رجاء ناطور

مظاهرة نسوية في القاهرة (AFP)
مظاهرة نسوية في القاهرة (AFP)

التطبيق الجديد في مصر: “تحرش جو”

تُحدث مبادرة "خريطة التحرش" في مصر، وأخريات مثلها، تغييرا في الشعور بالأمان لدى النساء في المجال العام، ولكن ستصبح محاربة العنف الجنسي في الدولة نجاعة أكثر إذا شارك الرجال في زعزعة المجتمع الذكوري

لقد استطلعتُ مقالا كُتب في السنة الماضية يتناول المعطيات الصعبة التي تتطرق إلى العنف الجنسي،‏‎ الذي تواجهه النساء في مصر، والذي ازدادت حدته بعد سقوط حكم حسني مبارك. ‎ ولكن إلى جانب الصورة المظلمة هناك نقاط ضوء. أهمها هي تجنّد النساء المصريات للعمل الاجتماعي الذي سيُغيّر الواقع.

لقد تطورت في مصر في غضون فترة قصيرة مبادرات اجتماعية حظيت بأسماء مختلفة مثل “خريطة التحرش”: “افضح متحرش”،  “امسك متحرش”، “قوة ضد التحرش”، “نَفْسي” “بُصي”، وغيرها. لم يكن بوسع النشاط النجاح لولا المنظمات الاجتماعية التي شكلت البني التحتية لنموه. طيلة سنوات، عمل المجتمع المدني، ولا سيّما مجموعة غير صغيرة من منظمات النساء، على اجتثاث ظاهرة العنف الجنسي في مصر، بموجب رؤيا دفع تغيير الوعي والتغيير الاجتماعي قدما على الأمد الطويل. بدءا من عام 2010، نجحت هذه المنظمات في إدخال النقاش النسوي بين أوساط آلاف الرجال والنساء في مصر، بفضل عملها ضد العنف الجنسي وعلاج أشكاله المختلفة.‎  ‎

‏‎”‎خريطة‎” التحرشات” ‎‏‏‎ ‎‏هي مجموعة مثيرة للاهتمام بشكل خاص. لقد أسستها ريفكا تشاو‎  وهي ناشطة رائدة في منظمات المجتمع المدنيّ في مصر منذ عام ‏2005‏. قررت تشاو وزميلاتها اللواتي تعرضن إلى العنف الجنسي في مصر يوميا، العمل ضد الظاهرة. في عام 2010،  تبنى مركز حقوق المرأة المصرية المبادرة، وبمساعدته أطلِق تطبيقا محوسبا وفعالا يتيح لكل مواطن/ مواطنة إبلاغ السلطات لتنفيذ القانون وطواقم ميدانية من المتبرعين عن حالات العنف الجنسي في المجال العام. تعمل هذه الطواقم أيضا في الأحياء المعرّضة كثيرا للخطر والاعتداءات في المدن؛ تعثر على الشخصيات من الرجال والنساء التي تلعب دورا رئيسيا، تدفع النقاش حول التحرشات الجنسية قدما بلغة تلائم كل شخص، وتكسر الصمت والموافقة على الظاهرة.

ليس أن المبادرة تنتج “منطقة خالية من العنف الجنسي” في المجتمع المحلي فحسب، بل إنها تساهم في رفع الوعي العام حول الظاهرة. من المعتاد التفكير أن التحرشات الجنسية في مصر تحدث في مناطق وحالات معينة، لكنها شائعة في كل مكان وحالة – في الأحياء النائية، الحوانيت بقرب المنازل، وفي الأحياء الغنية أيضا.

متطوعو “خريطة التحرشات” الذين يعملون في المناطق هم غالبا من سكانها، شخصيات معروفة فيها، وينجحون في إنتاج حديث ذي أهمية مع الأشخاص الرئيسيين في الحي مثل البائعين المتجولين، وأصحاب المقاهي أو المطاعم. هكذا يحققون تعاونا مستقرا جدا للفكرة ونوع التدخل. لقد حقق هذا النشاط دوائر تأثير متنوعة، مثل إقامة وحدات شرطة مؤلفة من النساء تعمل في المجال العام وفي الأحرام الجامعية، مجموعات عمل من الطالبات الجامعيات اللواتي يعملن ضد العنف الجنسي، شركات سفريات خاصة وآمنة للنساء، وتشجيع تحويل شركات تجارية إلى شركات آمنة للنساء.

