د. راز تسيمط

د. راز تسيمط، خبير بالشؤون الإيرانية في معهد أبحاث الأمن القومي، INSS‏ وفي منتدى التفكير الإقليمي
القيادي في حماس، صالح العاروري (AFP، تصميم: غاي أراما)
القيادي في حماس، صالح العاروري (AFP، تصميم: غاي أراما)

توطيد العلاقات بين إيران وحماس.. هل حقا نُسيت رواسب الماضي؟

رغم موقف النظام الإيراني الأيدولوجي المتطرف تجاه إسرائيل، فإن موقف الجمهور الإيراني معقد أكثر ويتميز بدعم الفلسطينيين إلى جانب التحفظ من المساعدة المالية لحماس، التي تأتي على حساب معالجة ضائقة مواطنيها

بتاريخ 24 تشرين الأول، نشرت الصحيفة الإيرانية “الشرق” مقابلة مع نائب رئيس المكتب السياسي لحركة حماس، صلاح العاروري، المتواجد في طهران في هذه الأيام. في مقابلة مع قيادي حمساوي طُرحت أسئلة ثاقبة حول موقف حماس في السنوات الأخيرة تجاه إيران وسوريا. سُئل العاروري، كيف يمكن أن تثق طهران بحماس مِن جديد، بعد أن تخلت عنها حماس التي تمتعت بدعم إيران طيلة سنوات، لصالح السعودية.

تأتي زيارة الوفد الحمساوي برئاسة العاروي إلى إيران للمرة الأولى منذ أن بدأ العاروري بشغل منصبه وبعد التوقيع على اتفاق التسوية والمصالحة بين حماس وفتح. تطرقت لقاءات الوفد مع المسؤولين الإيرانيين إلى التطورات في الحلبة الفلسطينية وإلى تعزيز التعاون بين إيران وحماس بعد سنوات من التوتر بينهما.

القيادي الحمساوي، صالح العاروري والقيادي الفتحاوي، عزام الأحمد خلال مراسم توقيع المصالحة الفلسطينية (AFP)
القيادي الحمساوي، صالح العاروري والقيادي الفتحاوي، عزام الأحمد خلال مراسم توقيع المصالحة الفلسطينية (AFP)

ازدادت المُساعَدة الإيرانية لحماس بشكل ملحوظ بعد سيطرة الأخيرة على قطاع غزة في حزيران 2007. اعتقدت إيران أن ترسيخ سيطرة حماس هام لإدارة النزاع المسلح ضد إسرائيل وضروري لدفع تأثيرها في الحلبة الفلسطينية. رغم هذا أدت الحرب الأهلية السورية إلى شرخ عميق بين إيران وحماس. بينما عززت طهران دعمها لنظام الأسد، تخلت حماس عن إيران ودعمت المعارضة السورية. أدى إحباط إيران من إدارة حماس إلى تقليص المساعدات التي حصلت عليها الأخيرة بشكل ملحوظ، رغم استمرار العلاقة بين إيران والجناح العسكري لحركة حماس. أثارت الحرب في غزة في صيف 2014 أملا مجددا في طهران فيما يتعلق بإمكانية إعادة تأهيل علاقاتها مع حماس، ولكن دعم حماس للهجوم العسكري السعودي في اليمن في آذار 2015، وزيارة خالد مشعل إلى الرياض في تموز 2015، عززا الأزمة في العلاقات.

إن تعزيز الكتلة الداعمة لإيران برئاسة زعيم حماس في غزة، يحيى السنوار، العاروري وآخرين، في الانتخابات الأخيرة التي أجرتها حماس، وكذلك الضائقة المادية التي تعرضت لها، ورغبة إيران في القيام بدور مركزي في الحلبة الفلسطينية، شق جميعها الطريق لتحسين العلاقات بين إيران وحماس. في بداية شهر آب، زار علي أكبر ولايتي، مستشار كبير لزعيم إيران، لبنان والتقى بوفد من المسؤولين في حماس. بالمقابل، استغلت حماس مراسم أداء القسم للرئيس روحاني لزيارة وفدها إلى طهران. التقى الوفد مع مسؤولين إيرانيين كانوا قد شددوا أمامه التزام إيران بمتابعة دعمها للفلسطينيين.

رغم موقف النظام الإيراني الأيدولوجي المتطرف غير المتساهل تجاه إسرائيل، فإن موقف الجمهور الإيراني معقد أكثر ويتميز بدعم النضال الفلسطيني من أجل استقلاليته إلى جانب التحفظ من المساعدة المالية والعسكرية للفلسطينيين بشكل عام ولحماس بشكل خاص، لأنها تأتي على حساب الاهتمام بضائقة المواطنين. ولكن لا يؤثر هذا الموقف حقا في بلورة سياسية إيران.

قادة حماس يذكرون الجميع من هو فعلًا الآمر والناهي في قطاع غزة***إن زيارة وفد حماس إلى #طهران، عاصمة إيران، برئاسة نائب…

Posted by ‎المنسق‎ on Saturday, 21 October 2017

خلافا لما كتبه منسق العمليات في الأراضي، اللواء يوآف (بولي) مردخاي قبل عدة أيام في صفحته على الفيس بوك ردا على زيارة الوفد الحمساوي إلى طهران، لا تدير إيران شؤون حماس في هذه المرحلة في قطاع غزة. رغم هذا، لا شك أنه للمرة الأولى هناك مصالح مشتركة بين إيران المعنية بأن تطأ قدمها مجددا في قطاع غزة وتعزز تأثيرها في الأراضي الفلسطينية، وبين حماس التي تحتاج الآن إلى مساعدة إيران المالية والعسكرية أكثر من أيّ وقت مضى. في ظل هذه الظروف يبدو أن كلا الجانبين مستعدان لنسيان الماضي، رغم أن التطوّرات في الشرق الأوسط في السنوات الماضية أثبتت أن التحالفات والتعاونات في المنطقة مؤقتة وتتغير دون توقف.

اقرأوا المزيد: 478 كلمة
عرض أقل
الجنرال قاسم سليماني
الجنرال قاسم سليماني

قاسم سليماني.. “الرجل الغامض” الذي أصبح رمزًا وطنيًا

مَن يخشى في يومنا هذا من التأثيرات العسكرية الكثيرة الخاصة بضابط فيلق القدس، الزعيم الإيراني الكبير، الجنرال قاسم سليماني، قد يحظى برؤيته قائدا في القيادة السياسية الإيرانية في المستقبَل

في شهر أيلول 2016، نشر ضابط فيلق القدس التابع للحرس الثوري، قاسم سليماني، بيانا خاصا مصرحا فيه أنه ينوي أن يتابع عمله “جنديا” في خدمة المرشد الأعلى (خامنئي) والشعب الإيراني حتي نهاية حياته. نُشر هذا البيان الاستثنائي على خلفية التقارير في وسائل الإعلام حول نيته الترشح من قبل اليمين المحافظ في إيران في الانتخابات الرئاسية الإيرانية في أيار 2017. أشار ذكر سليماني بصفته مرشحا محتملا لمنصب رئيس إيران إلى صعوده الصاروخي في السنوات الماضية: فقد ارتقى من كونه “الرجل الغامض” إلى البطل الشعبي المشهور. واتضح في استطلاع أجرته جامعة ميريلاند في صيف 2017، بعد وقت قصير من الهجوم الإرهابي الذي نفذته داعش في طهران، أن سليماني هو الشخصية الأكثر شعبية لدى الإيرانيين.

وُلِد سليماني (الحاج قاسم) بتاريخ 11 آذار 1957 في قرية قَنات مَلِك في محافظة كرمان جنوب شرق إيران. هو الابن الأوسط لعائلة مؤلفة من خمسة أولاد وبنات. يبلغ عمر أخته الكبرى أكثر من 60 عاما، وأخيه الصغير أصغر منه بنحو سبع سنوات، ويعمل مديرا في سجن في لواء طهران. لدى سليماني ثلاثة أولاد وبنتان، إحداهما هي نرجس وتعيش في ماليزيا. بعد أن أنهى سليماني تعليمه في المدرسة الابتدائية عام 1970 في سن 13 عاما، انتقل مع قريب عائلته للعيش في مدينة كرمان العاصمة. عمل مدرب لياقة بدنية وهو حاصل على حزام أسود في الكاراتيه. في عام 1976، بدأ نشاطاته ضد النظام الملكي الإيراني ,بعد وقت قصير من الثورة، انضم إلى الحرس الثوري أيضا.

بعد اندلاع الحرب الإيرانية – العراقية في خريف 1980، أرسِل سليماني إلى الجبهة الجنوبية وكان رئيسا على فيلق من كرمان. تقدم سريعا في المناصب القيادية وبدءا من سن العشرينيات أصبح قائدا لفيلق “41 ثار الله” التابع للحرس الثوري. بعد انتهاء الحرب، عاد الفريق الذي كان مسؤولا عنه إلى كرمان وأصبح هذا الفريق مسؤولا عن محاربة مهربي المخدّرات في جنوب شرق إيران. شكلت محاولاته الكثيرة في الحرب ونجاحاته في الصراع ضد هؤلاء المهربين عاملا هاما في قرار المرشد الأعلى لتعيينه في أواخر عام 1997 وبداية عام 1998 ضابطا لفيلق القدس، وحدة القيادة في الحرس الثوري.

ومنذ ذلك الحين، تلقى سليماني قيادة فيلق القدس، وازداد عدد مقاتليه ومسؤولياته في الشرق الأوسط وفي أنحاء العالم. بالمقابل، تعززت مكانة سليماني في القيادة الإيرانية. في تصريح لاذع للخامنيئي في اللقاء مع عائلة الشهداء من محافظة كرمان في عام 2005، وصف الخامنيئي سليماني بـ “الشهيد الحي” وفي أوائل عام 2011، منحه بشكل استثانائي رتبة لواء، وهي الرتبة الأعلى في الحرس الثوري.

