المذهب الحنفي، المذهب الفقهي الليبرالي في الدين الإسلامي. حرّر أبو حنيفة ملفّ “الأحكام الإسلامية في الحرب والسلم”، والذي شكّل لاحقا أساسا لتقرير القوانين الدولية في الإسلام، السِيَر.

وقع أسرى الحرب الأوائل في معركة بدر (632 للميلاد) والتي دارت بين جيش النبي محمد وبين قبائل مدينة مكة. أمر النبي بعدم أذيّتهم بل وتوفير الحماية والطعام لهم حتى تقرير مصيرهم. وقرر أنه يجب معاقبتهم فقط إذا حاولوا الهرب أو الإضرار بحرّاسهم، (رغم الاحتمالات المستحيلة في النجاة في الظروف الصحراوية الصعبة، فلم تكن محاولات الهروب أو الإضرار بالحراس شائعة لأنّ أيدي الأسرى رُبطت بأعناقهم فقط بينما كانت أرجلهم حرّة).

وفقا للشريعة التي تقررت حينذاك كان من الواجب إبداء الرحمة تجاه أسرى الحرب، المسلمين وغيرهم، حتى لو سعوا إلى الإضرار بالمسلمين. في حال انسحب جنود جيش العدوّ يجب على صفوف المسلمين حمايتهم. وقد حرّم النبي قطع أعضاء من أجسام الأسرى أو تجويعهم حتى الموت، وأمر بإيوائهم في ظروف مناسبة قدر الإمكان، بل وسمح للأسرى بإقامة طقوس الشعوذة أو الصلوات الأخرى. كان واجبا تقديم المساعدة الطبية للأسير المريض. عندما يصبح الأسير عبدا لمسلم كان واجبا عليه أن يوفّر له الطعام، الملابس وظروف إقامة مماثلة لتلك التي لدى سيده. وفقا للروايات، فقد أمر النبي بإحضار الطعام والماء للأسير الذي اشتكى أمامه بأنّه جائع وظامئ، وطلب من أحد مساعديه إعطاء قميصه لأسير آخر كان عاريا في القسم العلوي من جسمه.

تقيّد القوانين الدولية في الإسلام إمكانية استعباد أسرى الحرب وتشجّع تحريرهم مقابل دفع كفارة، فضة أو ذهب، أو تبادل أسرى. بل وذُكرت في التاريخ الإسلامي إمكانية تجنيد الأسرى الذين كانوا يعرفون القراءة والكتابة في وظائف معلّمين للأطفال المسلمين. تحرّك هؤلاء المعلّمون بحرية ولدى انتهاء فترة “تشغيلهم” أصبحوا أحرارا وتم الإفراج عنهم. بالإضافة إلى ذلك تأمر الشريعة بعدم الفصل بين أسرى الحرب الذين سقطوا في الأسر وبين أسرهم. تم اعتماد هذه القوانين بشكل كامل من قبل المذاهب الفقهية الأربع في الإسلام السني منذ القرون الوسطى. إنّ مكانة وحقوق أسرى الحرب، والتي تم إرساؤها في إطار معاهدة جنيف الثالثة في العام 1929 فقط، مماثلة لهذه المبادئ الإسلامية.

نشر هذا المقال لأول مرة في موقع منتدى التفكير الإقليمي

اقرأوا المزيد: 544 كلمة
عرض أقل
زواج عربي في إسرائيل (Flash90Hamad almkt)
زواج عربي في إسرائيل (Flash90Hamad almkt)

الحالة: مسلمة عزباء

يوفر المفتون الإسلاميون المعتدلون دعما دينيا وعاطفيا يلائم معضلات المجتمعات الإسلامية في الغرب. هم يسعون إلى احترام قرار المؤمنين في ما يتعلق بالحياة الزوجية ووقت الدخول فيها، وسوى الاستجابة الفقهية يتم دعم المؤمنة العزباء

اعتاد المجتمع الإسلامي المحافظ على وسم النساء المسلمات العازبات في الغرب بصفتهن “منتجا انتهى تاريخه”؛ فهنّ يجدن صعوبة في العثور على “النصف الآخر”، يجلسن، بلا أطفال، في بيوت أهلهنّ، ويتحملنَ عبء رعايتهم ورعاية الأسرة القريبة. هناك من بينهنّ، كما يقال، من يتّخذن قرارا بالبقاء دون زواج أو تفضيل حياة العزوبية الطوعية. في الغالب فهنّ نساء محترفات ومتعلّمات يربحنَ المال لمعيشتهنّ.

عدّدت إحداهنّ، الكاتبة الأسترالية من أصول فلسطينية – مصرية، رندة عبد الفتاح، الأسباب التي جعلت ظاهرة العازبات في أوساط المسلمات في الغرب ظاهرة بارزة ومؤلمة جدا، ووجّهت انتقادات للوصمات التي تم إلصاقها بهنّ. في كتابها No Sex In The City الصادر عام 2012 قالت عبد الفتاح إنّه يتم “استبعاد” النساء المسلمات في الغرب من قبل الرجال المسلمين لأنّهن متعلّمات أكثر منهم، أو لأسباب تتعلّق بالانتماء العرقي والأسري ولون البشرة، وهي اعتبارات لا تزال شائعة في العلاقة بين الزوجين في أوساط المجتمعات المسلمة التي تعيش في الغرب. من جهة أخرى، فالنساء المسلمات في الغرب لا يسرعن للاستقرار في سنّ صغيرة ويعتبرن الحصول على التعليم رافعة لاستقلاليّتهنّ.