تشكو منظمات نسائية وناشطات من أن المنظمات والنشاطات النسوية ما زالت غير متناسقة من ناحية فكرية ولوجستية ولذلك فإن النقاش مشتت وجدول الأعمال غير منتظم ومثير للجدل. وتسود ادعاءات تقول إن العمل يرتكز أساسا على منظمات نسائية، وإن الرجال من الطبقات الاقتصادية الاجتماعية المختلفة لا يشاركون في النقاش أو العمل، وكما أن النقاش العام النشط لا يُترجم إلى قوانين ولا يطبّق بشكل فعال. هكذا تدعي المنتقدات، في الواقع، لأن القانون المصري يستند على تفسير الشريعة التي لا تصب في مصلحة النساء.

في السنوات الماضية أصبح المجتمع المصري ممزقا وينزف بسبب الانقلابات السياسية المصيرية. ستمر سنوات حتى يرتقي المجتمع المدني إلى مكان أكثر تضامنا. ولكن سيكون تعاون الرجال من أجل العمل ضد الظاهرة ناجعا فقط إذا لم يكتفوا بالتعبير عن التضامن، بل إذا شاركوا في الكفاح من أجل زعزعة التفكير والعمل الذكوري.

نُشر هذا المقال للمرة الأولى في موقع منتدى التفكير الإقليمي

 

اقرأوا المزيد: 522 كلمة
عرض أقل
تونس: يجب ترجمة النسوية إلى إنجازات (AFP)
تونس: يجب ترجمة النسوية إلى إنجازات (AFP)

تونس: يجب ترجمة النسوية إلى إنجازات

نضال النساء في تونس من أجل المساواة يختلف كثيرا عن نضال النساء في الدول العربيّة الأخرى، لأنّ نقطة الانطلاق لديهن مختلفة والوعي النسوي لدى الجمهور أعلى. ولكن ما زال يقف أمامهنّ تحدّي تعزيز تأثيرهن الانتخابي وتحقيق إنجازاتهن السياسية

اندلعت “ثورة الياسمين” في تونس، والتي بشرت بالربيع العربي، في كانون الأول 2010 في أعقاب انتحار محمد البوعزيزي العلني، وذلك احتجاجا على ظروف الحياة الصعبة في البلاد. في أعقاب وفاته، احتج آلاف النساء والرجال في الشوارع، في البداية اهتم الاحتجاج بتحسين الاقتصاد، العمل والرفاه، ولكن تدريجيا تحوّلت الهتافات إلى مطالبات بإسقاط نظام بن علي.

كانت النساء، في تونس أيضًا، من بين الأوائل الذين خرجوا للتظاهر، وكان القمع في البلاد موجها ضدّهن أيضًا، وفي فترة حكم بن علي كانت هناك على أقلّ تقدير 400 سجينة سياسية في السجون التونسية. ولكن بخلاف مشاركة النساء في الاحتجاجات العربية في دول أخرى في المنطقة، كانت الاحتجاجات في تونس منظّمة، مدروسة، وذات رسائل سياسية-اجتماعية واضحة، بفضل التاريخ الطويل للنشاط الاجتماعي والسياسي النسوي في البلاد، والذي بدأ منذ عهد الرئيس بورقيبة (1957-1987).

ضمنت هذه المشاركة للنساء في تونس دورا فعالا في مرافقة الهيئة البرلمانية – الديمقراطية الأولى التي تأسست بعد الثورة، متمثّلة بـ “المجلس التأسيسي” (والذي كانت  67 امرأة من بين أعضائه الـ 217). لقد رافقن عملية الدمقرطة وأثرينَها بجدول أعمال نسوي. ورغم أنّ حقوقهن في البلاد كانت واردة في دستور عام 1956، والذي أشار إلى أن الرجال والنساء متساويين وحظر تعدد الزوجات وزواج القاصرات، سجلت النساء في تونس إنجازات مهمة جدا بعد الثورة، مثل القانون الأساسي الذي يُلزم بالمساواة والتناوب بين النساء والرجال في الانتخابات وفي التمثيل الحزبي، والقانون الأساسي للمساواة المدنية الذي يُلزم بالقضاء على التمييز وكل أنواع العنف ضدّ المرأة. وليس أقل أهمية من ذلك، وخصوصا على خلفية تدهور مكانة المرأة في أعقاب الثورات في الدول العربيّة الأخرى، أنه قد تم الحفاظ في الحقيقة على إنجازات النساء السياسية في تونس من السنوات السابقة.

تونس: يجب ترجمة النسوية إلى إنجازات (AFP)
تونس: يجب ترجمة النسوية إلى إنجازات (AFP)

وقد جاء اختبار إنفاذ الدستور المعدّل والمبني على المساواة منذ عام 2011 في انتخابات عام 2014. ورغم أن القانون قد قرر أنّ النساء سيكنّ نصف رؤساء القوائم المتنافسة في الانتخابات، فقد تصدرت النساء قمة قائمتين فقط من بين 33 وتصدر 12% فقط من المترشّحات قوائم حزبية. عيّن حزب النهضة الإسلامي خمس نساء في قائمته، ولكن أولئك اعتمدنَ الخطاب الديني لحزبهن ولم يكنّ حليفات للنساء التونسيات اللواتي لا يرغبن في دولة شريعة. ألغت معظم الأحزاب، بما في ذلك “نداء تونس” الليبرالي والتقدمي، ترشّح نساء لرئاسة القوائم نيابة عنها وقلّصت أعدادهن في القائمة لاعتبارات انتخابية.

