هولوكوست - مشروع خاص

كل ما أردتم معرفته عن "هولوكوست" الشعب اليهودي في سلسلة مقالات مميزة على موقع "المصدر". "هولوكوست" الشعب اليهودي هي كارثة ألمّت بالشعب اليهودي في فترة الحرب العالمية الثانية، بين العامين 1939 و 1945، قام خلالها النازيون بقتل 6 مليون يهودي، بينهم 1.2 مليون طفل.
تحرير معسكر الإيبادة أوشفيتس
تحرير معسكر الإيبادة أوشفيتس

ألم التحرير: انتهاء الهولوكوست والحرب العالمية الثانية

مع تقدّم الحلفاء زاد الألمان من وتيرة الإبادة في المعسكرات بموازاة البدء بإخلاء الأسرى في "المواكب الجنائزية". بعد الهزيمة الألمانية ومع تحرير المعسكرات تم الكشف عن حجم الإبادة، الرعب، والوحشية التي هزّت العالم بأسره

 

إخلاء الغيتوهات والمعسكرات

مع تفكك الرايخ الثالث وانهيار الجبهة الشرقية بدأ الألمان بانسحاب واسع النطاق نحو الغرب إلى داخل ألمانيا. ومع اقتراب الجيش الروسي إلى الحدود البولندية سرّع الألمان من عملية القتل في المعسكرات.

لقد بدأ القضاء على آخر اليهود في المعسكرات الواقعة في منطقة لوبلين منذ شهر تشرين الثاني عام 1943 تحت الاسم الرمزي “إيرنتيفيست” والذي يعني “عيد الحصاد”. بعد موجة من الترحيل منذ حزيران حتى أيلول عام 1942 تم تركيز الناجين من الجاليات اليهودية من وسط بولندا في عدة غيتوهات معزولة. حتى منتصف عام 1943، دُمّرت هذه الغيتوهات وتم سجن العمّال المؤهّلين في معسكرات للعمل. ومن ثم تم إخلاء المعسكرات عام 1944 وأُرسل السجناء إلى معسكرات في ألمانيا. أُرسل أواخر يهود لودز، وهم نحو 70 ألفًا، إلى معسكر الإبادة أوشفيتز- بيركينو في آب عام 1944. وقد قُتل معظمهم فور وصولهم.

أمر رئيس الإس إس، هاينريش هيملر، أن يُمنع بكل ثمن وضع يحرّر فيه جنود الحلفاء معسكرات الاعتقال ويطلقون سراح السجناء، بحيث يمكنهم الكشف عن حجم الإبادة الممنهجة. وقد قرّر الألمان إخلاء المعسكرات وبذلك يمكنهم القضاء على أدلة جرائم القتل، والاستفادة الكاملة من القوة العاملة اليهودية في ألمانيا والنمسا. كانت الأوامر الأولى هي إخلاء الأسرى نحو الغرب، ولكن خاف بعض الحرّاس على حياتهم وأرادوا الفرار من الحلفاء، لذلك قتلوا الأسرى في المكان.

المواكب الجنائزية

كانت المعسكرات الأولى التي تم إخلاؤها في دول البلطيق، في شرق بولندا ووسطها. تمّ الإخلاء في نفس الوقت تقريبا بالقطارات، وفي أحيان نادرة بالسفن أيضًا. تم إخراج بعض السجناء من المعسكرات مشيًا على الأقدام وبعد فترة قصيرة من ذلك بدأت موجة هائلة من “المواكب الجنائزية”.

في كانون الثاني عام 1945، في أعقاب الهجوم المجدّد للجيش الأحمر، بدأ إخلاء معسكرات الاعتقال من باقي أرجاء بولندا. تم إخراج نحو 66,000 أسير، ومعظمهم من اليهود، من معسكر أوشفيتز ومن المعسكرات الفرعية التابعة له، ومن ثم تم تسييرهم وترحيلهم في قطارات الشحن المفتوحة إلى معسكرات أخرى. لاقى 15,000 ألفًا على الأقل حتفهم خلال الرحلة. بعد ذلك بأيام قليلة، بدأ إخلاء معسكر شتوتهوف والمعسكرات التابعة له. وفي المجموع لاقى حتفه في المواكب الجنائزية وأثناء إطلاق النار على شاطئ البحر نحو 26,000 من بين 50,000 أسير في شتوتهوف.

موكب جنائزي لنساء في الشيك، مايو 1945
موكب جنائزي لنساء في الشيك، مايو 1945

استمرّت المواكب الجنائزية حتى اليوم الأخير من الحرب. ولاقى حتفه في المواكب الجنائزية، منذ صيف عام 1944 وحتى نهاية الحرب، ما معدله بين 200,000 إلى 250,000 أسير من معسكرات الاعتقال النازية، من بين 714,000 خرجوا منها. لقد لاقوا حتفهم خنقًا، من الحرّ، الجوع، والعطش، بينما كانوا في قطارات شحن مُغلقة، أو تم قتلهم رميًا بالرصاص أو ضربًا. كان ربع حتى ثلث هؤلاء الضحايا من اليهود. وُجدت بعد الحرب على طول مسارات المواكب الجنائزية مئات القبور الجماعية لعشرات آلاف الأسرى.

نهاية حرب حزينة: الكشف عن حجم الكارثة

في 8 أيار عام 1945، استسلمت ألمانيا النازية للحلفاء، من دون شروط. قبل ذلك بفترة قصيرة بدأ الحلفاء بتحرير معسكرات الاعتقال والإبادة. وقد تم تحرير معسكر أوشفيتز- بيركينو في تاريخ 27 كانون الثاني عام 1945، وهو التاريخ الذي يتم فيه اليوم في العالم إحياء اليوم العالمي لذكرى الهولوكوست. ومع ذلك، فقد استمر الألمان بمقاومة شديدة على “أرض الرايخ”، وتم تحرير معسكرات الاعتقال في ألمانيا والنمسا من قبل الحلفاء فقط في شهرَي نيسان وأيار عام 1945.

في 15 نيسان، حرر الجيش البريطاني معسكر برجن بلسن، وذلك قبل أن يُكمل الألمان إخلاءه. كان في المعسكر نحو 60,000 أسير، كانت غالبيتهم العظمى من المرضى في حالة صعبة. وفي أرض المعسكر كانت ملقاة آلاف الجثث التي لم تُدفن بعد. لقد أصيب الجنود البريطانيون بالذهول مما رأت أعينهم. ولم يكن الجيش البريطاني مستعدّا لعمليات الإنقاذ بالحجم المطلوب. كجزء من عمليات المساعدة تم توزيع كميات هائلة من الطعام على الناجين، ولكن بعد سنوات طويلة من الجوع فإنّ مِعَد الناجين لم تكن قادرة على هضم الطعام، فمات الكثير منهم بسبب الأكل المفرط.

في الأيام الخمس الأولى بعد التحرير توفي 14,000 ألف شخص، ولم يكن بالإمكان إنقاذهم. وتوفي 14,000 آخرون خلال الأسابيع التالية، رغم الجهود التي بُذلت لتقديم المساعدة وإنقاذ حياة من كان على وشك الموت.

ترك تحرير المعسكرات صدمة عميقة في أوساط جنود الولايات المتحدة، ومن بينهم أيضا الجنود الذين كانوا ضالعين في المعارك. قال أناتولي شابيرو، وهو ضابط يهودي شارك في تحرير أوشفيتز: “أول شيء رأيته هو مجموعة من الأشخاص وقفوا في الخارج، في الثلج، وبدَوا كهياكل عظمية ترتدي ملابس السجناء، وعلى أقدامهم خِرَقٌ بدلا من الأحذية. لقد كانوا ضعفاء جدّا إلى درجة أنّهم لم يستطيعوا إدارة رؤوسهم. فقلنا لهم: “لقد وصل الجيش الأحمر لتحريركم”. لم يصدّقونا في البداية. فاقتربوا منّا ولمسونا كي يروا بأنّ ذلك كان حقيقيّا”.

تقول إحدى الناجيات، وهي بيلا برافر: “قال حارس المعسكر الذي جاء ليفتح البوابة: أنتم أحرار ويمكنكم الخروج… كانت هذه إحدى المعجزات! لقد دخل الروس وكنّا في حالة لم يتحرّك ولم يخرج فيها أحد. لم نضحك، لم نفرح، كنّا لا مبالين… جاء أحد الجنرالات، وقد كان يهوديّا. وقال لنا إنّه سعيد جدّا لأنّ هذا هو أول معسكر يعثر فيه على أشخاص ما زالوا أحياء. وقد بدأ يبكي لوحده. أما نحن فلم نبكِ”.

الناجون

حاول مليونا يهودي، وهم الذين ظلوا على قيد الحياة في أراضي الاتحاد السوفياتي ومئات آلاف اليهود الذي نجوا بطرق مختلفة، أو نجوا من المعسكرات، العثور على من يعرف أشخاص نجوا من هذه الفظائع. وغالبا، خاب أملهم، واكتشف الناجون أنّهم ظلوا لوحدهم في العالم. خرج الناجون اليهود من المعسكرات والغابات، عادوا من مخابئهم، وحاولوا العودة إلى منازلهم في أوروبا الشرقية، ولكنهم قوبلوا هناك بالرفض والعداء. خشي الكثير من السكان أنّ يكون اليهود قد عادوا للمطالبة بممتلكاتهم التي سُرقت ووُجدت في أيدي جيرانهم. قتلت عصابات معادية للسامية نحو 1,000 من الناجين في الأشهر الأولى من تحريرهم.

وبدأ الكثير من الناجين بالتحرّك غربًا. استقرّ بعضهم لفترة ما قرب الحدود البولندية الألمانية وأنشأوا مؤسسات جماهيرية رغبة منهم في تحضير أنفسهم نحو حياة جديدة. لقد أسسوا مستشفيات لمعالجة المرضى والمنهكين، دور أيتام، مدارس، ومزارع للتدريب الزراعي. بعد فترة من التعافي أكمل بعضهم طريقه نحو أوروبا الغربية وجنوبًا نحو الساحل الإيطالي. وطالب القليل من الناجين، بالهجرة الحرّة، بشكل أساسيّ إلى أرض إسرائيل.

هاجر نحو ثلث النازحين اليهود الـ 300,000 إلى الولايات المتحدة، كندا، أستراليا، ودول أمريكا اللاتينية. حاول 70,000 منهم الذهاب إلى إسرائيل رغم سياسة عدم الهجرة للانتداب البريطاني. وردّا على ذلك بدأ البريطانيون بترحيل المهاجرين غير الشرعيين إلى قبرص وسجنهم في معسكرات الاعتقال. تم ترحيل نحو 52,000 من المهاجرين غير الشرعيين إلى معسكرات الاعتقال في قبرص وهناك وجدوا أنفسهم مجدّدا وراء الأسلاك الشائكة.

