أليزابيت تسوركوف

سيواصل بشار الأسد زمام السيطرة على الحكم بعد انتهاء الحرب، ولكن سيطرته ستكون ضعيفة وغير مستقرة (AFP)
سيواصل بشار الأسد زمام السيطرة على الحكم بعد انتهاء الحرب، ولكن سيطرته ستكون ضعيفة وغير مستقرة (AFP)

قوة نظام الأسد وضعفه

يزداد نظام الأسد في سوريا قوة يوميًّا بفضل تدخل روسيا وسكوت الغرب المتواصل. غير أن اعتماد الأسد المتواصل على القوات الخارجية لإدارة المعارك اليومية وتدهور الاقتصاد السوري يشيران إلى مستقبله الإشكالي

بتاريخ 28 أيلول، شن مقاتلو داعش معركة في محافظة دير الزور ضد قوات الأسد. قُتِل في غضون ساعات قليلة منها عشرات المقاتلين من الميليشيات الموالية لنظام الأسد، وأسِر جنديان روسيان، واحتُلت عدة مدن على طول الطريق المستخدمة لتوفير المعدّات لقوات الأسد، والتي تربط بين تدمور في مركز سوريا ودير الزور في الشرق.

تدير روسيا، إيران، والمليشيات المحلية المعارك والحياة اليومية في المناطق الواسعة الخاضعة لسيطرة نظام الأسد المحدودة

يشير نجاح المعركة التي شنتها داعش، بصرف النظر عن تقليص المناطق الخاضعة للمنظمة وخسارتها للكثير من مقاتليها في السنة الماضية، إلى ضعف قوة نظام الأسد. رغم أنه يبدو أن صمود الأسد مضمونا في ظل تغيير توازن القوى في ساحة المعركة في سوريا والمنطقة، فإن سيطرة النظام ضعيفة. تدير روسيا، إيران، والمليشيات المحلية المعارك والحياة اليومية في المناطق الواسعة الخاضعة لسيطرة نظام الأسد المحدودة.

لم يكن وضع الأسد أفضل منذ اندلاع المقاومة الشعبية في سوريا في عام 2011. غيّر التدخل الروسي توازن القوى في ساحة المعركة تغييرا جذريا مؤديا إلى تغييرات في مواقف الدول الداعمة للثوار. يشجب زعماء الدول الغربية أحيانا جرائم النظام ولكنهم لا يعتقدون أن هناك بديلا لنظام الأسد. لقد أصبحت قطر، سعوديّة، تركيا، والأردن مقتنعة أن نظام الأسد سيظل قائما. تسعى جارتا سوريا، وهما تركيا والأردن، إلى التركيز على ضمان مصالحهما السياسية على حساب المعارضة السورية؛ تركز تركيا على الصراع ضد الذراع السورية لحزب العمّال الكردستانيّ، وأما الأردن فيعمل على استئناف التجارة مع سوريا برعاية النظام لضمان حدوده ومنع دخول لاجئين آخرين.

تقلصت المُساعَدة الخارجية للثوار بشكل ملحوظ وأصبحت مشروطة بمشاركتهم في المفاوضات في أستانة التي يتغلب فيها مستوى توازن القوى لصالح نظام الأسد وداعميه بشكل ملحوظ. بفضل اتفاقات وقف إطلاق النار غير العادلة التي فرضتها الدول الداعمة على الثوار، أصبح يركز النظام ومؤيدوه مؤخرا على محاربة داعش في شرق سوريا. في غضون أشهر قليلة زاد النظام بشكل ملحوظ حجم المناطق الخاضعة لسيطرته وسيطر مجددا أيضا على بعض مصادر الطاقة الهامة شرق الدولة.

رغم هذا، فإن أهلية قوات النظام، سيطرته، وقدرته على إدارة المناطق الخاضعة لـ “نفوذه” تظهر صورة مختلفة تماما: لم يكن وضع الأسد أسوأ ذات مرة. الضعف في قوة الجيش السوري ما زال قائما؛ ليست هناك دافعية لدى معظم المقاتلين وهم لا يتلقون تدريبا كما ينبغي، لهذا على النظام أن يعتمد على تجنيد المواطنين المطلوبين للخدمة قسرا، وأحيانا على المجرمين الذين يُطلق سراحهم من السجون شريطة أن يخدموا في الجيش. إضافة إلى هذا، تموّل إيران والقيادة السورية المقرّبة من النظام “قوات الدفاع الوطني”، وهي مليشيات محلية تُستخدم كقوات مساعدة للجيش. يقوم الكثير بهذه الخدمة من أجل الراتب أو التهرّب من الخدمة العسكرية، لأن الراتب مقابل هذه الخدمة أعلى من الراتب في الجيش وهي تعتبر خطيرة أقل.

منذ عام 2012، لا تنجح القوات السورية التي تخدم في صفوف نظام الأسد في هزيمة الثوار أو داعش بنفسها، وهي تعتمد على مساعدة هامة من عشرات آلاف المقاتلين الشيعة الأجانب التي أرسلتهم إيران إلى سوريا، من بينهم ضباط وخبراء إيرانيون وروس، وعلى سلاح الجو الروسي للانتصار في ساحة المعركة. يتعامل الضباط الأجانب مع المقاتلين السوريين بسخرية، وهم يتحملون مسؤولية بلورة استراتيجية، وإدارة المعركة في أرض الواقع أحيانا.‎ ‎أكثر من ذلك، أقامت الميليشيات الشيعية الأجنبية، لا سيما حزب الله اللبناني، قواعد في سوريا وأذرعا محلية من المليشيات التابعة لها، المنافسة لجيش الأسد من خلال تجنيد شبان سوريين في صفوفها.

بعيدا عن ساحة المعركة، في المناطق الخاضعة، للوهلة الأولى، لنظام الأسد فإن الوضع ليس أفضل. في ظل انعدام القانون بشكل عامّ، يستغل المقاتلون وضباط المليشيات الموالية ظاهريا للنظام ضعف النظام داخليا بهدف القتل، الاغتصاب، السرقة، وخطف المواطنين لأهداف تكفيرية، جباية الضرائب من المارة في الحدود، وجباية أموال الحماية من أصحاب المصالح والتجار واستغلال صلاحيتهم بشكل سيء بطرق مختلفة، من خلال انتهاك القانون بشكل لاذع. تجاهل النظام هذه المشكلة طيلة سنوات. خلال عام 2017، بذل جهوده لتقليص حجم الظاهرة، ولكن باءت محاولاته بالفشل.‎ ‎بالإضافة إلى ذلك، بسبب نقص أداء النظام، احتكر جزء من المليشيات قسم من توفير الخدمات العامة مثل المواصلات العامة، توفير المياه، والخدمات الطبية.

في ظل هذا الضعف، لن يكون في وسع الدولة التي ستتمركز في سوريا بعد هزيمة النظام في المعركة (سواء كان من خلال القضاء على جيوب الثوار وداعش أو تجميد مؤقت للجبهات ضد الثوار)، إرساء القانون والنظام أو توفير خدمات منتظمة للمواطنين طيلة سنوات. في ظل التدهور الاقتصادي في سوريّا سيظل النظام متعلقا بالمساعدات الأجنبية لدفع رواتب عمال الدولة، توفير الخدمات الأساسية، وبدء عملية التأهيل.

أبعد من ذلك، فإن أباطرة الحرب الذين نجحوا في أن يسيطروا على النظام لن يتنازلوا عن قوتهم بسهولة، وعلى النظام أن يأخذ مصالحهم بعين الاعتبار. لا يُتوقع أن تختفي أذرع حزب الله المحلية والمليشيات الشيعية الأخرى في سوريا لأن النظام لن يكون قادرا على مواجهة إيران وحزب الله المعنيان بالحفاظ على تأثيرهما في سوريا وقدرتهما على المبادرة لشن هجوم من أراضيها.

من المتوقع أن يواصل بشار الأسد السيطرة على الحكم بعد انتهاء الحرب، ولكن حكمه سيكون ضعيفا، ومتزعزعا عند النظر إلى المناطق المدمّرة في سوريا.

نشر هذا المقال للمرة الأولى في موقع منتدى التفكير الإقليمي

اقرأوا المزيد: 769 كلمة
عرض أقل
هكذا يُحضر داعش مقاتلي المستقبل (لقطة شاشة من youtube)
هكذا يُحضر داعش مقاتلي المستقبل (لقطة شاشة من youtube)

أطفال مقاتلون في سوريا: العنف الذي لا يمكن نسيانه

التأثيرات بعيدة المدى لاستخدام الأطفال المقاتلين من قبل جميع مجموعات الثوار في سوريا هي تأثيرات مصيرية، فإن العنف المروّع الذي يتعرضون له ويشاركون فيه يؤثر فيهم سلبا وترافقهم هذه التأثيرات بعد نهاية الحرب الأهلية أيضا

يقاتل الأطفال والفتيان في كل جوانب الحرب الأهلية الدموية في سوريا. حظي تجنيد داعش للأطفال باهتمام واسع، ولكن أيضًا الميليشيات المقاتلة لصالح النظام السوري، الثوار العرب، والميليشيات الكردية تعتمد على القاصرين المقاتلين.