اهتم سليماني لسنوات بالحفاظ على عدم الظهور في وسائل الإعلام تقريبا لهذا لم يعرفه الجمهور جدا. فتحت التغييرات السياسية التي طرأت في السنوات الأخيرة في العالم العربي فرصًا جديدة أمام إيران لتوسيع نفوذها في المنطقة. فقد أصبح بفضلها فيلق القدس وسيلة مركزية في مساعي إيران لدفع تأثيرها قدما وأصبح سليماني “يشد خيوط” سياسة إيران في المنطقة. أدى احتلال الموصل على يد داعش في صيف 2014، إلى تعزيز تدخل سليماني في العراق. تحدثت القناة التلفزيونية التابعة لحزب الله “المنار” عن أن سليماني وصل إلى بغداد بعد ساعات قليلة من احتلال داعش للموصل وبرفقته خبراء عسكريّين من إيران وحزب الله، فوضع استراتيجية بالتعاون مع الجيش العراقي والمليشيات الشيعية التي عملت على حماية بغداد وضواحيها من تقدم داعش.

بالمقابل، تابع سليماني تقدمه في سوريا أيضا. وفق أقوال الضابط السابق “جون مغواير” (John Maguire) في وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (‏CIA‏) في العراق، الذي اقتُبست أقواله في مقال استقصائي للمجلة الأمريكية “نيو يوركر” (New Yorker)، في أيلول 2013، فقد كان سليماني قائدا للمعركة الناجحة التي أدارها مؤيدو النظام السوري في أيار – حزيران 2013، التي انتهت بسيطرة حزب الله مجددا على مدينة القصير الواقعة على الحُدود اللبنانية السورية. في أعقاب تعزيز القوى الإيرانية في سوريا في منتصف أيلول 2015، تحمل سليماني مسؤولية تنسيق عمليات قوات تعداداها عشرات آلاف المقاتلين من الحرس الثوري، حزب الله، ومليشيات شيعية أجنبية.

إن تدخل إيران العسكري في المنطقة بقيادة سليماني منع تقدم داعش في العراق، وساعد نظام الأسد على الصمود وساعد الثوار الحوثيين في اليمن أيضا. رغم ذلك، هناك حالات فشل تعرض لها سليماني. ففي صيف 2015، اضطر إلى السفر إلى موسكو والطلب من الرئيس بوتين التدخل عسكريا في سوريا بهدف إنقاذ نظام الأسد. لقد فشلت جهود سليماني في العراق لإقناع زعماء الأكراد على إلغاء أو على الأقل تأجيل الاستفتاء الشعبي حول استقلال الأكراد بصرف النظر عن معارضة إيران وتركيا الكبيرة. أدى تدخله المتزايد في العراق إلى خلافات حادة في الرأي مع رئيس الحكومة، حيدر العبادي الذي تحفظ من تدخل سليماني الواضح في شؤون بلاده الداخلية. ففي أيلول 2015، ورد في صحيفة “النهار” اللبنانية أنه بعد خلاف حاد بين الزعيمين، طرد العبادي سليماني من غرفة الجلسات بعد أن انتقد الأخير الإصلاحات السياسية التي عرضها.

رغم التقييدات التي تعرض لها سليماني أصبح بطلا وطنيا. كلما ازادادت مشاركته في وسائل الإعلام، كثر دعم الجمهور له لدرجة أنه قام بأعمال خاصة تضمنت إصدار فيلم عن حياته، نشر كتاب مذكرات، إصدار طابع بريدي احتراما له، ورفع كليب في اليوتيوب تحت اسم “الجنرال الإيراني”. قد تساعده خدمته العسكرية، قربه من الزعيم الإيراني، وشهرته الجماهيرية الإيجابية في المستقبَل إذا دخل المعترك السياسي. مَن يخشى في يومنا هذا من التأثيرات العسكرية الكثيرة الخاصة بسليماني، قد يحظى برؤيته قائدا في القيادة السياسية الإيرانية في المستقبَل.

اقرأوا المزيد: 800 كلمة
عرض أقل
فضيحة التحرش الجنسي في المؤسسة الدينية في إيران (AFP/BEHROUZ MEHRI)
فضيحة التحرش الجنسي في المؤسسة الدينية في إيران (AFP/BEHROUZ MEHRI)

فضيحة الاعتداء الجنسي في المؤسسة الدينية في إيران

سعيد طوسي، رجل دين إيراني مقرّب من الخامنئي متهم بإعتداء جنسي على فتيان. وتثير هذه الفضيحة عاصفة في الخطاب العام الإيراني وتلحق ضررا أكثر بصورة رجال الدين الرسميين في إيران

تحقق السلطة القضائية في إيران في هذه الأيام بقضية الإعتداء الجنسي بعدة فتيان من قبل رجل الدين المقرّب من النظام الإيراني، والتي نجحت في أن تثير مجددا  انتقادا جماهيريا عارما تجاه المؤسسة الدينية.

يقف في مركز القضية محمد جندم-نجاد، المدعو سعيد طوسي، قارئ قرآن عمره 46 عاما، ومتّهم من قبل بعض تلاميذه أنّه اعتدى جنسيا عليهم خلال السنوات السبع الأخيرة عندما كانوا قاصرين. أثارت القضية اهتماما خاصا بسبب مكانة طوسي الذي يعتبر مقربا من قيادة النظام وعلى رأسها المرشد الأعلى، علي خامنئي. شارك طوسي، الذي هو عضو مجلس القرآن الأعلى في إيران، في السنوات الأخيرة، في مراسم قراءة أجزاء من القرآن بحضور خامنئي، وقرأ في شهر أيار الأخير من القرآن في مراسم افتتاح المقرّ الجديد للمجلس (البرلمان) الإيراني.

كاريكاتير وفيه يظهر الخامنئي وهو يسكّت الفتيان الذين يتّهمون قارئ القرآن طوسي بالإعتداء الجنسي
كاريكاتير وفيه يظهر الخامنئي وهو يسكّت الفتيان الذين يتّهمون قارئ القرآن طوسي بالإعتداء الجنسي

نُشرت الادعاءات ضدّ طوسي للمرة الأولى منذ عدّة أشهر، ولكنها لم تحظ باهتمام شعبي واسع. ولكن حدثت نقطةُ التحوّل بعد أن نشرت شبكة “صوت أمريكا” بالفارسية شهادات الشبان مقدّمي الشكوى. ادعى ثلاثة منهم، لم يتم الكشف عن هويّتهم، أنّ لديهم شهادات تدين طوسي وتشتمل على تسجيلات، يعترف فيها كما يُزعم بأفعاله ويعرب عن ندمه. يوثّق أحد التسجيلات طوسي وهو يقول إنّ المرشد الأعلى يعلم بالقضية وأمر بإغلاق الملف لئلا يمسّ بمكانة قرّاء القرآن. أعرب مقدّمو الشكوى في رسالة إلى رئيس السلطة القضائية، صادق لاريجاني، عن استعدادهم لنقل كل الشهادات التي بحوزتهم إلى السلطة القضائية للتحقيق في القضية.

أثار النشر ردود فعل غاضبة في مواقع التواصل الاجتماعي، أجبرت طوسي ومسؤولين في النظام على الردّ. في رسالتين للإعلام نفى رجل الدين جملةً وتفصيلًا كل الادعاءات ضدّه معربا عن ثقته بإثبات براءته. ولكنه ادعى أنّه قرر كسر صمته في أعقاب التقارير عبر “وسائل الإعلام المرتبطة بـ “الاستكبار العالمي” [لقب للغرب] والصهيونية العالمية”. اتهم الإعلام الغربي بإشاعة تقارير كاذبة بهدف المس به، بالنظام الإيراني وبالمرشد الأعلى، مدعيا أنّ كل الادعاءات ضدّه كاذبة ومزوّرة.

وتطرّق نائب وزير الثقافة والإرشاد الإسلامي، محمد رضا حشمتي، إلى القضية في تعليق نشره في الموقع الإخباري “تابناك” في 20 تشرين الأول. دعا حشمتي مقدّمي الشكوى إلى التحلّي بالصبر إلى حين انتهاء التحقيق، مدعيا أنّه ليس من شأن خطأ ارتكبه رجل دين واحد ما يجيز الطعن بعموم قرّاء القرآن. ودعا نائب الوزير السلطة القضائية إلى التحقيق بالقضية بشكل فوري واتخاذ إجراءات إذا اتضح أنّه قد ارتكب أي شخص كان مخالفات، ولا سيما إذا كان مسؤولا عن التعليم القرآني. وأضاف حشمتي، مع ذلك، على الشعب تجنّب إطلاق الشائعات والأقوال التي قد تمسّ بـ “قدسية الإسلام وخدمة القرآن”.

على يمين الصورة قارئ القرآن سعيد طوسي، وعلى شمالها - علي الخامنئي. يُعتبر طوسي من المحسوبين على الخامنئي.
على يمين الصورة قارئ القرآن سعيد طوسي، وعلى شمالها – علي الخامنئي. يُعتبر طوسي من المحسوبين على الخامنئي.

وفي 23 تشرين الأول تطرق الناطق باسم السلطة القضائية للمرة الأولى إلى القضية. في مؤتمره الصحفي الأسبوعي أكّد غلام حسين محسني إيجائي أنّ هناك تحقيق يجري فعلا بالاشتباه بتنفيذ مخالفات أخلاقية من قبل طوسي، ولكنه أشار إلى أنّه في هذه المرحلة لا يمكن إثبات ادعاءات مقدّمي الشكوى. وقد أشار إلى أنّ بعض الاتهامات الموجّهة ضدّ رجل الدين قد ألغيت لعدم توفر الأدلة، ولكن في أعقاب طعن قُدم ضد قرار القاضي واستنادا إلى أدلة أخرى أمر قاض آخر بالاستمرار بالتحقيق. وأكّد الناطق باسم السلطة القضائية أنّ نشر التفاصيل حول التحقيق قبل استيضاح تفاصيله مخالف للقانون، الشريعة الإسلامية، والقيم الأخلاقية.

