أرمين روزن

مصريون يحتفلون في ميدان التحرير مع صورة عبد الفتاح السيسي (AFP)
مصريون يحتفلون في ميدان التحرير مع صورة عبد الفتاح السيسي (AFP)

الليبراليون المصريون لا يمكنهم أن يستريحوا – الجزء الثاني

نحو ثلاث سنوات وثورتَين مرّت منذ ملأت الجماهير ميدان التحرير، ولا تبدو مصر أقرب إلى أن تصبح مجتمعًا منفتحًا وليبراليًّا.‎ ‎فهل ثمّة أمل؟

من المسلَّم به اليوم في مصر أنّ مرسي ما كان بإمكانه إتمام ما تبقى من السنوات الأربع لولايته. يعيد أحد سكان القاهرة سرد ما جرى في فترة مظلمة بداية عام 2013، حين كانت هناك اضطرابات في بورسعيد، قتل دون محاكمة في الدلتا، معارك دائمة في الشارع على طول كورنيش القاهرة؛ وحتى هجوم على” سميراميس”، أحد أفخر فنادق العاصمة. كان النظام العام يهترئ، والاقتصاد يتهاوى، وبدا مرسي مهتمًّا بتعزيز قوة الإخوان أكثر من الاستجابة لحاجات شعبه. الوضع ملائم لكي يُضطر الجيش إلى التدخل. لكنّ هذا يطرح سؤالًا حول ما إذا كان الجيش يستطيع أو يريد إدارة انتقال إلى الديمقراطية.

يبدو أنّ العلمانيين يظنّون هكذا؛ ويتملّكهم هوَس الإشارة إلى فوارق بين الحكومة العسكرية الانتقالية السابقة والحكومة الجديدة بقيادة السيسي. “السيسي أذكى”، يقول العليمي. ويتابع: “الفريق أول السيسي لم يتدخل في أيّ من قرارات مرسي. فقد ترك الأمور تنحدر من سيء إلى أسوأ خلال سنة حكم مرسي، حتى طلب الشعب أن ينقذه الجيش من الإخوان”. لكنّ العليمي يدرك أنّ حسّ البراغماتية لدى السيسي قد يؤول إلى نتائج عكسيّة. “إنّ نظرتهم إلى الديمقراطية متشابهة”، يقول العليمي عن السيسي والمجلس العسكري الانتقالي السابق. “فهم يرتدون البذلة نفسها. العسكر هم العسكر، ولا يمكن الوثوق بهم”.

قد يأتي أفضل مثال على العلاقة الإشكالية نوعًا ما للعسكر بالديمقراطية من فضح قضية حقوق إنسان غامضة، ولكنها بالغة الأهمية. فوفقُا لمحمود سلماني، الناشط في مجموعة “لا للمحاكمات العسكرية”، ثمة حاليًّا 12 ألف مدني مصري يواجهون محاكمات في محاكم عسكرية بتهم ارتكاب إساءات مختلفة ضدّ القوات المسلحة. وبعض هذه الإساءات يبدو بوضوح سلميًّا. فالقبض عليك بعد حظر تجول يمكن أن يقودك إلى محكمة عسكرية. لذلك، يمكن أن يكون الأمر ببساطة أن تكون في المكان غير الملائم في الوقت غير الملائم. ويروي سلماني قصة فتى يبلغ من العمر 15 عامًا جرى تعذيبه والحكم عليه بالسجن 15 عامًا بعد القبض عليه في حملة اعتقالات، خلال عهد مرسي. “يُمكن أن يُعتقَل الذين ليسوا على وفاق مع الجيش ويخضعوا لمحاكمات عسكرية”، يوضح سلماني. ويتابع: “سبب ذلك هو حضور الجيش في الشوارع عوضًا عن الشرطة … فالجيش حاضر في حياتنا اليومية”. وللجيش شعبية واسعة في مصر، إذ يُعتبر دائمًا الأكثر حيازةُ على الدعم الشعبي إلى حدّ كبير بين المؤسسات المصرية.

ميدان التحرير (AFP)
ميدان التحرير (AFP)

حتى خلال تجربة مصر مع الحكم المدني لمدة عام في عهد الإخوان المسلمين، لم يتناقص عدد المحاكمات العسكريّة. وسيضمن الدستور المعدَّل بقاءهم مظهرًا ثابتًا من مظاهر الحياة في مصر. فحسب المسودة الحالية، سيُحال المدنيون الذين يهاجمون مجمّعات أو بنايات عسكرية على محاكم عسكرية، وهو تدبير مطّاطي أكثر مما يبدو، إذا أخذنا بالاعتبار وجود الجيش وممتلكاته في كلّ مكان. لا يشكّ سلماني تقريبًا في أنّ التعامل مع جيش يملك قوة شرعية اعتباطية كهذه سيكون تحديًّا للديمقراطيين في الدولة. “العسكر هم أشبه بدولة داخل دولة”، يعلّق، “وهدفهم هو حماية أنفسهم، حماية اقتصادهم، مصانعهم، وميزانيتهم العامة، أيًّا كان من يمسك بالسلطة”. وتريد مجموعته تدبيرًا دستوريًّا يحظر المحاكمات العسكرية للمدنيين، لكنه يعترف أنّ من الصعب إثارة اهتمام الناس بهذه القضية. فهو يقول: “لا يمكنك أن تجعل شخصًا يدعمك في قضايا حقوق إنسان، ما لم يكن هو أو أحد أقربائه قد عانى جرّاء ذلك”.