تروي عبد الفتاح في كتابها قصة حياة أربع صديقات عازبات في سيدني. أسمى (28)، ابنة لأسرة من المهاجرين الأتراك، تخرج لمواعيد عمياء ترتبها لها الأسرة وتجسّد في الواقع قصّة الكاتبة الشخصية، محامية عزباء، تجد صعوبة في العثور على زوج مناسب في أستراليا. تُضطرّ لمواجهة ضغوط من قبل الأسرة والمجتمع الإسلامي وتعاني من العديد من الإحباطات، انعدام راحة البال وقلة الحيلة أمام الادعاء الشائع أنّ العزوبية ممنوعة بحسب الإسلام وهي تجسّد الشيطان في الإنسان.

يدعو الفقهاء المحافظون في الإسلام المؤمنين إلى تجنّب العزوبية وحياة الوحدة والعزلة. ليس الزواج وإقامة أسرة مهمة في ذاتها فحسب، وإنما تشكّل نصف الإيمان بالله، وكل من تزوّج فقد حظي بمحبّة الإله. دعا النبي نفسه المؤمنين إلى الزواج، لإقامة أسرة ولإقامة علاقات جنسية. ينظّم الزواج حياة من الأخلاق والنظام الاجتماعي، ويلبّي في نفس الوقت حاجات نفسية وفسيولوجية لدى الإنسان. يعيش الإنسان المتزوج بسلام وهدوء، ويستمتع بالشراكة مع زوجته وبجمالها ويتقاسم معها لحظات الفرح والحزن. إن ميزة الحياة المشتركة، كما يوضح الفقهاء، تبرّر صعوباتها. التعدّد مسموح حتى أربع نساء، شريطة أن يتعامل الرجل بشكل مماثل مع جميع زوجاته، وإذا لم يكن بإمكانه القيام بذلك فمن المفضل أن يتزوج امرأة واحدة. تستند ادعاءات هؤلاء الفقهاء إلى عدة أحاديث نبوية، جاء في أحدها أن النبي قال للمؤمنين إنّ الأعزب الذي يكتشف بأنّه سيموت غدا يجب عليه التزوّج فورا، وإلا فلن يلقى الله. وعلاوة على ذلك، فإنّ إبقاء النسل هو أمر واجب بالنسبة للمسلم والمسلمة. إنّ دعاء الولد لوالديه يكسبهم الدخول إلى الجنة يوم القيامة.

ومع ذلك، فالإسلام الوسطي المعتدل لا يفرض الحياة الزوجية على النساء والرجال، وينضم للدفاع عن العازبات المسلمات في الغرب. يسمح الفقهاء الوسطيون للرجل أو المرأة بتأجيل الزواج إلى زمن غير محدّد. يمكن للمرأة التي طُلّقت أو أصبحت أرملة أن تختار إذا ما كانت تريد الزواج ثانية لأنّها قد أكملت فعلا نصفها الثاني من الإيمان بالله. ورغم أنهم يعارضون مبدئيا حياة العازبات أو الانعزال، يشير الفقهاء الوسطيون بشكل إيجابي إلى مسلمات متعلمات، صوفيات وباحثات بارزات في الدين في التاريخ الإسلامي واللاتي لم يتزوّجن وكرّسن حياتهنّ للدين وتعليمه للأجيال القادمة.

https://www.youtube.com/watch?v=t1kXE4EzpvI

العازبون الذين ينتظرون يوم زواجهم يجب عليهم الإيمان بالله، قبول قضائه، واعتماد التفكير الإيجابي: سيأتي الخير من الله عاجلا أم آجلا. وتشرح إحدى الفتاوى أنّ “تبعث ضائقة الكثيرين الراحة”، وفي فتوى أخرى يقول الفقيه للمسلمات العازبات: “فكرنَ بجميع أولئك المسلمات اللاتي تزوّجنَ ويعانين من العلاقة التي يتواجدن فيها، بالنساء اللواتي يُضربنَ أو بالمطلّقات. يمكن للعازبة أن تكون أكثر سعادة منهنّ بكثير! املئي قلبك بالسعادة، كوني في سلام مع نفسك، أنت أفضل من الآخرين. عندما تكونين في سلام مع نفسك سيحدث كل شيء، وحتى لو لم يحدث، سيحميك الله من كل سوء. يسخّر الله المؤمنين به بطرق أخرى. يمكنك أن تسخّري نفسك للدين أو لأشياء أخرى، أو أن تتّخذي فتيات أخريات يكنّ بناتك”.