محاكمات نورنبيرغ

بعد انتهاء الحرب، أجريتْ محاكمات لـ 22 من قادة النظام النازي أمام المحكمة العسكرية الدولية، في نورنبيرغ. كان تهدف هذه المحكمة إلى إصدار أحكام ضدّ المتّهمين بارتكاب “جرائم ضدّ الإنسانية والسلام”، وهي الجرائم التي خطّطوا لها، نفّذوها، نظّموها أو أمروا بتنفيذها. ومن بين المحاكَمين كان هناك هيرمان غورينغ، قائد سلاح الجو الألماني الذي كان مسؤولا أيضًا عن مصادرة الممتلكات اليهودية، بالإضافة إلى نائب هتلر، رودلف هس، مع قادة آخرين في النظام النازي.

وتم الحكم بالإعدام على 12 من المتّهمين. انتحر غورينغ في سجنه وتم شنق الآخرين في 16 تشرين الأول عام 1946. حُكم على هس وقادة آخرين بالسجن مدى الحياة، وحصل آخرون على فترات سجن أقصر. تمت تبرئة ثلاثة من المحاكَمين فقط.

كانت محكمة نورنبيرغ المحكمة الأولى في التاريخ التي تمّت فيها محاكمة قادة نظام، حكومة وجيش، والذين كانوا مسؤولين عن جرائم نُفّذت في بلادهم، وذلك بواسطة محكمة مستقلّة وذات طابع دولي. لم تُجرَ لهم محاكمة ميدانية ولا إعدام وفقًا لقرار المنتصرين، وإنما محاكمة وفقا للقانون والعدالة ومع توفير الحماية الكافية للمتّهمين. كان القضاة من مواطني الدول المنتصرة: الاتحاد السوفياتي، الولايات المتحدة، بريطانيا، وفرنسا. وتعتبر الشهادات التي تم الإدلاء بها في محكمة نورنبيرغ، الوثائق التي عرضتها النيابة وبقية التوثيقات مصدرًا أوليّا للتعرّف على فترة الهولوكوست والجهود المطلوبة لمنع تكرار جرائم الإبادة الجماعية.

اقرأوا المزيد: 1178 كلمة
عرض أقل
ناجين من المحرقة في طريقهم إلى إسرائسل
ناجين من المحرقة في طريقهم إلى إسرائسل

المقاومة اليهودية للنازيين: البطولة والكفاح في قلب الجحيم

أثناء الهولوكوست تمكّن الآلاف من اليهود من الهرب، الاختباء بل من تنظيم كفاح مسلّح والتمرّد على النازيين. هكذا نجح اليهود في القيام بما كان يبدو شبه مستحيل:

13 فبراير 2016 | 08:08

كان أحد الأسئلة الأكثر شيوعا والتي طُرحت في السنوات التي تلت الحرب العالمية الثانية هو “لماذا لم يفعل اليهود شيئا لحماية أنفسهم”، “كيف اقتيد 6 ملايين “كالغنم إلى الذبح”، لماذا لم يهربوا أو يقاوموا”. ومع ذلك، فمع مرور السنوات وكلما كثرت الشهادات، اتضح أنّ أبعاد المقاومة كانت أكبر بكثير مما كان يمكن لأحد أن يتصوّرها.

الصعوبة في الهروب

جعلت الظروف التي أنشأها النازيون في أوروبا المقاومة شبه مستحيلة. أولا، استغرق لليهود وقتا كي يفهموا أنّ هناك ضرورة للهروب. كانت الأنباء حول ما يحدث في شرق بولندا في السنوات الأولى بمثابة شائعات فقط. بالإضافة إلى ذلك، كانت منظومة التضليل الألمانية بخصوص الإبادة آلة معدّة جيّدا وذكية. إنسانيًّا وبشكل أساسي، لم يستطع اليهود وكذلك “رفضوا” التصديق أنّ هناك إبادة جماعية متعمّدة وممأسسة إلى هذا الحد. وحتى عندما بدأ الترحيل، اعتقد الكثير من اليهود أنّهم يُنقلون للعيش في القرى بشرق أوروبا، ولم يدركوا أنّهم يُقتادون ليلاقوا حتفهم حتى اللحظة الأخيرة تماما.

ثانيا، تم الترحيل نفسه من قبل خلايا لعناصر شرطة وجنود مسلّحين، لم يتردّدوا في إطلاق النار على من لم يستجب للأوامر، وبطبيعة الحال على من حاول الهرب. ولكن حتى لو كان هناك من استطاع الهرب من تحت أيدي المسلّحين، فقد اختاروا في بعض الأحيان البقاء كي لا يتركوا خلفهم أسرهم، آملين أن يستطيعوا حمايتها لاحقا.

بالإضافة إلى ذلك، فقد عمل الألمان في بيئة معادية لليهود وللسامية في معظمها، بحيث إنّه في بعض الأحيان حتى من نجح في الفرار وجد صعوبة في العثور على ملجأ، وتم تسليمه مجددا إلى لألمان من قبل الجيران الذين كشفوا عن أماكن الاختباء. وفضلا عن ذلك، فقد طُرد اليهود ونُقلوا في القطارات في جميع أنحاء أوروبا. وأحيانا، وصلوا إلى أماكن تبعد مئات الكيلومترات عن كل بلدة، وحتى لو هربوا، فلم يكن لديهم إلى أين يهربون، أو أي احتمال في البقاء على قيد الحياة في البرد الأوروبي القارس من دون مأوى وغذاء.

المقاومة المسلحة

ومع ذلك، فرغم هذه الظروف الصعبة، نجح عشرات الآلاف من اليهود في مقاومة النازيين. تلقّى اليهود الذين عملوا بسرية، في وقت مبكّر نسبيًّا، أخبارا وشهادات موثوقة حول نطاق الإبادة، وحاولوا نشرها لتجهيز المقاومة. جرت المقاومة اليهودية على ثلاثة مستويات: الهروب وتهريب اليهود من البلدات والغيتوات إلى الغابات والقتال كقوى غير نظامية فيها؛ اختباء الأفراد في مخابئ مختلفة، تنفيذ أعمال إنقاذ جماعية وإنقاذ الأطفال؛ والتمرّد المسلّح في الغيتوات والمعسكرات.

شارك اليهود في وسط وغرب أوروبا بمنظمات سرية مسلّحة. وقد عملوا في بلجيكا وفرنسا في منظمات سرية وفي وحدات المقاومة، وكان لهم دور مهم أيضًا في الانتفاضة الوطنية السلوفاكية التي اندلعت صيف 1944. انضم معظم اليهود الذين فرّوا إلى الجبال في يوغوسلافيا إلى صفوف القوى غير النظامية. وصل آلاف اليهود إلى الغابات في روسيا البيضاء وأوكرانيا، وأقاموا وحدات القوى غير النظامية  اليهودية وتميّزوا في القتال. وانضمّ آخرون إلى كتائب مختلطة. في الغابات الكثيفة، ومن خلال الاختباء فيها، أقيمت أيضًا مخيمات أسرية ليهود فرّوا إليها، وقد اعتنى بهم المقاتلون وحموهم. بدأت حركات التمرّد الأولى في الغيتوات عام 1942 في روسيا البيضاء، أوكرانيا وبولندا والتي وصلت إلى أكثر من 15 حركة تمرّد أو محاولة للتمرّد. في معظم الحالات نجح الألمان في قتل معظم المتمرّدين، ومن بينهم نساء وأطفال، ونجح القليل منهم في الفرار إلى الغابات والانضمام إلى القوى غير النظامية أو الاختباء.

حدثت في معسكرات الاعتقال والإبادة أيضا حالات تمرّد من قبل السجناء. في آب عام 1943، نجحت ثلاث مجموعات من السجناء الذين تم تشغيلهم في حرق الجثث وفي تصنيف ممتلكات المقتولين في معسكر الإبادة تريبلينكا، في قتل بعض أفراد كادر المعسكر، وسيطرت على مخزن السلاح ومن ثم أحرقت غرف الغاز وثكنات المعسكر. وتمرّد السجناء في معسكر سوبيبور، بل ونجح العشرات منهم في الفرار. وظهرت أيضا في معسكر أوشفيتز – بيركناو  محاولات المقاومة، أعمال التخريب ومحاولات الهروب. في تشرين الأول عام 1944، نجح السجناء الذين عملوا في وحدة الـ “زوندركوماندو” في تفجير محرقة واحدة، على الأقل، وتدميرها.

تمرد غيتو وارسو

كان غيتو وارسو أكبر الغيتوات اليهودية في بولندا في فترة الهولوكوست. في 22 تموز عام 1942، بدأ الألمان الترحيل الكبير من غيتو وارسو. حتى 21 أيلول، أُرسِل إلى معسكر الإبادة تريبلينكا نحو 260,000 شخص وقُتلوا فيه. وعند الانتهاء من الترحيل إلى معسكر تريبلينكا، بقي في الغيتو 55,000-60,000 يهودي وتم تجميعهم في بعض الأبنية. وتقلّصت مساحة الغيتو كثيرا.

شعر الباقون، وكان الكثير منهم من الشباب الذين فقدوا أسرهم، بالتيتم الكبير وخيبة الأمل المريرة. الكثير منهم أنبهم ضميرهم لأنهم لم يقاوموا مسبقا وهكذا سمحوا بترحيل أسرهم. لقد علموا أن مصيرهم سيكون مشابها، ولذلك فقد التزموا بتأسيس منظمة سرية، عملت فيها معظم الأحزاب والحركات الشبابية. في تشرين الأول عام 1942، تأسست “المنظمة اليهودية المقاتلة” (ŻOB) التي ترأسها شاب يهودي في الثالثة والعشرين من عمره وهو مردخاي أنيليفيتش. أقامت الحركة الشبابية الإصلاحية جهة مقاتلة خاصّة بها، وهي “الاتحاد العسكري اليهودي” ‏ŻZW)‎‏).

المتمردون من غيتو وارسو
المتمردون من غيتو وارسو

في 18 كانون الثاني عام 1943، بدأ الألمان بترحيل آخر. قدّرت قيادة المنظمة السرية اليهودية أنّه يجري الحديث عن الترحيل النهائي من الغيتو فردّت بالقوة بما يُعرف باسم “الثورة الصغرى”. بعد اكتشاف المقاومة توقف الإجراء بمبادرة الألمان، وحدث تحوّل في أوساط يهود الغيتو. لقد اعتقدوا أنّ توقف الإجراء قد جاء في أعقاب المقاومة، فاعتمد الكثيرون طريق المنظمات السرية وبدأوا بالاستعداد للاختباء في الملاجئ التي بُنيت في أقبية المنازل والاستعداد للمقاومة الجماعية.