في أواخر آب في القاهرة، يجري إسكات أي كلام عن سجل حقوق الإنسان للجيش. الجيش حاضر في كل مكان، بدءًا من حظر التجول في القاهرة، الذي حُدّدت بدايته عند السابعة مساءً قبل تخفيفها إلى التاسعة مساءً (التي لا تزال خانقة) بعد أسبوعَين من العُنف في رابعة. في ليلة صيفية تقليدية، تعجّ القاهرة بالحياة فيما تنخفض درجة حرارة المدينة إلى حدّ يمكن التعايش معه. خلال النهار، تسخّن الشمس الصحراويةُ هواء المدينة الملوّث حتى يصبح التنفس صعبًا تقريبًا. في الليل، تنخفض درجة الحرارة، وتتحول القاهرة من فخّ حراري يسير في نومه إلى مدينة نابضة بالحياة. فخلال الصيف، القاهرة هي في الواقع مدينة ليلية.

في وسط القاهرة في آب من هذا العام، كان المشهد قبل ساعة من حظر التجوّل انقلابًا غريبًا للإيقاع المُعتاد. عادةً، يحجز الباعةُ الارصفة، وتأتي العائلات إلى متاجر الحلوى وقوارب المتعة على طول النيل. ولكن بسب حظر التجوّل، يختفي الباعة تحت “جسر 6 أكتوبر” بحلول الثامنة مساءً، في الوقت الذي يُتوقّع فيه عادةً تدفق كمية كبيرة من المُشترين. على الجسر نفسه، كان هناك بائع شاي واحد فقط يُعدّ الطاولات والكراسي على مسلك المشاة ليلًا، أحد المشاهد الثابتة في ليل القاهرة. كان مقهاه الذي “يظهر فجأةً” خاليًا كليًّا، فيما كانت زوارق المتعة، المزخرفة بأضواء الميلاد الرمزية والمبهرجة، موثقة كل الوقت على الشاطئ.

مدرعة للجيش المصري خارج المحكمة الدستورية العليا (AFP)
مدرعة للجيش المصري خارج المحكمة الدستورية العليا (AFP)

على عكس محاولات مبارك لإسكات المدينة عام 2011، يلتزم أهل القاهرة بحظر التجول الأخير. مع ذلك، فإنّ هذه القيود هي مؤشر جلي على أنه رغم كون الرئيس مدنيًّا، فإنّ الجيش لا يزال قادرًا على جعل الحياة راكدة وعلى تغيير المجتمع المصري باسم الاستقرار والنظام.

لكنّ عددًا كبيرًا من المصريين قد يعجبه ذلك الآن. ثمة نوع من الصحة في الفكرة أنّ معظم الدولة خامل سياسيًّا. أخبرني ناشط من جبهة الإنقاذ الوطني: “إذا نظرتَ إلى الجغرافية، فإنّ المصريين متجمعون حول الأنهار. الناس يغرسون وينتظرون. يتطلب هذا الصبر والاستقرار … يرغب معظم المصريين في حيازة شيء يمكنهم التنبؤ به، ويريدون أن يكونوا قادرين على التخطيط لأشهر قادمة. نحن متشددون فيما يتعلق بالقانون، النظام، والتنظيم.

ثم هناك الإعجاب المصري الطويل الأمد بالجيش. وكما يشرح محمود أباظة، قد يكون احترام الجيش الأمر الأقرب إلى حيازة إجماع بين الشعب المصري. “تأسس الجيش عام 1880، وهو المؤسسة الأولى في الفترة الحديثة للأمة المصريّة”، يقول. “لمدة 14 قرنًا، كانت مصر جزءًا من إمبراطوريات شعوب أخرى: أمّا إمبراطورية الإسكندر أو الإمبراطورية الرومانيّة أو الإمبراطوريات العربية أو العثمانية. لكنّ الجيش المصري لم يكن تركيًّا أو مملوكيًّا – لقد كان مصريًّا”.

يتمسك الجيش بدوره التاريخي كرائد للحداثة والوطنية المصرية؛ والمصريون يتوقون إلى الأمان الذي يمكن للجيش وحده أن يقدّمه. لكن كما تظهر مقاهي وسط القاهرة المقفلة، فإنّ القوى الاجتماعية والتاريخية التي جعلت الجيش إحدى أكثر المؤسسات المحبوبة والموثوق بها في مصر منحته أيضًا قوة هائلة.