وكأخواتهن في مصر، وخصوصا في ليبيا، تمت خيانة النساء التونسيات ليس فقط من قبل الأحزاب الدينية، التي ادعت على كل الوقت أنّ إنجازات الثورة سيتم الحفاظ عليها وأنّها لا تعتزم تحويل تونس العلمانية إلى إسلامية، ولكن أيضًا من قبل شركائهنّ الليبراليين. ومع ذلك، فقد كان 46% من المسجّلين في سجلّ الناخبين من النساء، وهو إنجاز استثنائي بكل معنى الكلمة، ونابع من العمل الميداني المذهل للمنظمات النسوية في تونس.

يختلف نضال النساء في تونس من أجل المساواة كثيرا عن نضال النساء الأخريات في الدول العربيّة، ليس فقط لأنّ نقطة انطلاقهن مختلفة وإنما لأنّ حاجتهنّ إلى العمل الميداني، التجنيد والتحريك للنشاط، والنضال أقل. لا يكمن نضالهن في رفع الوعي النسوي لدى الجمهور أو تمثيل النساء في البرلمان، وإنما في ترجمة الوعي وجدول الأعمال النسوي إلى قوة انتخابية ولاحقا إلى إنجازات سياسية. بكلمات أخرى، يدور الحديث عن نضال فعال وناجح ضد مبنى القوة الذكوري القائم.

نُشر هذا المقال للمرة الأولى في موقع منتدى التفكير الإقليمي

اقرأوا المزيد: 499 كلمة
عرض أقل
حي على جهاد النكاح
حي على جهاد النكاح

الجذور العميقة لجهاد النكاح لدى داعش

الموقف الغامض من ظاهرة الجهاد الجنسي الداعشي في العالم العربي والإسلامي يسمح بازدهار هذه الظاهرة ويؤهلها لتكون معيارية ومشروعة فقهيا

إنّ تأهيل، تشويه وتقييد جسد المرأة المسلمة فقهيا وعمليا هو اشتغال ذكوري قديم جدا، مهيمِن وقهري غالبا. اهتمت “السنة” – وهي التراث الشفهي، المستند إلى تعليمات النبي محمد (صلعم)- بجنسوية المرأة في التقييد أو في السماح، ولكن النبي نفسه اخترع سابقات جنسية خطيرة، غير أخلاقية، على حساب جسد المرأة. أشهرها هو زواج المتعة، والذي تم تقديمه خلال المعارك أثناء احتلال مكة في السنة الثامنة للهجرة. توجه المقاتلون المسلمون، وهم منهكون من القتال وبعيدون عن منازلهم ونسائهم، إلى النبي وطلبوا منه ملجأ جنسيا مؤقتا لتلبية رغباتهم ليستطيعوا الانتصار على كفار مكة. وبغض النظر عن أية سلطة إلهية أو أخلاقية سمح النبي لمقاتليه باتخاذ نساء المتعة لأنفسهم واللاتي ستنسيهم معاناتهم وتعززنَ احتمالهم في مواجهة العدوّ الكافر.

من خلال هذا القرار قد اتخذ النبي سابقة جنسية ولكن أيضًا تشيئا جنسيا للمرأة على مدى المئات من السنين.‎ ‎في العقد الأخير أفتى فقهاء الشريعة، السعوديون بشكل أساسيّ، بأنواع مختلفة من الجوازات الجنسية المشبوهة من الناحية الفقهية والأخلاقية: زواج المسيار (وهو اتفاق لا يلزم الرجل من الناحية الاقتصادية وهدفه الوحيد هو إجازة العلاقة الجنسية)، زواج الفريند (والذي يشبه في أساسه زواج المسيار ولكنه يتعلق بالعازبين/العازبات المسلمين/المسلمات في الغرب)، الزواج العُرفي (اتفاق زواج سري لا يعطي مكانة رسمية وحقوق شرعية ومدنية للمرأة)، زواج المتعة (اتفاق زواج يدفع فيه الرجل للمرأة مبلغا ماليا معيّنا مقابل الزواج لفترة زمنية محددة والتي لا تتمتع خلالها بأية حقوق)، وأخيرا جهاد النكاح.