إنّ تجنيد الأطفال ينبع من حاجة جميع الأطراف المقاتلة إلى موارد بشرية، حيث إنّ الحرب قد أدت إلى خسائر فادحة في صفوف المقاتلين. في حين أن بعض المراهقين يُجنّدون رغما عن إرادتهم في صفوف المجموعات المسلّحة، يبدو أن معظمهم ينضمّون بمحض إرادتهم أو لعدم وجود خيار؛ فبسبب انهيار النظام التعليمي، انهارت قطاعات واسعة من الصناعة ووصلت البطالة في مناطق معينة تقع تحت سيطرة الثوار في سوريا إلى 90%، بحيث إنّ الانضمام إلى المجموعات المسلحة هو في بعض الأحيان الطريق الأفضل لإعالة الأسرة. يجبر عدم القدرة على مغادرة سوريا بسبب إغلاق الحدود من قبل كل الدول المجاورة مواطني سوريا على محاولة النجاة والعثور على كسب رزق داخل الحدود.

إنّ تعرض أطفال سوريا للعنف المتطرف، وخصوصا في المناطق الواقعة تحت سيطرة الثوار الموجودين تحت القصف الذي لا يتوقف، يساهم في ممارسة العنف. يشجّع هذا الوضع المواطنين، المراهقين، والبالغين على حدٍّ سواء، على أن يقاتلوا انتقاما لقتل أبناء أسرهم وأصدقائهم. وتنتشر هذه الظاهرة بشكل خاصّ في المناطق الواقعة تحت سيطرة الثوار، على ضوء القتل المكثّف للمواطنين في تلك المناطق. يساهم العنف الصعب الممارس ضدّ المواطنين واغتصاب النساء في معسكرات اعتقال النظام في الشعور بانتهاك الكرامة لدى الرجال والفتيان، الذين يشعرون أنّهم مهانون لفشلهم في الدفاع عن أصدقائهم، نسائهم، وأخواتهم من “تدنيسهم”.

تقوّض الحرب وعدم اليقين بشأن مستقبل الشبان والرجال على حدٍّ سواء معنى الحياة وهدفها، ويمنح الانضمام إلى مجموعة مسلّحة للشبان معنى ودرجة من السيطرة على حياتهم. إن تقويض النظام الاجتماعي القائم بسبب الحرب يساهم هو أيضًا في الرغبة في الانتماء إلى مجموعة أو بنية اجتماعية منظّمة ذات أهداف واضحة.

إنّ تعرض الأطفال، الذين ظلّوا دون إطار تعليمي، للدعاية المشجّعة لهم على التجنّد في صفوف المجموعات المسلّحة يبرز بشكل خاص في المناطق الواقعة تحت سيطرة داعش. سارع التنظيم إلى ملء الفراغ الذي نشأ في أعقاب انهيار النظام التعليمي، وأصبح يستخدم الأطفال والمراهقين من أجل إعداد الجيل القادم من مقاتلي داعش. حظي هذا الاستخدام للأطفال بأكبر قدر من الاهتمام بعد أن نشرت داعش مقاطع فيديو دعائية مروّعة، تهدف إلى صدم العالم، يظهر فيها أطفال وهم ينفّذون عمليات إعدام.

ومع ذلك، فقد حرص التنظيم على إخفاء اعتماده المتزايد على المقاتلين المراهقين في ساحة المعركة، لأنّ الأمر يكشف ضعفه والصعوبات المتزايدة في تجنيد رجال كبار إلى صفوفه. من خلال محادثاتي مع مقاتلين وقادة في صفوف الجيش السوري الحر شمال محافظة حلب ظهر أنّهم يلتقون في المعارك ضدّ داعش بالمزيد من الأطفال المقاتلين. تم غسل دماغ الكثير من هؤلاء الأطفال، بعد أن جنّدتهم داعش بفضل غياب الأطر الملائمة التي توفر لهم الأمان مثل الأسرة والمربّين (الذين تم إجبارهم على أداء يمين الولاء لداعش).

تعتمد الميليشيات الكردية المختلفة في سوريا أيضا على الأطفال المقاتلين من كلا الجنسين فوق سنّ 12، والذين تجنّدهم بالإجبار وفي بعض الأحيان تقوم باختطافهم من البيوت. تظاهر سكان روج آفا، منطقة الحكم الذاتي الكردي في شمال سوريا، عدة مرات ضدّ تجنيد القاصرين وكبار السن رغما عن إرادتهم من قبل الميليشيات الكردية، ولكنّهم ووجهوا بالقمع العنيف. تلقت أسر الأطفال الذين انشقّوا عن صفوف الميليشيات الكردية أو الأسر التي تحدثت إلى الإعلام عن اختطاف أطفالها، تهديدات من الشرطة التابعة للحزب الحاكم.

أدى النقص الحادّ في الموارد البشرية إلى التجنيد الإجباري للشبان والكبار على حدٍّ سواء أيضًا في صفوف نظام الأسد، ولكن يبدو أن استخدام القاصرين في الجيش السوري أقل شيوعا من بقية الميليشيات الأجنبية والمحلية المقاتلة إلى جانب النظام: حزب الله اللبناني، ميليشيا الحزب السوري القومي الاجتماعي SSNP التي تشمل مقاتلين من لبنان وسوريا، وميليشيا شيعة أفغانستان، المدعومة من قبل إيران.

تُجنّد مجموعات عديدة للثوار في سوريا، من العلمانية وحتى الجهادية، إلى صفوفها أطفالا مقاتلين. وفقا لكلام قائد معتدل لإحدى كتائب الثوار في شمال سوريا، فإنّ المجموعات الإسلامية تعتبر المراهقين الذين وصلوا إلى البلوغ الجنسي، نحو 13 عاما، رجالا قادرين على حمل السلاح. لا يوجد توثيق إلى كون الأطفال يجنّدون بالإجبار في مجموعات الثوار، ولكن في أحيان كثيرة يحدث التجنيد دون موافقة الأهل.

إنّ التأثيرات بعيدة الأمد لاستخدام الأطفال كمقاتلين هي تأثيرات مصيرية. فضلا عن ذلك فهم لا يحظون بالتعليم، والعنف المروع الذي يتعرضون له ويشاركون فيه يترك فيهم أثرا سلبيا سيرافقهم كل أيام حياتهم. بعد أن تنتهي الحرب في سوريا سيجد هؤلاء الأطفال، خريجو الحرب والعنف، صعوبة بشكل خاصّ في وضع سلاحهم جانبا والاندماج في الحياة المدنية.

نُشرت هذه المقالة للمرة الأولى في موقع منتدى التفكير الإقليمي.

اقرأوا المزيد: 694 كلمة
عرض أقل
أجهزة اتصال تتمكّن المواطنون من الاستماع إلى الشبكات والاستعداد للقصف
أجهزة اتصال تتمكّن المواطنون من الاستماع إلى الشبكات والاستعداد للقصف

أسياد مصيرهم

المجتمع الدولي ومجلس الأمن التابع للأمم المتحدة يظهران عجزا إثر انتهاكات حقوق الإنسان التي يرتكبها نظام الأسد وبوتين في سوريا. لم يبقَ أمام مواطني سوريا من يعتمدوا عليه سوى دهائهم، وهم يطوّرون استراتيجيات ذاتية وإبداعية بهدف البقاء قيد الحياة

لقد أصبح مواطني سوريا بعد سنوات من الحياة في ظل القصف والحصار في المناطق الخاضعة لسيطرة الثوار يطوّرون طرق بقاء إبداعية. وذلك عقب غياب القدرة على الهرب من البلاد وغياب استعداد المجتمع الدولي لحمايتهم. نجح المواطنون المحاصرون من قبل نظام الأسد وحلفائه، الذين يتم قصفهم باستمرار من قبل قوات النظام والجيش السوري، في تأمين أنفسهم، وإنْ بشكل محدود، من القصف، ويواجهون بدهائهم الكبير النقص في الأغذية، الأدوية، الوقود، والاحتياجات الأساسية الأخرى.

فرّ ملايين السوريين من تهديد القصف إلى مناطق أكثر أمنا خارج سوريا، إلى مخيمات النازحين على الحدود، أو إلى مناطق خاضعة لسيطرة النظام أو الأكراد، والتي لا يقصفها النظام. يقلص أولئك الذين بقوا في منازلهم، بسبب عدم وجود بديل مالي أو غير ذلك، في المناطق الخاضعة لسيطرة الثوار، من الخطر الذي يهدد حياتهم بالنزول إلى الأقبية. بما أن نظام الأسد وروسيا يضربان بشكل ممنهج المؤسسات الحيوية مثل المستشفيات، المدارس، والمساحات العامة مثل حدائق اللعب، لا يكتفي السوريون بالتحصينات، الخنادق أو الكهوف كمساكن مؤقتة تحميهم من القصف، لذلك بنوا مدارس، مستشفيات، حدائق ألعاب، ومسارح تحت الأرض.