ربما أدرك العلمانيون في البلاد أخيرًا كيف يستغلون هذا لصالحهم. “ربما يطلُب الفريق أول السيسي وضعًا خاصًّا للجيش في النظام السياسي القادم، مثل تركيا سابقًا”، يقول زهران. يوافق أباظة قائلًا: “ربما يكون جيشُنا … مثل الجيش التركي نوعًا ما”، يعتقد، “إذ سيتدخّل كل مرة لا تكون فيها حركات سياسيّة مختلفة قادرةً على الدفاع عن الدولة أو وجود الدولة”. بعد انتخاب مُرسي، تأمل المحللون الغربيون في نمط مختلف من “النموذج التركي” لمصر، متفائلين أنّ الأحزاب الإسلاميّة ستلطفّها وقائع السياسات الديمقراطية. لكنّ التجربة التركية الأحدث تُظهر أنّ الديمقراطية يمكن أن تعاني في ظل نظام كهذا، وليس واضحًا أيّ من هذين النموذجَين التركيَّين سيسود في تركيا.

أردوغان يستقبل مرسي في أنقرا، أيلول 2012 (AFP)
أردوغان يستقبل مرسي في أنقرا، أيلول 2012 (AFP)

ليس العلمانيون سعداء حقًّا بدور الجيش الدائم في الحياة السياسية المصرية؛ لكن كما أظهر الشهران الأخيران، فهم يرغبون في العمل ضمن نظام يكون فيه للعسكر حق النقض الأخير على مَن يمتلك السُّلطة.

منذ 25 كانون الثاني، أصبح اسم القاهرة مرادفًا للتظاهر والاضطراب. لم تتحول مصر إلى إيران ما بعد الثورة، حيث يمتلك الإسلاميون الكفاءة والشعبية اللازمتَين للإمساك بالسلطة. في الواقع، حدث العكس تمامًا: بدّد المتدينون فرصتهم في السلطة، والسياسيون المصريّون يبقون أكثر انفتاحًا وتشويشًا ممّا كانوا في عهد مبارك. قد يكون هذا الإرث الأبرز للثورة المصرية. “قبل سقوط نِظام مبارك، كانت السياسة مقتصرة على بعض الأشخاص الأذكياء والمثقفين”، يقول مُغيث من مكان جلوسه في مقهى إستوريل. “لكن بعد 25 كانون الثاني، أصبحت السياسة أشبه بطعام للناس. لقد باتت مركز اهتمامهم”.

مهما كانت العواقب – انهيار الاقتصاد، الاستقطاب السياسي، خسارة أجزاء من سيناء لصالح المجموعات الإرهابية، والإحساس الدائم ظاهريًّا بالأزمة الوطنيّة – فقد فتحت الثورة الفضاء السياسي المصري، الذي كان ميدان الرجال الأقوياء والحكام المطلقين منذ فجر التاريخ المصري الممتدّ آلاف السنين.

مع ذلك، فقد بدا هذا الصيفَ في القاهرة أنّ إنجاز الثورة الأهم في خطر. فقد أُوقفت ناقلات الجنود المدرّعة في كل ميدان مركزي، بما فيه ميدان التحرير الرمزي، حيث وُضعت 30 مركبة عسكرية على الأقل خارج المتحف المصري. حين زرتُ القاهرة في حزيران 2011، كان ميدان التحرير ممتلئًا بمتظاهرين مناهضين للجيش على مدى الـ 24 ساعة، علمانيين كانوا يشلّون منطقة وسط البلد في محاولة لنيل تنازلات من النظام العسكري الصارم. هذا العام، عاد التحرير إلى طبيعته كدائرة موجودة في اختناق مروري دائم، مع خيام قليلة منعزلة ومهجورة كما يبدو، تعرض شعارات ورايات مثل: “آن باترسون، اخرجي من مصر واذهبي إلى الجحيم” و”أوباما، لا يمكنك أن تخدع شعبك والعالم: أنت تموّل وتدعم الإرهاب”. (يرى داعمو الجيش أوباما والسفيرة الأمريكية باترسون كليهما داعمَين للإخوان المسلمين). في حي الزمالك الثري في القاهرة، ترتفع على البنايات، الواحدة تلو الأخرى، صورٌ للسيسي. يسود المدينة ككل هدوءٌ يشوبه القلق، كما لو كانت تقوم بجهد واعٍ لمحو الفوضى الحديثة من الذاكرة.