في 19 نيسان عام 1943، عشية عيد الفصح اليهودي، بدأ “ترحيل التصفية”، وبدأت المنظمات السرية بالمقاومة. شارك في التمرد وقاتل أعضاء من ŻOB و ŻZW معًا. فوجئ الألمان من اكتشاف مقاومة المقاتلين وسكان الغيتو الذين تحصّنوا في الملاجئ وفي أماكن الاختباء. بعد خمسة أيام من القتال بدأ الألمان بالإشعال الممنهج لمنازل الغيتو فأصبحت فخّا من النار لسكانها. وقد قاتل يهود الغيتو ببطولة طوال نحو شهر وأكثر.

كان تمرد غيتو وارسو هو التمرد الأول والأكبر في منطقة حضرية في أوروبا المحتلّة من قبل النازيين. انتشرت الشائعات حوله في كل مكان، وقد اعتُبر نموذجًا لتركيزات السكان اليهود في الغيتوات والمعسكرات، ومنح الأمل للكثير من اليهود. كان حجم التمردات التي اندلعت لاحقا أصغر بسبب الظروف الموضوعية من العزلة، نقص الأسلحة، وعداء البيئة.  

أنصار الشعب اليهودي

إنّ مقاومة اليهود في الهولوكوست هي في الواقع قصة شبه مستحيلة من البطولة والأمل. ولكن هذه القصة لم تكن لتصل إلى حد الكمال من دون الجزء الذي يتحدث عن القلائل الذين ساعدوا على إنقاذ اليهود. ويدور الحديث عن أولئك الأشخاص الذين حظوا لاحقا باسم “أنصار الشعب اليهودي”.

كان موقف معظم السكان المحليين في فترة الهولوكوست موقفا من اللامبالاة أو العداء.  شاهد معظم الناس كيف تم إخراج جيرانهم منذ زمن طويل من منازلهم، إرسالهم أو قتلهم في نفس المكان؛ وتعاون بعضهم مع القتلة؛ ومن ثم كسب الكثير منهم من ممتلكات اليهود عن طريق السرقة. ولكن في عالم يفتقد إلى الأخلاق والقيم، كانت هناك أيضا قلّة من الناس الذين تحلوا بالشجاعة النادرة للحفاظ على قيمهم الأخلاقية. خلافًا للمحيطين بهم، اعتبر هؤلاء المنقذون اليهودَ بشرًا وشعروا أنهم ملزمون أخلاقيًّا تجاههم.

وعندما طرق اليهود أبوابهم، اضطرّ الواقفون جانبا إلى اتخاذ قرار فوري. كانت تلك في العادة بادرة إنسانية غريزية، والتي تمت انطلاقا من دافع سريع، وربما لاحقا أكثر فقط تنضج لتكون قرارا أخلاقيا. لقد طالت الموافقة على تقديم مخبأ أثناء المداهمات أو الاعتقالات – توفير الملجأ المؤقت ليوم أو يومين حتى العثور على مكان آخر – واستمر الإنقاذ لأشهر بل سنوات، إلى جانب الخطر الدائم على حياة المنقِذين وأسرهم.

كانت هناك طرق عديدة ساعد فيها أولئك الأشخاص اليهود. إضافة إلى إخفائهم في بيوتهم، توفير الطعام لهم، قدموا لهم المساعدة على تزوير الوثائق واجتياز الحدود. كان هناك من استخدم مكانته وعلاقاته بالحزب النازي من أجل إبقاء اليهود كقوة عاملة زعما أنّهم “يستكملون المجهود الحربي الألماني”.

كان معظم المنقِذين أشخاصًا عاديّين. عمل بعضهم انطلاقا من قناعة سياسية، أيديولوجية أو دينية.‎ ‎‏ حتى اليوم، اعتُرف بأنصار الشعب اليهود من 44 دولة وقومية. وهي مجموعة متنوعة: تتضمن مسيحيين من جميع الكنائس والطوائف، مسلمين، علمانيين، رجال ونساء من جميع الأعمار ومن جميع الطبقات الاجتماعية.

اقرأوا المزيد: 1194 كلمة
عرض أقل
نساء وأطفال يقتادون إلى غرفتي الغاز 4 و5 عن طريق منطقة BII في المعسكر. وكانت المسنات والأطفال الصغار يرسلون في العادة إلى غرف الغاز مباشرة لمحدودية قدرتهم على العمل. (صور: ياد فاشيم)
نساء وأطفال يقتادون إلى غرفتي الغاز 4 و5 عن طريق منطقة BII في المعسكر. وكانت المسنات والأطفال الصغار يرسلون في العادة إلى غرف الغاز مباشرة لمحدودية قدرتهم على العمل. (صور: ياد فاشيم)

معسكرات الإبادة: آلة مُزيّتة للقتل الجماعي

بعد اتخاذ قرار تنفيذ "الحلّ النهائي" في خريف عام 1941، طُرد يهود أوروبا بشكل مركّز إلى معسكرات الإبادة، التي قُتل فيها نحو 3 ملايين يهودي

في نهاية عام 1941 أدرك النازيون أنّ طريقة القتل في حُفر القتل ليست فعّالة بما فيه الكفاية: إنها بطيئة ومكلفة جدّا، وفي بعض الأحيان شعر الجنود الألمان الذين شاركوا فيها بعبء نفسي. لذلك بدأ الألمان بدراسة طرق قتل أكثر فعالية.

معسكرات التركيز والعمل

حتى المرحلة التي بدأ فيها النازيون بالإبادة الجماعية الموجّهة لليهود، سُجن معارضو النظام، الشيوعيون، أسرى الحرب، غير الاجتماعيين وفي مراحل متأخرة أكثر كان اليهود أيضًا، في معسكرات الاعتقال. أقيم المعسكر الأول منذ عام 1933 مع صعود النازيين إلى الحكم، في داخاو قرب ميونيخ.

بعد اندلاع الحرب، فرض الألمان أعمال السخرة على اليهود، البولنديين ولاحقا على المواطنين في جميع البلدان التي تم احتلالها. ومن أجل ذلك فقد أقيمت المئات من معسكرات العمل. وحوّلت ألمانيا النازية اليهود إلى عبيد وسجنتهم في شبكة متفرعة من معسكرات أعمال السخرة التي امتدّت في أنحاء أوروبا كلها. وقد استُغِل اليهود لأغراض الحرب لدى النازيين، ولكن في أثناء ذلك شكّلت أعمال السخرة عديمة الرحمة وسيلة أخرى لإبادتهم. بالمجمل، فقد تمّ جلب أكثر من 14 مليون عامل بالسخرة للعمل في ألمانيا وأضيف إليهم 2.5 مليون من أسرى الحرب.

عمل في معسكرات التركيز والعمل اليهود الذين كانوا على حافّة المجاعة، وفي ظروف غير إنسانية. تم افتتاح كل يوم بترتيب اضطرّ فيه الأسرى إلى الوقوف صامتين دون التحرك، وفي بعض الأحيان على مدى ساعات طويلة في ساحة الترتيبات، في ظروف قاسية من البرد، المطر والثلج. بعد ذلك كان الأسرى يباشرون ببدء العمل، فكانوا يعملون بكدح ويتعرّضون للعنف الشديد والتعسّف، ينتظرون وجبة هزيلة، والتي كانت تتألف غالبا من حساء مخفّف من الخضروات الفاسدة والقليل من الخبز الذي لم يكن كافيا للرجل، ومن ثم يعودون إلى المعسكر، إلى الترتيبات المسائية، وهكذا دواليك.

في أثناء الحرب أقيمت عشرات معسكرات الاعتقال والمئات من معسكرات العمل الأخرى.  توفي الكثير من الأسرى نتيجة المجاعة، الأوبئة، العنف وظروف العمل القاسية. عندما بدأ الألمان بالتصفية الجماعية المنظّمة لليهود، بدأوا بإخلاء الأسرى من معسكرات الاعتقال والعمل إلى معسكرات الإبادة.

الإبادة الجماعية بواسطة الغاز

تمت التجربة الأولى للقتل بغاز زيكلون في معسكر الاعتقال أوشفيتز بين 3-5 أيلول عام 1941. أجريتْ “التجربة” على أسرى حرب روس وأسرى بولنديين، ماتوا جميعهم خلالها. تم تنفيذ القتل بواسطة هذا الغاز بشكل ممنهج منذ بداية عام 1942 وحتى تشرين الثاني عام 1944 في معسكر الإبادة أوشفيتز-بيركينو. تم قتل أكثر من 1,200,000 يهودي بهذه الطريقة وعشرات آلاف الضحايا الآخرين.

كان معسكر الإبادة الأول هو معسكر خيلمنو في بولندا، والذي أقيم في بداية كانون الأول عام 1941. في خيلمنو تم تنفيذ القتل بواسطة “شاحنات غاز”: تمت تعرية اليهود الذين طُردوا إليه، ومن ثم أُخذت أغراضهم وتم إصعادهم إلى الشاحنات التي كانت أنبوبتها العادمة موصولة بصندوق الشاحنة محكم الإغلاق. ومن ثم أغلقت أبواب الشاحنات وبدأت بالسفر إلى مكان الدفن في الغابة المجاورة. بواسطة ثلاث شاحنات غاز فقط قُتل في خيلمنو ما يقارب 300,000 يهودي ونحو 5,000 من الغجر. نجا ثلاثة يهود فقط من معسكر الإبادة هذا.

بعد أن وُضعت خطوط العمل للقتل في مؤتمر وانسي، أقام الألمان معسكرات إبادة أخرى. في آذار عام 1942 أقيمت ثلاثة معسكرات أخرى على الحدود الشرقية من الحكومة العامّة وقرب سكك الحديد: بلزاك، سوبيبور، تريبلينكا، والتي خُصّصت لإبادة اليهود الذين عاشوا في الغيتوات في بولندا ووسط أوروبا. تمت إبادة جميع اليهود الذين أُرسلوا إلى المعسكرات تقريبا بواسطة غرف الغاز، دون انتقاء. أرسِل الرجال، النساء، الأطفال والشيوخ، إلى الموت خنقًا بشكل مباشر. تم إبقاء فرق صغيرة على قيد الحياة لتعمل كـ “سوندركوماندو” – وهي وحدات صغيرة كانت مهمّتها التخلّص من جثث ضحايا غرف الغاز. في ربيع عام 1943 بدأ حرق الجثث من أجل التغطية على آثر القتل. في هذه المعسكرات الثلاثة فقط قُتل نحو 1,700,000 يهودي، معظمهم من بولندا.

أقيم مايدانيك في نهاية عام 1941 من أجل استيعاب أسرى الحرب السوفييت واستُخدم أيضًا كمعسكر اعتقال للبولنديين. عام 1942 أقيمت في المعسكر غرف غاز ومحارق وفي ربيع عام 1942 قُتل في المعسكر آلاف اليهود من أصول سلوفاكية، تشيكية، ألمانية وبولندية. عمل هذا المعسكر حتى تحرير منطقة لوبلين من قبل الجيش السوفياتي في تموز عام 1944. قُتل في مايدانيك نحو 78,000 شخص.