لا يمكن وصف أنواع الاتفاقات الجنسية هذه وآثارها على جسد ومكانة النساء المسلمات الاجتماعية. ولكن بشكل عام فهي تجعل المرأة شيئا جنسيا تحت تصرف الرجل، وتشجع على الاستغلال الاقتصادي، الاجتماعي والعاطفي للنساء، وتسلب منهنّ حقوقهن الدينية والفقهية. نشأت جميع هذه النماذج من قبل الهيمنة الذكورية في الدول العربية المختلفة وهي تخدم المصالح الاجتماعية، الاقتصادية، والجنسية للرجال.

اندفعت ظاهرة جهاد النكاح لدى داعش إلى الوعي العام الإسلامي والعربي عام 2013، عندما أفتى الشيخ السعودي محمد العريفي في تويتر أنّه يجوز لمقاتلي الجهاد في سوريا، فقهيا، أن يتزوجوا أية فتاة عمرها 14 عاما وما فوق. ولدى انتهاء عدة ساعات من هذا “الزواج”، والذي يهدف إلى تعزيز روح المقاتلين، تنتقل النساء إلى مقاتلين آخرين. دعا بعض فقهاء الدين السعوديين النساء المسلمات، لاحقا لفتوى العريفي، إلى الخروج إلى سوريا من أجل متعة مقاتلي الجهاد.

ولا يُعرف عدد النساء اللواتي استجبنَ إلى هذه الدعوة، ولكن ظهر من الصحافة العربية أنّ النساء ذوات الجنسيات المتنوعة (بما في ذلك الغرب) قد خرجن إلى سوريا. ذكرت رابطة النساء الوطنية التونسية أنّ هناك 100 امرأة تونسية انضممن إلى جهاد النكاح، ورفعت مصادر غير رسمية الرقم إلى 700 امرأة. وذكر رياض بقارة، من رؤساء الحرس الوطني التونسي، أنّ هناك نحو 3000 امرأة من دول مختلفة خرجنَ لممارسة جهاد النكاح في سوريا، وذكر أنّه في مدينة حلب قد افتُتح مكتب رسمي لتجنيد وتوجيه النساء لجهاد النكاح مع مقاتلي داعش. ولا تشمل هذه الأرقام الاغتصاب الجماعي والمنهجي للنساء اليزيديات في العراق من قبل عناصر داعش، أو التقارير عن الفظائع الأخرى في هذه الدولة، مثل شنق 30 امرأة من الموصل بعد أن رفضن الاستسلام لعناصر داعش.

وإلى جانب خدماتهنّ الجنسية تعاني نساء جهاد النكاح من اضطهاد آخر: أعمال الصيانة، الطبخ والتنظيف، إدارة معسكرات الجنس لدى داعش وأعمال الدعاية في مواقع التواصل الاجتماعي بهدف جلب المزيد من النساء للخضوع إلى العبودية الجنسية والخدمة. مديرات معسكرات الجنس، وهنّ نساء قد استبطنَّ الاضطهاد الذكوري ومارسنه على نساء أخريات، هنّ الذراع الشنيع للاستغلال الجنسي. تختلف آراء فقهاء الدين المسلمين كثيرا حول مسألة جهاد النكاح؛ فالمصريون يعربون عن معارضتهم الشديدة في حين أن السعوديين متحمّسون ومؤيدون. في الواقع، فإنّ الكثير من الفتاوى الفقهية تأتي من السعودية، وهي دولة غنية يتوسع فيها فقهاء الدين والأثرياء في الاستعباد واستغلال الدول الإسلامية الفقيرة أيضا في الجوانب الجنسية.

وفيما عدا جهات رسمية، مدنية، ودينية من تونس، لم تدِن أية دولة إسلامية هذه الظاهرة رسميا. إنّ الموقف الغامض من هذه الظاهرة يسمح بازدهارها في أوساط المقاتلين، ولكن الأسوأ من ذلك في أوساط الرجال والنساء العاديين الذين يعتبرونها ظاهرة معيارية ومشروعة فقهيا.‎ ‎توجه الفتاوى الفقهية في العالم الإسلامي مسبقا إلى متعة وعظمة الرجل بواسطة استغلال جسد المرأة.

نشر هذا المقال لأول مرة في موقع منتدى التفكير الإقليمي

اقرأوا المزيد: 636 كلمة
عرض أقل
زواج سوري في مخيمات اللجوء (AFP)
زواج سوري في مخيمات اللجوء (AFP)

النساء والفتيات السوريات لا يتزوجن ولا يحظين بالحماية

عشرات آلاف النساء والفتيات يتزوّجن، لعدم وجود خيار أمامهن، من رجال عرب، وتحديدا من دول الخليج، والذين من المفترض أن يوفّروا لهنّ الحماية. حول الظاهرة، أسبابها وآثارها الاجتماعية