في حين أنّ الإعلام الرسمي في إيران قد اكتفى بشكل أساسيّ بتقارير وقائعية حول القضية، امتلأت مواقع التواصل الاجتماعي سريعا بتعليقات المتصفّحين. انتقد بعضهم نشر تفاصيل القضية قبل إثبات إدانة طوسي بل ودعمه آخرون. في المقابل، علّق الكثير من المتصفّحين بشدّة، مشتكين من تأخير نشر تفاصيل القضية ومتهمين رجال الدين. ووجّه بعضهم اتهامات خطيرة ضدّ السلوك الأخلاقي لرجال الدين مدعين أنّ القضية توفّر أدلة أخرى على ازدواجية المعايير لديهم. “تتعارض إقامة الحفلات الموسيقية مع أهداف الجمهورية الإسلامية، ولكن اغتصاب الأطفال في أحد فصول القرآن يتّسق مع تعليمهم الديني”، كما غرّد أحد المتصفّحين، متطرقا إلى الصراع حول إقامة حفلات موسيقية.

اشتملت تعليقات المتصفحين أيضًا على عبارات ساخرة تجاه رجال الدين واتّهامهم باشتهاء الأطفال. برز من بين التعليقات نشر رسم كاريكاتير من أعمال رسام الكاريكاتير المقيم في المنفى والشهير، مانا نيستاني. يظهر في الكاريكاتير طوسي وخلفه ستار وهو يعتدي جنسيا على الفتيان الذين يحاولون التهرب. وكُتبت جنب الكاريكاتير العبارة: “قارئ القرآن المفضّل على المرشد مشغول، نرجو عدم الإزعاج!”.

في كاريكاتير من أعمال” مانا نيستاني” يظهر طوسي وخلفه ستار وهو يتحرش بالفتيان الذين يحاولون التهرب. وكُتبت جنب الكاريكاتير العبارة: "قارئ القرآن المفضّل على المرشد مشغول، نرجو عدم الإزعاج!"
في كاريكاتير من أعمال” مانا نيستاني” يظهر طوسي وخلفه ستار وهو يتحرش بالفتيان الذين يحاولون التهرب. وكُتبت جنب الكاريكاتير العبارة: “قارئ القرآن المفضّل على المرشد مشغول، نرجو عدم الإزعاج!”

وتؤجّج قضية طوسي مجددا الخطاب حول مكانة رجال الدين في إيران وتوفر أرضية خصبة للانتقادات الجماهيرية المتزايدة تجاه المؤسسة الدينية، وخصوصا رجال الدين الرسميين. ويتمثّل الاغتراب المتزايد في أوساط رجال الدين تجاه المواطنين، على سبيل المثال، بالفرح والسخرية من قبل متصفّحين إيرانيين في مواقع التواصل الاجتماعي بسبب تدهور الحالة الصحية لأمين “مجلس الخبراء”، آية الله محمد رضا مهدوي كني، التي أدت إلى وفاته في تشرين الأول 2014.

ويمكن أن نجد دليلا على هذا الاتجاه أيضًا في المدونة الشخصية التي يديرها في السنوات الأخيرة رجل الدين رضا تاران، تحت اسم “رسائل من المدرسة الدينية”. في المدونة، التي توفر لمحة خاصة عن المؤسسة الدينية الشيعية، يصف تاران، من بين أمور أخرى، اضمحلال مكانة رجال الدين. وهو يشير إلى أنّه قبل الثورة الإسلامية كان رجال الدين متضامنين مع نضال مواطني إيران من أجل العدالة وضدّ الاضطهاد من قبل السلطات، وساهم الأمر كثيرا في التعاطف معهم من قبل المواطنين. ولكنهم أصبحوا اليوم متماهين مع النظام الإسلامي، وبدلا من انتقاد الحكومة والرقابة على ممارساتها أصبحوا منفّذين لسياساتها. كما وتؤثر المكانة الاقتصادية الجيدة نسبيا لرجال الدين وتجنّبهم الحفاظ على علاقة وثيقة بالمواطنين، بحسب كلامه، في البُعد بين رجال الدين والمواطنين البسطاء.

حتى لو لم يكن في القضية الأخيرة ما يضع تحدّيا حقيقيا أمام المؤسسة الدينية كلها، فإنّ الكشف عن تورّط رجال الدين في الفساد وأعمال غير أخلاقية قد يعمّق من الاغتراب الذي يشعر به مواطنو إيران تجاه المؤسسة الدينية ويضعف أكثر مكانتها الشعبية.

نُشر ها المقال للمرة الأولى في منتدى التفكير الإقليمي

اقرأوا المزيد: 860 كلمة
عرض أقل
قائد قوة "قدس" في الحرس الثوري الإيراني‏‎،   الجنرال قاسم سليماني (Instagram)
قائد قوة "قدس" في الحرس الثوري الإيراني‏‎، الجنرال قاسم سليماني (Instagram)

إيران تنتظر قاسم سليماني

خدمات قاسم سليماني العسكرية المستمرة، علاقاته بقيادة النظام، وصورته العامة بصفته بطلا قوميا تساعده على الاندماج في السياسة الإيرانية إذا قرر القيام بذلك مستقبلا

في 15 أيلول نشر قائد قوة قدس التابعة للحرس الثوري، قاسم سليماني، بيانا خاصا انتقد فيه “تصريحات العدو” التي تهدف إلى إنشاء انقسام وخلاف داخلي في إيران، مؤكدا على أنّه يعتزم البقاء “جنديا” في خدمة المرشد الأعلى، النظام والشعب الإيراني حتى آخر حياته. بكلمات أخرى: عدم الترشّح في الانتخابات القادمة لرئاسة إيران.

وقد جاء بيان القائد العسكري الاستثنائي على خلفية تقارير نُشرت في الأشهر الماضية في الإعلام الإيراني والغربي حول نية المحافظين تقديم سليماني كمرشح نيابة عنهم في الانتخابات الرئاسية في أيار 2017. يهدف البيان إلى الرد أيضا على كلام الدبلوماسي الأمريكي المسؤول سابقا، دنيس روس، في مقابلة قدمها مؤخرا لمراسل المجلة السعودية “المجلة”، والتي ادعى فيها أنّ زيادة ممارسة الضغوط على إيران حول سياستها الإقليمية من شأنها أن تعزز مكانة المعتدلين بقيادة الرئيس روحاني وتضعف المتطرفين في الحرس الثوري، ومن بينهم قاسم سليماني.‎

قائد قوة قدس التابعة للحرس الثوري، الجنرال قاسم سليمانيضض
قائد قوة قدس التابعة للحرس الثوري، الجنرال قاسم سليمانيضض

وقد حظي بيان سليماني سريعا بالثناء من جميع أطياف الخارطة السياسية الإيرانية. وعرّفت وكالة الأنباء “فارس”، المتماهية مع الحرس الثوري، كلامه باعتباره “ردا حكيما على مشروع التدخل” الذي تقوده الولايات المتحدة بهدف تقسيم المجتمع الإيراني وتعميق التدخل الغربي في إيران.‎ وعلقت جهات متماهية مع المعسكر البراغماتي والإصلاحي بروح مشابهة.

ورحبت الصحافة الإصلاحية من خلال إعلان سليماني. في مقال بصحيفة “اعتماد” جاء فيه أنّه يجب الثناء على سليماني وتقديره على قراره الحكيم في البقاء في الساحة العسكرية والحفاظ بذلك على مكانته كـ “رمز وذخر للمجتمع”. وأشاد المقال بمساهمة قائد قوة قدس في الدفاع عن إيران في الحرب الإيرانية – العراقية وحتى الحرب الحالية ضدّ داعش، وكذلك بشجاعته وطابعه الأخلاقي.

۹۵/۶/۲۸ #امنیت

A video posted by Qasem Soleimani | قاسم سلیمانی (@ghasem.soleimani3) on

إن رؤيا سليماني نفسه، كما يبدو، محافظة، رغم أنه يمتنع بشكل عام عن الإعراب عن مواقفه في القضايا السياسية المثيرة للجدل. خلال أعمال شغب الطلاب الجامعيين في طهران في شهر تموز 1999 كان سليماني من بين الموقعين على رسالة أرسلها ضباط كبار في الحرس الثوري للرئيس الأسبق خاتمي، طالبوا فيها من الأخير بقمع أعمال الشغب بالقوة بل وهددوا بالتدخّل إن لم يستجب.

حتى لو عكست بعض مظاهر الفرحة والرضا من قبل الجانب الإصلاحي من إعلان سليماني إزالة ترشّحه عن جدول الأعمال، فإنّ التأييد الواسع الذي يحظى به في إيران في السنوات الأخيرة واضح، بل آخذ بالازدياد مع زيادة تعرضه للجمهور. أدى طرح اسم سليماني في إطار قضية إحباط محاولة اغتيال حياة سفير السعودية في واشنطن عام 2011، للمرة الأولى إلى موجة تصريحات تأييد غير مسبوقة له، وبلغت ذروتها بعد أن ظهرت دعوات في جلسات الكونغرس الأمريكي إلى اغتياله. في أعقاب تلك الدعوات أطلق متصفّحون إيرانيون حملة في مواقع التواصل الاجتماعي تحت عنوان “كلنا قاسم سليماني”. وتمثّلَ تقدير الشعب لسليماني أيضا في أعقاب التعليقات الداعمة التي حظي بها من قبل المواطنين في أعقاب وفاة والدته في أيلول 2013. وأعرب الكثير من المتصفّحين في مواقع التواصل الاجتماعي، ومن بينهم من يُعتبرون مؤيّدين للمعارضة الإصلاحية، عن حزنهم وأثنوا على سليماني لمساهمته في حماية البلاد.

https://www.youtube.com/watch?v=4XAWyjqKRpQ

أثارت مشاركة سليماني في الحملة العسكرية في العراق وسوريا والإنجازات التي نُسبت إليه في أعقاب ذلك تأييدا غير مسبوق لقائد كبير. نُشرت عشرات الصور ومقاطع الفيديو التي توثقه في مواقع التواصل الاجتماعي، تم إنتاج فيلم عن حياته، نُشرت سيرته الذاتية، تم إصدار طابع بريدي تقديرا له، كوُتبت قصائد احتراما له بل رُفع مقطع فيديو في اليوتيوب باسم “جنرال إيراني”.