أقام الألمان بالمجمل ستّة معسكرات إبادة قُتل فيها نحو 3 ملايين يهودي.

عملية فرز يقوم بها أفراد الإس إس على الرصيف. والناس في الخلفية في طريقهم إلى غرفة الغاز رقم 2 التي يظهر في وسط الصورة وأعلاها جزء من مبنى فرن حرق الجثث التابع لها. (صور: ياد فاشيم)
عملية فرز يقوم بها أفراد الإس إس على الرصيف. والناس في الخلفية في طريقهم إلى غرفة الغاز رقم 2 التي يظهر في وسط الصورة وأعلاها جزء من مبنى فرن حرق الجثث التابع لها. (صور: ياد فاشيم)

آلة الإبادة الألمانية

في هذه المعسكرات، بلزاك، سوبيبور وتريبلينكا، كانت طريقة القتل مماثلة: إطلاق غاز ثاني أكسيد الكربون المنبعث من محرّكات الديزل إلى داخل الغرف محكمة الإغلاق. توفيت الضحايا التي تم حشرها وهي عارية في غرف الغاز مع المعاناة الهائلة والخانقة، ومن ثم أُلقيتْ جثثها بأيدي رجال السوندركوماندو اليهودي إلى داخل حفر ضخمة وتم إحراقها من أجل إخفاء الأدلة. امتدّت كل عملية القتل لعدّة ساعات فقط واستوعب المعسكر و “عالج” عدّة وفود يوميًّا.

كان معسكر الإبادة الأكبر هو أوشفيتز-بيركينو، الذي كان في نفس الوقت معسكر اعتقال وعمل أيضًا. أقيم معسكر بيركينو، أو أوشفيتز 2، قرب معسكر أوشفيتز. في أوشفيتز 1 كانت هناك غرفة غاز واحدة، وأقيمت في بيركينو عام 1942 غرفتا غاز صغيرتان نسبيا. خلال عام 1943 أقيمت في المعسكر أربع غرف غاز كبيرة. في ذروة القتل كان باستطاعة غرف الغاز قتل نحو 20,000 إنسان في اليوم. تم القتل في غرف الغاز في معسكر أوشفيتز-بيركينو بواسطة غاز زيكلون ب.

بحلول تشرين الثاني عام 1944 كان المعسكر “مصنعًا” للقتل الجماعي واستوعب شاحنات النقل من جميع أرجاء أوروبا. أكثر من 90% من الذين طُردوا إلى هذا المعسكر كانوا يهودا، وتم إرسالهم إلى غرف الغاز فورا. قسم صغير من الذين طُردوا فقط مرّوا بعملية الانتقاء.  لدى الدخول إلى المعسكر أجريَ انتقاء للأسرى الذين جاؤوا: تم إيقاف المُحضَرين في صفّين – صفّ للرجال والشبان وصفّ للنساء والأطفال – وأجرى أطبّاء الإس إس هذا الانتقاء. تم تقرير التصنيف وفقا لمظهر الأسرى وأعمارهم وتحدد مصيرهم بشكل عشوائي: للعمل القسري أو الموت. طُلب من المحكوم عليهم بالموت خلع ملابسهم قبل دخولهم إلى غرف الغاز وكانوا يعتقدون بأنهم قد أُرسلوا إلى التطهير. تم إغلاق الأبواب لدى دخولهم وعندها بدأ ضخّ الغاز. بعد قتلهم قُلعتْ أسنانهم الذهبية من أفواههم وقُصت شعور النساء بأيدي رجال السوندركوماندو. القليل من الأسرى “اجتازوا” الانتقاء واختيروا للعمل بالسخرة في المعسكر. مات معظمهم نتيجة للعنف، الجوع، الأمراض والانتقاءات المتكررة. لقد اجتاز جزء من الذين خضعوا إلى زيارة الدكتور منجيل وفريقه، تجارب ساديّة وهم على قيد الحياة، وانتهت غالبًا بالموت المؤلم.

نسوة وأطفال على الرصيف فور ترجلهم من القطار. (صور: ياد فاشيم)
نسوة وأطفال على الرصيف فور ترجلهم من القطار. (صور: ياد فاشيم)

الوصول إلى المعسكرات

تمت عمليات الترحيل إلى المعسكرات بطريقة ثابتة، والتي سُمّيت “العمليات” (Aktion) أو بواسطة قوائم الترحيل: كان هناك أمر محلّي يأمر جميع اليهود في الغيتو، في مدينة معيّنة أو في “معسكر انتقالي”، بالذهاب إلى نقطة تجميع، والتي تكون عادة قرب القطار، وبحوزتهم القليل من الممتلكات. ومَن لم يخضع إلى الأوامر أو لم يستجب إلى وتيرة المشي، أطلقت النار عليه خلال العمليات. تم ضغط المرحّلين في محطّة القطار بشكل جماعي في عربات شحن محكمة الإغلاق، دون فتحات للتهوئة واستمرّ السفر أحيانا لأيام طويلة دون توفير الماء والغذاء، مما أدى إلى حصد أرواح الكثير من الضحايا.

لم يكن يعلم اليهود إلى أين يُرسلون، وغالبا لم يكونوا يعلمون بأنّهم سيُقتلون حتى لحظة الموت نفسها. قيل لبعضهم إنّهم مسافرون إلى معسكرات العمل في أوروبا الشرقية، واعتقد آخرون أنّهم ببساطة سينتقلون للسكن في الشرق. بل إن الألمان شجّعوا اليهود على إرسال رسائل بذلك إلى أقاربهم. عندما بدأت تُذاع الإشاعات عن وجود معسكرات الإبادة رفضت النفس البشرية تصديقها، ولم يعلم معظم اليهود بوجودها حتى وصلوا إليها بأنفسهم.

اقرأوا المزيد: 1101 كلمة
عرض أقل
هكذا عمل النازيون على الإبادة المنهجية للشعب اليهودي
هكذا عمل النازيون على الإبادة المنهجية للشعب اليهودي

“الحل النهائي”: هكذا عمل النازيون على الإبادة المنهجية للشعب اليهودي

مع الغزو الألماني إلى أوروبا الشرقية بدأت الإبادة الجماعية والمنهجية لليهود، وفي مؤتمر وانسيي رسم النازيون الخطوات العملية للإبادة التامّة ليهود أوروبا

كانت إحدى نقاط التحوّل في الحرب العالمية الثانية وفي الهولوكوست هي بدء “عملية بارباروسا” – الغزو الألماني للاتحاد السوفياتي مع انتهاك اتفاق “مولوتوف – ريبنتروب”، وذلك كمحاولة ألمانية لإخضاع الجيش الأحمر حتى قبل شتاء ذلك العام. اعتبر هتلر غزو الاتحاد السوفياتي بمثابة بداية لتنفيذ خطّته الرامية إلى تحقيق “المساحة المعيشية” للأمة الألمانية وفرصة للقضاء على الشيوعية. في 22 حزيران عام 1941، غزا نحو أربعة ملايين جندي من دول المحور أراضي الاتحاد السوفياتي. اندلعت في أعقاب الغزو مواجهة عسكرية قاسية ومستمرة بين الاتحاد السوفياتي ودول المحور، والتي امتدت نحو أربع سنوات.

رافقت دخول الجيش الألماني إلى الاتحاد السوفياتي أربع وحدات متنقّلة للإس إس والشرطة، والتي كانت تدعى الأينزاتسغروبن (Einsatzgruppen). بلغ تعداد كل واحدة من هذه الوحدات بين 500 إلى 1000 شخص وكانت مهمّتها الرسمية، كما تم تعريفها في “مهمات المفوضين”، هي القضاء على أعداء النظام، أي زعماء الحزب الشيوعي.

نُفذت عمليات القتل غالبا في الغابات، الوديان، الكنُس أو الساحات والأبنية المهجورة، قريبا من مكان سكن الضحايا

في الواقع، ففي الأسابيع الأولى للغزو، اشتغل هؤلاء في القتل الجماعي للرجال اليهود بحجّة القضاء على البارتيزان، حيث تم اعتبار اليهود، وفقا للأيديولوجية النازية، متضامين مع النظام البلشفي. وبالإضافة إلى قوات الأينزاتسغروبن، التي كانت تشكّل رأس حربة في القتل، شاركت في ذلك أيضا قوات كبيرة من الشرطة والإس إس، بمساعدة الجيش، وشارك أيضًا عشرات الآلاف من السكان المحليّين. في البداية لم يكن القتلُ موحَّدًا – ففي أماكن معينة تم قتل الرجال فقط، وفي أماكن أخرى قُتل الأطفال والنساء أيضًا. بدءًا من شهر آب توسّع القتل واشتمل على إبادة جاليات يهودية كاملة.

نُفذت عمليات القتل غالبا في الغابات، الوديان، الكنُس أو الساحات والأبنية المهجورة، قريبا من مكان سكن الضحايا، بطريقة حُفر القتل، والتي أُجبر اليهود في مرات عديدة على حفرها بأنفسهم. بعيدا عن القبور الجماعية، التي كانت محاطة برجال الإس إس المسلّحين، الجنود أو رجال الشرطة، أُمِرَ اليهود بالتعرّي وتسليم مقتنياتهم الثمينة، ومن ثم تم أخذهم تحت تهديد السلاح إلى الحُفر، أوقِفوا عند مدخلها وتم إطلاق النار عليهم. وقد دُفن الكثير منهم وهم أحياء. حتى نهاية عام 1942 قُتل نحو مليون ونصف مليون يهودي في أراضي الاتحاد السوفياتي التي احتلّها النازيون.

خلال يومين في شهر أيلول عام 1941 قُتل 33,771 يهوديا من كييف في سهل “بابي يار”. بالمجمل، قُتل خلال الهولوكوست في بابي يار بين 100-150 ألف يهودي، بالإضافة إلى نحو 100,000 من الغجر، البارتيزان، المرضى النفسيّين، أسرى الحرب ومعارضي النظام.

في بونار – وهي غابة تبعد نحو عشرة كيلومترات من فيلنيوس – تم قتل بين 70,000 إلى 100,000 إنسان، غالبيتهم العظمى من اليهود

في بونار – وهي غابة تبعد نحو عشرة كيلومترات من فيلنيوس – تم قتل بين 70,000 إلى 100,000 إنسان، غالبيتهم العظمى من اليهود. في غابة بلاغوبشتسينا، جنوب شرق مينسك، قُتل الكثير من ضحايا النظام النازي، معظمهم من اليهود، بما في ذلك اليهود الذين جُلبوا مباشرة من ألمانيا، تشيكيا، بولندا وهولندا. قُتل بعضهم في شاحنات غاز، ودُفنَ جميع الضحايا في حُفر كانت قد حُفرت مسبقًا. وفقا لتقديرات مختلفة فقد قُتل في هذه المنطقة بين 206,500 إلى نصف مليون إنسان.