أدى انهيار سوريا إلى نزوج أكثر من عشرة مليون سوري من منازلهم، وقد بقي معظمهم داخل حدود سوريا بينما غادر بعضهم البلاد. يستمرّ اللاجئون السوريون بالتدفّق إلى أوروبا ولكن بشكل أساسيّ إلى الدول المجاورة – الأردن، مصر، لبنان، السعودية وتركيا – بينما فقدوا كافة ممتلكاتهم وأصبحوا منكوبين. تم توجيه معظمهم إلى أماكن عيش قائمة وغير مستقرة وكذلك إلى معسكرات اللجوء الجديدة التي أقامتها الدول المستضيفة من أجلهم، بشكل عام في المناطق الحدودية، وهم يعتاشون على المساعدات الدولية التي توفر حاجياتهم الأساسية فحسب.

نحو ثلاثة أرباع اللاجئين السوريين في دول المنطقة هم من النساء. وفقا لبيانات UNICEF، قدمت المنظمات الدولية حتى الآن فقط ربع مبلغ التزامها تجاه اللاجئين السوريين، مما يجعل الميزانية اليومية مبلغا صغيرا يصل إلى نحو 3.2 دولار للاجئ (وفقا لبيانات مفوضية شؤون اللاجئين في الأمم المتحدة). يعتمد نحو ربع عائلات اللاجئين في كسب الرزق على النساء، وتشير بيانات الأمم المتحدة إلى أنّ واحدة فقط من بين كل خمس نساء تحصل على أجر مقابل عملها، حيث إنّ معظم الأسر، ولا سيما في لبنان، تقع تحت خطّ الفقر. فضلا عن ذلك، فالمساعدات الإنسانية للاجئين ترتكز على بقائهم المادي، يوميَّا. وليس هناك ما يضمن للنساء السوريات الأمان، وهذه هي المشكلة الكبرى التي تعترض طريقهن، كذلك ليس هناك الأساس التعليمي والمدني الجيد من أجل حياتهنّ المستقبلية.

أدى انهيار سوريا إلى نزوج أكثر من عشرة مليون سوري من منازلهم

لا تسمح المساعدات الإنسانية، ولا المكانة، المقدمة إلى اللاجئات السوريات في الدول المستضيفة أن يعشن حياة كريمة. فقد معظمهنّ الرجال الذين يعيلون الأسرة؛ الأزواج، الآباء والإخوة. والتحدي الذي يقف أمامهن صعب جدا: لاجئات يفتقدن إلى المكانة والحقوق، وعليهن إعالة أسرهن لوحدهنّ، ولا يحظين بالحماية الرجولية، ومصيرهنّ مرهون بأيدي أصحاب القوة والسلطة. وهكذا أصبحنَ فريسة سهلة للرجال، ولا سيما، في دول الخليج، مما أدى إلى ازدهار ظاهرة زواج السترة أو زواج المتعة: استغلال النساء السوريات تحت ذريعة دعمهنّ وحمايتهنّ.

ينبع هذا “الزواج” من الرؤيا المجتمعية – الدينية السائدة والتي تشير إلى أن العلاقة الزوجية فقط هي القادرة على حماية المرأة، وليس، على سبيل المثال، المؤسسات الاجتماعية، ومؤسسات الرعاية الاجتماعية التي تدعم النساء، وتحديدا، النساء المعرّضات إلى ضائقة. إن نطاق هذه الظاهرة بين اللاجئات السوريات ليس واضحا، ولكن تتحدث منظمات حقوق الإنسان ووسائل الإعلام عن حوادث ليست قليلة مثل هذا “الزواج” في أماكن عديدة، ولا سيما، في مخيمات اللجوء في تركيا والأردن. وفقا لبيانات المجلس القومي لحماية المرأة في مصر، ففي عام 2013 وحده تزوجت 12 ألف سورية زواج مثل هذا. وظهر من تقارير الأمم المتحدة أنّ نحو أربعة آلاف امرأة سورية تزوجت من رجال أتراك، وأنّه في نحو ثلث الزيجات في تركيا عام 2014 كانت العرائس فتيات سوريات تحت سنّ الثامنة عشرة. وبيانات منظمة ‏save the children‏ أكثر مقلقة: نحو نصف اللاجئات السوريات اللاتي يتزوجن يتم زواجهن من رجال يكبرنهنّ بعشر سنوات، ونحو ربعهنّ لم يصلنَ بعد إلى سنّ الثامنة عشرة.