وفضلا عن المعالجة الفقهية للعازبين والعازبات يوجّه الفقهاء الوسطيون قراءهم إلى مواقع إنترنت مختلفة مخصصة للمسلمين وتتخصص بالتمكين الشخصي وتعليم التفكير الإيجابي. في موقع متخصص بعلم النفس الإيجابي تم نشر مقال تحت عنوان: “خمس وعشرون نصيحة افعل ولا تفعل: مرشد العازب/ة المسلم/ة الحائر/ة”. اقترح على المتصفحين والمتصفحات، من بين أمور أخرى، الإجابة على السؤال: لماذا يرغبون بالزواج قبل توجّههم إلى الله بالدعاء، إعداد قائمة توقعات واقعية من شركائهم، تسويق أنفسهم باللطف والنزاهة، الاعتماد على غرائزهم، وأخيرا عدم الإنصات إلى نصائح الآخرين وأن يقرّروا ما هو الأفضل بالنسبة لهم.

هناك فقهاء وسطيون يقترحون على المسلمات تحقيق الاستفادة القصوى من حياة العزوبية: تعلّم مهنة، السفر، تعلم إدارة الميزانية والتوفير. اقترح بعضهم الذهاب إلى لقاء تعارف حلال، والذي يعني البدء بتعارف مع قلب “مفتوح” ومع أفكار نقية، وإجراء لقاء في المجال العام، والحديث للأهل لأخذ موافقتهم على اللقاءات التالية. في الولايات المتحدة على سبيل المثال، يجري عدة مرات في السنة “Speed Halal Date” للمسلمين والمسلمات.

يبدو أن الفقهاء الوسطيين يوفقون دعما دينيا وشعوريا مناسبات لمعضلات المجتمعات المسلمة في الغرب. فهو يسعون إلى احترام قرارات المؤمنين والمؤمنات بخصوص الحياة الزوجية وموعد البدء بها، فضلا عن المعالجة الدينية فهم يدعمون المؤمنة العزباء، التي تعاني من صعوبات كبيرة في مجتمعها وأسرتها، من خلال كلمة طيبة أو نصيحة عملية.

نُشرت هذه المقالة للمرة الأولى في موقع منتدى التفكير الإقليمي

اقرأوا المزيد: 802 كلمة
عرض أقل
عامل بناء يبني امللاعب القطرية لاستضافة العاب كأس العالم 2022 في قطر (AFP)
عامل بناء يبني امللاعب القطرية لاستضافة العاب كأس العالم 2022 في قطر (AFP)

حرب الإسلام ضدّ العبودية المعاصرة

حوار فقهي في عالم الفقه الإسلامي، سواء السنّي أو الشيعي، بين حول حقوق العامل الأجنبي

شجّع النفط الذي تنعم به دول عربية في الخليج على تدفّق متزايد للعمال الأجانب من شرق آسيا ودول عربية إلى الخليج بدءًا من السبعينيات. يُعتبر هؤلاء العمال في نظر سكان الخليج “الآخر” من الناحية الدينية، الثقافية والعرقية. الكثير منهم هم من المسيحيين، البوذيين وأبناء ديانات وثنية أخرى.

يعمل العمال الأجانب في الخليج في مجالات مختلفة من بينها الهندسة، التعليم، البناء، الخدمة في المنازل والعناية بالأطفال والعجزة. تعمل العاملات الأجنبيات أيضًا كسائقات لدى النساء السعوديات، لأنّ القانون السعودي يحظر على المسلمات قيادة السيارة. يُوقع الأجانب على عقد عمل يكون صالحًا لمدّة ثلاث سنوات فقط (سنتان لعاملات المنازل). لدى انتهاء فترة العمل يحقّ لصاحب العمل أن يقرر تمديد العقد لثلاث سنوات أخرى أو إرسال العامل عائدا إلى موطنه الأصلي. وفقا للقانون في شبه الجزيرة العربية، يمكن للعمال الحصول على خدمة في صناديق المرضى الحكومية مجانا. لا يتضمن القانون بدل النقاهة أو أيام العطلة.

منذ سنوات طويلة يوجّه المجتمع الدولي انتقادات لدول الخليج بسبب تعاملها مع العمال الأجانب، وخصوصا بعد أن تم الكشف عن الظروف القاسية التي يضطرّون للعمل والإقامة فيها. في تقارير لمنظمة العمل الدولية (‏ILO‏) ومنظّمات دولية أخرى تم طرح شكاوى لعمال بسبب التعامل العدائي والانتهاكات الفظيعة من قبل أرباب العمل. أحيانا، تشكّل العاملات الأجنبيات، واللواتي يعملن غالبا في الخدمة المنزلية، فريسة سهلة للاغتصاب والاعتداء النفسي والجسدي من قبل أرباب عملهنّ. إنّ القانون الذي يلزم بتسجيل كل عامل أجنبي تحت اسم صاحب عمل محدّد يمنع العامل أيضًا من مغادرة مكان عمله بل والخروج من البلاد دون موافقة صاحب العمل. في الواقع، يُحاكي القانون العادة العربية القديمة في فرض الرعاية على العبيد ويعرّض العمال للاستغلال والأذى من قبل أرباب العمل المحليّين.