في تشرين الثاني عام 1941 حدث تطوّر مصيري في السياسة الألمانية تجاه اليهود، وفي مقابل القتل الجماعي اتخذ هتلر ومسؤولين في حزبه قرار تنفيذ الإبادة الشاملة لجميع اليهود. لم يكن يلبي القتل رميًا بالرصاص توقعاتهم لأنّه لم يكن سريعًا بما فيه الكفاية وكان له تأثير ضارّ وتراكمي على أداء الجنود. في تلك الأشهر أدرك قادة النظام النازي أيضًا بأنّ الحرب الخاطفة لم تكن ناجحة وأنّ الحرب ضدّ الاتحاد السوفياتي قد تستمرّ، بل ومارس مسؤولون ألمان الضغوط الكبيرة “من الأسفل” بخصوص التقدّم في قتل اليهود.‎ ‎ولذلك تقرّر خلال شهرَي تشرين الثاني – كانون الأول الانتقال إلى القتل الصناعي، المخطّط والمنظّم لجميع يهود أوروبا.

وكنتيجة لهذه القرارات تأسس معسكر الإبادة خيلمنو وبدأ بالعمل منذ كانون الأول عام 1941. لاحقا أقيمت أيضًا معسكرات الإبادة بيلزيك، في بداية تشرين الثاني عام 1941، سوبيبور، في آذار عام 1942، وتريبلينكا في حزيران عام 1942. خلال عام 1942 تحوّل أيضًا معسكرا أوشفيتز بيركينو ومايدانيك من معسكرات اعتقال إلى معسكرات إبادة.

مؤتمر وانسيي

في 29 تشرين الثاني عام 1941 دعا رینهارد هایدریش قادة بارزين في حكومة الرايخ إلى اجتماع خُصص ليُقام في 9 كانون الأول عام 1941 من أجل إجراء نقاش حول طرد يهود ألمانيا إلى الشرق. في نهاية المطاف لم يتم هذا الاجتماع في موعده بسبب دخول الولايات المتحدة إلى الحرب في أعقاب الهجوم الياباني على بيرل هاربر، وأقيم الاجتماع كـ “مؤتمر وانسيي” في 20 كانون الثاني عام 1942، وهو التاريخ الذي اتُخذ فيه قرار القتل المنهجي لليهود وبدأ تنفيذه.

 رینهارد هایدریش (Bauer, Friedrich Franz)
رینهارد هایدریش (Bauer, Friedrich Franz)

التقى في هذا الاجتماع ممثلو الرُتب التنفيذية في النظام النازي، أعضاء الإس إس والشرطة من أجل مناقشة تنسيق عملية “ترتيب الحلّ النهائي لمشكلة اليهود”. خُصّص الاجتماع لإعلام جميع الجهات المرتبطة بالأمر بخصوص قتل يهود أوروبا من أجل تحقيق تعاون واسع وفعّال قدر الإمكان وأيضا الاهمتمام بالجوانب العملية لمثل هذا القرار. ورغم أنه لم يتقرّر في المؤتمر قتل اليهود والذي كان قد بدأت تعود أهميته الكبيرة إلى كونه يشكّل مرحلة أخرى في تطوّر الحلّ النهائي الذي تم الحديث فيه عن قتل شامل لليهود في العالم كله من قبل جميع أجهزة ألمانيا النازية – الإدارية، الشُرَطية، العسكرية والحزبية.

وختامًا، يمكننا أن نرى بأنّه خلال الحرب، وخصوصا بعد غزو الألمان إلى الاتحاد السوفياتي في صيف عام 1941، اتُخذت سلسلة من القرارات الإجرامية، حيث كانت الأيديولوجية النازية في الخلفية. طوّر النازيون وحسّنوا من قدراتهم على القتل الجماعي، وقد وصلت هذه القدرات إلى ذروتها في عملية على جميع الأراضي والتي أبيدت فيها جاليات بأكملها. حتى نهاية الحرب قتل النازيون نحو ستّة ملايين يهودي.

اقرأوا المزيد: 854 كلمة
عرض أقل
أطفال يهود في غيتو وارسو (أرشيف ياد فشيم)
أطفال يهود في غيتو وارسو (أرشيف ياد فشيم)

كيف كانت حياة اليهود في الغيتوات النازية؟

ماذا كانت الغيتوات؟ كيف بدت الحياة في أكثر من ألف غيتو أنشأها الألمان في أراضي الاحتلال الألماني؟

02 يناير 2016 | 11:48

ما هو الغيتو؟

في 21 أيلول 1939، بعد ثلاثة أسابيع من احتلال بولندا، أرسل راينهارد هيدريش، رئيس مكتب أمن الرايخ الرئيسي في ال “إس إس”، برقية عاجلة حدّدت الأنظمة والتعامل مع اليهود في المناطق المُحتلّة في بولندا. تقرّر في الإرشادات أنه يجب نقل اليهود الذين كانوا يعيشون في البلدات والقُرى إلى المُدن التي يُركَّز فيها اليهود في الغيتوات. كان أحد التوجيهات إنشاء مجالس لليهود في الغيتوات، تكون وظيفتها تنفيذ أوامر السلطات الألمانية، وحُدّد كهدف نقل المصانع التي يملكها اليهود إلى ملكية ألمانية، أي جعلها “آريّة”، مع أخذ حاجات الجيش في الاعتبار، وكذلك القيمة الاقتصاديّة للمصانع.

أطفال يهود في غيتو وارسو (أرشيف ياد فشيم)
أطفال يهود في غيتو وارسو (أرشيف ياد فشيم)

وهكذا، خلال سنة من احتلال بولندا، سُجن معظم اليهود في غيتوات مُغلَقة، غالبًا في أفقر الأحياء وأكثرها بُؤسًا. في ربيع 1940، أُقيم في لودج أول غيتو كبير كان مُقفَلًا بإحكام. وفي شتاء 1940، أُنشئ الغيتو الأكبر في وارسو، ووُضع فيه نحو نصف مليون يهوديّ.‎

حدثت أعمال القتل الجماعي الأولى لليهود في الأراضي التي احتلّها الألمان في الاتّحاد السوفياتي بعد اجتياحها في حزيران 1941. بعد أعمال القتل الأولى هذه، أنشأ الألمان غيتوات في هذه الأراضي أيضًا، ولكنها صمدت في معظم الحالات فترة قصيرة، إذ لاقى اليهود حتفهم بعد ذلك. أُقيم الغيتو الأكبر في الأراضي الشرقية في مينسك، روسيا البيضاء، وسُجن فيه نحو 100 ألف يهوديّ. في آذار 1944، احتلّ الألمان هنغاريا، وفي أيار بدأ إرسال يهود هنغاريا إلى أوشفيتز. أمّا في تشرين الثاني 1944، فأعلن الألمان عن إقامة غيتو في بودابست، وُضع فيه نحو 70 ألفًا من يهود المدينة. وفي الإجمال، أنشأ الألمان أكثر من ألف غيتو في شرق أوروبا، وغيتوات منفردة في وسط أوروبا وجنوبها.‎

حقّق الألمان عددًا من الأهداف بإقامة الغيتوات: رُكّز اليهود بكثافة وتحت مراقبة لصيقة، سُلبت أملاكهم وسُبل عيشهم، عُزلوا عن العالم خارج الغيتو، وأصبحوا مُعرَّضين للأذى وغير مستعدّين في لحظات المحَن. وفي النهاية، حرّض الألمانُ السكّان المحليين ضدّ اليهود، علمًا أنّ المحليين كانوا يُضمرون الضغينة على اليهود منذ البداية.

صورة عامة في غيتو وارسو (أرشيف ياد فشيم)
صورة عامة في غيتو وارسو (أرشيف ياد فشيم)

الحياة في الغيتو

مع الانتقال إلى الغيتو، سُمح لليهود أن يأخذوا معهم مجرد القليل من الأغراض الشخصية، تاركين كلّ ممتلكاتهم خلفهم. شهدت الغيتوات كثافة شديدة، وخلت من البنى التحتيّة للصرف الصحيّ والكهرباء. وكانت حصص الغذاء لليهود ضئيلة، لا تكفي ليشبع سكّان الغيتو. اتخذت السلطات الألمانية خطوات وحشية ضدّ مهرِّبي الطعام، بما في ذلك الإعدامات، العلنية وغير العلنيّة. تزايد الجوع، الأمراض، والأوبئة في الغيتو، ومات الكثيرون جرّاء ذلك.

ورغم الظروف غير الإنسانية التي سادت في الغيتوات، جهدت مؤسسات المجتمع المحليّ والمنظمات ذات الصلة لتقديم المساعدة الاجتماعية لتلبية حاجات الناس.‎

حاول الكثيرون من سكّان الغيتو العيش حياة أخلاقية، معرِّضين حياتهم للخطر. فقد اهتمّوا بإنشاء منظومة تربويّة بديلة، أنشأوا مطابخ عمومية، أقاموا نشاطات ثقافيّة سريّة مثل الحفلات الموسيقية والعُروض، وحرصوا على تطبيق الوصايا الدينية وقيَم الحضارة اليهوديّة. كتب اليهود في الغيتوات مذكّرات بهدف توثيق ما يمرّ عليهم وعلى المجتمَع اليهوديّ، وليخلّفوا وراءهم ذكريات للأجيال القادمة. ساعد النشاط الديني الكثيرين في أن يترفّعوا، ولو لفترات قصيرة، عن واقع الحياة القاسي. كما عرّض يهود كثيرون حياتهم للخطر ليُنقِذوا أفراد عائلاتهم أو غرباء، بينهم أطفال كانوا يهرّبون الطعام للغيتوات مُخاطِرين بحياتهم.‎

امرأة يهودية في غيتو وارسو (أرشيف ياد فشيم)
امرأة يهودية في غيتو وارسو (أرشيف ياد فشيم)

في كثيرٍ من الغيتوات، كانت هناك منظومة مرتّبة جدًّا للعمل اليهوديّ، بهدف خدمة المصالح الاقتصاديّة للألمان، والسكان المحليّين أيضًا، لكنها ساعدت أيضًا على الصمود الاقتصادي لسكّان الغيتو، وأحيانًا أيضًا على حماية العمّال من الهلاك.

في كثير من “الغيتوات العاملة” (Arbeitsgettos)، تركّز العمل داخل الغيتو، في المصانع والورشات التي أُقيمت فيه.‎ ‎‏ الغيتو العامل الأكثر شُهرة هو غيتو لودج، الذي لم يخرُج معظم سكّانه منه للعمل اليومي تقريبًا.‎ ‎بنموذج مختلف عن الغيتوات العاملة، عمل كثيرون من سكّان الغيتوات خارج الغيتو، وكان العمّال يعودون إلى الغيتو للنوم ليلًا، وفي بعض الأحيان مرّة كلّ بضعة أيّام أو أسابيع فقط.