مدخل مستشفى في إدلب (صورة بإذن موقع منتدى التفكير الإقليمي)
مدخل مستشفى في إدلب (صورة بإذن موقع منتدى التفكير الإقليمي)

يهرب السوريون الذين ليس لديهم قبو في منزلهم أو لم يحفروا حصينا، عند القصف، إلى الطابق الأول من البناية، ويبتعدون عن التجمعات السكانية التي يميل النظام إلى مهاجمتها. يتجوّل الأطفال بمجموعات صغيرة كي لا يشكّلوا هدفا لسلاح الجو المهاجم، وفي ساعات المساء يسافرون من دون أضواء في السيارات أو على ظهر الخيل. تم تقديم حفلات الزفاف إلى ساعات الظهر حتى يتمكّن الضيوف من العودة إلى بيوتهم قبل حلول الظلام.

ومع ذلك، توفر أنظمة الإنذار حماية من القصف العشوائي الذي تقوم به طائرات ومروحيات سورية من مدى قريب، ولكن ليس من الصواريخ والقصف الفتاك الذين يقوم به سلاح الجوّ الروسي. إذا نجحت البنايات متعددة الطوابق في الصمود أمام القصف السوري، ستُدمّر من أساساتها في القصف الروسي.

قبو تحت بيت عائلة في حمأة (صورة بإذن موقع منتدى التفكير الإقليمي)
قبو تحت بيت عائلة في حمأة (صورة بإذن موقع منتدى التفكير الإقليمي)

مدّ نشطاء محليون في مناطق الثوار شبكة من نحو 80 مركز مراقبة للتبليغ عن رؤية طائرات هجومية لسلاح الجو السوري والروسي. يتواجد المراقبون في وقت قريب من ساعات الطيران أو يعملون على مراقبة شبكات الاتصال بين الطيارين. من أجل ذلك فقد أتقنوا أيضًا المصطلحات ذات الصلة باللغة الروسية. اقتنى المواطنون الذين يعيشون في تلك المناطق أجهزة اتصال تمكّنهم من الاستماع إلى الشبكات والاستعداد للقصف في وقت سابق (في هذا الرابط يمكن الاستماع إلى بثّ حي للشبكات التي تغطي مناطق حلب، إدلب، وحماة). فيما عدا أجهزة الاتصال، يتم نقل الإنذارات أحيانا بواسطة أنظمة الإنذار المحلية، مجموعات الواتس آب، وإذاعات الراديو.

يعيش أكثر من مليون سوري تحت الحصار؛ نحو 85% منهم تحت حصار نظام الأسد. إنهم يضطرّون إلى مواجهة ليس فقط القصف وإنما أيضًا الجوع والحصار. في الكثير من المناطق المحاصَرة يستخدم المواطنون أسطح المنازل، المناطق المفتوحة، والمزابل ويحوّلونها إلى مساحات لزراعة المحاصيل الغذائية. بالإضافة إلى ذلك، تحفر مجموعات الثوار في مناطق معينة، وخصوصا في ضواحي دمشق المدنية، أنفاقا تسمح لهم بتهريب الأغذية والمؤون إلى داخل المناطق المحاصَرة. يستغلّ التجار، المدنيّون والثوار فساد القوات المحاصِرة للمنطقة ويعملون على رشوتها.

يعاني جميع مواطني سوريا من نقص الكهرباء والوقود، ولكن ذلك ملحوظ بشكل خاص في المناطق المحاصَرة. فقد طوّر المواطنون المحليّون هناك طرقا لإنتاج الكهرباء من ألواح شمسية بدائية الصنع، دوران دواسات دراجة متّصلة ببطارية، منشآت غاز حيوي تعمل على روث الحيوانات، بلاستيك مستعمَل يوفّر وقودا للمولّدات وغيرها. تستخدم الكوادر الطبية شرابا ضدّ السعال كمصدر للسكر للأطفال الذين يتضوّرون جوعا ويتم تسريب محاليل ماء مالح بدائية الصنع إلى أوردة المواطنين الذين على حافة الموت من قلّة الأملاح.

نظام كهرباء منزلي يرتكز على بطاريات سيارات في قرية قرب حلب (صورة بإذن موقع منتدى التفكير الإقليمي)
نظام كهرباء منزلي يرتكز على بطاريات سيارات في قرية قرب حلب (صورة بإذن موقع منتدى التفكير الإقليمي)

تدل استراتيجيات البقاء هذه على يأس مواطني سوريا الكبير ولكن أيضًا على إبداعهم في مواجهة الواقع الوحشي. تحظر المواثيق الدولية قصف التجمعات السكانية والمؤسسات الحيوية، ولكن حصار المدنيين أو استخدام السلاح الكيميائي هي أمور ليست ذات قيمة في نظر نظام الأسد وبوتين. على ضوء عجز المجتمع الدولي ومجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، يطوّر مواطنو سوريا استراتيجيات ذاتية من أجل البقاء على قيد الحياة.

نُشر هذا المقال للمرة الأولى في موقع منتدى التفكير الإقليمي.

 

 

اقرأوا المزيد: 599 كلمة
عرض أقل
طالبات سوريات (AFP)
طالبات سوريات (AFP)

الجيل الضائع من أطفال سوريا

هناك تأثيرات هائلة للأنظمة التعليمية المنقسمة في سوريا وغياب نحو نصف التلاميذ عن المدارس على مستقبل المواطنين

‎لا يتعلم ‎ ‎اليوم ما معدله ‎2.7 مليون طفل سوري في أعمار المدارس من بين 5.7 مليون. منذ بداية الحرب الأهلية السورية لم يعد‎ ‎يعمل ربع المدارس ‎ ‎في سوريا، وتراجع الحضور فيها إلى النصف.‎ إنّ الوضع الاقتصادي المتدهور في جميع أنحاء البلاد، ولا سيما في المناطق الخاضعة للثوار وداعش، يجعل الكثير من الأهالي لا يرسلون أطفالهم إلى المدارس بل يرسلونهم إلى العمل. ومع ذلك، فإن جميع الأطراف المشاركة في الحرب الأهلية تستغلّ سيطرتها على أنظمة التعليم المحلية لغرس قيمها في أوساط الجيل القادم.‎

جميع الأطراف المشاركة في الحرب الأهلية تستغلّ سيطرتها على أنظمة التعليم المحلية لغرس قيمها في أوساط الجيل القادم

ورغم كل شيء، فالعدد الأكبر من التلاميذ يتعلّم في المدارس الواقعة في المناطق الخاضعة لحكم النظام. يمجّد النظام التعليمي في سوريا أسرة الأسد وحزب البعث الحاكم ويعزّز ‎ ‎هوية عربية-سنية موحّدة (رغم أن قيادة النظام مكوّنة كلها من أبناء الطائفة العلوية). ومع ذلك، فإنّ جودة التعليم في المدارس العامة قد‎ ‎تدهورت بشكل كبير ‎ ‎ خلال الحرب بسبب أزمة المعلمين: جُنّد الكثير منهم للخدمة في الجيش، وهرب آخرون كثيرون خوفا من التجنيد الإجباري.

في المناطق الخاضعة للثوار يواجه النظام التعليمي التحدّيات الأبرز، بسبب ظروف الحياة الصعبة هناك. يُهاجم سلاح الجو السوري، وكذلك الروسي اليوم، بشكل منهجي تحديدا المدارس الواقعة في مناطق الثوار، ولذلك لا يُرسل الأهالي أطفالهم إلى المدارس. لهذا السبب انتقل جزء من المدارس والروضات إلى أقبية تحت الأرض.