هذه الظاهرة شائعة جدّا في الدول المستضيفة للاجئين السوريين إلى درجة أنها منظّمة جيّدا. أقيمت على الحدود التركية – السورية مكاتب ارتجالية للزواج من اللاجئات السوريات، وفي ليبيا تعمل مكاتب لاستيراد النساء السوريات، في مصر يتوجه الرجال إلى المساجد ويقدّمون طلبا رسميا للزواج من السوريات، وفي الأردن ذكر رئيس مؤسسة الكتاب والسنة أنّه في السنة الماضية تلقى 500 طلب للزواج من سوريات. في الإنترنت وفي الفيس بوك افتُتحت صفحات لبيع النساء السوريات وبأسعار مختلفة: 500 جنيه مصري مقابل المرأة المطلّقة أو الأرملة و 2000 جنيه مصري للعذراء.

نحو نصف اللاجئات السوريات اللاتي يتزوجن يتم زواجهن من رجال يكبرنهنّ بعشر سنوات، ونحو ربعهنّ لم يصلنَ بعد إلى سنّ الثامنة عشرة

هذه الصورة المتشكّلة هي من صناعة الإتجار بالنساء السوريات ومدعومة من قبل منظمات ومؤسسات اجتماعية ودينية تعمل بشكل علني، وأمام أعين السلطات، في الدول المستضيفة. جعلت هذه الخدمات النساء السوريات “منتَجًا” يمكن الوصول إليه، سهلا ومتاحا لجميع الرجال في العالم العربي: نقرة على صورة في الموقع، الدفع بواسطة بطاقة الاعتماد ومن ثم يتم إرسال البضاعة إلى الزبون. ولكن التوسّطات التي تقام من قبل المنظمات الدينية أو الخطّابات في المجتمعات المحلية هي تلك التي جعلت الإتجار بالنساء السوريات أمرًا دينيّا مشروعًا، وربما واجبا أخلاقيا، يقع على أكتاف الرجال.

الخطاب المهيمن الذي يدور حول هذه الظاهرة ويمنحها شرعية هو “السترة”، حماية النساء المسلمات، والتي في إطارها يكون الرجال مجددا ليسوا مجرّد حلّ لضائقة النساء وإنما الأبطال الذين يعملون عملا بطوليا من أجلهنّ. وهذا هو أحد أسباب عدم رغبة الدول العربية المستضيفة للاجئين في مكافحة الظاهرة: كالعادة، فهي تجد صعوبة كبيرة في الحسم بين القانون المدني وبين الشريعة وتتجاهل التوتر الواقع بين هاتين المنظومتين القانونيتين، مما يكون في العادة لصالح العادة المحافظة الاجتماعية والدينية. وهناك سبب آخر وهو الحساسية السياسية – الديمغرافية في جميع البلدان المستضيفة لقضية منح الحقوق للاجئين السوريين، ولو حتى كمقيمين مؤقتين.

وهكذا تصبح ظاهرة تستند إلى علاقات القوة، السلطة، الاستغلال والسيطرة مقبولة وشرعية من الناحية الدينية. ومن المثير للاهتمام أن نذكر أنّ جزءًا كبيرا من الخطاب النسائي في العالم العربي يدور حول “اللاجئات السوريات سلبن منا الرجال” وليس حول العار الأخلاقي. بكلمات أخرى، يقف الرجال مجدّدا في مركز الاهتمام، الحاجة إليهم والمنافسة عليهم بدلا من مؤاخاة النساء وتعزيز حقوق اللاجئين.

وهكذا تضطر النساء السوريات إلى قبول الخيار “الرجولي” والتزوج من رجال محليّين أو خليجيين ليحظينَ بمكانة قانونية وليهربن من الفقر والتهديد بالطرد. وهو حلّ جزئي على أية حال، لأنّ الدول مثل مصر، الأردن والسعودية لا تعترف بوثائق الزواج من نساء لسنَ مواطنات البلاد. هذا التشريع المقيّد لا يمنع من استغلال النساء السوريات وإنما يُضاف إلى التجاهل العام للدول المستضيفة إلى ضائقة اللاجئات السوريات.

إنّ الخطاب الاجتماعي – السياسي المفتوح، والذي من الصعب مجرّد تصوّره في الظروف الحالية في الشرق الأوسط، هو الطريق الوحيد لحلول هيكلية تخفّف عن النساء بشكل عام واللاجئات السوريات بشكل خاص؛ ويقدم حلول لا تشتمل على الاعتماد على الرجل كمصدر أساسي.