مؤيدو الرئيس المخلوع محمد مرسي خلال إعتصام إخواني (AFP)
مؤيدو الرئيس المخلوع محمد مرسي خلال إعتصام إخواني (AFP)

لكنني شاهدتُ تظاهرة واحدة ضدّ الجيش. فبعد لقائي بمُغيث، لاحظتُ مجموعة صغيرة من الليبراليين المناهضين للانقلاب متجمّعين في وسط منطقة طلعت حرب المزدحمة بالمرور. لقد كانوا أعضاء في “حركة 6 أبريل” العمالية. فرغم أنهم ليسوا أنصارًا للإخوان، فإنّ عددًا من جماهيرهم يعارض بوضوح عزل مرسي. كان المتظاهرون شبانًا بمعظمهم، حاملين لافتات كُتب عليها “ليسقط كل من يحكم مثل مبارك”، تعرض يدَين مكبلتَين مجهولتَين. حدّق السائقون إليهم فيما كانوا يمرّون عبر الدائرة المروريّة. على الجانب الآخر من الشارع، كان بائع يبيع صورًا للسيسي، بما فيها واحدة تظهره لامعًا إلى جانب جمال عبد الناصر المحبوب.

“الناس أعمى عيونَهم فشلُ الإخوان”، قالت واحدة من المتظاهرين، شابّةٌ ترتدي حجابًا مع ملابس غربيّة. “هم يشعرون أنّ الجيش هو مُنقذهم الوحيد”. في صخب القاهرة عند الظهيرة، بالكاد كان التجمّع الصغير ملحوظًا. في الجانب الآخر من الميدان، لم يكن واضحًا أنّ ثمة تظاهرة تجري. حتى المتظاهرون أنفسهم بدوا مدركين أنّ جهودهم رمزية حصرًا. “حظر التجوّل هو جزء من تثبيت الجيش سلطته مجدّدًا”، أخبرتني المرأة. “ستكون الحكومة القادمة تحت سلطة الجيش”.

يؤمن الليبراليون المصريون أنّ ذلك قد يكون شرًّا لا بُدّ منه. ويمكن النظر إلى وجهة نظرهم كإشارة إلى حركة ناضجة. كان الليبراليون المصريون سابقًا مجموعة ثورية غير منظّمة لم تستطع الاتفاق على مرشح رئاسي واحد عام 2012، وأضاعت الكثير من نضال 2011 في سلسلة من الاعتصامات غير الشعبية ضدّ الحكومة العسكرية الانتقالية؛ كل ذلك فيما الإخوان المسلمون يقوّون علاقتهم بالجيش ويحضّرون حملة انتخابية هائلة.

اليوم، يدرك الليبراليون أنّ الأحداث الجارية، والرأي العام إلى حدّ ما، إلى جانبهم. وهم يبدؤون بالتفكير بخطوات مربحة، طويلة المدى، وليس مطلقًا بصراع مباشر قد يطول سنوات، وربما “موجات” كثيرة أخرى من الثورة ليؤتي نتيجة. “العلمانيون يصبحون أكثر براغماتية”، أخبرني الناشط في جبهة الإنقاذ الوطني. “الناس يتعلمون”.

(KHALED DESOUKI / AFP)
(KHALED DESOUKI / AFP)

لكنّ السؤال هو كم سيستغرق ذلك، وهل يمكن أن ينجح في النهاية. حاليًّا، ثمة نظام شبيه بنظام مبارك العسكري في السلطة مجددًا، ويبدو أنّ ثمة القليل جدًّا من الدعم الشعبي للإطاحة به. بدأت تسري شائعات حول ترشّح السيسي للرئاسة في الانتخابات القادمة، والمراقبون ذوو الاطّلاع يظّنون أنّ لديه فرصة جيدة للفوز. في الوقت الحالي، لا أحد في المعسكر الليبرالي يسعه أن يكتّل معارضة مقنعة ضدّ السيسي. والسبب قد يكون أنّ الليبراليين في مصر قاموا بتضحية مؤلمة، قد تكون ضرورية، لمنع حكم ثيوقراطي (ديني).

فيما مصر تستقر على إيقاعاتها القديمة – الجديدة، يحاول الليبراليون في البلاد أن يفهموا ماذا يريدون أن يبنوا في مكان النظام القائم. حاليًّا، فيما يبدو أنهم في ذروة تأثيرهم بعد الثورة، لا يزالون يصارعون لإيجاد إجابة.

اقرأوا المزيد: 1699 كلمة
عرض أقل
متظاهر مصري (AFP)
متظاهر مصري (AFP)

الليبراليون المصريون لا يمكنهم أن يستريحوا – الجزء الأول

نحو ثلاث سنوات وثورتَين مرّت منذ ملأت الجماهير ميدان التحرير، ولا تبدو مصر أقرب إلى أن تصبح مجتمعًا منفتحًا وليبراليًّا.‎ ‎فهل ثمّة أمل؟

في آب الماضي، وصلتُ مصر أثناء حظر تجوّل مفروض من الجيش، وغياب حركة مرور صباحية غريب، بل خارق للطبيعة.‎ ‎قمتُ بزيارتي الأخيرة إلى مصر بعد شهرَين من نزول ثلاثين مليون مصريّ إلى الشوارع للاحتجاج على حُكم محمد مرسي وجماعة الإخوان المسلمين الذي كان ينزع شيئًا فشيئًا إلى الفاشية؛ قام الجيش حينذاك، بقيادة الفريق أوّل عبد الفتّاح السيسي، بالإطاحة بمرسي.‎ ‎قبل عشرة أيام فقط من وصولي، قُتل 500 محتجّ موالٍ لمرسي ضمن حملة وطنيّة لفرض النظام.