إن خدمات قاسم سليماني المستمرة في الحرس الثوري، علاقاته بقيادة النظام، وعلى رأسها المرشد الأعلى، علي خامنئي، وصورته العامة بصفته بطلا قوميا ومدافعا عن الوطن قد تساعده على الاندماج في السياسة الإيرانية إذا قرر القيام بذلك مستقبلا. لا يُشكل كل ذلك ضمانا لنجاحه في الساحة السياسية، ولكنه يشير إلى سر سحر مرتدي الزي العسكري أيضا في الجمهورية الإسلامية.

نُشر ها المقال للمرة الأولى في منتدى التفكير الإقليمي

اقرأوا المزيد: 578 كلمة
عرض أقل
جنود الحرس الثوري في إيران (Facebook)
جنود الحرس الثوري في إيران (Facebook)

هل يمُس روحاني بميزانية الحرس الثوري في إيران؟

هل الأنباء عن تقليص مرتقب في ميزانية الحرس الثوري في إيران صحيحة؟ خبير إسرائيلي في الشؤون الإيرانية يوضح لماذا يجب عدم الاكتراث لهذه الأنباء اكتراثا كبيرا

نُشر في الأيام الأخيرة في إيران، وبعد ذلك في الإعلام الغربي وفي إسرائيل، أنّ الرئيس روحاني قرر تقليص ميزانية الحرس الثوري بنحو 10% في عام الميزانية الإيرانية القادم (الذي يبدأ في رأس السنة الإيرانية في 21 آذار). ولكن يجب دراسة هذه المعلومات وتحليلها بحذر.

بداية، يستند الخبر على بند “الحرس الثوري” في اقتراح ميزانية إيران، والذي نقله الرئيس في الأسبوع الماضي لموافقة المجلس. تنتظر الاقتراح نقاشات مطوّلة في المجلس، وستحظى الميزانية على الموافقة في بداية العام الإيراني القادم فقط. بناء على ذلك ثمة وقت طويل. وينبغي التأكيد، أنّ ميزانية الدولة في إيران لا تتميّز بشفافية كبيرة، ومن ثم فمن الصعب أن نستنتج مما نُشر حولها عن التغييرات في سلّم الأولويات الحكومية.

ثانيًا، ثمة مصادر تمويل مهمة أخرى للحرس الثوري، يعتمد بعضها على الميزانية وبعضها الآخر خارج عن الميزانية. ينبع قسم كبير من دخل الجهاز من سيطرته على حصّة كبيرة من الاقتصاد الإيراني، بشكل مباشر (على سبيل المثال، السيطرة على شركة البناء التابعة للحرس الثوري، “خاتم الأنبياء”، على مشاريع تطوير حقول الغاز والنفط) وبشكل غير مباشر (على سبيل المثال، سيطرة الجهات المرتبطة بالحرس الثوري على أسهم شركات الاتصالات). إنّ التغيير في بند “الحرس الثوري” في ميزانية البلاد يمثّل مؤشرا على أولويات الجهاز في الإنفاق الحكومي، ولكنه لا يدلّ على المس أبدا بدخل الجهاز المتوقع في سنة الميزانية القادمة.

جنود الحرس الثوري في إيران (Facebook)
جنود الحرس الثوري في إيران (Facebook)

ثالثا، أفراد الحرس الثوري يخضعون للقائد الأعلى (خامنئي) وليس للرئيس، ولذلك فحتى لو أراد الرئيس تقليص ميزانيتهم يمكن لرؤساء الجهاز أن يتوجّهوا إلى مكتب الزعيم وأن يحصلوا على “تعويض”. بالمقابل، منذ أن نُشر تقرير التخفيض نُشر على الأقل تقرير واحد يتحدث عن زيادة بنسبة 43% في ميزانية الحرس الثوري.

إن العلاقة بين الرئيس روحاني والحرس الثوري متوترة، وقد كانت متوترة في السنة الماضية أيضًا، والتي تم فيها تحديدا زيادة ميزانية الجهاز (كما يبدو في أعقاب مشاركته في محاربة داعش في العراق). إنّ ميزانية الدولة القادمة الخاصة بإيران ستعكس ارتفاعا في الدخل المتوقع في أعقاب إزالة العقوبات، وإن كان على نطاق متواضع أكثر بكثير من المبالغ المنشورة في إسرائيل، وذلك بالتأكيد على خلفية الانخفاض الحادّ في أسعار النفط في السوق العالمية. والسؤال الرئيسي هو ما هي حصة الميزانية التي ستُخصص لتطوير البنى التحتية والتنمية الاقتصادية (تفضيل الرئيس روحاني) مقارنة بالميزانية التي ستُخصص لأغراض أخرى، بما في ذلك دعم الحرس الثوري وتدخّله في الشرق الأوسط.

من المرجّح أن الزيادة في الدخل إثر إزالة العقوبات ستُستغل لإعادة تأهيل الاقتصاد الإيراني المتضرر. ومع ذلك، فإنّ مبالغ غير قليلة ستستمر في شق طريقها لمساعدة نظام الأسد، حزب الله، الحوثيين في اليمن وغير ذلك. لن تؤدي هذه المبالغ إلى تغييرات كبيرة في المشهد الحالي في الساحات المعقّدة التي تعمل فيها إيران، ولكن يمكنها بالتأكيد أن تحسّن قدرات التنظيمات التي تدعمها.

نُشرت هذه المقالة للمرة الأولى في موقع منتدى التفكير الإقليمي

اقرأوا المزيد: 425 كلمة
عرض أقل
Mash Donalds
Mash Donalds

سيلٌ كثيف من الهامبرغر الأمريكي

سوى الاعتبارات الاقتصادية، فالخشية هي من التأثير الثقافي الغربي الذي سيشجّع ثقافة الاستهلاك في إيران، وخصوصا لدى الجيل الشاب

في أعقاب الثورة الإسلامية عام 1979 توقفت شبكة الوجبات السريعة الأكبر في العالم، ماكدونالز، عن عملها في إيران، ومنذ ذلك الحين اضطرّ سكان البلاد على الاكتفاء بالتقليد المحلّي للشبكة الأمريكية، مثل شبكة مطاعم “مش-دونالد” التي بدأت بالعمل في المدن الرئيسية في جميع أنحاء البلاد في التسعينيات.

في الشهر الماضي، بعد أيام معدودة من التوقيع على الاتفاق النووي بين إيران والغرب، ذُكر أن ماكدونالز ترغب بالحصول على رخصة لافتتاح فروع لها في إيران. رغم الإنكار من جانب ماكدونالز سارعت إيران على الردّ على هذه الإشاعات. صرّح رئيس رابطة تجار الأغذية في طهران أنّه إذا كانت الشبكة الأمريكية ترغب بالعمل في إيران فعليها الحصول على موافقة على ذلك من السلطات الإدارية ووزارة الإرشاد الإسلامي. وقال رئيس الإدارة العامة للغذاء والدواء إنّ عمل الشبكة مشروط بالحصول على رخصة من وزارة الصحة وبالحرص على أحكام الذبح الإسلامية.

ولكن يبدو أنّ المنزعجين الأساسيين من عودة ماكدونالز إلى إيران هم رجال المؤسسة الدينية والمحافظة، الذين عبّر بعضهم عن معارضته الشديدة لدخول “رمز الثقافة الأمريكية” إلى إيران. وذكر رجل الدين المحافظ والكبير، رضا تقوي، الذي يترأس مجلس وضع سياسات خطباء الجمعة في المساجد، أنّ أمريكا لا تزال العدوّ رقم واحد لإيران وتأسف بأنّ الإيرانيين يرغبون بافتتاح فروع لماكدونالز في البلاد قبل أن يتوضّح مستقبل الاتفاق النووي.

وهاجمت الصحيفة اليومية المحافظة “كيهان” بشدّة الإعلام الإصلاحي الذي يشيع، بحسب زعمها، أنباء عن هامبرغر وشيبس من صناعة ماكدونالز من أجل تحويل انتباه الرأي العام عن وعود الحكومة بحلول لجميع مشاكل إيران بفضل الاتفاق النووي. وأكّد موقع، “مشرق نيوز”، من جهته، على معارضة المرشد الأعلى، علي خامنئي، لاختراق الشركات الغربية لإيران، والتي تهدف إلى تعزيز ثقافة الاستهلاك الغربية وتدمير الثقافة الإيرانية. وبشكل مشابه لاعتماد اللباس الغربي، الذي قد يؤدي إلى تغيير سلوكي، فإنّ اعتماد الطعام الغربي أيضًا قد يؤدي بالتدريج إلى تغيّر سلوك الشباب. وذكر الموقع أنّ خامنئي قد أصدر في الماضي فتوى ضدّ استيراد منتجات الاستهلاك الغربية إلى إيران ومنع دخول ماكدونالز إلى إيران.

هامبورغر ماكدونالز (AFP)
هامبورغر ماكدونالز (AFP)

وقال موقع محافظ آخر إنّه لا يمكن أن ننظر إلى نية ماكدونالز بافتتاح فروع لها في إيران كقضية اقتصادية بحتة. ويثبت تاريخ الشبكة، وتاريخ شبكات أمريكية أخرى مثل كوكا كولا، بأنّ هدفها هو تعزيز الأمركة في العالم ونشر أسلوب الحياة الأمريكي والقيم الثقافية الغربية من أجل ترسيخ الهيمنة الأمريكية على العالم. وذكر الموقع أنّه في الماضي حاولت الولايات المتحدة استخدام ماكدونالز وبناطيل الجينز من أجل إقناع الرأي العام في الاتحاد السوفياتي بترك الشيوعية واعتماد القيم الغربية. وأبعد من ذلك، زعم الموقع بأنّ ماكدونالز تدعم دولة إسرائيل، من بين أمور أخرى، بواسطة استثمار الأموال في المؤسسات الصهيونية.