كل محاولة لحكومات الخليج في تقييد حصة العمال الأجانب، أو الكشف عن المقيمين غير الشرعيين وإعادتهم لبلادهم الأصلية تنشئ مشكلة في القوى العاملة في جميع قطاعات الاقتصاد. ولكن العمال الأجانب “مسؤولون” أيضًا عن زيادة البطالة، لأنّ أجورهم منخفضة وهم أحيانا أكثر مهارة من القوى العاملة المحلية. فضلا عن ذلك، تخشى الحكومات ورجال الدين في الخليج من تحوّل السكان في بعض الدول إلى أقلية ضئيلة، ويعتبرون هذا الوضع خطرا على الاستقرار الاقتصادي والسياسي في المنطقة. واعتاد رجال الدين أيضًا على التحذير من التأثيرات الثقافية للأجانب – ثقافة الترفيه، أماكن العبادة والعادات المسيحية – على المجتمعات التقليدية والمحافظة في شبه الجزيرة العربية.

على خلفية ذلك كلّه، قرّر الفقهاء المحافظون أنّ دخول العمال الأجانب إلى شبه الجزيرة العربية يتناقض مع طلب النبي محمد في تنظيف المنطقة من اليهود، المسيحيين وأبناء الديانات الوثنية. وذهب الشيخ عبد العزيز بن عبد الله إلى أبعد من ذلك ودعا إلى حظر الصلوات في المنازل وإلى تدمير كل مبنى يُستخدم من قبل العمال الفلبينيين لممارسة الشعائر المسيحية في المملكة العربية السعودية، مهد الإسلام الذي وُلد فيه النبي أيضًا. وقد نُشرت فتواه بعد أن قرّرت السلطات في الكويت المجاورة إعادة بناء الكنائس في أنحاء البلاد من أجل المؤمنين الفلبّينيين.

وردّا على ذلك أكّد الفقهاء المعتدلون على أنّ القرآن والحديث قد أسّسا للعلاقة بين صاحب العمل والعامل قبل أن تُقام منظمات الدفاع عن العمال والأحزاب العمالية في أوروبا بوقت طويل. وفقًا لهؤلاء الفقهاء، فإنّ الدين الإسلامي يدعو إلى العدالة في جميع مجالات الحياة وحقوق الإنسان والعامل وهو الضوء الهادي. فضلا عن ذلك، فإنّ البشر متساوون دون تفريق في الدين، العرق والجنس، السنّ، لون البشرة، سواء كانوا من مواطني البلاد أو عمالا أجانب. كما أمر النبي أتباعه: “لا فضل لعربيّ على أعجميّ، ولا لمسلم على غير مسلم، ولا لأبيض على أسود”.

وذكّر هؤلاء الفقهاء أنّ النبي قد تعامل بأدب مع عماله، وأمر المؤمنين بالتفاوض مع عمالهم حول حجم الأجور والعمل حتى قبل بدايته. بالإضافة إلى ذلك، حرّم النبي على صاحب العمل أن يؤجّل أجر العامل، أن يبيع أو ينقل رجلا حرّا (يعتبر العامل الأجنبي رجلا حرّا) إلى صاحب عمل آخر، وقرّر أنه يجب على صاحب العمل ضمان بيئة عمل آمنة للعامل. لن يكون هناك نموّ في المنظمة إنْ لم تسُدْ العدالة والعلاقات النزيهة بين صاحب العمل وعمّاله، كما حذّر النبي، وكل من يستبدّ بعمّاله لن يحظى برؤية أبواب الجنّة. على هذا الأساس يقرّر الفقهاء المعتدلون أنّه على كل صاحب عمل الحرص على الطعام والشراب، الملابس، التأمين ضدّ الحوادث والتأمين الصحّي لعمّاله، بل والسماح للعمال المسيحيين بالخروج إلى إجازة في عيد الميلاد.

ويكرّس فقهاء شيعة أيضًا اهتمامهم لحقوق العمال الأجانب. عام 2008، نشر السيد محمد حسين فضل الله فتوى دينية تحظر الاعتداء الجسدي أو التحرش الجنسي ضدّ العمال الأجانب في لبنان. قال فضل الله إنّ التعامل السيء ضدّ العمال الأجانب هو علامة على الفوضى الاجتماعية، فشل تربوي وعجز النظام عن إنفاذ القانون في البلاد. بل وحرّم أيضًا بيع أو نقل العمال الأجانب بين أصحاب العمل اللبنانيين، وهي ممارسة تؤدي بهم إلى الانتحار أو إيذاء أنفسهم.

وأوضح فقهاء شيعة وسنّة في فتاوهم أنّ العامل ليس مُلكًا لصاحب العمل وإنما تحت مسؤوليّته، ولذلك فعلى صاحب العمل أن يعتني به. “إنهم مساعدونا”، كما أشار فضل الله. “نحن بحاجة لهم، وأحيانا نعتمد عليهم لأنّهم يقومون بأعمال لا نستطيع القيام بها”.