قدمتُ للبحث عن الليبراليين العلمانيين المُحاصَرين في البلاد، أملًا باستكشاف رأيهم حول الوضع الحرج الذي يجدون، هم والشعب المصري، أنفسهم فيه. فبعد عامَين من الثورة المصرية التي أنهت حكم الرئيس محمد حسني مبارك الذي دام ثلاثة عقود، ينحاز الليبراليون في البلاد، الذين عارضوا مبارك بشدة، بشكل واضح إلى نظام عسكري آخر.

أهي خيانة للمبادئ الأساسية للثورة، أم السبيل الوحيد الذي يُمكّن الديمقراطيين العلمانيين في مصر من الانتصار على القوى الدينية للإخوان المسلمين الذين يريدون إنشاء دولة محكومة بالشريعة قسرًا؟‎ ‎هل يعيد ليبراليو مصر توجيه بوصلة ثورتهم بكل بساطة بعد إخفاق حكومة مرسي، أم إنّ تسامحهم مع حكومة جديدة ذات خلفية عسكرية هو خطأ استراتيجي؟

رغم أنّ حكومة مُرسي جلبت المعاناة لعدد هائل من المصريين، ودفعت كثيرين من المصريين (على الأرجح معظمهم) إلى احتقار الإخوان، فليس واضحًا بعد إن كانت الانعطافة المضادّة للإسلاميين ستؤدي في نهاية المطاف إلى نظام ديمقراطي ليبرالي.‎ ‎بخلق روايتهم الخاصة حول كون الانقلاب العسكري تعبيرًا شرعيًّا عن الديمقراطية، قد يكون الليبراليون يمهّدون الطريق نحو مجتمع أفضل وأكثر حريةً.‎ ‎لكن، ربما يكونون يُعدّون أنفسهم لخيبة أمل جدّية.

متظهرون في القاهرة (AFP)
متظهرون في القاهرة (AFP)

مبقيًا هذه المخاوف في بالي، التقيتُ الديمقراطي المصري البارز كمال مُغيث في مقهى إستوريل وسط القاهرة.‎ ‎لإستوريل نافذتان فقط، مصنوعتان من الزجاج الخفيف، ولكن الكثيف كفايةً لتغشية الفوضى في شارع طلعت حرب، ومنع عابري السبيل من رؤية ما يجري في الداخل.‎ ‎ثمة محاولة شجاعة، ولكنها غير كافية، لتحويله إلى حانة.‎ ‎يدوّن النادل، الذي يرتدي بذلة بيضاء شاحبة، الطلبات بالفرنسية.‎ ‎للجزء الداخلي المكسوّ خشبًا، على طراز “أرت ديكو” نفس المظهر الشاحب والضبابيّ الذي لباقي وسط القاهرة الذي يخنقه الدخان.‎ ‎لكن مثل “كافي ريتشي” القريبة الأكثر شهرةً، فإنّ دور إستوريل كنقطة تجمّع للمثقفين المصريين لم يتناقص على مرّ العقود.

كان مُغيث، كاتب صحفي اشتراكي حائز على دكتوراه في تاريخ التربية، يحتضن زجاجة من بيرة ستيلا المخمّرة محليًّا، ما يعكس نوعًا من التخبط الذي تجد الليبرالية المصرية نفسها واقعة فيه دون مفرّ.‎ ‎إنّه شراب مخفّف بالماء. لكن نظرًا إلى منع الإسلام للكحول، من الجدير بالملاحظة أنّه يتواجد في إحدى أكثر الدول تشدُّدًا في العالم الإسلاميّ السنيّ.‎ ‎أوضح لي مُغيث لماذا يشعر أنّ حلول الجيش مكان حكومة منتخَبة شعبيًّا لم يكن ذاك الاعتداء على الديمقراطية الذي بدا لي.

“الثلاثون من حزيران هو ثورة حقيقية”، قال متحدثًا عن اليوم الذي مهّدت فيه التظاهرات الجماعية لإطاحة الجيش بحكومة مُرسي.‎ ‎”وهي ثورة أكثر شموليةً وأوضح في أهدافها من 25 كانون الثاني.‎ ‎في 25 كانون الثاني، علمنا ما لا نريده، لكننا لم نعلم حقًّا ما كُنّا نريده.‎ ‎في 30 حزيران، كنّا ندرك هدفنا، وهو حيازة دولة عصرية مدنية، بكل ما تحمله الدولة المدنية من معنى: دستور، شفافية، ودولة قانون ونظام”.