وردّت الصحيفة الإصلاحية “قانون” على مزاعم المحافظين بهجاء ساخر. لقد حاول الإصلاحيين فعلا، كما جاء في الصحيفة، على مدى سنوات أن يعبّروا عن معارضتهم السياسية بواسطة دعم العجّة مع البصل، بيتزا الثوم وشرائح اللحم. ولذلك يجب على المواطنين التظاهر أمام اتحاد أصحاب المطاعم احتجاجا على هذا “المشروع الأمريكي” وتناول أطباق فارسية أصيلة، مثل أسياخ الكباب. وفي مواقع التواصل الاجتماعي كانت التعليقات مختلطة، وإلى جانب توقع تغيير الفلافل بماكدونالز كان هناك من زعم أنّ الطعام الإيراني المحلي أفضل بكثير من الأطعمة المصنّعة بجودة منخفضة والتي تنتجها الشبكة. وفي أعقاب هذه العاصمة أعلن نائب وزير الصناعة الإيراني، مجتبى خوسرو تاج، أنّه لم يتم تقديم أي طلب من قبل الشبكة لتجديد نشاطها في إيران، ومن ثمّ فإنّها لم تُمنح أية موافقة من قبل السلطات.

وتشير ردود الفعل الشديدة على الدخول المحتمل لماكدونالز إلى إيران إلى القلق في أوساط المؤسسة الدينية المحافظة من الآثار المتوقعة لتجديد نشاط الشركات الغربية في إيران. إلى جانب القلق من التأثيرات الاقتصادية للأعمال التجارية الأجنبية على التجار ورجال الأعمال المحليّين، فإن أساس هذا القلق هو من الاختراق الثقافي الغربي الذي سيترافق مع الاختراق الاقتصادي. من المفترض أن يزيد هذا الاختراق من تأثير ثقافة الاستهلاك الغربية على المجتمع الإيراني، وخصوصا على أبناء الجيل الشاب، وتسريع عمليات التغيير الاجتماعي الذي قد تشكّل خطورة، في نظر النظام، على استقراره على المدى البعيد.

نُشرت هذه المقالة للمرة الأولى في موقع منتدى التفكير الإقليمي

اقرأوا المزيد: 613 كلمة
عرض أقل
حسن الخميني
حسن الخميني

من يخاف من الخميني الشاب والمعتدل؟

النشاط العام لآية الله حسن الخميني، حفيد مؤسس الجمهورية الإسلامية الشاب والمعتدل، يشكّل تحدّيا حقيقيّا أمام اليمين المحافظ في إيران. نسبه العائلي، علاقاته الدينية، سنّه ومواقفه التي قد تجعله عاجلا أو آجلا مرشّحا رائدا لتولي منصب رئيسي في القيادة الإيرانية

في 4 حزيران عُقدت في ضريح مؤسس الثورة الإسلامية، آية الله روح الله الخميني، المراسم السنوية لإحياء ذكرى وفاته عام 1989. في هذا العام أيضًا خطب حفيده، حجة الإسلام حسن الخميني، كلمات في ذكراه. أكّد الخميني الحفيد في خطابه على الحاجة إلى الوحدة، وهاجم نشاطات المجموعات التكفيريّة في المنطقة وأعرب عن ثقته بالزعيم الحالي لإيران، علي خامنئي، وعن قدرته على حماية البلاد من أعدائها. وذكرت عدة وسائل إعلام إيرانية بعد المراسم أنّ خطاب الخميني قد تمت مقاطعته من قبل عدد من المتطرّفين الذين وجّهوا له إساءات لفظية.

ليست تلك هي المرة الأولى التي يواجه فيها حفيد زعيم الثورة العداء من قبل عناصر متطرّفة في اليمين الإيراني. في نيسان الأخير هدّد أعضاء المجموعة المتطرّفة “أنصار حزب الله” بمنع الخميني من إلقاء خطابه بل ومهاجمته جسديّا إذا لم يلغِ زيارته المخطّط لها في مدينة جرجان شمال إيران. وردّا على ذلك صرّح الخميني أنّه لا يخشى من هذه التهديدات وأعرب عن ثقته بأنّ “أنصار الإمام الخميني” سيوقفون المتطرّفين في مكانهم. في نهاية الأمر أقام الخميني زيارته كما كان مخطّطا له في شهر أيار، ولكن بعد ذلك اتّهمت وسائل الإعلام الإصلاحية الإيرانية سلطات البثّ الرسمية أنّها منعت بشكل مقصود بثّ خطابه على التلفزيون. وقبل أسابيع معدودة من ذلك اضطرّ الخميني إلى إلغاء مشاركته في مؤتمر أجري في جامعة بروجرد غربيّ إيران في أعقاب تهديدات من قبل المتطرّفين الذين تظاهروا أمام الجامعة وطالبوا بإلغاء محاضرته المخطّط لها.

استقبال الخميني الحفيد في جرجان في شهر أيار الأخير

في السنوات الأخيرة، واجه الخميني في عدة فرص المضايقات من قبل اليمين المتطرّف. في مراسم الذكرى السنوية لوفاة جده في حزيران 2010 تمّت مقاطعة خطابه من قبل متظاهرين منعوه بشكل غير مسبوق من إتمام كلامه. ردّد المتظاهرون شعارات تندّد به وبالمعارضة الإصلاحية، على خلفية الأزمة السياسية التي حلّت بإيران في أعقاب الانتخابات الرئاسية قبل ذلك بعام. بعد عامين من ذلك تمّت مقاطعة خطابه مجدّدا عدّة مرات من قبل أنصار النظام، الذين وجّهوا له شعارات تنديد.

يُعتبر حسن الخميني (43) أبرز أحفاد زعيم الثورة الإسلامية الخمسة عشر. هو الابن الأكبر لأحمد الخميني، نجل زعيم الثورة الأصغر ومساعده الأساسي والذي توفي عام 1995 في سنّ الخمسين بعد إصابته بأزمة قلبية. بدأ حسن في التسعينيات بتأهّله الديني لدى كبار رجال الدين في مدينة قم، وبعد وفاة والده بدأ بإدارة ضريح الخميني المسؤول أيضًا عن الحفاظ على تراثه. ابتعد الخميني الشاب خلال السنين عن المشاركة السياسية، ولكن في السنوات الأخيرة ازدادت تصريحاته في شؤون سياسية حساسة. ورغم أنّه يتجنّب عادة التعبير عن مواقف سياسية مثيرة للجدل، فإنّ ميوله السياسية واضحة جدا وهو ينتمي إلى التيار الإصلاحي المعتدل في السياسة الإيرانية.

وجّه الخميني عام 2008 انتقادات لتنحية مرشّحين إصلاحيين عن انتخابات مجلس الشورى من قبل “مجلس صيانة الدستور”. وفي الانتخابات الرئاسية الإيرانية بعد عام من ذلك، وخلال الأزمة التي حلّت بالبلاد في أعقابها، تمّت الإشارة إلى اسمه كأحد داعمي مرشّح المعارضة الإصلاحية، مير حسين موسوي. بعد فترة قصيرة من انتخاب أحمدي نجاد ثانية والمثير للجدل للرئاسة خرج الخميني من إيران لفترة قصيرة وتغيّب بشكل تظاهري عن مراسم تتويج الرئيس.

وفي ذروة الأزمة السياسية في شباط 2010 أرسل الخميني رسالة شديدة اللهجة إلى رئيس سلطات البثّ، في أعقاب برنامج تم بثّه في التلفزيون الإيراني وتضمّن مقاطع من خطاب ألقاه جدّه عام 1981، وجّه خلاله قوات الأمن لقمع مسيرات سياسية لم تحصل على ترخيص. قال الخميني إنّ البرنامج تجاهل الظروف الخاصة (حرب إيران – العراق) التي سادت في إيران في تلك الفترة، واتّهم سلطات البثّ بتشويه صورة زعيم الثورة. وخرج الخميني الحفيد في الماضي ضدّ تدخّل القوات المسلّحة في السياسة، وهو يذكّر بالتصريحات الواضحة التي كتبها جدّه في هذا الموضوع في وصيّته السياسية. وفي مقابلاته مع وسائل الإعلام ظهرت محاولات الخميني الشاب بالتوجّه إلى الشباب في إيران، على سبيل المثال بواسطة التأكيد على محبّته لكرة القدم.

حسن الخميني (Wikipedia)
حسن الخميني (Wikipedia)

في السنة الماضية أيضًا عبّر الخميني عن مواقف معتدلة في الشؤون الداخلية. وفي مقابلة مع الصحيفة اليومية الإصلاحية “شرق” في آذار 2015 قال إنّ دعم النظام والانتقادات حول ما يحدث لا يناقض أحدها الآخر. لقد عارض التطرّف من اليمين ومن اليسار وقال إنّ جدّه التقيّ أيضًا دعا إلى محاربة التعصّب. وفي إجابته على سؤال مجري المقابلة لماذا لا يعبّر عن مواقفه بشكل أكثر قوة أجاب الخميني إنّ الظروف تفرض السكوت في بعض الأحيان. وفي اللقاء الذي أجراه مؤخرا مع وزير الإرشاد الإسلامي، علي جنّتي، مع كبار مسؤولي وزارته ومع شخصيات ثقافية، فنّية وصحفية كبيرة، مدح الخميني الوزير بل ووصفه بـ “وزير الإرشاد المظلوم”. تم تفسير كلامه أنّه تعبير عن دعم جنّتي على خلفية الانتقادات التي وُجّهت ضدّه من قبل المؤسسة المحافظة.

ويمكننا أن نرى زيادة الهجمات من قبل العناصر المتطرّفة ضدّ الخميني في الأشهر الأخيرة على خلفية التقارير حول نيّته بالترشّح لانتخابات “مجلس خبراء القيادة” المرتقبة في آذار 2016. والمجلس، المؤلف من 86 رجل دين، مسؤول بحسب الدستور الإيراني عن الرقابة على أعمال قائد الثورة، وتعيين خليفة له بل وعزله إذا وجد أنه لم يعد مؤهّلا للاستمرار في تولّي منصبه. تجري انتخابات المجلس مرّة كل ثمانية أعوام، وهناك أهمية خاصة للمعركة القادمة على ضوء الاحتمال الكبير بأن يتطلّب من المجلس المنتخب أن يختار المرشد الأعلى القادم، على خلفية الحالة الصحّية المتردّية للخامنئي.