غيتو وارسو – الغيتو الأكبر

أقام النازيون في العاصمة البولندية وارسو أكبر غيتو في أوروبا. قبل الحرب، كان عدد اليهود في وارسو 375 ألفًا، أي نحو 30 في المئة من سكّان المدينة.‎ أمّا ‎بعد استسلام بولندا في أيلول 1939، فقد عانى يهود وارسو من تعذيب وحشيّ، وجُنّدوا للقيام بأعمال قسريّة. وفي تشرين الثاني 1939، نُشرت الأحكام الأولى ضدّهم، وأُلزموا بوضع شريط أبيض على ذراعهم مع نجمة داود زرقاء. أدّت مجموعة من الخطوات ذات الطابع الاقتصادي إلى فقدان مصدر الرّزق والقدرة على إعالة عائلاتهم.‎

أُقيم في وارسو مجلس يهوديّ. وفي وقتٍ لاحق، في تشرين الأول 1940، نُشر إعلان عن إنشاء غيتو لسكّان المدينة اليهود. أُغلق الغيتو في 16 تشرين الثاني 1940. كان الغيتو يشغل 2.4 في المئة فقط من مساحة المدينة. وقد زاد اللاجئون الذين طُردوا إلى وارسو من البلدات والقُرى المجاورة عدد المسجونين إلى 450 ألفًا. فُرض على اليهود أن يبنوا بأنفسهم السور الذي أحاط بالغيتو، وجرى فصلهم عن العالَم تحت حراسة مشدّدة وعنيفة. تراوحت حياة الجمُوع داخل الغيتو بين صراع عنيد للبقاء وبين موتٍ جرّاء المرض والجوع. في وارسو أيضًا، كانت الكثافة كبيرة جدًّا. فقد سكن ستة إلى سبعة أشخاص في غرفة واحدة، وكانت حصص الطعام تساوي في قيمتها الغذائيّة عُشر السعرات الحرارية التي يحتاجها الإنسان يوميًّا. كانت النشاطات الاقتصاديّة في الغيتو قليلة، وفي معظمها غير شرعيّة من وجهة نظر الألمان، لا سيّما تهريب الطعام إلى داخل الغيتو. ورغم نشاط المؤسَّسات الجماهيرية اليهودية، وعلى رأسها المجالس اليهوديّة ومنظّمات المساعدة، مات في الغيتو خلال فترة وجوده أكثر من 80 ألف يهوديّ.

أطفال يهود في غيتو وارسو (أرشيف ياد فشيم)
أطفال يهود في غيتو وارسو (أرشيف ياد فشيم)

لكنّ أسوار الغيتو والعزل لم تَشُلّ العمل الحضاري لسكّانه، ولم تثنِ ظروف الحياة القاسية المثقفين عن القيام بنشاطهم. فضلًا عن ذلك، دفع الاحتلال النازي والطرد إلى الغيتو أدباء ومثقّفين إلى التعبير عن الانكسار الذي حلّ بهم. تواجدت في الغيتو مكتبات سريّة وأرشيف سريّ. جدّدت الحركات الشبابيّة نشاطها، وتجدّد نشاط الفرَق السمفونيّة.‎ ‎

بدأ في تموز 1942 النفي إلى معسكر الإبادة تريبلينكا.‎ ‎وحين وصلت أوامر النفي الأولى، رفض آدم تشرنياكوف، رئيس المجلس اليهودي، إعداد لائحة بالذين سيجري نفيهم، قبل أن ينتحر في 23 تموز 1942.

حقائق عن غيتو وارسو

قبل الحرب العالمية الثانية كان تعداد السكان اليهود في وارسو 378,000 نسمة أي كانوا يشكلون نحو 30% من سكان المدينة. وبعد اندلاع الحرب وقبل إقفال الغيتو وصل إلى المدنية نحو ‏90,000‏ لاجئ يهودي. واحتُجز في الغيتو نحو ‏460,000‏ يهوديا. وتم تركيز نحو ‏30%‏ من سكان المدينة في ‏2.4%‏ من مساحة المدينة – نحو ‏3.5‏ كيلومتر مربع.

وأقيم الغيتو في الجزء الأفقر من المدينة والأكثر تزعزعا والذي يعاني من نقص في البنى التحتية. كانت الظروف المعيشية في الغيتو مروّعة: تمت مصادرة ممتلكات اليهود قبل انتقالهم إلى الغيتو وكانوا قادرين على أخذ بعض الأغراض والملابس معهم فقط. كان الاكتظاظ في الغيتو كبيرا لدرجة كان يسكن 7 حتى 10 أفراد في غرفة صغيرة.

إلقاء جثة في مقبرة جماعية في غيتو وارسو (أرشيف ياد فشيم)
إلقاء جثة في مقبرة جماعية في غيتو وارسو (أرشيف ياد فشيم)

ووصل التخصيص الكالوري اليومي للشخص حتى 184 كالوري يوميا – أي ظروف مجاعة حادة. وبسبب الجوع، ظروف النظافة المتدنية والوباء، انخفض في نهاية عام 1941 عدد اليهود في الغيتو إلى 415,000 وفي صيف عام 1942، قبل طردهم إلى معسكر الإبادة، تريبلنكا، انخفض هذا العدد ووصل إلى 380,000‏.

بين عامي ‏1940-1942‏، توفي في الغيتو نتيجة الجوع أو المرض نحو ‏80,000‏ يهوديا. بتاريخ 22 تموز ‏1942‏ بدأ الألمان بطرد اليهود من الغيتو إلى معسكر الإبادة، تريبلنكا. وقُتل خلال 7 أسابيع في المعسكر نحو ‏265,000‏ يهوديا. قُتل نحو ‏10,000‏ يهودي في الغيتو ذاته وأرسِل الكثيرون إلى معسرات العمل.

وبعد طرد اليهود، بقي في الغيتو نحو 55,000‏ يهوديا (35,000 منهم بمصادقة ألمانية ونحو ‏20,000 من دون أوراق “رسمية”). وبدأ الألمان بالقضاء على الغيتو بتاريخ 19 نيسان عام 1943 وبهذا التاريخ بدأت انتفاضة غيتو وارسو.

اقرأوا المزيد: 1117 كلمة
عرض أقل
الجيش الألماني يسير في شوارع وارسو في أعقاب الغزو النازي (Holocaust Memorial Museum)
الجيش الألماني يسير في شوارع وارسو في أعقاب الغزو النازي (Holocaust Memorial Museum)

أيام الحرب

في أوّل أيّام أيلول من عام 1939، اندلعت الحرب العالمية الثانية. هذه الحرب التي غيّرت وجه أوروبا والعالم بأسره، والتي راح ضحيّتَها عشراتُ ملايين البشر من جميع الأمم والشعوب، شهدت أيضًا تنفيذ الخطة الألمانية لإبادة الشعب اليهوديّ

12 ديسمبر 2015 | 12:29

قامت ألمانيا النازية بضمّ أراضٍ حتّى قبل اندلاع الحرب. ففي إطار ما يمكن أن يُدعى “التجربة والخطأ” بالنسبة لردود دُول العالم والرأي العام العالمي على محاولات ألمانيا “تعويض” ظُلم “معاهدة فرساي” عبر التوسُّع والتسلُّح، ضُمَّ إقليم السوديت إلى الرايخ عقب مؤتمر ميونيخ. في 13 آذار 1938، ضمّ الألمانُ النمسا. وفور دخولهم النمسا، شرع النازيون يطبّقون سياسة مُعادية لليهود بشكل جليّ في كلّ مناطق البلد. ورغم أنّ معاهدة فرساي حظرت إعلان الوحدة بين ألمانيا والنمسا، غضّت القوى العظمى الطّرفَ عن هذه الخطوة، مفترضةً أنّ هتلر سيكتفي بضمّ النمسا وإقليم السوديت من تشيكوسلوفاكيا، ولن يحتلّ أراضي أخرى بالقوّة العسكرية. ولكن كم كانوا مُخطِئين!

في أوّل أيّام أيلول من عام 1939، اندلعت الحرب العالمية الثانية. هذه الحرب التي غيّرت وجه أوروبا والعالم بأسره، والتي راح ضحيّتَها عشراتُ ملايين البشر من جميع الأمم والشعوب، شهدت أيضًا تنفيذ الخطة الألمانية لإبادة الشعب اليهوديّ. مع اندلاع الحرب، تقدّمت السياسة الألمانية المعادية لليهود خُطوة. فبعد احتلال بولندا، جُمع اليهود في غيتوات شرقيّ أوروبا. وبدءًا من عام 1940، بدأ في أوروبا الغربيّة تسجيل اليهود وتجريدهم من ممتلكاتهم. سُنّت القوانين العنصرية اللاسامية في شماليّ إفريقيا أيضًا، وفرضت الأنظمة المتعاونة مع ألمانيا النازية جنوب شرقيّ أوروبا أعمال السُّخرة على اليهود، فيما لاقى عشرات ألوف اليهود حتفهم هناك.‎

ضابط سوفيتي وضابط ألماني يتصافحان في أعقاب الغزو لبولندا (ويكيبيديا)
ضابط سوفيتي وضابط ألماني يتصافحان في أعقاب الغزو لبولندا (ويكيبيديا)

في 17 أيلول 1939، وفي موازاة محاولة البولنديين صدّ الهجوم الألماني، اجتاح الاتّحاد السوفياتي شرقيّ بولندا وفق اتفاقية “مولوتوف – ريبنتروب”، الاتفاقية السرية التي وقّعها وزير الخارجية السوفياتي مولوتوف مع نظيره الألماني ريبنتروب. أُخضِعت بولندا خلال ثلاثة أسابيع، وشطرها الألمان ثلاثًا: ضمّوا قسمًا إلى الرايخ الألماني، ضمّ الاتحاد السوفياتي قسمًا آخر، فيما أضحى القسم الرئيسي من بولندا تحت إدارة “الحكومة العامّة” وخاضعًا للنفوذ الألماني. مع احتلال بولندا، أمسى نحو 1.8 مليون يهودي تحت رحمة الحُكم النازي. وكان اندلاع الحرب قد أطلق لجام الألمان. فالبولنديون، الذين اعتبرهم النازيون شعبًا سلافيًّا “حقيرًا” عليه “خدمة الأسياد”، عانَوا منذ احتلال بلادهم من الإرهاب، الاعتقالات، واغتيال النُّخَب.