نُشر هذا المقال للمرة الأولى في موقع Can Think

اقرأوا المزيد: 772 كلمة
عرض أقل
fullaa
fullaa

دُمية باربي الإسلامية

مُفتون من التيار الرئيسي في الإسلام، مُصَنِّعون، مُصممون ومُربون تخلوا عن الدمى الدينية، عديمة الوجه، وقادوا حملة لتصنيع دُمية باربي جذابة، تستطيع أن تُنافس الدمى "العلمانية" وتكون مقبولة شرعيًا

احدى عوامل التنشئة الاجتماعية الهامة، بقدر ما قد يبدو الأمر غريبًا، هي الدمى: تُظهر الأبحاث العلمية أن الدمية مفيدة، بشكل كبير، لتطور الأطفال السليم، في سن الطفولة المُبكرة.

بالنسبة للمُسلم المؤمن، على الرغم من ذلك، يُسبب المصدر الوثني لتلك الدُمى إشكالية. الدُمية، سليلة الأصنام، التماثيل والآلهة، هي من صنع وخلق الإنسان، وبذلك فهي تحدٍ لعملية الخلق الربانية. هناك حتى من يُحذرون منها ويرونها كأداة إضافية يستخدمها الغرب بغرض الاحتلال السياسي، الثقافي والاقتصادي للدول الإسلامية.

في الفكر الوسطي هنالك ادعاء أن الدمية ليست غريبة أبدًا على المجتمع المُسلم. حتى أنه يُقال إن النبي مُحمد، أولاده وزوجته عائشة، كانوا يلعبون بالدمى في بيته. إلا أنه، بما أن الدُمى في وقتنا هذا تختلف عن الدمى التي كانت في عصر النبي، فعلى رجال الدين أن يتطرقوا لأسئلة شرعية: هل مُتاح للأطفال اللعب بالدُمى وفقًا للشريعة؟ هل تمنع الشريعة اللعب بالدمى ثُنائية الأبعاد أو ثُلاثية الأبعاد التي تصدرُ عنها أصوات، ضحك وبكاء؟ هل تُتيح الشريعة للأطفال المُسلمين تكريس وقت الفراغ للعب بالدُمى، العمل الذي قد يبدو، وفقًا لها، عمل لا طائل منه؟

Hijabi Barbie
Hijabi Barbie

يبدو أن المُفتين المُعتدلين، استندوا على القرآن، بتحليلهم مسألة اللعب بالدُمى، ويدعون حتى أن الإسلام يؤمن بالقيمة الاجتماعية لذلك قبل مئات السنوات من اكتشاف الأبحاث الغربية لذلك. يتعرف الطفل على مُحيطه، وفقًا لهذا التفسير، من خلال الدُمى ومن خلالها يُعبر عن مشاعره واحتياجاته. على الرغم من ذلك، يُمنع شراء الدُمى للتجميع، كهواية أو زينة في البيت. هذا الأمر مأخوذ عن نهج منسوب للنبي، حيث أمر بعدم الاحتفاظ في البيت بالدُمى لأنها تمنع الملائكة من الدخول إلى البيت.

بينما يقول علماء دين مُعارضون لمسألة الدُمى إن الإسلام لا يمنع اللعب في وقت الفراغ شريطة ألا يترك المؤمن صلاته اليومية وواجباته الدينية. يأمرون بنزع أو إخفاء رأس الدمية تمامًا، أو إذابتها بالنار. الدُمى “الحلال” هي تلك المصنوعة من الصوف أو مواد طبيعية وناعمة، لا توجد فيها عيون ولا معالم وجه أخرى.

ويقول أولئك المُشرعون الدينيون إن تلك الدُمى من شأنها أن تُنشط ذهن وخيال الأطفال أكثر ويمكنها أن تُساهم في تطوره. إضافة إلى ذلك، “كونها ليست كاملة” فهذا يُربي الطفل على تقاسيم وجه وشكل جسم غير مثالي، أي تقبّل ما خلقنا الله عليه وعدم تبني شكل خارجي مُتأثر من موضة بديلة. يدعي مُشرعون دينيون آخرون أنه يُسمح للفتيات اللعب بالدُمى فقط، لأنها تُنمي لديهن حس الأمومة و “تعلمهنّ” كيفية التعامل مع الأطفال.

images
images

تمت ترجمة ذلك المنع الديني بشكل فعلي، حيث أنه في متاجر “الحلال” الخاصة بالمُسلمين في أوروبا تم البدء بالترويج لبيع دُمية “عائشة” دون تقاسيم وجه، وهي ترتدي ملابس مُحتشمة أو إسلامية تقليدية ورأسها مُغطى بالحجاب. إلا أنه اتضح بسرعة أن الدُمى “الدينية” تخلو من الجمال، التألق والجاذبية الموجودة في الدُمى “العلمانية”. لذا اضطر المُشرعون الدينيون، المُصَنعون، المُصممون والمُربون أن يصنعوا دُمى أكثر جذبا ومسموحة وفق الشريعة وتُمثل القيم الإسلامية. وتدريجيًّا، بدأت تظهر في السوق دُمى باربي إسلامية جميلة، بملابس تقليدية، وتُباع مع تشيكلة إضافات أُخرى. تلعب تلك الدُمى دورين في آن معًا: تربية البنات على دور الأم والمرأة المُسلمة، ونشر قيم الإسلام بين المُسلمين في الدول الغربية والإسلامية. حتى أن باربي الإسلامية المُتطورة تتحدث اللغة العربية، تُعلم البنات كيفية الصلاة وتتلو آيات مُختارة من القرآن.