أدى القصف العشوائي، والتدمير الممنهج للمؤسسات الحيوية مثل المستشفيات، المخابز، الأسواق، والمؤسسات الحكومية، إلى هروب جماعي للسكان من مناطق الثوار. يميل المتعلّمون وأبناء الطبقة الوسطى، بما في ذلك المعلّمين، بشكل خاصّ إلى الهرب من البلاد، بالإضافة إلى أنّ النظام لا يدفع أجور المعلّمين في مناطق الثوار، ولذلك هناك صعوبة في تشغيلهم. عندما بدأ الثوار في السيطرة على مناطق في سوريا في أواخر عام 2011 ألغوا ساعات “التعليم الوطني”، وهي دروس التلقين خاصة بنظام البعث. لاحقا أجريتْ تغييرات في مناهج تعليمية أخرى في مجالات مثل التاريخ، الجغرافيا، الفلسفة، الأدب، والدين.‎

طالبات سوريات (AFP)
طالبات سوريات (AFP)

ووفقا لطبيعة السيطرة اللامركزية، أو الفوضوية إذا صح القول، فإنّ التعليم في المناطق الخاضعة لسيطرة مجموعات الثوار العربية المختلفة، ليس موحّدا.‎ تحت سيطرة المجموعات الإسلامية يعمل نظام تعليمي ديني، وقد ألغيتْ دروس “إشكالية” مثل الموسيقى أو الفلسفة. في مناطق أخرى تُطبق مناهج تعليمية تابعة للحكومة السورية المؤقتة (المنظمة العليا الأبرز للمعارضة السورية)، ذات محتويات مماثلة تقريبا لمحتويات نظام الأسد، ولكنها خالية من الدعاية.‎

في المناطق التي تسيطر عليها داعش قرر التنظيم محتوى تعليميا يرسّخ التفسير الأكثر تشددا لشرائع الإسلام وقيم الكفاح المسلّح ضدّ “الكفار”، بما في ذلك التدريبات العسكرية. تستثمر الدولة الإسلامية جهودا كبيرة في تلقين أطفال سوريا والعراق، وتعتبرهم مقاتليها المستقبليين.

طُلب من جميع المعلمين الذين يدرّسون في المناطق الخاضعة لداعش التعبير عن توبتهم عن كفرهم في الماضي والانتقال إلى تمرير دروس الشريعة. تلحق عقوبة شديدة بالمعلمين الذين ينحرفون عن المادة التعليمية المسموح بها.‎ رفض الكثيرون القيام بذلك، لذلك تنازلوا عن مهنة التعليم الخاصة بهم. لا يرسل الكثير من الأهل أطفالهم إلى المدارس بسبب مقتهم للتلقين الديني أو خوفا من قصف المدارس. أدى النقص في المعلمين والتلاميذ إلى إغلاق الكثير من المدارس في أراضي الدولة الإسلامية. خلال السنة الدراسية الماضية (2014-2015) طُبعت كتب دراسية جديدة حُذفت منها مواضيع كفرية مثل الموسيقى، الفنون، الفلسفة، وبطبيعة الحال نظرية التطوّر، وانتقل التركيز إلى الدراسات الإسلامية. وخُفِضت أيضا الساعات التعليمية للمواضيع “الحلال” مثل العلوم والرياضيات.‎

إنّ التعليم في المناطق الخاضعة لسيطرة مجموعات الثوار العربية المختلفة،  ليس موحّدا.‎ تحت سيطرة المجموعات الإسلامية يعمل نظام تعليمي ديني، وقد ألغيتْ دروس “إشكالية” مثل الموسيقى أو الفلسفة. في مناطق أخرى تُطبق مناهج تعليمية تابعة للحكومة السورية المؤقتة

يقع النظام التعليمي العام في المناطق الكردية تحت مسؤولية حزب الاتّحاد الديمقراطي المسيطر.‎ استغل الجناح السوري للميليشيا الكرديّة في تركيا، حزب العمّال الكردستانيّ، الفرصة من أجل تغيير لغة التعليم إلى الكردية في الصفوف الأول حتى الثالث وإكساب التلاميذ رؤية أوجلان، زعيم حزب العمّال الكردستانيّ.‎ أثار هذا التلقين احتجاجا في أوساط السكان وأدى إلى أن تُرسل عائلات معينة أطفالها إلى مدارس آشورية خاصة تم تغيير المنهاج التعليمي فيها.‎

ثمة آثار هائلة للنظم التعليمية المنقسمة في سوريا وغياب نحو نصف التلاميذ عن المدارس. حتى بعد أن تنتهي الحرب، يوما ما في المستقبل، ستجد السلطات السورية صعوبة في تشكيل نظام موحّد يربط بين السرديات والمناهج التعليمية المختلفة التي يتعرض لها الأطفال في البلاد اليوم. مضت خمس سنوات منذ اندلاع الحرب الأهلية، وتدهورت مكانة سوريا من دولة ذات نظام تعليمي يعمل بشكل نسبي وكانت معدلات الأمية معقولة فيها (نحو 84%) إلى مكانة دول من العالم الثالث. سيجد الجيل الضائع من ملايين الأطفال السوريين، داخل البلاد وخارجها، صعوبة كبيرة في سدّ الفجوات التعليمية.

نُشرت هذه المقالة للمرة الأولى في موقع منتدى التفكير الإقليمي

اقرأوا المزيد: 718 كلمة
عرض أقل
*مُتظاهرون في قرية كفر نبل الواقعة شمال غرب سوريا في مظاهرة احتجاجية ضد حصار حزب الله المفروض على مضايا، 9 كانون الثاني 2015 (الصورة مأخوذة عن رائد فارس)
*مُتظاهرون في قرية كفر نبل الواقعة شمال غرب سوريا في مظاهرة احتجاجية ضد حصار حزب الله المفروض على مضايا، 9 كانون الثاني 2015 (الصورة مأخوذة عن رائد فارس)

المواطنون السوريون يموتون جوعًا والعالم صامت

قُدرة نظام الأسد على تجويع المواطنين السوريين تجويعا منهجيًّا، أمام أعين العالم، تُشير إلى فشل المؤسسات الدولية والقضاء الدولي، التي تم تأسيسها تحديدًا لمنع مثل جرائم الحرب البشعة هذه

تبرز الصور المُروعة لكبار السن والأطفال المُتضورين جوعًا في البلدة السورية مضايا التي نُشرت على وسائل التواصل الاجتماعي وفي وسائل الإعلام العالمية، من جديد، وإحدى الظواهر المُرعبة في الحرب الأهلية السورية هي استخدام التجويع كوسيلة لتحقيق الأهداف العسكرية والسياسية. كان نظام بشار الأسد، قبل عام منذ الآن، هو القوة الوحيدة في سوريا التي تنتهج مثل هذه الاستراتيجية، ولكن، مذاك الحين بدأت تستخدم هذه الاستراتيجية تنظيمات مثل داعش وجماعات المُعارضة الإسلامية أيضا.

يعيش مليون مواطن سوري اليوم تقريبًا تحت الحصار؛ 20% منهم تقريبًا يعيشون تحت حصار من قبل داعش ونظام الأسد في ذات الحين؛ في مدينة دير الزور،  و 30% تقريبًا يعيشون تحت وطأة الحصار الذي تفرضه عليهم جماعات إسلامية؛ في البلدتين “فوعة” و “كفرايا” الشيعيتين في شمال غرب سوريا. تخضع بقية الأماكن إلى حصار من قبل نظام الأسد وحُلفائه فقط: مثل البلدات السنية في شمال منطقة حمص حيث يعيش ربع مليون شخص، تقريبًا، في حي “الوعر” في مدينة حمص التي يعيش فيها 125000 نسمة، وفي مضايا والزبداني (التي أُفرغت من سُكانها تقريبًا) واللتين يعيش فيهما 42,500 نسمة والبقية في ضواحي دمشق وفي مناطق أصغر. مات حتى الآن، جراء التجويع 638 سوريًّا وفلسطينيًّا – سوريًّا، وحاصر  نظام الأسد أو حُلفائه  غالبيتهم المُطلقة و 12 شخصًا منهم من مدينة دير الزور المُحاصرة أيضًا من قبل داعش. بدأ المُتمردون وداعش بانتهاج استراتيجية التجويع فقط في عام 2015 ويتمكن الناس من الصمود لاعتمادهم على مؤن جمعوها وأيضًا بسبب حقيقة أن النظام يرمي المؤن على المناطق المُحاصرة والتي تحت سيطرته.

بدأ نظام الأسد بانتهاج طريقة التجويع منذ نيسان 2011 والذي كان الشهر الثاني لاندلاع الثورة الشعبية في سوريا، في مدينة درعا. بدأت عمليات الحصار، عندما لم تكن بحوزة مُعارضي النظام الأسلحة ولاحقًا عندما كانوا يحملون الأسلحة الخفيفة، التي كانت تنتهي بسرعة وبتحقيق النصر للنظام وأحيانًا بعملية إعدامات جماعية لمواطنين في المناطق التي يتم احتلالها. واستمرت عمليات الحصار، مع تعزز قوات المُعارضة، وصارت أشد فتكًا، بسبب المنع المُستمر لإدخال المؤن والأدوية وقطع الكهرباء والماء. تم توثيق أول عملية موت بسبب الجوع في شهر آب عام 2013 في مُخيم اليرموك الفلسطيني، الواقع عند تُخوم دمشق، والذي فرض النظام عليه الحصار، بالتعاون مع ميليشيات فلسطينية مدعومة من قبل النظام.