تعذيب يهود بولندا وإهانتهم (أرشيف ياد فاشيم)
تعذيب يهود بولندا وإهانتهم (أرشيف ياد فاشيم)

عُرضت السياسة تجاه اليهود وطُرق حلّ “المسألة اليهودية” كجُزء من محاولة تفادي الضّرر الذي يُلحقه اليهود بالشعب الألماني وبالرايخ. لهذا السبب، فُوّضت الشرطة والوحدة الوقائيّة (SS) الاهتمام باليهود. مع اندلاع الحرب، شكّلت نظرة الألمان إلى اليهود مرحلة انتقالية بين تطبيق حلّ “المسألة اليهوديّة” وبين “الهدف النهائي”. ورغم أنّه لا يمكننا الافتراض أنّ “الحلّ النهائي” الذي يهدف إلى القتل الجماعي كان مُحدّدًا وأنّ خطة الإبادة كانت قد تبلوَرت، يبدو أنّ خططًا ضبابيّة ورغبة عامّة غير واضحة المعالم لحلّ سريع ونهائيّ لـ”مشكلة اليهود” كانت موجودة. في هذه المرحلة، تواصَلت سياسة فرض الهجرة إلى خارج حُدود الرايخ الألماني. في أيلول 1939، أرسل راينهارد هيدريش، رئيس مكتب أمن الرايخ الرئيسي في الإس إس، برقية حدّدت الأنظمة والتعامل مع اليهود في المناطق المُحتلّة في بولندا.‎ ‎نصّت هذه الإرشادات على نقل اليهود الذين كانوا يقطنون في بلدات وقرى إلى مناطق أكثر كثافة في “غيتوات”، وتشكيل “مجالس يهودية”، يكون دورها تنفيذ أوامر السلطات الألمانيّة.‎ ‎‏ تُعتبَر هذه المجالس أمرًا مُثيرًا للجدل في تاريخ الهولوكوست. فهناك مَن يراها هيئات أضعفت اليهود، فيما يدّعي آخرون أنّ هذه المجالس، قياسًا للظروف المستحيلة، ساهمت في صُمود اليهود قدر ما وَسِعَها ذلك.

جنود ألمان يحلقون لحية يهودي لتذليله (أرشيف ياد فاشيم)
جنود ألمان يحلقون لحية يهودي لتذليله (أرشيف ياد فاشيم)

مع اجتياح الألمان مُدُن بولندا، شرعوا بتعذيب كلّ يهوديّ يُصادفونه. فقد أهان الألمان، ضربوا، وقصوا لحى شيوخ اليهود الملتزمين دينيًّا، وعلّقوا مشانق علنية ليُلقوا الذعر بين السكّان. أشرف على التنفيذ رجال الوحدات الخاصة للوحدة الوقائية، الذين رافقوا وحدات الجيش. وترافق دخولهم مع إحراق مجامع اليهود ودورهم بمَن فيها، فيما خُطِف عابرو سبيل في الشوارع وأُكرهوا على إصلاح أضرار المعارك. بعد فرض غرامات باهظة على زعماء اليهود بسبب “مسؤوليتهم” عن اندلاع الحرب العالمية والدمار المتأتي عنها، فُرضت عليهم مجموعة من الأحكام: واجب تسجيل القوى العاملة اليهودية وفرض “العمل القسري”، سلب ممتلكاتهم، وتجريدهم من وسائل تحصيل معيشتهم. نشر الألمان في المناطق التي احتلّوها أوامر ألزمت اليهود بوضع سِمة مميّزة – شرائط على الذراع عليها نجمة داود – كما كان معهودًا وسمهم في العُصور الوُسطى. أمّا في مناطق الرايخ الألماني، ولاحقًا في الأراضي التي احتلّها الألمان في أوروبا الغربيّة، فقد أُلزِم اليهود بوضع نجمة داود صفراء على أرديتهم.‎

استمرار الاحتلال

خلال أقلّ من عامَين، منذ غزو بولندا في 1 أيلول 1939 وحتّى بدء المعركة مع الاتّحاد السوفياتي في حزيران 1941، نجح الألمان في بسط سيطرتهم على معظم أوروبا – فقد التهموا النرويج، الدنمارك، بلجيكا، فرنسا، هولندا، يوغوسلافيا، واليونان بعد مجرّد معارك عسكريّة قصيرة.‎ ‎

ومع اكتمال السيطرة العسكرية والانتصارات في الغرب، ازداد مقدار السيطرة الألمانية على يهود أوروبا. أمّا مناطق جنوب غرب أوروبا – سلوفاكيا، هنغاريا، رومانيا، وبلغاريا – فقد كانت في علاقة تحالُف مع ألمانيا النازية، وقبلت طوعًا الإملاءات الألمانية، ما جعلها تحت الوصاية النازية. في هذه الرقعة الشاسعة من القارة الأوروبية، التي اعتُبرت أساسًا لبسط “النظام الجديد”، تحكّم النازيون في رقاب اليهود.‎

رجلان يهوديان في بولاندا يضعان شرائط على ذراعيهما للتمييزهما (أرشيف ياد فاشيم)
رجلان يهوديان في بولاندا يضعان شرائط على ذراعيهما للتمييزهما (أرشيف ياد فاشيم)

أصدرت الأيديولوجية النازية الحُكم نفسَه على يهود أوروبا كافّةً، لكنّ طرق تطبيق السياسة اللاساميّة اختلفت في البُلدان المحتلة، لا سيّما بين شرق القارّة وغربها. ففي حين أُنشئت غيتوات شرق أوروبا ومورس إرهاب شديد، جسدي واجتماعي واقتصادي، على اليهود، كان الإرهاب المُمارَس بحق اليهود في الغرب تدريجيًّا أكثر. نجمت هذه الفروق بشكل أساسي من افتراض الألمان أنّ اللاسامية ليست منتشرة ونافذة في غرب أوروبا كما هي في شرقها، وذلك لأنّ اليهود الذين عاشوا غرب أوروبا اعتبرهم الكثيرون جُزءًا لا يتجزأ من النسيج المحليّ ومن الأمّة، كما أنّ حكومات أوروبا الغربية حافظت على مقدار من الاستقلال، ما جعل النازيين “يهتمّون” باليهود هناك بطُرق ووتيرة مختلفة. ففي أوروبا الغربية، طبّق النازيون السياسة المُعادية لليهود برويّة أكثر، إذ سنّوا قوانين عنصريّة ضدّ اليهود، مارسوا التمييز ضدّهم، وفرضوا بيع أملاك اليهود قسرًا لجعلها آريّة؛ لم تُنشَأ الغيتوات في هذه البُلدان. ولكن رغم هذه الفروق، لم يختلف مصير يهود غربيّ أوروبا عن مصير يهود شرقيّها، في نهاية المطاف.

حلق لحية يهودي من بولندا بهدف تذليله (أرشيف ياد فاشيم)
حلق لحية يهودي من بولندا بهدف تذليله (أرشيف ياد فاشيم)
اقرأوا المزيد: 874 كلمة
عرض أقل
الشرطة النازية تعتقل غجريا (أرشيف ياد فاشيم)
الشرطة النازية تعتقل غجريا (أرشيف ياد فاشيم)

ليس اليهود وحدهم: أقليات أخرى كانت هدفًا للاضطهاد النازي

لاحق النازيون كلّ مجموعة شكّلت بنظرهم تهديدًا لنظريتهم حول المجتمع السليم و"نقاوة العِرق". إليكم المجموعات الرئيسية التي واجهت الاضطهاد والقتل

05 ديسمبر 2015 | 08:39

صحيح أنّ العنصرية ضدّ اليهود كانت في لُبّ الأيديولوجية النازية، لكنّ اليهود لم يكونوا الأقلية الوحيدة التي عانت من التمييز المنهجيّ، المضايقات، وحتّى القتل. فقد قاوم النازيون كلّ مجموعة شكّلت بنظرهم تهديدًا لنظريتهم حول المجتمع السليم و”نقاوة العِرق”. إليكم المجموعات الرئيسية التي واجهت الاضطهاد والقتل:

الغجر

نظر النازيون إلى الغجَر كمشكلة اجتماعية – عِرقية يجب اقتلاعها من جسَد الأمّة الألمانية. اضطُهد الذين يعيشون حياة الترحال بشكل خصوصيّ، ولاقَوا مصير اليهود عينَه. فمن بين 44 ألف غجريّ عاشوا في ألمانيا، أُرسِل الآلاف إلى معسكرات الاعتقال بعد اندلاع الحرب. كما جُمع قسمٌ آخَر في معسكرات انتقالية، أُرسِلوا منها خلال الحرب إلى غيتوات ومعسكرات إبادة. بالإجمال، قتل النازيون ما مجموعه 90 ألفًا – 150 ألفًا من الغجر في أرجاء أوروبا.

مثليّو الجنس

حُظرت مضاجعة النظير لأنّ النازيين رأوا فيها ضررًا يلحق بطموح الأمة في التكاثر الطبيعي والحياة العائلية السليمة. ويُقدَّر أنّ نحو 15 ألفًا من المثليين جنسيًّا وُضعوا في معسكرات الاعتقال، بينهم آلاف قُتلوا.

المعاقون

خُصي بالإكراه بين 200 ألف و350 ألفًا من المُعاقين، المرضى، الضعفاء، المتوحّدين، المرضى النفسيين، وحتى الأولاد المعتبَرين “أغبياء”، حتى العام 1939. وبدءًا من عام 1939، وبشكل غير رسميّ حتى انتهاء الحرب، قُتل نحو 200 ألف إنسان، ضمن حملة “القتل الرحيم” عبر الغاز، الحُقَن السامّة، أو التجويع. كان الهدف زيادة نسبة مَن يُعتبَرون مُعافين وسامين من الناحية العرقية في “الأمة” (volksgemeinschaft)، وذلك عبر إبادة جميع المرضى والضعفاء دون أدنى شعور بالرحمة.

ألوان الإشارات التي لبسها السجناء في معسكرات الاعتقال لدى النازيين (ويكيبيديا)
ألوان الإشارات التي لبسها السجناء في معسكرات الاعتقال لدى النازيين (ويكيبيديا)

الكنيسة الكاثوليكية

بدءًا من عام 1933، أوقفت الحكومة النازية آلاف الأعضاء في حزب الوسط الكاثوليكي، بينهم كهَنة كاثوليك، وأقفلت مدارس ومؤسسات كاثوليكية، تطبيقًا لسياسة الحزب النازي الشمولية ورغبته في إلغاء أية سلطة أخرى. ورغم الاتفاقية التي أبرمتها ألمانيا مع الفاتيكان عام 1933، اضطُهدت خلال الحرب عدّة مؤسَّسات كاثوليكية، وسيق آلاف الكهنة الكاثوليك إلى السجن والموت في كلّ مناطق نفوذ الاحتلال النازي.