نشر هذا المقال لأول مرة في موقع منتدى التفكير الإقليمي

اقرأوا المزيد: 898 كلمة
عرض أقل
نساء سوريات ضحايا اغتصاب مزدوج (AFP)
نساء سوريات ضحايا اغتصاب مزدوج (AFP)

الاغتصاب المزدوج للنساء في حروب الشرق الأوسط

صراعات القوة الرجولية في الشرق الأوسط تدور ليست فقط على الأرض وإنما أيضًا على جسد المرأة، التي تعاني من الاغتصاب المزدوج من قبل الرجال الذين يؤذونهنّ ومن قبل مجتمعاتهنّ الأصلية

اخترق استخدام الاغتصاب كسلاح في الحرب الوعيَ العالمي في التسعينيات، في أعقاب حرب البوسنة – صربيا التي اغتُصبت فيها 60 ألف امرأة. تُعرّف الأمم المتحدة ومنظمات حقوق الإنسان مصطلح ‏‎ ‎‏”الاغتصاب كسلاح في الحرب” ‎‏‏‎ ‎‏كممارسة جنسية عنيفة من قبل القوات العسكرية أو المواطنين الذين يسعون إلى تحقيق غرض سياسي. الآدب المهني المتخصّص في هذا الموضوع مليء بالأوصاف الجسدية والنفسية للأعراض الجانبية المباشرة وغير المباشرة للاغتصاب الجماعي للنساء في حالات الصراع. هناك مجموعة واسعة جدّا: الأذى الجسدي الشديد بشكل خاص في الأعضاء التناسلية، الإصابة بالإيدز والصدمات النفسية والجسدية المستدامة. إنّ الحمل نتيجة حدوث اغتصاب كهذا يحمل في طياته دلالات أخرى: الحياة مع آثار الاغتصاب طويلة الأمد، الإشارة إلى الضحية إلى الأبد، وإهانة المجتمع الذي تضررت داخل حدوده الاجتماعية والحميمية.

واليوم تحدث هذه الظاهرة التهديدية أيضًا في الحروب الدائرة في الشرق الأوسط. تأتي التقارير الفظيعة بشكل أساسيّ من سوريا، التي ورد فيها، وفقا لبيانات “المجلس الدولي للإنقاذ” من بداية شهر آب 2012، أن أربع مائة امرأة قد اغتُصبن وحدثت 250 حالة حمل نتيجة الاغتصاب بالقوة. من الصعب أن نقدّر ماذا يحدث في ليبيا والسودان، ولكن أعضاء منظمة Human Right Watch ذكروا في شباط 2015 أن هناك 27 حالة اغتصاب وما يقارب 200 حالة اغتصاب جماعي. في جميع هذه البلدان تصف النساء حالات الاغتصاب التي تحدث فيها هذه الظاهرة التي يجري الحديث عنها: يغتصب جنود الجيش وأعضاء الميليشيات المسلّحة النساء لدى هروبهنّ من القصف، عندما يبحثن عن الطعام والمأوى، في مخيمات اللاجئين، وكذلك في الحواجز وفي المعابر الحدودية التي تُسيطر عليها الجيوش التي لا تكون مشاركة في الصراع بالضرورة.

https://www.youtube.com/watch?v=u1PQPlhp-1o

إنّ الاغتصاب كسلاح في الحرب ليس مجرّد نموذج على مستوى عنف الصراعات وإنما أيضًا على حالات تجعل النساء ضعيفات ولا يُسيّطرن على مصائرهنّ.‎ ‎تحدثت معظم النساء السوريات عن اغتصاب من قبل جيش الأسد أو الميليشيات (الشبيحة)، ولكن كانت هناك أيضًا نساء اغتُصبنَ من قبل موظّفين أتراك على المعابر الحدودية كانوا يتمتعون بقوة وموارد كثيرة: تأشيرة الدخول، الغذاء، المال والمأوى. حدثت حالات الاغتصاب في السودان وليبيا غالبا خلال البحث عن السلع الأساسية التي يسيطر الرجال على الوصول إليها. بكلمات أخرى، تجعل الصراعات النساء أكثر عرضةً لأنّ الرجال يسيطرون خلالها أكثر على طرق الوصول إلى الموارد الحيوية. فيصبح جسد النساء تعويضا مناسبا للرجل مقابل الوصول الذي يسمح به إلى الموارد التي تحت تصرفه.

أصبحت النساء اللواتي اغتُصبنَ في سوريا “بضاعة تالفة”، عملنَ في البغاء وأُعِدنَ ليعملنَ كـ “مًمَتّعات” للرجال: الجنود، الثوار، الميليشيات وغيرهم من الخارجين عن القانون. في الواقع، يعيدُ الاغتصاب النساء بقسوة إلى أدوار ومهام محافِظة سائدة في المجتمعات الدينية-التقليدية. في أعقاب الحرب الأهلية السورية أجاز العديد من الشيوخ للرجال أن يأخذوا لهم النساء السوريات كـ “إماء”. أحد النماذج البارزة على ذلك هو فتوى شيخ سلفي من أصول سورية اسمه ياسين العجلوني، الذي أجاز لكل رجل مسلم أن يتخذ لنفسه 50 امرأة سورية كإماء. جاء الرجال، وخصوصا من دول الخليج، إلى مخيمات اللاجئين السوريين في أماكن عدة في الشرق الأوسط، وتحت ستار تقديم المأوى وكسب الرزق للنساء التعيسات ومارسوا معهنّ علاقات جنسيّة. وبعد عدة أيام تركوهنّ وفي الواقع تخلّوا عنهنّ لسوق الدعارة.