كان يهدف النظام إلى إجبار الثوار والداعمين لهم على الاستسلام ولو استسلاما جزئيًّا. كما وصف لي ذلك الأمر مُحمد (اسم مُستعار)، الذي هرب من حي دمشقي مُحاصر من داخل نفق في أواخر عام 2014: “الرسالة هي: تُريدون حقوقًا سياسية؟ حسنًا. دعونا نرى ماذا ستفعلون عندما تموتون جوعًا”. استخدم النظام وسائل أُخرى مثل التسميم بالسلاح الكيميائي، الإطلاق العشوائي للقذائف والغارات الجوية المُكثفة والتي أثبتت أنها ليست مُجدية كثيرًا. تحصد عمليات الاجتياح الأرضية من الجانب المُجتاح خسائر كثيرة إضافة إلى أن الجيش أيضًا يواجه صعوبة بسبب نقص موارده البشرية. أظهر النظام عمليات “وقف إطلاق النار” التي تمت في بلدات مُعينة، والتي وصفتها الأمم المُتحدة بأنها تطورات إيجابية، على أنها “مُصالحة وطنية” على الرغم من أنها جاءت نتيجة تجويع المواطنين حتى الموت. لا تزال مسألة إخضاع فئة مُعينة بالتجويع، برأي النظام، هي النهج المُناسب لإنهاء الحرب في سوريا.

تقع بلدات مضايا، الزبداني وبقين في منطقة جبل القلمون، قريبًا من الحدود مع لبنان. وقد اجتاح حزب الله في أيار من عام 2015 ، بمساعدة الجيش السوري، المنطقة واحتل مناطق واسعة كانت تحت سيطرة قوات المُعارضة. هوجم آخر معقل كان بيد المُعارضة، في منطقة الزبداني، بداية شهر تموز المُنصرم،  ذلك المعقل الذي كان يُستخدم في الماضي  كنقطة عبور هامة لتهريب الوسائل القتالية من إيران وسوريا إلى حزب الله. تمت مُهاجمة الزبداني بالقذائف، برًا وجوًا وطُرد سُكانها، مع سكان بلدة بلودان، إلى مضايا. أُضيف لعدد سُكان مضايا، الذين كانوا حينها أيضًا يواجهون نقصًا بالطعام والأدوية، 32 ألف نسمة.

بدأت جماعة أحرار الشام، جماعة إسلامية مُعارضة، بعد الهجوم على الزبداني، بمفاوضات مع إيران بهدف منع احتلال البلدة ومُحيطها. ولكن فشلت تلك المُفاوضات وفي بداية آب 2015 شنت قوات المُعارضة، بقيادة أحرار الشام، هجومًا على البلدات الشيعية المُحاصرة في شمال غرب سوريا. لذلك فهمت إيران الرسالة وبدأت بمفاوضات أدت إلى وقف إطلاق النار ومن ثم إلى التوقيع على اتفاق. سُمح للمُصابين والمُسلحين وعائلاتهم من الزبداني، وللنساء، الأطفال، المُعوقين والمُصابين من كفرايا والفوعة بالخروج من المناطق المُحاصرة، وكما سُمح بدخول مُساعدات إنسانية. غير أن نظام الأسد خرق الاتفاق في شهر تشرين الأول ورفض إدخال المُساعدات إلى مضايا.  بالمُقابل منعت قوات المُعارضة إدخال المُساعدات إلى القرى الشيعية.

أجبرت الصور المُروعة التي وصلت من بلدة مضايا، بعد موت 30 مواطنًا جوعًا في الأشهر الأخيرة، النظام على تطبيق الاتفاق، إلا أن المؤن التي تم إدخالها مؤخرًا إلى البلدة كانت تكفي فقط لأسبوعين حتى ثلاثة. وكانت تدخلُ الأمم المتحدة والمُنظمات التابعة المُساعدات أو أنها لا تُدخلها وذلك وفقًا لما يُقرره نظام الأسد. تُشير قُدرة نظام الأسد على تجويع المواطنين السوريين تجويعا منهجيًّا، أمام أعين العالم، إلى فشل المؤسسات الدولية والقضاء الدولي، التي تم تأسيسها تحديدًا لمنع مثل جرائم الحرب البشعة هذه.

نشر هذا المقال لأول مرة في منتدى التفكير الإقليمي.

اقرأوا المزيد: 761 كلمة
عرض أقل
مظاهرات سورية في حماة تنديداً بمذابح النظام السوري في درعا (AFP)
مظاهرات سورية في حماة تنديداً بمذابح النظام السوري في درعا (AFP)

من الذي دفع الثمن الأكبر لتفكّك سوريا؟

الأسد. عندما جرأوا على التظاهر دون عنف، مع اندلاع "الربيع العربي"، فوجهوا بالقمع الإجرامي

ساهمت عوامل متنوعة في اندلاع الثورة الشعبية في سوريا ودول عربية أخرى، ولكن أحد العوامل المركزية بشكل خاصّ، إن لم يكن العامل الرئيسي، هو السعي إلى حياة كريمة وتحسين الحالة الاقتصادية. لقد اعتمدت الأنظمة العربية الجمهورية التي تأسست في الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي على سياسات اقتصادية شعبوية وفّرت ظروف معيشة أساسية من خلال الدعم الحكومي للسلع الأساسية، الخدمات العامة على المستوى الأساسي والوظائف في القطاع العام الضخم.

بدءًا من الثمانينيات، أجبرت الصعوبات الاقتصادية الأنظمة العربية على تقليص سياسات الرفاه واعتماد سياسات ليبرالية جديدة تضمّنت الخصخصة وخفض الدعم الحكومي والخدمات التي وفرتها الدولة لمواطنيها. بسبب الفساد الكبير، تمّت خصخصة الخدمات بشكل يفيد فقط المقرّبين من السلطة. وأدى اعتماد السياسات الليبرالية الجديدة إلى نموّ اقتصادي، ولكن المتمتّعين من ثماره كانت طبقة ضيّقة من النخبة وأبناء الطبقة المتوسطة العليا. إنّ عدم المساواة بين المواطن العادي وبين المقرّبين من السلطة، والذين كانوا في الحالة السورية في معظمهم من أقارب الأسد أو المسؤولين في حزب البعث، أصبح بارزا بشكل خاصّ. في عهد الأسد الابن تزايدت اتجاهات التحرّر الاقتصادي بشكل أكبر، بالإضافة إلى تقليص الدعم الحكومي والخصخصة، كما حدث أيضا في ظلّ حكم زعماء شباب آخرين في الشرق الأوسط.

حزب البعث ينظم مظاهرات تأييد بالرئيس السوري بشار الأسد (AFP)
حزب البعث ينظم مظاهرات تأييد بالرئيس السوري بشار الأسد (AFP)

لقد أضرّت السياسات الليبرالية الجديدة، بشكل طبيعي، ولا سيما بالطبقات الضعيفة التي كانت تميل إلى العيش في المناطق الريفية في الأطراف السورية. عام 2005 ضرب سوريا قحطٌ استمرّ لخمس سنوات. تسبب النظام في أزمة في قطاع الزراعة والمراعي ويبدو أنّه كان السبب الرئيسي لها بسبب السياسات طويلة الأمد والفاشلة لإدارة الموارد المائية في البلاد، نقل الأراضي الأكثر خصوبة إلى المقرّبين من النظام، مصادرة الأراضي من أيدي أصحابها البدو وخفض الدعم الحكومي في القطاع الزراعي في ذروة الأزمة عام 2008. انكمش القطاع الزراعي بشكل ملحوظ؛ فقد 800,000 شخص مصدر معيشتهم واضطروا إلى مغادرة منازلهم في شرق سوريا والهجرة إلى الأحياء الفقيرة في ضواحي المدن مثل دمشق، درعا وحمص.

في آذار عام 2011 وصل “الربيع العربي” إلى درعا. وسرعان ما امتدّت المظاهرات إلى دمشق وضواحيها، إلى الأحياء الفقيرة في حمص وبعد ذلك إلى سائر سوريا. شكّل العمال، الفلاحون، العاطلون عن العمل والفقراء العمود الفقري للثورة، وكما انضمت أحياء الطبقة الوسطى السنية في دمشق، حمص ومدينة اللاذقية أيضًا إلى المظاهرات. كانت قيادة الاحتجاجات والناشطون الأبرز في معظمهم من الشبات المتعلّمين، من أبناء الطبقة الوسطى. بقيت النخبة السنّية منقسمة حتى اليوم: بعضها يمنح دعما اقتصاديا كبيرا للثوار والمواطنين الذين يعيشون تحت حكمهم، في حين أنّ آخرين ظلّوا يدعمون النظام الذي رعاهم. ونفر كثيرون آخرون سواء من النظام الوحشي أو من الثوار الإسلاميين.