أراد الثوار العلمانيون المصريون الشفافية وحُكم القانون في 2011 أيضًا، حين استنفذوا كثيرًا من طاقتهم ومصداقيّتهم في الاعتصام ضدّ المجلس الأعلى للقوّات المسلحة، المجلس العسكري الذي حلّ محلّ مبارك المخلوع.‎ ‎لكنّ السؤال الآن هو إن كان الجيش المصري، أو أيّ جيش، في وسعه تحقيق الليبرالية والتسامح، ناهيك عن الديمقراطية، في بلاد لم يحمها سوى رئيس مدنيّ واحد في5،000عام.‎ ‎الليبراليون المصريون هم، في الواقع، المجموعة السياسية الوحيدة في الدولة التي تتبنى كاملًا قِيَم المجتمع المنفتح.‎ ‎لكنّ السؤال هو إن كانوا سينجحون في العمل مع العسكر لتحقيق هذه القيم في مصر.

يجزم مُغيث أنّ الإطاحة بمرسي لم تكن انقلابًا عسكريًّا، وهو يعتقد أنّ الجيش كان، بكل بساطة، يسير على خطى الشعب المصري.‎ ‎”كيف نقبل أنّ الجيش انحاز إلى المحتجين المصريين في 25 كانون الثاني”، يسأل، “ولا نقبل أنه انحاز إلى الشعب المصري في 30 حزيران؟”

تحدثتُ إلى ليبراليين مصريين آخرين كثيرين يوافقون مُغيث بشدة؛ حتى إنّ بعضهم يذهب أبعد ممّا ذهب.‎ ‎فهم يرَون الإطاحة بمرسي وظهور الفريق أول السيسي بصفته الرجل الأقوى في مصر صيانةً للثورة المصرية، لا أقلّ من ذلك – برهانًا على أنّ الديمقراطية والجمهورية العلمانية تكمنان في قلب الطموحات السياسية المصرية.

وتنحو روايتهم هذا المنحى: فقد مرسي، المنتخَب ديمقراطيًّا، تفويضه الشعبي حين أصدر إعلانًا دستوريًّا ممقوتًا على نطاق واسع في تشرين الثاني 2012.‎ ‎منع الإعلانُ الحلّ المرتقَب للجمعية التأسيسية (لكتابة الدستور) التي يسيطر عليها الإسلاميون إلى حدّ بعيد، ووضع مرسي عمليًّا فوق كامل السلطة القضائية في البلاد، واضعًا إياه في موضع لم يكن فيه حسني مبارك قطّ.‎ ‎”منح نفسه صلاحيات لم يمتلكها عبد الناصر أو أيّ زعيم سابق”، يقول محمود أباظة، الفقيه القانوني والرئيس السابق لحزب الوفد العلماني.‎ ‎”ما قام به مُرسي كان انقلابًا من القَصر.‎ ‎بعد هذه اللحظة، ما عاد بوسعه أن يدّعي حيازة أية شرعية”.

الفريق أوّل عبد الفتاح السيسي (AFP/Khaled Desouki)
الفريق أوّل عبد الفتاح السيسي (AFP/Khaled Desouki)

خرج ثلاثون مليون مصري إلى الشوارع في 30 حزيران 2013، ‎طالبين من مُرسي إمّا أن يدعو إلى انتخابات رئاسية أو أن يستقيل، ما يراه الليبراليون دليلًا على رغبة الشعب في استبداله.‎ ‎حين رفض مُرسي، لم يكن للجيش خيار سوى عزله، كما لم يكن لديه مفرّ من استبدال مبارك عام 2011.‎ ‎سلّم الفريق أول السيسي الرئاسة على جناح السرعة إلى رئيس المحكمة الدستورية، شكّل حكومة تشمل النساء والأقليات، وضمن تعيين شخصيات علمانية رئيسية في أرفع المناصب في الحكومة الجديدة.

لا تكلّف رواية الليبراليين نفسها مشقة الخوض في التعقيدات الدستورية التي رافقت خطوات السيسي.‎ ‎فناصر أمين، مدير المركز العربي لاستقلال القضاء في القاهرة، يعترف أنّ تشكيل العسكر حكومةً جديدة هو خطوة غير قانونيّة. ‎ ‎لكن كان هناك، كما يقول، نصر أبكر وأكثر رمزيّة.‎ ‎”أطاحت الثورة بمبارك ونظامه، ووضعت رموزه في السجن”، يلاحظ.‎ ‎”لكن إن تحدثنا عن شرعية ما جرى في 25 كانون الثاني، فإنّ مبارك كان يجب أن يكمل ولايته الرئاسية”.

ككثير من الليبراليين، يرى أمين الإطاحة بمرسي “موجة ثالثة” من الثورة المصرية، إذ كانت الخطوتان الأوليان الإطاحة بمبارك واستبدال المجلس العسكري الانتقالي بحكومة مدنية منتخَبة.‎ ‎يوافق زياد العليمي، عضو سابق في مجلس الشعب سُجن عام 2003 إبّان نظام مبارك.‎ ‎كانت “الموجة الثالثة” مؤلفة، حسب رأيه من “أولئك الذين يواجهون مشكلة مع دولة دينية”.‎ ‎لم يختر الجيش العلمانيين شركاء له، كما يعتقد.‎ ‎فالعلمانيون هم من أجبروا الجيش على اتّخاذ إجراء ضدّ إساءة استخدام مُرسي للسلطة.