وقد صرّح الخميني نفسه في الأشهر الأخيرة أنّه لم يتّخذ بعد قرارا بخصوص انضمامه إلى الساحة السياسية، ولكن وسائل الإعلام الإيرانية تناقش مؤخرا إمكانية أن يحاول رجال الدين المنتمين للجناح المعتدل في السياسة الإيرانية، وعلى رأسهم الرئيس الأسبق ورئيس “مجلس تشخيص مصلحة النظام”، علي أكبر هاشمي رفسنجاني، إدخال الخميني للمجلس في إطار جهودهم الرامية إلى تعزيز قبضتهم عليه على حساب الجناح المتطرّف في المعسكر المحافظ. وفي مقال نُشر في أحد المواقع الإصلاحية بعد زيارة الخميني لجرجان قيل إنّ اليمين المتطرّف يحاول الإضرار بحظوظه في أن يُنتخب لـ “مجلس خبراء القيادة”، من خلال المسّ بشخصيّته. الخميني هو الخطر الأكبر على مصالح المتطرّفين في إيران، كما جاء في المقال، الذين يدركون جيّدا الدعم الذي يحظى به من قبل الشعب، مسؤولي النظام والمؤسسة الدينية. وقد أفاد المقال – الذي أظهر ترحيبا حارّا بالخميني – أنّ الكثيرين يعتبرون “آية الله الشاب” بصفته “الخميني الجديد للثورة الإسلامية”.

ومن السابق لأوانه أن نقدّر إذا ما كان الخميني سيقرّر القفز في الأشهر القادمة إلى مياه الجمهورية الإيرانية الباردة أم سيفضّل الابتعاد عنها في الوقت الراهن. ومن الواضح، مع ذلك، أنّ نشاطه العام يشكّل تحدّيا كبيرا أمام اليمين الإيراني المحافظ. نسبه العائلي، علاقاته الدينية، سنّه الصغير ومواقفه المعتدلة قد تجعله عاجلا أو آجلا مرشّحا رائدا لتولي منصب رئيسي في القيادة الإيرانية، وربما أيضًا محاولة المشي في أعقاب جدّه.

نُشر هذا المقال للمرة الأولى في موقع ‏Can Think‏

اقرأوا المزيد: 1010 كلمة
عرض أقل
مظاهرات في إيران ضد العائلة المالكة في السعودية، عائلة آل سعود (AFP)
مظاهرات في إيران ضد العائلة المالكة في السعودية، عائلة آل سعود (AFP)

التحرّش الجنسي في السعودية، والعنصرية في إيران

أثار التحرّش الجنسي بحجّاج إيرانيين في السعودية عاصفة وعنصرية تجاه العرب في الأوساط العامة في إيران. هذه المشاعر ليس فقط أنّها تشكّل خطرا على الجهود التي تبذلها الجمهورية الإسلامية لتحسين علاقاتها مع جيرانها العرب، وإنّما أيضًا على تماسكها الإقليمي كدولة أقليّات

تثير فضيحة التحرّش الجنسي بشابّين من الحجّاج الإيرانيين في السعودية عاصفة عامّة في الأسابيع الأخيرة في إيران، والتي تترافق مع عبارات العنصرية تجاه العرب. كان شابان في سنّ الرابعة عشرة والخامسة عشرة، في طريق العودة إلى إيران بعد أن أقاما تعاليم الحجّ في الأماكن المقدّسة في المملكة العربية السعودية. بحسب أفراد أسرتهما، الذين رافقوهما خلال الزيارة، فقد تمّ احتجاز الاثنين عند بوابّة الطيران في المطار الدولي في جدّة في المملكة العربية السعودية، وتمّ فصلُهما عن أسرهما ونُقلا إلى غرفة منفصلة. وهناك نفّذ فيهما شرطيّان سعوديّان، كما يُزعم، أعمالا غير محتشمة خلال التفتيش الجسدي الذي أجرياه لهما.

في أعقاب الحادثة قدّمت إيران شكوى رسمية للسلطات السعودية من أجل معاقبة الشرطيان. وقد تمّ استدعاء المفوّض السعودي في طهران لمحادثة توضيح في وزارة الخارجية الإيرانية، وأعلن وزير الإرشاد الإسلامي في إيران، علي جنتي، الأسبوع الماضي، أنّ منظمة الحجّ والعمرة في إيران أمرت بتعليق العمرة إلى مكة والمدينة حتى يُحاكم ويُعاقب كلا الشرطيّين اللذين مسّا، بحسب كلامه، بكرامة الإيرانيين. وكردّ على الاحتجاج الإيراني اعتذرت السلطات السعودية واعتقلت كلا الشرطيين. والتقى وزير الخارجية السعودي، سعود الفيصل، مع السفير الإيرانيّ في السعودية وأخبره أنّ المسؤولين عن الحادثة سيُعاقبان بشدّة.

منظمة الحجّ والعمرة في إيران أمرت بتعليق العمرة إلى مكة والمدينة حتى يُحاكم ويُعاقب كلا الشرطيّين (AFP)
منظمة الحجّ والعمرة في إيران أمرت بتعليق العمرة إلى مكة والمدينة حتى يُحاكم ويُعاقب كلا الشرطيّين (AFP)

وحظيت الحادثة بإدانة أيضًا من قبل أعضاء البرلمان وكبار رجال الدين الإيرانيين وزادت أكثر من حدّة العلاقات المتوتّرة بالفعل بين إيران والمملكة العربية السعودية على خلفية العمليات العسكرية للأخيرة في اليمن. وأدان رجل الدين البارز آية الله ناصر مكارم-شيرازي سلوك الشرطيَّين السعوديَين واتّهم السلطات في المملكة بالمسّ المستمرّ بكرامة وأمن الحجّاج الإيرانيين. بحسب كلامه، إذا استمرّت السلطات السعودية في إهانة الحجاج، فلن يكون بالإمكان استمرار قيام العمرة، التي لا تُعتبر من التعاليم الإلزامية في الإسلام.

وإلى جانب الإدانات الرسمية، أثارت الحادثة في المطار ردود فعل حادّة وخصوصا في أوساط الشعب الإيراني. وتمثّلت تلك الردود بالمظاهرات خارج هيئات التمثيل الدبلوماسي السعودي في إيران وبتعليقات المتصفّحين في مواقع التواصل الاجتماعي. وشارك في المظاهرات التي نُظّمت أمام السفارة السعودية في طهران والقنصلية السعودية في مدينة مشهد آلاف الأشخاص. ورفع المتظاهرون شعارات ضدّ الأسرة السعودية المالكة، مطالبين بالاعتذار السعودي الرسمي وداعين لإغلاق السفارة السعودية وطرد مفوّضها في طهران.

مكة، مناسك الحج (AFP)
مكة، مناسك الحج (AFP)

وظهرت ردود الفعل الأكثر حدّة في مواقع التواصل الاجتماعي مُرفَقةً أيضًا بمظاهر العنصرية تجاه العرب. اكتفى معظم المتصفِّحين بالتعليقات ضدّ الأسرة السعودية المالكة، وطالبوا بمعاقبة الشرطيَين بأقصى حدّ ودعوا إلى مقاطعة الحجّ إلى السعودية. ومع ذلك، فقد تضمّنت الكثير من التعليقات تصريحات مسيئة وعنصرية تجاه العرب، من خلال استخدام الألقاب المشينة، مثل: “الكلاب النجسة”، “أكلة السحالي والجراد”، “العرب القذرون” “والبرابرة”. وزعم بعض المتصفِّحين أنّ الحادثة في المطار تعكس طبيعة العرب وعقليّتهم. “اغتصب العرب إيران قبل 1,400 عام”، كما كتب أحد المتصفِّحين مشيرا إلى الاحتلال العربي لإيران في القرن السابع الميلادي. وعبّر متصفّح آخر عن أمله بأن توضّح الحادثة في جدّة للإيرانيين بأنّ العرب قذرون ولا يجوز إعطاؤهم المال.

وأدانت بعض وسائل الإعلام في إيران هذه العنصرية. فقد حذّر الموقع المحافظ “ألف” من نشر الآراء المعادية للعرب وأشار إلى أنّه لا يجب استغلال سلوك الشرطيَين السعوديَين لتعميمه على العرب بشكل عام والسعوديين بشكل خاصّ. وأشار الموقع إلى أنّ الإيرانيين الذين يعتبرون أنفسهم شعبا حضاريّا ومبرّأً من كلّ شرّ هم أيضًا يتصرّفون بشكل مهين تجاه اللاجئين الأفغان في بلادهم. يجب على الإيرانيين أن يذكروا بأنّه قد فُرض عليهم العيش إلى جانب العرب، كما أوضح محررو الموقع، وعليهم أن يعزّزوا العلاقات الجيّدة مع جميع جيرانهم، وتجنّب الوصمات والآراء المسبقة وعدم التطرّق إلى جميع العرب كأغبياء، كسالى، مغرمين بالنساء ومتطرّفين.

أثارت الحادثة ردود فعل حادّة وخصوصا في أوساط مواقع التواصل الاجتماعي في إيران (Facebook)
أثارت الحادثة ردود فعل حادّة وخصوصا في أوساط مواقع التواصل الاجتماعي في إيران (Facebook)

كما ونشرت الصحيفة اليومية الحكومية “إيران” مقالا افتتاحيّا حذرّت فيه من محاولات من قبل مجموعات متطرّفة تنشط في الشبكة لاستغلال الحادثة من أجل نشر آرائهم المتطرّفة والمعادية للعرب. ليس هناك في العصر الحالي أي مجال للحديث عن تفوّق الفرس على العرب، كما جاء في المقال، ويجب أن نعتبر العنصرية مرضًا خطيرا يستلزم العلاج. وتطرّق موقع “انتخاب” إلى التأثير الضارّ لمظاهر العنصرية على أبناء الأقلية العرب الذين يعيشون في إيران. واحتجّ الموقع بأنّ التعامل المهين الذي لحق بالشابَّين الإيرانيَّين لا يبرّر المسّ بعرق أو قومية أخرى، وعلى وجه الخصوص، ليس بالعرب الذين يعيشون في إيران أيضًا والذين أظهروا على مدى التاريخ كلّه، بما في ذلك فترة الحرب الإيرانية – العراقية، الولاء لبلادهم.