يشهد سوق بيع الدُمى الإسلامية، في سنوات الألفية الثانية، نموًا كبيرًا، ويتم تسويق الدُمى الإسلامية بموازاة الدُمى الغربية. ربما ما عدا المصالح الاقتصادية، التربوية والشكلية، يشجع المُشرعون الإسلاميون المعاصرون المؤمنين وأولادهم على الاستمتاع بوقت فراغهم. يُقال إن النبي ذاته، كان يستمتع بالضحك والفكاهة، من خلال اللعب بالدُمى وممارسة الرياضة: “منح استراحة للدماغ”، هكذا قال، حسب الشريعة، “لأن المُخ المُتعب يُصبح مُخًا أعمى”.

نُشرت هذه المقالة لأول مرة على موقع Can Think

اقرأوا المزيد: 555 كلمة
عرض أقل
Inayah (Instagram)
Inayah (Instagram)

مسلمون ومسلمات في مواقع المبيعات على النت

مواقع المبيعات على الإنترنت الموجّهة إلى المسلم المؤمن، تزدهر في أنحاء العالم الغربي. وهي تثير تساؤلات فقهية تتعلق بالتواضع، استخدام بطاقات الاعتماد والاستسلام لثقافة الاستهلاك الغربية

ازدهر في السنوات الأخيرة الاستهلاك عبر الإنترنت في العالم كله وفي المجتمعات العربية والإسلامية بشكل خاص. إن الفاعلية الكبيرة لمواقع المبيعات عبر الإنترنت والطلب على سلع حلال – أي منتجات تم تصنيعها وفقا لمبادئ التمويل، العمل والأخلاق الإسلامية – وخصوصا من قبل المسلمين الذين يعيشون في الغرب، جعلت رجال أعمال مسلمين يؤسّسون مواقع إسلامية.

برز معظم هذه المواقع بعد أحداث الحادي عشر من أيلول، ويبدو بسبب التغييرات في سهولة حركة الأقليات المسلمة في الغرب. هذه المواقع متقدّمة جدا من الناحية التقنية وتتوجه إلى المسلمين في الغرب، إلى معتنقي الإسلام الجدد، إلى النساء الغربيّات اللواتي يبحثن عن أزياء “شرقية” أو متواضعة نسبيا، وللمتسوّقين الذين يطاردون “عملية الشراء الخاصة المقبلة”.

أحد هذه المواقع البارزة هو Shopping Online، وتم تأسيسه في تشرين الثاني عام 2001، بعد شهرين من أحداث مركز التجارة العالمي. وهو متجر كبير لكل شيء يعرض سلعًا حلالا، من بينها لعب الأطفال، الملابس، مستحضرات التجميل، مجوهرات الفضة والذهب، الكتب للمسلمين الجدد وملفات أحكام الفقه.

#Inayahquotes

A post shared by INAYAH (@inayahc) on

يمكن للمتصفّحة المتابعة زيارة متجر الملابس النسائية الهولندي على الشبكة، Inayah. يصرّح مؤسسوه أن الأزياء الإسلامية الحديثة للماركة تدمج التوجهات العصرية والإسلامية الفريدة. إنها “أزياء خاصة وأصيلة لمصمّمين، ولا تتبنى أي اتجاه عابر في عالم الموضة والذي يتم إملاؤه من قبل الغرب، وإنما ما يصلح للمرأة المسلمة”. الملابس الإسلامية مريحة، متواضعة وعصرية وهي تلائم مقاسات أجسام مختلفة. تتم حياكة تلك الملابس بقطع محدودة وليس بإنتاج ضخم كما هو معهود في الغرب، مما يسحر مرتدية الملابس المسلمة وغير المسلمة على حدّ سواء.

أثارت كثرة هذه المواقع وشعبيّتها نقاشا فقهيّا حول السؤال إذا ما كان الشراء عبر الإنترنت جائزا في الإسلام. لفت علماء الفقه انتباه المتصفّحين المتديّنين إلى أنّه في معظم هذه المواقع هناك إعلانات منبثقة، ذات محتوى محظور في بعض الأحيان، وبطبيعة الحال تحتوى على صور غير لائقة وتسوّق مشروبات كحولية. ولذلك تم توجيه المؤمنين إلى مواقع إنترنت “حلال” تُعرض فيها السلع دون وجه أو جسد لعارضي/عارضات أزياء.