وهو ليس الوحيد الذي يؤمن بذلك.‎ ‎فناصر عبد الحميد، زعيم سابق لائتلاف شباب الثورة وكاتب في صحيفة المصري اليوم، يؤكّد: “لم تكن هناك طريقة [لتجاوز أزمة 30 حزيران] سوى أن يصغي الجيش للشارع ويحقّق مطالبه.‎ ‎لو لم يستجب الجيش لرغبات الشعب ومطالبه … كان سيحنق على العسكر أيضًا”.‎ ‎بعزل مرسي، يقول، كان السيسي ببساطة ينفّذ خارطة طريق أسستها الأحزاب العلمانية المصرية خلال اجتماعها في فندق الماريوت في الزمالك في 22 حزيران 2013.‎ ‎”في هذه الخطة”، يوضح،

“يُعيّن رئيس المحكمة الدستورية رئيسًا، تُشكَّل حكومة تكنوقراط، ويضع مجلسٌ تأسيسي مسوّدةً للدستور، يليها استفتاء على الدستور، وأخيرًا انتخابات تشريعية ورئاسية.‎ ‎ما فعله السيسي كان تبني نتيجة ذاك المؤتمر”.

لكن من الواجب القول أن الليبراليين في مصر لا يزال أمامهم نضال شاقّ لخوضه.‎ ‎فنجاحهم الانتخابي منذ 2011 كان محدودًا، إذ مُنوا بهزائم ساحقة في الانتخابات التشريعية والرئاسية، وكذلك في الاستفتاء على الدستور.‎ ‎مع ذلك، فقد لعبوا دورًا مركزيًّا في الاضطرابات السياسية التي تعصف بمصر في العامَين الأخيرَين.‎ ‎يعي الليبراليون ذلك، وقد حوّلوه إلى أسطورة ذاتيّة قويّة.‎ ‎فالحكومة العسكرية أطاحت بمبارك واستلمت الحكم، كما يظنّون، لأنّ المجموعات الثورية دفعت مصر إلى حافة الهاوية خلال “الأيام الثمانية عشر” من التظاهُرات الجماعيّة.‎ ‎وصل الإخوان إلى الحُكم فقط بسبب إصرار الثوريين على الانتقال إلى حُكم مدنيّ ومعارضتهم لأحمد شفيق، رئيس حكومة مبارك سابقًا، خلال الجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية عام 2012.‎ ‎حسب رأيهم، سقط كل من مبارك، الحكومة العسكرية، ومُرسي لأنهم ناهضوا الثوريين العلمانيين الليبراليين المصريين، الذين يظلّون حرّاس الديمقراطية المصرية، رغم عودة العسكر إلى السلطة.

(KHALED DESOUKI / AFP)
(KHALED DESOUKI / AFP)

ويوجز زياد العليمي الأمر بهذه الطريقة: “ربحت كل واحدة من المجموعات الأخرى في أوقات مختلفة فقط حين اصطفّ الثوريون إلى جانبها.‎ ‎لكنهم كانوا يُخاتلون الثورة، لأنّ العامل الوحيد الذي يقرّر من سيفوز هو أيّ طرف تنحاز إليه الثورة”.‎ ‎بالنسبة إلى الليبراليين المصريين، لم يكن ثمة انقلاب عسكري في 3 تموز 2013، بل مجرّد تأكيد على القوى الثورية التي حدّدت مصير مصر منذ الإطاحة بمبارك.

صحيح أنّ الإخوان المسلمين كانوا ولا يزالون مكروهين من قبل عدد كبير من المصريين، وأنّ فترة حكمهم القصيرة لم تتميّز بالمقاييس الإسلامية الجائرة فحسب، بل أيضًا بعدم الكفاءة الذي يتعذّر فهمه، الذي فاقم الوضع الاقتصادي السيء أصلًا لمعظم المصريين.‎ ‎في الواقع، جرى في 1 تموز 2013، إحراق المقر الرئيسي لحزب الحرية والعدالة التابع للإخوان المسلمين وتسويته بالأرض من قِبل رعاع عنيف.‎ ‎صحيحٌ أنّ النظام العامّ كان يتداعى حين بدأ الجيش حملته على الإخوان، على الأرجح إلى درجة تعريض مصداقية الحكومة العسكرية للخطر.‎ ‎لكنّ حملة فرض النظام ميّزتها أحداث لا تُبشّر بالخير حيال مستقبل الليبرالية المصريّة.