وليست هذه هي المرة الأولى التي تثير فيها الخلافات بين إيران وجيرانها العرب مظاهر العداء والعنصرية تجاه العرب. تظهر مسألة الهوية الإيرانية ورواسب الماضي بين الإيرانيين والعرب بوضوح في الحوار العام الذي يجري في مواقع التواصل الاجتماعي، وخصوصا لدى تطرّق المتصفّحين الإيرانيين إلى الأحداث التي يقف فيها الإيرانيين والعرب على طرفي نقيض. فهذا ما حدث، على سبيل المثال، في تشرين الثاني عام 2010، عندما انتشرت في الإنترنت مقاطع من خطاب الأمين العام لحزب الله، حسن نصر الله، والذي تطرّق فيه إلى هوية إيران الإسلامية وزعم أنّ جذورها عربية وليست فارسية. زعم نصر الله أنّه ليس هناك في إيران شيء يُدعى “فارسي” أو “حضارة فارسية”، وإنما فقط حضارة إسلامية ودين النبي محمد العربي. وفي أعقاب نشر مقطع الفيديو، غرقت شبكة الفيس بوك بالردود الغاضبة للمتصفّحين الإيرانيين مُدينة نصر الله بشكل خاص والعرب بشكل عامّ، واصفين إيّاهم أنهم “المستغِلّون” أو “أكلة السحالي”. وانتشرت تعليقات مماثلة معادية للعرب في أحداث أخرى أثارت التوتّر بين إيران والعرب، مثل: انعقاد مؤتمر في القاهرة لدعم الأقلّية العربية في محافظة خوزستان في كانون الثاني عام 2012، وإعلان اتحاد كرة القدم الفلسطيني عن إلغاء مباراة ودّية كان من المفترض أن تقام بين المنتخب الإيراني والفلسطيني في طهران في كانون الأول عام 2014.

إنّ العداء في أوساط قطاعات من الشعب الإيراني تجاه العرب، والذي يعود ليعلو من حين لآخر، يشكّل خطرا ليس فقط على الجهود التي تبذلها الجمهورية الإسلامية لتحسين علاقاتها مع جيرانها العرب، وإنّما أيضًا على تماسكها الإقليمي كدولة أقليّات ولا عجب أنّ وسائل الإعلام الإيرانية أيضًا تجنّد نفسها لمحاولة إيقاف مظاهر العنصرية في المجتمع الإيراني.

نُشر هذا المقال للمرة الأولى في موقع Can Think

اقرأوا المزيد: 892 كلمة
عرض أقل
مسيرة يوم القدس في إيران ، عام 2012 نصرة للشعب الفلسطيني (Facebook)
مسيرة يوم القدس في إيران ، عام 2012 نصرة للشعب الفلسطيني (Facebook)

الثمن الذي تدفعه إيران بسبب الفلسطينيين

العداء تجاه إسرائيل يبقى إحدى القضايا التي ظلت عليها الحكومة الثورية في إيران مصرة بلا هوادة. مع ذلك، يعكس الحوار العام الإيراني فيما يخص الفلسطينيين شعورا متزايدا بالاستنكار، خيبة الأمل والغضب من الثمن الذي تدفعه إيران بسبب تدخلها بالنزاع الإسرائيلي العربي

في 24 من كانون الأول 2014، أعلن اتحاد الكرة الفلسطيني عن إلغاء مباراة ودية كان يُفترض أن تُقام بعد أربعة أيام من ذلك بين المنتخب الإيراني والفلسطيني في إستاد “أزادي” في طهران. أعرب أمين الاتحاد الفلسطيني في رسالة إلى اتحاد الكرة الإيراني عن أسفه على إلغاء المباراة “لأسباب تقنية”، بسبب تعب اللاعبين الفلسطينيين الذين عادوا من المعسكر التدريبي في الصين مع اقتراب مباريات كأس آسيا في كرة القدم التي ستُقام في شهر كانون الثاني في أستراليا.

سَرعان ما أثار قرار الاتحاد الفلسطيني بإلغاء مباراة كرة القدم ردود فعل غاضبة من متصفحي الشبكات الاجتماعية الإيرانية، الذين اتهموا الفلسطينيين بإنكار الجميل من إيران التي تدعمهم منذ سنوات كثيرة. ادعى بعض المتصفِّحين أن الصداقة بين إيران والفلسطينيين من جانب واحد وأن الفلسطينيين لم يُبدوا ذات مرة علاقات ودية مع إيران. “يحب الإخوان الفلسطينيون المال الإيراني فقط”، كتب أحد المتصفِّحين. ذكر آخرون تأييد الفلسطينيين للعراق في حربها ضد إيران في الثمانينيات. لقد تضمنت هذه الردود تعابيرًا ساخرة من الفلسطينيين ومن قدراتهم في لعب الكرة مع ألفاظ ذم شائعة لدى الإيرانيين للإشارة للعرب، مثل: “آكلي السحالي”.

نشر لاعب كرة القدم الإيراني السابق، مهدي رستم- فور، الذي يعيش اليوم في الدنمارك، منشورا على صفحته الفيس بوك والذي حظي بمئات المشاركات والردود على الشبكة. كتب رستم- فور أن القرار بإلغاء المباراة الودية قبل أيام معدودة من موعدها المقرر ليس قانونيا أو مهنيا، بل مفاجئ للغاية ولم يُتخذ من مدرب أجنبي بل من مدرب يعيش في غزة. لقد ذكر أن القرار يؤسف بشكل خاص على ضوء أن الرياضيين الإيرانيين يضطرون للانسحاب بعد ما يربو على 30 سنة من المنافسة العالمية ضد لاعبين إسرائيليين، لأسباب أيديولوجية، وإن كان الثمن خسارة تقنية وعزلة.

لقد أثار إلغاء المباراة على جدول الأعمال الإيراني العام مجددا سياسة المقاطعة الإيرانية لرياضيين إسرائيليين. في أيلول 2010، أثيرت في إيران عاصفة عامة بعد أن اضطر المصارع طالب نعمت-فور الانسحاب من بطولة العالم في المصارعة في موسكو بعد أن رست عليه القرعة لمنافسة مصارع إسرائيلي. بعد انسحابه، أعلن رئيس اتحاد المصارعة الإيراني أنه منذ الثورة الإسلامية دفعت إيران ثمنا باهظا من أجل حماية حقوق الشعب الفلسطيني، ودعا لإعادة النظر في هذه السياسة على الرغم من تأييده لنضال الشعب الفلسطيني ومعارضته الشديدة لإسرائيل. لقد أثارت القضية جدلا بين مسؤولين رفيعين في الهيئات الرياضية. ادعى رئيس اللجنة الأولمبية الإيرانية، محمد علي أبادي، أن الهيئات الرياضية ملزمة بالعمل بما يتوافق مع سياسة الحكومة تجاه “الحكم الصهيوني” ومقاطعة كل منافسة مع أي رياضي من إسرائيل. ذكر أمين الاتحاد الأولمبي، بهرام أفشار زادة، مقابل ذلك، أنه على الرغم من أن عدم اعتراف إيران بإسرائيل يشكل مبدأ محوريا للحكومة، إلا أنه ينبغي أن نجد حلا للمشكلة القائمة أمام إيران على الساحة الرياضية العالمية بسبب رفضها لإجراء قسم من المنافسات مقابل رياضيين إسرائيليين.

يمكن من خلال ردود المتصفِّحين الإيرانيين على إلغاء المباراة الودية مع فلسطين رؤية تعبير إضافي عن تعامل الإيرانيين المضطرب مع العرب عامة والفلسطينيين خاصة. ما يميز هذا التعامل هو الازدواج الذي يستخدمه الإيرانيون ممزوجا بترسبات الماضي بين إيران والعرب، المنافع الأيديولوجية والمصالح القومية. يبرز ذلك، مثلا، في الحوار العام الذي نشأ في الشبكات الاجتماعية الإيرانية عشية “يوم القدس العالمي”، الذي يُقام كل سنة يوم الجمعة الأخيرة من شهر رمضان وغايته التعبير عن تأييد إيران والعالم الإسلامي للفلسطينيين في صراعهم “لتحرير القدس”. لقد أقيم يوم القدس الأخير في 25 تموز خلال حملة “الجرف الصامد”، على ضوء مناشدة القواد الإيرانيين وكبار المعارضين الإصلاحيين للمواطنين للانضمام للمسيرات. لكن الحديث حول يوم الذكرى قد أثار مما أثار، ردودا متحفظة فيما يخص دعم إيران للفلسطينيين. لقد حوت توجهات كثيرة الشعار: “لا غزة، لا لبنان، أضحي بحياتي من أجل إيران”، التي تبناها في السابق العديد من معارضي الحكومة. لقد أعرب الكثير من المتصفحين عن رأيهم في أنه ليس على إيران أن تساعد الفلسطينيين ما دام سكانها يعانون بأنفسهم من قمع سياسي وضائقات اقتصادية. زد على ذلك، في حالات عديدة احتوت الردود على العداء لحماس، الفلسطينيين والعرب عامة.

بقي العداء لإسرائيل إحدى القضايا التي بقيت فيها الحكومة الثورية الإيرانية مصرة عليها لا تهادن فيها. مع ذلك، يعكس الحوار العام في إيران فيما يخص الفلسطينيين في السنوات الأخيرة بوادر تغيِّر فيما يخص الفلسطينيين من جانب قسم من الإيرانيين. يتميز ما ذُكر بنوع ما من الاستنكار وخيبة الأمل من نكران الفلسطينيين للجميل، ويترجمُ عن نظرة للإيرانيين تقول إن لديهم شؤونا أكثر أهمية وضرورة من الشأن الفلسطيني.