لم ينضمّ جميع أبناء الطبقات الضعيفة إلى الثورة. رغم أنّ معظم أبناء طائفة النظام، العلويون، قد عانوا هم أيضا من آثار السياسات الليبرالية الجديدة والقحط، فلم تنضم غالبيّتهم إلى الثورة. وذلك بفضل الدعاية المكثّفة لنظام الأسد والتي هدفت إلى عرض الثورة، منذ أيامها الأولى، كمؤامرة أجنبية وثورة دينية، سنية ومضادة للعلويين بطبيعتها.

طفل لاجئ سوري (AFP)
طفل لاجئ سوري (AFP)

حتى شهر حزيران عام 2011 حافظت الثورة على طابعها المدني، غير العنيف، بل حاول المتظاهرون جاهدين إقناع الأقليات بأنّهم يريدون سوريا ديمقراطية وتعددية. ولكن المظاهرات لاقت القمع الشديد من قبل النظام، مما أدى إلى تصعيد الاحتجاجات. خلال عام 2012 بدأ المتظاهرون بحمل السلاح، وانضمّ منشقون من جيش الأسد إليهم، وأصبحت أكاذيب الأسد نبوءة حقّقت ذاتها. في نهاية المطاف كان أبناء الطبقات الضعيفة هم غالبية الثوار في سوريا.

يعيش العمّال، الفلاحون والفقراء، بغالبية ساحقة، في المناطق التي طُرد منها الجيش السوري ومساعديه. أحد النماذج البارزة لذلك هي مدينة حلب المقسّمة بين الغرب، الذي يعيش فيها أبناء الطبقة الوسطى تحت حكم النظام، والأحياء الفقيرة في شرق المدينة التي تحكمها مجموعات الثوار المختلفة. تقع المناطق التي يحكمها الثوار تحت هجمات جوية سورية وروسية (وإن كانت المناطق التي تقع تحت سيطرة داعش تعاني بشكل أقلّ من تلك الهجمات الجوية)، ولذلك فإنّ معظم النازحين واللاجئين يأتون منها.

ينقسم النازحون واللاجئون هم أيضا على أساس طبقي. أبناء الطبقة السورية الوسطى-العليا فقط يمكن أن يسمحوا لأنفسهم بالذهاب إلى أوروبا؛ وقد فرّ معظمهم تحديدا من مناطق مدنية خاضعة لسيطرة النظام، مثل دمشق، بسبب مستوى الحياة المتدهور والرغبة بالفرار من الخدمة العسكرية في جيش الأسد. يذهب أبناء الطبقة الوسطى أيضا إلى البلدان المجاورة لسوريا: تركيا، لبنان والأردن، حيث يعيشون هناك في المدن الكبرى ويندمجون في الاقتصاد المحلّي. يعيش أبناء الطبقة الوسطى الذين أصبحوا فقراء بسبب الحرب في الغالب بالمدن الواقعة على الحدود مع سوريا ويعملون في مهن يدوية كالبناء والزراعة. ويعيش اللاجئون الأكثر فقرا في البلدان التي فيها مخيمات منظّمة للاجئين. أما السوريون الذين ظلّوا يعيشون في المناطق الخاضعة لسيطرة المعارضة، سواء في منازلهم الأصلية أو كنازحين، فهم في الغالب فقراء جدّا بحيث لا يستطيعون حتى الذهاب إلى الدول المجاورة. ويضاف إلى ثمن السفر إلى الحدود، الذي يعتبر هو أيضا باهظا جدا بالنسبة لبعضهم، في الوقت الراهن دفع المال للمهرّبين، لأنّ جميع البلدان المجاورة قد أغلقت حدودها.

كان أفراد الطبقات الضعيفة في سوريا هم الضحايا الرئيسيين للقضاء على شبكة الأمان الاجتماعي التي وفّرها نظام الأسد لمستحقيها. عندما جرأوا على أن يثوروا على عدم المساواة والفساد الكبير عوقبوا بشدّة – بالقتل الجماعي، بقصف مدنهم وقراهم وتهجيرهم عن منازلهم. كلاجئين وكنازحين فهم مستمرون الآن في المعاناة أكثر من الجميع؛ إذ ليس باستطاعتهم الذهاب إلى دولة تمنحهم فرصا لتحسين مستقبلهم وهم يعيشون في فقر مدقع، سواء في مخيمات اللاجئين في تركيا، أو في وسط القصف في شرق حلب أو في أماكن سكن بدائية في لبنان. سيضطر الجيل النازح والضائع الذي نشأ في مثل هذه الظروف إلى أن يواجه أيضًا صعوبات أكبر من تلك التي واجهها آباؤه.

نشر هذا المقال لأول مرة في منتدى التفكير الإقليمي

اقرأوا المزيد: 848 كلمة
عرض أقل
مظاهرة تأييد لبشار الأسد ولحزب الله (AFP)
مظاهرة تأييد لبشار الأسد ولحزب الله (AFP)

علاقة إيران: نظام الأسد والحرب الدامية في سوريا

فكرة اختفاء بشار الأسد، هروبه، إسقاطه أو اغتياله، ليست معقولة، ولكن إن تحقق ذلك فعلاً، فسوف يحافظ حزب الله وإيران على مصالحهما العسكرية وعلى سلامة العلويين والشيعة في سوريا. اتفاق بين الجهات المُتصارعة في سوريا النازفة هو أمر لا يبدو في الأفق

دفعت الهزائم الأخيرة، التي لحقت بالجيش السوري في ساحة المعركة، الكثير من المحللين التقدير أن نهاية نظام الأسد باتت وشيكة وخصوصًا في ظل الشائعات التي تقول إن روسيا ستتخلى عن الأسد. إلا أنه بإلقاء نظرة إلى ميدان القتال في سوريا يُمكننا أن ندرك أنه حتى وإن تقهقر النظام ستظل لديه قوى داخلية فاعلة. علاوة على ذلك، ما زالت إيران، الحليفة الأقوى التي ساهمت ببقائه حتى الآن، تقف معه وتدعمه.

يُدرك نظام الأسد وحلفاؤه، بعد أربع سنوات من القتال، أنه ليس بإمكانهم إخضاع الثوار وإعادة السيطرة على كل المناطق السورية من جديد. لذلك فإن استراتيجيته تعتمد على حفاظه على زمام السلطة في إطار اتفاق إنهاء القتال والذي قد تعمل على بلورته الدول العُظمى. وبدأ النظام، لتحقيق هذا الغرض، بحملة إقناع عالمية، والتي تم التعبير عنها من خلال المقابلات التي قدمها الرئيس الأسد لوسائل إعلام أجنبية، بهدف الإظهار أن الأسد هو الحاكم الأفضل لسوريا. يوضح الأسد والمسؤولون في نظامه، علانية، أن جيش النظام هو الجهة الوحيدة التي يُمكنها أن يمكنها أن تواجه الجهاديين بنجاعة، وأن تحافظ على الطابع العلماني للدولة وتحمي الأقليات الدينية التي تعيش فيها.

يعمل نظام الأسد، رغبة بتعزيز موقفه هذا، على زيادة التطرف في صفوف الثوار. في عام 2011، قام بعملية عفو واسعة عن الجهاديين الذين كانوا مسجونين في سجون الدولة بينما اعتقل ناشطين ليبراليين وعلمانيين. يقود الإسلاميون، الذين تم إطلاق سراحهم، اليوم الجماعات المُتطرفة البارزة في سوريا – جبهة النصرة، جيس الإسلام وأحرار الشام. يتفادى الجيش السوري، من جهة أخرى، مُحاربة داعش اعتمادًا على نظرية أن ذلك التنظيم المُتطرف سيخدم مصلحة النظام أكثر من المجموعات المسلحة المُعتدلة، التي قد يرى فيها الغرب بديلاً جيدًا للنظام. في السنة الماضية، وَجّه الجيش السوري والمليشيات الداعمة للأسد مُعظم هجماتهم ضد مجموعات الثوار المُعتدلة أو الإسلامية. بدأ النظام بتغيير استراتيجيته فقط بعد أن تم احتلال الموصل، على يد داعش، في شهر حزيران الماضي وعندما تم تشكيل التحالف الدولي ضد التنظيم، حيث بدأ، ولأول مرة، بشن غارات على بلدات ومدن تخضع لسيطرة داعش، بهدف إظهار نفسه أنه شريك مُناسب في ذلك التحالف.

معسكر تضريبات لجبهة النصرة (لقطة شاشة)
معسكر تضريبات لجبهة النصرة (لقطة شاشة)

مُعسكر تدريب لجبهة النصرة في جنوب سوريا

يُصمم نظام الأسد، ضمن استراتيجيته، على التواجد في كل أنحاء سوريا، ليؤكد سلطته، ولو بشكل رمزي، في كل أرجاء الدولة. كما عبّر الرئيس نفسه عن ذلك في مقابلة مع مجلة Foreign Affairs في مُستهل العام: “إذا  نظرت إلى الخارطة العسكرية الآن، فإن الجيش السوري موجود في كل زاوية [..] أتحدث عن الشمال، الجنوب، الشرق، الغرب وما بينها […] الجيش في كل مكان، وهو يتكون من كل نسيج الشعب السوري. هذا يعني أننا جميعا نؤمن أن سوريا يجب أن تعود كما كانت. لا حل آخر أمامنا، لأنه إذا لم تعد سوريا إلى ما كانت عليه، فسيؤثر هذا على كل الدول المُجاورة”.