والأبرز بينها هو فضّ سلسلة من الاعتصامات الإسلامية في ميدان النهضة ومسجد رابعة.‎ ‎ووفقًا لمجموعات حقوق إنسان، قُتل نحو 400 شخص بإطلاق النار حين اصطدمت الشرطة بالمُتظاهرين، الذين كانوا يطالبون بعودة مُرسي إلى الحُكم.‎ ‎وفيما ادّعت الشرطة أنها كانت تدافع عن نفسها، وزعمت الحكومة أنّ المُوالين لمرسي كانوا مسلّحين، فإنّ رسميّين آخرين ذكروا أنّ أقلّ من عشرة مسدّسات وُجدت في موقع اعتصام رابعة، حيث حدث الكثير من العنف.

لم يكن العلمانيون الذين تحدثتُ إليهم منزعجين من العنف تقريبًا.‎ ‎فحين سألتُ ناصر أمين عمّا حدث، أشار إلى المادة 21 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية التابع للأمم المتحدة.‎ ‎”يمكن أن نقول إنّ هذا الاعتصام خرق هذه المادة بإقامته الطويلة في منطقة سكنية”، ويضيف: “وتحوّل الاعتصام إلى معسكر مسلّح أو مقاتل، ما يعرّض حقوق السكان وأمنهم للخطر”.‎ ‎ويعتقد فريد زهران، نائب رئيس الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي الذي كان مسجونًا في عهد مبارك، أنّ الشرطة استخدمت قوة مفرطة، لكنه يعتقد أيضًا أنّ الإسلاميين هم من سبّب الرد العنيف.‎ ‎”كيف تتجاوب الشرطة الأمريكية ضدّ محتجين مسلحين كهؤلاء حين تجري مهاجمة مؤسسات حكومية أو إحراق 76 كنيسة عن بكرة أبيها؟” يسأل.

وأخبرني أندراوس عويضة، مرشح برلماني سابق عن “حزب المصريين الأحرار” العلماني وناشط في اتحاد شباب ماسبيرو، أنّ إحراق مسجد رابعة نفّذه متظاهرون موالون للإخوان لإخفاء الدليل على أنهم كانوا يعذّبون خصومهم السياسيين.‎ ‎وقال ناصر أمين إنّ عدد القتلى “روّعه”، لكنّه مدح القوى الأمنية على ضبط نفسها.‎ ‎”نظرًا لاطّلاعي على عمل الشرطة خلال السنوات القليلة الماضية، كنت أتوقع أن يكون عدد القتلى ثلاثة أضعاف ذلك”، يخبر.‎ ‎وادّعى أنّ 100 متظاهر فقط قُتلوا في “رابعة”، إضافة إلى 40 في “النهضة”.‎ ‎وتدّعي وزارة الداخلية المصرية أنّ أكثر من 40 من رجال الشرطة قُتلوا نتيجةً للعُنف، وهو رقم معقول إلى حدّ بعيد.‎ ‎وكما أخبرني مراقب مصري: “لا تكذب الوزارة عادةُ حين يتعلّق الأمر بموت رجالها”.

(KHALED DESOUKI / AFP)
(KHALED DESOUKI / AFP)

ثمة براغماتية باردة خلف ردود الليبراليين العلمانيين المصريين على العنف في رابعة والنهضة. يعترف زهران أنّ عدم أهلية الإخوان وحملة فرض النظام الحديثة هما برَكة محتملة للقضية الليبرالية المعزولة بشكل عامّ. “أعتبر نفسي جزءًا من أقلية في مصر، لأنّ ثمة القليل من السياسيين الديمقراطيين هنا”. ويتابع: “مع ذلك، فإنّ الناس العاديين يريدون التخلّص من الأخوان، حتى لو عنى ذلك إحراقَهم إلى الموت”.

لكن رواية العلمانيين للأحداث تُلمح إلى دوافع، لا يمكن للبراغماتية وحدها أن توضحها بشكل كافٍ. فمع سقوط مرسي وانخفاض شعبية الإخوان، يمكن للعلمانيين أن يدّعوا الآن بشكل يُصدَّق أنّ الإخوان المسلمين يشكّلون قوة دخيلة على الحياة السياسية المصرية. ويمكنهم أن ينسبوا فشل مرسي في الحُكم إلى فشل الأيديولوجية. وكما يعبّر ناصر عبد الحميد، فإنّ مُرسي أراد “أخونة” مصر، واستبدال مؤسسات الدولة المدنية بأخرى تلائم الإخوان المسلمين فقط. وفي رأيه، ليست استراتيجية الإخوان غير مسبوقة. “فقد كان هناك عنف دائمًا بين الإخوان والدولة”. ويضيف: ” اغتال الإخوان رئيس الحكومة النقراشي والقاضي أحمد الخازندار عام 1948″.

بالنسبة لليبراليين، برهن متظاهرو 30 حزيران أنّ نمط حكم الإخوان بغيض على مصر القومية والعلمانية – الجمهورية أساسًا. فهم يؤمنون أنّ العنف في رابعة والنهضة – وإن كان مُفرطًا – كان موجهًا إلى حركة إرهابية هامشية لم تتحدث سوى عن مصالحها التي أضحت مفضوحة.

اقرأوا المزيد: 1848 كلمة
عرض أقل