Amsons
Amsons

وحول سؤال استخدام بطاقات الاعتماد اختلفت آراء الفقهاء بين التيار الوسطي المتساهل، وبين فقهاء التيارات الأخرى في الإسلام. كان هناك فقهاء رفضوا الفكرة رفضا قاطعا على أساس أنها ممارسة غربية بغيضة تؤدي إلى التبذير والسقوط في شبكة القروض والربا المحظورة دينيًا. إنّ استخدام بطاقات الاعتماد، كما قيل، يعيد المسلمين إلى فترة ما قبل الإسلام التي أدار فيها العرب حياتهم من خلال الدفع المؤجل. وفضلا عن ذلك، فإنّ تكاليف الاستخدام التي تتقاضاها شركات بطاقات الاعتماد هي بمثابة ربا اخترعته البنوك الغربية من أجل استغلال زبائنها. ووجّه هؤلاء الفقهاء المتسوّقين إلى مواقع تقبل الإيداع إلى حسابات بنوكهم، على طريقة “ادفع وخذ” (وذلك على الرغم من أنه عند كل وديعة تجبي البنوك رسومًا من زبائنها).

وقد أجازت فتاوى أخرى استخدام بطاقات الاعتماد فقط عند غياب إمكانية الدفع الأخرى في الموقع. وكان هناك فقهاء أجازوا استخدام بطاقات الاعتماد المشحونة بمبلغ معين أو أوصوا بألا يتجاوز الزبائن الرصيد الحالي في حساباتهم. أجاز بعض الفقهاء، ومن بينهم القرضاوي، استخدام بطاقات الاعتماد بناءً على حديث منسوب للنبي محمد وبحسبه يجوز الدفع بعد يوم الشراء. وأوضح المجيزون أيضًا أنّ الشراء عبر الإنترنت يتمّ عندما تكون سلّة المشتريات المفترضة موجودة أمام أعين المتصفّح، ويرفق لكل منتج صورة وسعر. يسمح التسوق عبر الإنترنت للمتسوّقة بتتبّع سلّة المشتريات وتحديثها، حيث تتمتّع بالتحكّم الكامل فيما يتعلق بالميزانية المتاحة لها.

Amsons
Amsons

وفضلا عن الاستهلاك الحكيم، يعتبر رجال الأعمال والفقهاء الوسطيون مواقع التسوّق أداة لنقل رسالة دعائية إسلامية. يصرّح مؤسّسو هذه المواقع بأنّهم يقومون بدور فاعل في نشر الدعوة الإسلامية. سيعزّز تسويق السلع الحلال، على سبيل المثال، دين الإسلام في قبول المسلمين في الغرب. بل وتبلّغ مواقع معيّنة المشترين بأنّه سيتم إرسال جزء من الأرباح إلى منظّمات إسلامية.

وهناك توقيع لتلك المواقع أيضًا على معاهدة التجارة النزيهة: تم إنتاج السلع بطرق قانونية، صديقة للبيئة، ليست مسروقة، ولم يشارك الأطفال في عملية الإنتاج. وعلاوة على ذلك، فإنّ معظم السلع مصنّعة في تركيا أو في دول إسلامية أخرى، بحيث سيساهم شراؤها في ازدهار الاقتصاد الإسلامي. وكل شيء يبدأ بالنقر على زرّ الفأرة.

نشر هذا المقال لأول مرة على موقع Can Think

اقرأوا المزيد: 615 كلمة
عرض أقل
النباتية (Thinkstock)
النباتية (Thinkstock)

النباتية في الإسلام المعاصر

ازدياد الوعي بالنسبة لمسألة الذبح الرحيم والأكثر إنسانية للحيوانات، في الغرب، تضمن أيضًا ادعاءات قاسية ضد الدين الإسلامي. ظهرت لدى المسلمين حيرة داخلية بخصوص مسألة قوانين الذبح في دينهم، وكانت النتيجة حوار داخلي مُثير حول مسألة النباتية في الإسلام

هل يمكن أن يُنافي أسلوب الحياة النباتي مبادئ الإسلام؟ لقد طُرح هذا السؤال مرارًا من قبل مُسلمين يعيشون حول العالم. تجري العادة، في المناسبات الدينية؛ وبينها شهر رمضان وعيد الأضحى، ذبح الحيوانات وتناول لحمها كجزء من تقديم الأضاحي لله. يُشكل العدل الاجتماعي، إلى جانب ذلك، ومسألة الاهتمام بالآخر المبادئ الأساسية في الإسلام، وإن كان ذلك تحت إطار “في فقراء بلده”.

تضمنت مسألة رفع الوعي، بخصوص الذبح الرحيم والإنساني للحيوانات، في الغرب ادعاءات لجماعة “الخضر” بأن الدين الإسلامي هو الدين الأكثر بربرية ووحشية فيما يتعلق بذبح الحيوانات. لقد ظهرت لدى المسلمين المؤمنين حيرة داخلية بخصوص مسألة قوانين الذبح في دينهم، وهناك من توجهوا إلى مفتين شرعيين لأخذ نصيحتهم. أثارت الفتاوى الدينية وإبراز هذا الموضوع حوارًا مُشوقًا في مسألة حكم النباتية في الإسلام.