نشر هذا المقال للمرة الأولى في موقع Can Think

اقرأوا المزيد: 679 كلمة
عرض أقل
الأزمة العراقية (STR / AFP)
الأزمة العراقية (STR / AFP)

إيران والولايات المتحدة في ضوء الأزمة العراقية: مصالح مشتركة إلى جانب شكوك متبادلة

بعد أحد عشر عامًا على إسقاط أحد أشدّ أعدائها على الإطلاق، وهو صدام حسين، تواجه إيران سيطرة العناصر السنّية المتطرّفة قرب حدودها قد تولّد الأزمة تعاونًا مفاجئًا

تضع سيطرة قوات تنظيم داعش على مدن رئيسية في العراق تحدّيًا كبيرًا على الأمن القومي لإيران. بعد مرور أحد عشر عامًا على إسقاط أحد أشدّ أعدائها على الإطلاق، وهو صدام حسين، تواجه إيران سيطرة العناصر السنّية المتطرّفة قرب حدودها.

تقترب الأزمة الأمنية تدريجيّا إلى حدود إيران، وتنظر إيران إلى احتمال سقوط مدن شيعية مهمة، على رأسها النجف وكربلاء بيد داعش باعتبارها كابوسًا. أعرب مسؤولون إيرانيون في الأيام الأخيرة عن قلقهم على ضوء تقدّم داعش الذي يهدّد الاستقرار الداخلي لجارتها من الغرب بل ويهدّد سلامة أراضيها.

تحتاج الولايات المتحدة لتدخّل إيراني لاستقرار الأوضاع في العراق وخصوصًا على ضوء تحفّظ الحكومة الحالية من تجديد التدخّل العسكري الأمريكي في العراق

وقد صرّح الرئيس الإيراني حسن روحاني، في مؤتمر صحفي أقامه بمناسبة مرور عام على انتخابه، بأنّ إيران لن تصبر على استمرار الإرهاب في العراق. ويوم الجمعة، عقد الرئيس اجتماعًا مع المجلس الأعلى للأمن القومي لنقاش خاص حول التطوّرات في العراق. تطرّق علي شمخاني، سكرتير المجلس، إلى الأزمة في لقاء مع السفير السوري في طهران وصرّح بأنّ تقدّم داعش يشكّل تهديدًا على أمن المنطقة ويتطلّب اتخاذ إجراءات من جانب المجتمع الدولي. وقد نُشرت في الأيام الأخيرة تقارير مفادها أنّ قائد قوة قدس التابعة للحرس الثوري، قاسم سليماني، قد وصل إلى العراق من أجل مساعدة حكومتها على الاستعداد في ضوء الأزمة.

ينشئ التصعيد في العراق مصالح مشتركة بين إيران والولايات المتحدة، اللتين تسعيا إلى الحفاظ على استقرار العراق ومنع انهيار حكم نوري المالكي. وذكرت الصحيفة الأمريكية “وول ستريت جورنال” في بداية هذا الأسبوع أنّه سيتم إجراء محادثات مباشرة بين طهران وواشنطن بخصوص الأوضاع في العراق في الأيام القريبة.

وقال السناتور الجمهوري، ليندسي غراهام، في مقابلة أجراها مع شبكة CBS، إنّ الولايات المتحدة تحتاج للتعاون مع إيران لمنع سقوط بغداد بيد التنظيمات الإسلامية التابعة للقاعدة.

جون كيري وجواد ظريف (ِAFP)
جون كيري وجواد ظريف (ِAFP)

تحتاج الولايات المتحدة لتدخّل إيراني لاستقرار الأوضاع في العراق وخصوصًا على ضوء تحفّظ الحكومة الحالية من تجديد التدخّل العسكري الأمريكي في العراق. أكّد الرئيس الأمريكي، باراك أوباما، في نهاية هذا الأسبوع بأنّه لن يعيد الجنود الأمريكيين للعراق وأنّ كلّ عملية أمريكية يتعيّن القيام بها إلى جانب جهود قادة العراق ودول المنطقة.

وتواجه إيران، هي أيضًا، معضلة غير بسيطة على ضوء التصعيد في العراق. إذا استمرّ القتال في الاقتراب من حدودها، فمن المحتمل أن تضطرّ إلى تدخّل عسكري مباشر بواسطة قوات عسكرية أو هجمات جوّية من أجل مساعدة حكومة المالكي في استعادة السيّطرة على المنطقة.

رغم مصلحة إيران في كبح داعش فهي لا تستطيع تجاهل تكاليف التدخّل العسكري المباشر

تستطيع إيران أيضّا التدخّل بشكل غير مباشر بواسطة توفير الوسائل القتالية للحكومة العراقية، والمساعدة الاستخباراتية أو بواسطة الميليشيات الشيعية الناشطة اليوم في سوريا. رغم مصلحة إيران في كبح داعش فهي لا تستطيع تجاهل تكاليف التدخّل العسكري المباشر. فلا زالت إيران تدفع ثمنًا باهظًا لتورّطها في سوريا. وقد ذكر الإعلام الإيراني في الأيام الأخيرة أيضًا أنّ هناك جنازات لجنود قُتلوا في معارك مع الثوار في سوريا.

وتدفع إيران أيضًا ثمنًا اقتصاديًّا ثقيلا، تحديدًا في الوقت الذي تبذل فيه حكومة روحاني جهودًا كبيرة من أجل إنقاذ الاقتصاد الإيرانيّ من الأزمة العميقة التي يمرّ بها.  إن التدخّل العسكري في العراق قد يُلزم إيران بأن تحوّل من أجل ذلك موارد كبيرة ليست في متناول يدها. وهناك توقّعات لمعارضة حكومة روحاني بخصوص التدخّل العسكري وهي نابعة من اعتبارات سياسية داخلية، نظرًا لأنّها قد تعزّز موقف الحرس الثوري في الوقت الذي يحاول فيه الرئيس تقويض موقفهم بواسطة تقليص تدخّلهم في السياسة والاقتصاد.

إنّ الإشكالية المتعلّقة بالتدخّل العسكري في العراق بالنسبة لإيران من المحتمل أن تشجّع على التعاون مع الولايات المتحدة لتحقيق الاستقرار في الأزمة. ولكن موقف طهران في القضية متأثر بالعداء الكامن تجاه الولايات المتحدة ومن معارضتها الشديدة لتجديد التدخّل العسكري الأمريكي بقرب حدودها.

إنّ موقف إيران المعقّد ظاهر بوضوح في ردود فعلها على التقارير المتعلّقة بالتعاون المحتمل مع واشنطن. لم يستبعد الرئيس روحاني إمكانية التعاوُن مع الولايات المتحدة في المسألة العراقية وقال إنّ بلاده ستدرس ذلك إذا اتّخذت واشنطن خطوات ضدّ التنظيمات الإرهابية الناشطة في العراق.

وقد رفض مسؤولون إيرانيون آخرون، مع ذلك، التعاوُن المحتمل بين كلتا الدولتين. نفى علي شمخاني التقارير في هذا الشأن ووصفها بأنّها “حرب نفسية”. وادعى نائب وزير الخارجية، أمير عبد اللهيان، أنّ إيران تعتقد بأنّه لا حاجة مطلقًا للتعاون مع الولايات المتحدة لأنّ العراق قادرة على مواجهة الأزمة بنفسها.

وبالمقابل أتّهم مسؤولون إيرانيّون الولايات المتحدة وحلفاءها في المنطقة بدعم الإرهاب في العراق. وادّعى ممثّل المرشد الأعلى للحرس الثوري، علي سعيدي، أنّ تزايد الإرهاب في العراق نابع من السياسة الأمريكية في المنطقة ووجّه أصابع الاتهام إلى للدور السلبي الذي تلعبه المملكة العربية السعودية وقطر في مساعدة التنظيمات السنّية المتطرّفة.

أتّهم مسؤولون إيرانيّون الولايات المتحدة وحلفاءها في المنطقة بدعم الإرهاب في العراق (وكاله فارس للانباء)
أتّهم مسؤولون إيرانيّون الولايات المتحدة وحلفاءها في المنطقة بدعم الإرهاب في العراق (وكاله فارس للانباء)

ويحدث التصعيد في الأزمة العراقية في الوقت الذي تستعدّ فيه إيران لجولة أخرى في المفاوضات النووية التي بدأت هذا الأسبوع في فيينا كمحاولة للوصول إلى اتفاق دائم قبل الموعد المحدّد لذلك، وهو العشرين من تموز. لا يمكن استبعاد احتمال أن يتمّ استخدام المحادثات كقناة لحوار ثنائي بين طهران وواشنطن أيضًا في السياق العراقي. من غير المتوقع أن تؤثّر الأزمة في العراق تأثيرًا مباشرًا على نتائج المفاوضات النووية، وهناك شكّ إنْ كانت إيران ستستغلّ التطوّرات في العراق كورقة مساومة لتحسين موقفها في المفاوضات النووية. رغم ذلك، فإنّ اعتراف الولايات المتحدة بالدور الحاسم لطهران في تحقيق الاستقرار في وضع العراق، من المرجّح أن يُسارع من الجهود الرامية للتوصّل إلى اتفاق دائم في أقرب وقت ممكن.

في زيارته إلى طهران في كانون الأول عام 1977 عرّف الرئيس الأمريكي حينذاك، جيمي كارتر، إيران بأنّها “جزيرة من الاستقرار في إحدى المناطق غير المستقرّة في العالم”. بعد 37 عامًا من ذلك، يبدو أنّ إيران تأخذ مكانتها مجددًا كقوة مستقرّة على خلفية الزعزعة الإقليمية التي يمرّ فيها الشرق الأوسط.

إنّ الاعتراف الأمريكي بنفوذ إيران الإقليمي إلى جانب القيود التي تضعها الأزمة العراقية أمام طهران لن تؤدي بالضرورة إلى تعاون ظاهر وشامل بين كلتا الدولتين. ومع ذلك، قد تؤدي، على الأقل، إلى تفاهمات وإلى زيادة التنسيق بينهما بخصوص التطوّرات في العراق والشرق الأوسط بشكل عام.

اقرأوا المزيد: 905 كلمة
عرض أقل