https://www.youtube.com/watch?v=6Wmixhycc-s

وإذا لم يكن ذلك كافيا، فإنّ اغتصاب النساء كسلاح في الحرب ينشئ دوائر عنف وقمع مستدامة داخل المجتمع والأسرة. وقد عانت النساء اللواتي اغتُصبنَ في البوسنة، بنغلادش، ليبيا، السودان، وفي الكونغو أيضا وذلك عند عودتهنّ من معسكرات الاغتصاب؛ ففي ليبيا طُلب منهنّ، وفي بعض الأحيان أجبِرن من قبل أسرهنّ، على وضع حدّ لحياتهنّ، وفي السودان عانين من النبذ لأنّ المغتصِبين وضعوا علامات على أجسادهن من خلال الحرق، وفي سوريا تم تزويجهنّ بالقوة من رجال كبار في السنّ، وفي بنغلادش، حيث حملت هناك 25 ألف امرأة من بين 200 امرأة تم اغتصابهنّ من قبل الجنود الباكستانيين في حرب 1971، عانت النساء من الإهانات اليومية من مجتمعهنّ الأصلي. في رواندا رفض الأزواج قبول نسائهنّ بعد الاغتصاب.

إنّ سلاح الاغتصاب ليس موجّها فقط ضدّ المتأذيات وضدّ مجتمعاتهنّ، وإنما أيضًا من قبل مجتمعات المغتَصَبات وضدّهنّ. يخدم الاغتصاب المجتمع الأصلي لتحقيق أغراض مختلفة عن تلك التي تم تحقيقها من قبل العدو في فترة الحرب. لا يدور الحديث عن إدانات وإهانات عابرة فقط، وإنما عن منع منهجي وبنيوي لإعادة تأهيل هؤلاء النساء، وسلب أية فرصة ذات أهمية لهنّ من أجل عودتهن إلى دوائر المجتمع والعمل. وبالمقابل، يتم تهميشهنّ ودفعهنّ إلى أسفل سلّم الظلم، حتى لو كنّ في مكانة القيادة في المجتمع القبلي سابقا.

لاجئة سورية في مخيمات الجواء في أوروبا (AFP)
لاجئة سورية في مخيمات الجواء في أوروبا (AFP)

تعتمد هذه السبل العنيفة على المباني الاجتماعية التقليدية-الدينية وهي تشكل، في الواقع، استمرارا لصدمة الاغتصاب. تُعبّر المجتمعات الأصلية للمغتصَبات عن غضبها تجاه “انعدام أخلاقية” النساء فتنتقمّ منهنّ. وتعتمد المجتمعات الأصلية تحت خطاب إعادة التأهيل، العلاج، القبول والتضامن، سياسة العقاب، التربية من جديد والتقييد، والتي هي فقط، كما يفترض، تفهمها النساء. والهدف هو كنس ما تحت سجادة هذه الظاهرة وإخفاء النساء اللواتي تضرّرنَ منها، والهروب من “وصمة العار” التي يحملنَها بدلا من مواجهة انعدام أمنهنّ في حالات الصراع ومواجهة الرجال الذين مارسوا ضدّهن العنف الوحشي. وهكذا تنتقل السيطرة إلى أيدي الرجال مجدّدا وتؤدي دورها لصالح الاضطهاد الاقتصادي، الاجتماعي والسياسي للنساء.

من المخيّب أن نكتشف بأنّ الأدب المهني المتخصص والمهتمّ بهذه الظاهرة يركّز على توثيقها ووصفها وليس على القضايا السياسية والبنيوية الكامنة في صلبها والتي تسمح بحدوثها. يبدو أنّ الاغتصاب كسلاح في الحرب ما زال يُعتبر بمثابة أعراض جانبية هامشية وغير مُتحكَّم بها في الحرب، في الوقت الذي تجري فيه صراعات القوة الرجولية على الأرض، تجري في الواقع على أجساد النساء أيضًا.‎ ‎طالما أن “الاغتصاب كسلاح في الحرب” ليس معرّفا كقضية أمن إنساني، تشبه في حد ذاتها استخدام السلاح للإبادة الجماعية والتطهير العرقي، فستستمرّ النساء بالمعاناة من الاغتصاب المزدوج – من قبل الأطراف التي تحارب مجتمعاتهنّ الأصلية وبعد ذلك من داخل مجتمعاتهنّ الأصلية ذاته.

نُشرت هذه المقالة للمرة الأولى في موقع منتدى التفكير الإقليمي

اقرأوا المزيد: 879 كلمة
عرض أقل