يؤيد الحوار الوسطي، المعاصر، مسألة نهج الحياة النباتي. التيار الوسطي هو التيار الرئيسي والمعتدل في الإسلام، الذي يحمل شعار الاجتهاد (سن تشريعات جديدة والتي ليس هناك ما يؤكدها في التشريعات الدينية الموجودة)، وتيسير الشرائع، والمصالحة بين الشيعة والسُنّة، بين التيارات والمعسكرات المُختلفة في الإسلام، وبين العالم الإسلامي والعالم غير الإسلامي.

استعدادات عيد الأضحى في إسرائيل وفلسطين (Flash90Abed Rahim Khatib)
استعدادات عيد الأضحى في إسرائيل وفلسطين (Flash90Abed Rahim Khatib)

يؤكد المفتون على أنه، فيما يتعلق بموضوعنا، بأن مذهب النباتية ليس ابتكارًا غربيًّا. ليس هناك ما يدعو المسلمين إلى الخوف من تبني عادات غريبة، يدعي المُفتون، حيث أن النباتية قد ذُكرت للمرة الأولى في القرآن. يُذكّر المُفتون، بتفاخر، بأن راية الإسلام خضراء – رمز النباتية. يُشجع الإسلام، حسب ادعائهم، تبني النباتية ويوصي القرآن الكريم المؤمنين بتناول الغذاء النباتي الذي يُعتبر حلالاً، أي، مسموح به من ناحية دينية.

يُشدد الحوار الوسطي على أنه من واجب المُسلم الدفاع عن حياة وحقوق الحيوانات، التي تستحق الحماية تمامًا مثل البشر. يُشير الشيخ يوسف القرضاوي، في فتواه، أن للحيوانات خمس حواس، تمامًا مثل الإنسان، لديها روح، وتشعر بالألم. ليس جميعها مُحلل لأكل البشر لذا يجب العناية بها. ويدعي مفتي آخر، ذاكر عبد الكريم نايك، بأن قتل حيوان لديه حاستان، على الأقل، يُعتبر جريمة. يصف مفتي ديني آخر أفضلية النباتية على صحة الإنسان، ويحث قارئيه على تبني هذا النهج.

يُدرك، ما عدا ذاك، الكثير من المفتين التداعيات البيئية القاسية المُتعلقة بتربية عدد كبير من الأبقار والحيوان من أجل استهلاكها، ويناشدون الجمهور بتقليل الكمية التي يأكلونها من اللحم وحتى التخلي تمامًا عن أكلها. وهناك من يدعون أن سورة البقرة، في القرآن، تتحدث عن التأثير السيء لذبح الأبقار على جودة البيئة وعلى الموارد الطبيعية.

الشيخ يوسف القرضاوي (AFP)
الشيخ يوسف القرضاوي (AFP)

حتى أن الإسلام الوسطي يدعي أن النبي كان شبه نباتي، كان يدعم النباتية من كل قلبه وعند هجرته من مكة إلى المدينة المنورة منع ذبح الحيوانات وتقديم الأضاحي. وورد في الحديث النبوي الشريف أن النبي مُحمد حذر من التناول المفرط للحم خشية من حدوث الإدمان الممنوع. إنما فيما يخص اللحم الذي تم ذبحه يدعي المفتون الوسطيون بأن النبي قال: “إن لم يكن اللحم طيبًا، لا لزوم لأكله”. بكلمات أُخرى، تقف تحت خدمة الفرد المؤمن من كل قلبه، بمذهب النباتية، حرية الاختيار. من هنا يتضح أنه ليس على النباتي ذبح حيوان في المناسبات الدينية، لأن الشيء المتعارض مع نمط حياته لن يُقربه بالتأكيد من الله.

تجد بعض الفتاوى المعاصرة بمذهب النباتية حلاً لطيفًا للتخفيف عن حياة المُسلمين في أوروبا، الذين يحتارون أو يخشون من مسألة إذا كان اللحم حلالاً أم لا، والفتاوى الدينية تُشجع المُسلمين النباتيين على الانضمام لحركة النباتيين العالمية. علينا أن نُشير أيضًا إلى نشاط الهيئة الإسلامية في أنحاء أوروبا، التي تحث السلطات في الغرب وجماعات “الخضر” على الدفاع عن حقوق الحيوانات والرفق بالحيوانات المذبوحة. الذبح السليم، وفقًا لادعاءاتهم، إن كان وفقًا للإسلام أو اليهودية، هو أكثر إنسانية من قتل الحيوان بواسطة تيار كهربائي، ويجب أن تتحول تلك الطريقة إلى نهج عالمي.

تنشط الحملة الإسلامية الخضراء ضد الألبان واللحم الذي تُصنعه شركات كبيرة في أوروبا، وتنادي بضرورة التقليل من استهلاك الغذاء الذي يؤدي إلى أمراض قلب وسرطان، لدى البشر، وفوق كل ذلك – ناشدت المؤمن المُسلم بأن يساهم بالحفاظ على بيئة خضراء أكثر.

نُشرت هذه المقالة لأول مرة على موقع Can Think

اقرأوا المزيد: 601 كلمة
عرض أقل