تُعيق مسألة السيطرة على مناطق معزولة قوات كبيرة من المتمردين وتُبعدهم عن مناطق أهم بكثير بالنسبة للنظام، ولكن تضطر قوات النظام داخل تلك المناطق إلى الاعتماد على الإمدادات الجوية أو البرية القليلة مما يجعلها عرضة للهجوم أكثر. عندما سيطرت داعش، مثلاً، على مطار الطبقة العسكري المعزول، في الرقة؛ في الصيف الأخير، تم إعدام مئات الجنود فيه.

لقد جعل تعاظم قوة المُتمردين وتوجيه داعش نيرانها باتجاه الجيش السوري من استراتيجية الحفاظ على تلك التحصينات استراتيجية باهظة الثمن. إلا أنه، على الرغم من أن جنوده يفرون على شكل جماعات من ميادين القتال، لم يتراجع النظام بل وزاد مؤخرًا من وتيرة التجنيد القسري ومن خلال وعود للمُلتحقين بالجيش بظروف تجنيد جيدة، رفع أجور المُقاتلين، طلب إرسال كوادر بشرية من إيران وعقوبات قاسية جدًا بحق الذين يهربون من تلك المعاقل.

خارطة أماكن السيطرة للجهات المُختلفة المتحاربة في سوريا، خريطة مُعدلة لغاية 15 حزيران 2015. جيش الأسد وميليشياته باللون الأحمر، داعش بالرمادي، الأكراد بالأصفر والثوار السوريين بالأخضر (عن Thomas van Linge)
خارطة أماكن السيطرة للجهات المُختلفة المتحاربة في سوريا، خريطة مُعدلة لغاية 15 حزيران 2015. جيش الأسد وميليشياته باللون الأحمر، داعش بالرمادي، الأكراد بالأصفر والثوار السوريين بالأخضر (عن Thomas van Linge)

تبدو استراتيجية الحفاظ على تلك المعاقل، مع انقضاء الوقت، استراتيجية غير مُجدية. سقطت، في الشهر الأخير، بلدة جسر الشغور، الواقعة في شمال غرب البلاد، في أيدي المُتمردين، وتحصن الجنود الـ 300 الذين كانوا فيها داخل مُستشفى. ظهر الأسد على شاشات التلفزيون والتزم بأن جيشه سيُحرر الجنود المحاصرين والبلدة بأكملها من أيدي “الإرهابيين”، إلا أن ائتلاف “جيش النصر” التابع للمتمردين نشر إشاعة تقول إنه تم حفر قناة متفجرات تحت المُستشفى، وحاول الجنود الهرب من المُستشفى بمساعدة غارات نفذها سلاح الجو. وصف النظام ذلك الهروب الجماعي على أنه نصر، ولكن، أظهرت الفيديوهات التي نشرها المتمردون أن معظم المحاصرين فروا عند هروبهم. تُشير الفضيحة العلانية التي تلقاها الأسد إلى عزلة المسؤولين في نخبة النظام عما يحدث بشكل واقعي في الميدان، حيث تغيّرت الأمور في الأشهر الأخيرة ضد مصلحته.

لا تزال بعض العوامل، على الرغم من ذلك، تلعب لصالح نظام الأسد: حدثت هزائمه الأخيرة، غالبًا، في مناطق ليست ذات أهمية كبيرة بالنسبة للنظام، ومنح استمرار السيطرة على المعاقل الجيش صفة الجهة التي تدافع عن كل الوطن. فعليًا، يُمكن للنظام التخلي عن الجزء الشرقي من البلاد ومناطق مثل إدلب وفي الصحراء السورية. الأهمية القصوى، من وجهة نظره، هي إبقاء سيطرته على العاصمة دمشق ومُحيطها وكذلك المناطق ذات النسبة العلوية الكبيرة – الساحل (طرطوس واللاذقية)، القرى التي تقع غرب منطقة حماة وأحياء مُعينة في حمص. سيكون تقدم المتمردين في هذه المناطق أكثر صعوبة، كما حدث في صيف 2013 وفي الشتاء الذي بعده.

تنبع الفجوة بين قدرة صمود قوات الأسد، في المناطق العلوية مُقارنة بمنطقة إدلب، درعا والصحراء السورية، من ثلاثة أسباب رئيسية: أولاً، ليست هناك حاجة لإقناع الجنود العلويين بالقتال في مناطقهم. ثانيًا، يتطوع الكثير من العلويين، الذين أنهوا الخدمة العسكرية، ضمن المليشيات التابعة للنظام، وعلى رأسها “قوات الدفاع الوطني” المنتشرة أساسًا في المناطق العلوية. معنى ذلك أن عدد الرجال المُسلحين المتواجدين في المناطق الاستراتيجية، بالنسبة للنظام، أعلى بكثير من عددهم في مناطق مثل درعا، حيث يكونون بعيدين عن تمركز السكان العلويين. ثالثًا، إن خطوط الإمدادات والدعم، الخاصة بالنظام، قصيرة في المناطق الهامة بالنسبة له، بشكل خاص.

لن يكون أمام العلويين أي حل، في حال عدم حدوث تدخل دولي يفرض حلاً على الجهات المُتحاربة، إلا أن يُقاتلوا للحفاظ على بقائهم. علاوة على ذلك فهم متعلقون بالأسد، تماما. لقد عمل الرئيس بشار، ووالده من قبله، طوال سنوات على قمع القيادات البديلة داخل الطائفة، وعلى إفراغ الهوية العلوية من الطائفة وربط هويتها بآل الأسد. ليست هناك لدى الطائفة العلوية، في سوريا، اليوم قيادة بديلة تستطيع أن تُدير باسمها مفاوضات مع المُعارضة السورية. برز بعض الضباط العلويين، مثل سُهيل الحسن، قائد وحدة مُختارة، أغلبيتها من العلويين، اسمها “كتيبة النمور”، في الحرب الأهلية وشاعت سمعته بين العلويين. ولكن، تنبع تلك الشعبية من شخصيته كضابط متوحش وبربري، بعكس الضعف الذي يُظهره الأسد، بنظر الكثير من العلويين. إن الاحتمال أن يتخلى ضباط مثله  عن نظام الأسد وأن يخوضوا مفاوضات باسم العلويين في سوريا هو احتمال ضئيل جدًا.

https://www.youtube.com/watch?v=G5L5KEnABAQ

تُقدم روسيا لنظام الأسد وسائل قتالية ودعما دوليًّا وتمنع فرض عقوبات ضده، داخل مجلس الأمن في الأمم المُتحدة، إلا أن نظامه اليوم مُتعلق، أكثر من أي وقت مضى، بإيران، التي تُقدم له الدعم الاقتصادي، الوسائل القتالة، التدريب، الضباط العسكريين والمقاتلين الشيعة. لن يتمكن النظام، دون هذا الدعم، من الحفاظ على تماسك جيشه وسيُحسم مصيره. ليست هناك، حتى الآن، دلالات على أن طهران ستتخلى عن الأسد. أرسلت إيران 7000 مقاتل شيعي من إيران والعراق لمهاجمة المُتمردين في غرب حماة، ومنحت النظام رصيدًا قوامه 4.6 مليار دولار.

إلا أن التدخل الإيراني الكبير المتزايد في سوريا يتسبب بانقسامات داخل قيادات النظام. لقد تم عزل ثلاثة مسؤولي مخابرات من مناصبهم، وتم فرض الحبس المنزلي عليهم أو أنهم قُتلوا في الأشهر الأخيرة. رفض اثنان منهم، وفقًا لصحيفة التلغراف البريطانية، مسألة سيطرة الإيرانيين على الحرب في سوريا. إلا أنه في الظروف الحالية، حتى إذا غاب الأسد عن الحلبة (في حال هرب، تم عزله أو اغتياله) فلن يجعل ذلك من الحرب تضع أوزارها. أولاً، استعد النظام الإيراني وحزب الله لمثل هذا السيناريو واستثمرا الكثير من الموارد بهدف جذب الأقليات في سوريا للوقوف معهما، تحديدً العلويين والأقلية الشيعية. ستستمر الميليشيات التي تقوم إيران وحزب الله بتدريبها في سوريا، “قوات الدفاع الوطني”، حزب الله السوري وميليشيات شيعية أجنبية، بالقتال طالما ظلت الأسلحة تتدفق إليها وطالما لم تشعر تلك الميليشيات أنه ما من ضمان لحماية العلويين والشيعة. ثانيًا، لا يُمكن لإيران أن تُتيح لنفسها أن تخسر خط الإمدادات لحزب الله، الذي يمر داخل سوريا. لا يبدو في الأمد القريب، أنه يمكن في دولة فيها مئات آلاف المسلحين الحاقدين على بعضهم، أن يكون هناك حل سياسي.

نُشرت المقالة الأصلية بالعبرية في موقع Can think

 

اقرأوا المزيد: 1257 كلمة
عرض أقل
جيش الفتح السوري يقتل 25 عنصرا من ميليشيات حزب الله
جيش الفتح السوري يقتل 25 عنصرا من ميليشيات حزب الله

أسباب هزائم الأسد العسكرية

تحسين التنسيق بين مجموعات الثوار المختلفة في سوريا، الملك السعودي الجديد المصمم على إسقاط الأسد، ومشاكل القوة البشرية الخطيرة في الجيش السوري

تلقّت القوات الموالية لنظام الأسد في الشهرين الأخيرين سلسلة من الهزائم الكبيرة في جميع أنحاء سوريا. هذه الهزائم ليست عرضية وهي نابعة من تغيير كبير في توازن القوى في أرض المعركة في سوريا.

منذ شهر آذار عام 2015 تم طرد النظام من جميع أراضي محافظة إدلب شمال – غرب سوريا تقريبا، بعد أن سقطت عاصمة المحافظة ومعاقل أخرى للنظام تحت سيطرة تحالف الثوار الإسلاميين والسلفيين (لاحقا سيطر الثوار أيضًا على عدد من القرى في محافظة حماة، جنوب إدلب).

كانت هزائم النظام العسكرية مهينة بشكل خاصّ على ضوء حقيقة أن تحالف الثوار، “جيش الفتح”، أعلن مسبقا عن كل معركة ومكّن بذلك النظام من توجيه تعزيزات للمكان. ورغم ذلك، فقد هُزم جيش الأسد أمامهم بسرعة فائقة مرة تلو أخرى، وشوهد الكثير من الجنود في مقاطع الفيديو المصوّرة من ساحة المعركة وهم يفرّون دون القتال إطلاقا.

جيش الفتح السوري
جيش الفتح السوري

وفي جنوب سوريا احتلّ تحالف من الثوار العلمانيين، الإسلاميين والسلفيين مدينة بصرى الشام، بعد أن كانت بمثابة مركز تدريبات لحزب الله وميليشيات شيعية من العراق وأفغانستان بقيادة الحرس الثوري الإيراني. سيطر الثوار على المعبر الحدودي الأخير بين سوريا والأردن والذي كان قد بقي تحت سيطرة نظام الأسد. في التاسع من حزيران، وفي معركة استمرت لستّ ساعات، سيطر تحالف من ألفي ثائر علماني وإسلامي على قاعدة لواء المدرّعات 52 في الجيش السوري، إحدى قواعد الجيش الأكبر في البلاد. وتدلّ السيطرة السريعة جدا على قاعدة بمساحة 12,000 دونم بأنّ الكثير من الجنود لم يقاتلوا في اللحظة الحاسمة.

دبابة تابعة للجيش السوري تفرّ من قاعدة اللواء 52 شرقي محافظة درعا، جنوب سوريا

وقد استطاعت قوات داعش في وسط البلاد السيطرة على عدة قرى وبلدات في محافظتي حماة وحمص، وعلى المعبر الحدودي الأخير بين سوريا والعراق، والذي كان تحت سيطرة النظام وأيضا على مدينة تدمر. تقع المدينة في منطقة صحراوية في عمق سوريا وهي محور رئيسي لحركة المرور يضمن وصولا مريحا لغرب وشرق سوريا. قطعت السيطرة على تدمر محور الإمداد البرّي للنظام إلى دير الزور شرقي سوريا.

وتنبع الهزائم التي تكبّدها النظام على الأرض من عدّة أسباب. بداية، اضطرّ جيش الأسد، ربّما للمرة الأولى، إلى مواجهة قوتين في آن واحد: داعش والثوار السوريون. وتحرص داعش، التي هُزمت في المعركة مع الأكراد في العراق وشمال سوريا، على تقديم نجاحات جديدة وتحسين صورتها في أوساط مؤيّديها المحتملين. في أول سنة ونصف من وجود التنظيم جرى بينه وبين نظام الأسد اتفاق عدم اعتداء غير رسمي، وركّز كلا الطرفين على محاربة قوات الثوار السوريين الذين اعتبروا من قبل كلا الطرفين التهديد الأيديولوجي الأهم. وواجه هذا السلوك من قبل داعش انتقادات واسعة في جميع أنحاء سوريا، وهجماته الحالية على الجيش تحسّن من صورته وتمنحه إمكانية تعويض إخفاقاته في أماكن أخرى.

ثانيًا، أصبح الثوار في شمال غرب سوريا قوة أكثر فاعلية بسبب تحسُّن التنسيق الداخلي في صفوفهم وبينهم وبين الدول الداعمة لهم. وذلك بفضل إقامة تحالف “جيش الفتح” الذي يضمّ في داخله مجموعات إسلامية، والمهيمنة من بينها هي أحرار الشام السلفية وجبهة النصرة، الذراع العسكري للقاعدة في سوريا. وهناك مجموعات من الثوار المعتدلين التي تعمل تحت مظلّة “الجيش السوري الحر” والتي لا تشارك في “جيش الفتح”، ولكنها تشاركه في العمليات في ساحة المعركة. إن استعداد جبهة النصرة للتعاون مع الثوار العلمانيين نابع من أوامر جديدة لزعيم القاعدة، أيمن الظواهري، الذي أمر الفرع السوري بالعمل في إطار الثورة السورية.

وقد ازداد الاستعداد للتعاون أيضًا من قبل الجانب الآخر. في الماضي، رفض النظام السعودي تقديم مساعدات عسكرية ومالية للمجموعات التي تعاونت مع مجموعات إسلامية تنتمي إلى الإخوان المسلمين أو مجموعات جهادية مثل جبهة النصرة. ولكن الملك السعودي الجديد، سلمان، مصمّر أكثر من سابقه على إسقاط الأسد، الذي يعتبر من قبله تابعًا لإيران. في اجتماع عُقد في الرياض في بداية آذار أكّد السعوديون للقطريين والأتراك، الداعمين الرئيسيين للمجموعات السلفية والإسلامية في سوريا، بتقديم المساعدات للثوار في سوريا مقابل التنسيق الثلاثي وإلغاء مسارات التمويل المنفصلة للمجموعات المختلفة. ونتيجة للتغيّر في السياسة السعودية تم غمر الشمال السوري بأسلحة سعودية. أصبحت صواريخ تاو المضادة للدبابات، والتي شُوهدت في أحيان نادرة في سوريا، أكثر شيوعا حتى أنّ الثوار يستخدمونها أيضًا ضدّ أهداف أخرى والتي هي ليست دبابات.

https://www.youtube.com/watch?v=8Ld2LwrG9eI

ثالثًا، يعاني النظام من ضعف كبير لا يستطيع التغلّب عليه، ولا حتى بالمساعدات الإيرانية السخية. يتزايد هذا الضعف مع الوقت ويصعّب على النظام تنفيذ استراتيجيته. المشكلة الأخطر لدى جيش الأسد هي النقص في القوة البشرية، والتي تفاقمت مع الوقت بسبب فقدان أراض واسعة أمام الثوار والتي تسكنها قوة بشرية محتملة، الانشقاق وتغيّب معارضي النظام عن صفوف الجيش، ومقتل وإصابة الجنود. وازداد سوء مشكلة القوة البشرية في السنة الأخيرة في أعقاب التغيّب الواسع في أوساط القاعدة المؤيّدة للنظام، من أبناء الأقليّات، الذين لا يرغبون ببساطة بالموت من أجل الأسد. وتجتاح الجنود أيضًا معنويات منهارة بسبب فترات الخدمة الطويلة، سوء التغذية والهزائم المتراكمة في ساحة المعركة. اتّضح أن موقف النظام من الفرار من ساحة المعركة لا يردعهم بشكل كبير.

لا تكفي محاولات نظام الأسد وإيران بالتعويض عن النقص في القوة البشرية من خلال تجنيد عناصر الميليشيات المحلية والمقاتلين الشيعة الأجانب من لبنان، العراق، أفغانستان، باكستان وإيران، من أجل ضمان بقاء النظام. دون إضافة عشرات آلاف المقاتلين المدرّبين إلى ساحة المعركة، سيجد الأسد وحلفاؤه صعوبة في الاستمرار بالصمود.

نُشر هذا المقال للمرة الأولى في موقع ‏Can Think‏

اقرأوا المزيد: 796 كلمة
عرض أقل