شُهود يهوَه

المجموعة الدينية المسيحية “شُهود يهوَه” هي أقلية أخرى عانت من الاضطهاد الوحشيّ، وذلك بسبب معتقدهم الديني بأنّ مَن لا يعتنق دينهم سيدينه الله في النهاية. رفض شهود يهوه الخدمة العسكرية، واتخذوا موقفًا شُجاعًا في مواجهة النظام. اعتُقل الكثيرون منهم، وُضع بعضهم في معسكرات اعتقال.

اقرأوا المزيد: 319 كلمة
عرض أقل
حرق كنيس يهودي في سيغان، ألمانيا النازية، خلال أحداث "ليلة البلور" عام 1938 (أرشيف ياد فاشيم)
حرق كنيس يهودي في سيغان، ألمانيا النازية، خلال أحداث "ليلة البلور" عام 1938 (أرشيف ياد فاشيم)

ليلة البلّور

أحد الأحداث الأكثر شُهرةً في تاريخ الهولوكوست هو "ليلة البلّور" (بالألمانية: ‎‏‏Kristallnacht‏). ما هو معنى الاسم، ولمَ شكّل هذا الحدث نقطة تحوّل في علاقة ألمانيا النازية باليهود، وأدّى إلى تفاقُم سياستها التوسعية الخارجية وتسارُع الإعدادات للحرب؟

28 نوفمبر 2015 | 12:08

منذ بداية العهد النازي في ألمانيا، بدأت الإساءة إلى اليهود مُحاوَلةً من النازيين للتضييق عليهم حتّى يهاجروا من البلد. سُنَّ “قانون الموظَّفين” بعد شهر من تولّي هتلر السلطة، وكان يهدف إلى طرد اليهود من وظائف عامّة عديدة أعالوا منها أنفسهم في مجالات كالتربية، الفنون، والصحافة. كان قانون الموظَّفين أحد الإجراءات الأولى لمحاولة جعل وظائف اليهود، أملاكهم، بيوتهم – في الواقع كلّ ممتلكاتهم ووسائل معيشتهم – “آريّة” تمامًا (تحت سلطة الألمان “ذوي العِرق النقيّ”).

كان هذا جُزءًا من الخطوات التي أراد النازيون منها تهجير اليهود من ألمانيا. فقد سُنَّت في أيلول 1935 قوانين “نيرنبرغ” – قوانين عنصرية نصّت على أنّ اليهودي لا يمكنه أن يكون مُواطِنًا ألمانيًّا، وهكذا سُلب كلّ اليهود الألمان جنسيتهم وحقّهم في حماية القانون. وكما ذُكر آنِفًا، حاول النازيون عبر هذه الخطوات أن يدفعوا اليهود إلى حافة اليأس ويُكرهوهم على مغادرة ألمانيا. لكنّ ثلث يهود ألمانيا فقط هاجروا منها خلال السنوات الخمس التي تلت تولي النازيين مقادير السلطة، أي بين 1933 و 1938.

آن أوان أوّل عمل عُنف مُنظَّم للنظام النازي ضدّ اليهود: هجمات رعاع في كلّ أرجاء البلاد حدثت في تشرين الثاني 1938 في أحداث “ليلة البلّور”.

كنيس يهودي مدمّر في وايسلوخ، ألمانيا النازية، في أعقاب أحداث "ليلة البلور" عام 1938 (أرشيف ياد فاشيم)
كنيس يهودي مدمّر في وايسلوخ، ألمانيا النازية، في أعقاب أحداث “ليلة البلور” عام 1938 (أرشيف ياد فاشيم)

أحد الأحداث الأكثر شُهرةً في تاريخ الهولوكوست هو “ليلة البلّور” (بالألمانية: ‎‏‏Kristallnacht‏)، التي تُدعى أيضًا “مجزرة تشرين الثاني”، إذ كانت ليلة أعمال شغَب ضدّ اليهود في ألمانيا. ما هو معنى الاسم، ولمَ شكّل هذا الحدث نقطة تحوّل في علاقة ألمانيا النازية باليهود، وأدّى إلى تفاقُم سياستها التوسعية الخارجية وتسارُع الإعدادات للحرب؟

لم تكن هذه المرّة الأولى التي تجري فيها اعتداءات عنيفة على اليهود في ألمانيا، لكنّ ما حدث في 9 نوفمبر/ تشرين الثاني كان مختلفًا بشكل جليّ. فخلال ساعات معدودة، أُحرِقت آلاف أماكن العمل، بيوت العبادة، والمؤسسات اليهودية، سُلبت، وهدمت. راح العشرات ضحايا فيما أُرسِل عشرات الألوف إلى معسكرات الاعتقال.

نالت هذه الأحداث لقب “ليلة البلّور” في وقت لاحق، بسبب انتشار شظايا زجاج واجهات عرض المحالّ التجارية التي كان يملكها يهود.

كانت هذه الليلة القاسية ذروة عملية استمرت طيلة العام 1938، الذي نظر إليه النازيون بصفته “عام الحسم”، سواء في السياسة حيال اليهود، أو في التوسّع الألماني في أوروبا والاستعداد للحرب.

حرق كنيس يهودي في أشفوغا، ألمانيا النازية، على محتوياته، خلال أحداث "ليلة البلور" عام 1938 (أرشيف ياد فاشيم)
حرق كنيس يهودي في أشفوغا، ألمانيا النازية، على محتوياته، خلال أحداث “ليلة البلور” عام 1938 (أرشيف ياد فاشيم)

حدثت “ليلة البلّور” بعد عدد من الإجراءات والخطوات الحاسمة: إنشاء معسكرات اعتقال لمُعارضي السياسة النازية؛ تسريع عملية جعل الاقتصاد الألماني “آريًّا”، أي مصادرة ممتلكات اليهود وإقصاؤهم من الحياة الاقتصادية؛ ضمّ النمسا؛ “مؤتمر إيفيان” – الذي اتضح فيه عدم استعداد أية دولة في العالم لاستقبال اللاجئين اليهود؛ القانون الذي ألزم اليهود ذوي الاسم اليهودي الواضح بإضافة الاسمَين “إسرائيل” و “سارة” إلى أسمائهم؛ و”مؤتمر ميونيخ” الذي استجابت فيه فرنسا، إيطاليا، وبريطانيا للطلب الألماني بضمّ إقليم السوديت التابع لجمهورية تشيكوسلوفاكيا إلى ألمانيا.

إنّ أحداث مجزرة “ليلة البلّور” التي تمّت بتوجيه من القيادة تبيّن العلاقة بين الخطوات السياسيّة والعسكريّة للنازيين وبين نشاطاتهم ضدّ اليهود.

في 27 – 28 تشرين الأول/ أكتوبر 1938، بدأت ألمانيا النازية حملة الطرد الجماعي الأولى لليهود. فقد طُرد نحو 17 ألف يهوديّ من رعايا ألمانيا الذين يحملون الجنسيّة البولندية إلى بولندا بقسوة شديدة، إلى منطقة البلدة الحدودية زبونشين. رفض البولنديون استقبال المنفيّين، ليجد الأخيرون أنفسهم بلا مأوى في المنطقة الحدودية.

اعتقال يهود على يد الشرطة النازية خلال أحداث "ليلة البلور" عام 1938 (أرشيف ياد فاشيم)
اعتقال يهود على يد الشرطة النازية خلال أحداث “ليلة البلور” عام 1938 (أرشيف ياد فاشيم)

وصف النازيون أحداث ليلة 9 – 10 تشرين الثاني/ نوفمبر في ألمانيا والنمسا أنها اندفاع تلقائيّ ناتج عن سُخط الألمان كردّ فعل على اغتيال “إرنست فون رات” – دبلوماسي في السفارة الألمانية في باريس، رغم أنّ الأمر كان مُخطَّطًا له مُسبقًا. كان المُعتدي شابًّا يهوديّا يُدعى هرشل غرينشبان، أراد الانتقام لطرد أُسرته. إثر عملية الاغتيال، شرع النظام الألماني في حملة تحريض على اليهود، مشجّعًا الجماهير، عبر قواه الأمنية، على الاعتداء الجماعي عليهم.
خلال الليل، أُحرقت وسُلبت معابد اليهود، متاجرهم، ومحالّهم، وغطّت شظايا الزجاج الشوارع، ممّا منح هذه الليلة لقبها.

قُتل خلال الليل أكثر من 90 يهوديًّا وأُرسل نحو 30 ألف آخرين إلى معسكرات الاعتقال. فُرضت غرامة بمقدار مليار مارك على يهود ألمانيا “لتعويض الأضرار التي حصلت”.

شكّلت “ليلة البلّور” الشرارة الأولى لسلسلة إضافية من الخطوات ضدّ اليهود في الرايخ الثالث، وللإدراك أنّ الألمان يمكنهم أن يستمرّوا في زيادة تطرّف سياستهم هذه إلى جانب سياستهم الدولية.

بعد المجزرة، نُشرت مجموعة أوامر إداريّة وقانونية لترويج هذه الأهداف: استكمال إضفاء الصبغة الآريّة على الدولة، تسريع الهجرة، العزل المطلق لليهود عن باقي السكّان، القضاء على تنظيم “الممثليّة القطرية ليهود ألمانيا”، الذي كان تنظيمًا يتمتع بشبه استقلاليّة، والقضاء على الجاليات اليهوديّة.

إثر “ليلة البلّور”، تسارعت الهجرة اليهوديّة من ألمانيا، النمسا، وتشيكيا، اللتَين جرى ضمّهما إلى ألمانيا نهاية 1938 وبداية 1939. لكنّ القيود الشديدة التي فرضتها دول العالم على استقبال اللاجئين اليهود كانت حجر عثرة أمام هجرة أكبر من ألمانيا، وبعد ذلك الدول الأخرى الواقعة تحت حُكم النازيين.

طرد يهود من ألمانيا خلال أحداث "ليلة البلور" عام 1938 (أرشيف ياد فاشيم)
طرد يهود من ألمانيا خلال أحداث “ليلة البلور” عام 1938 (أرشيف ياد فاشيم)

حظيت “ليلة البلّور” بتغطية إعلامية واسعة في الصحافة العالمية، وأثارت صدمة كبيرة في الدول الغربية. سحب الرئيس الأمريكي روزفلت سفيره من برلين، لكنّ النازيين لم يُبالوا، بل ردّوا بسحب سفيرهم من واشنطن. في الواقع، أدّت أحداث “ليلة البلّور” بالدول الغربية إلى الموافقة على استقبال بعض اللاجئين اليهود الإضافيين، لا سيّما الأولاد.

اقرأوا المزيد: 748 كلمة
عرض أقل
ضحايا المحركة في معسكر أوشفيتز (Wikipedia)
ضحايا المحركة في معسكر أوشفيتز (Wikipedia)

الفصل الأول في تاريخ الهولوكوست.. كراهية اليهود

لم تبدأ ظاهرة معادة السامية مع صعود هتلر والحزب النازي إلى الحكم، لكن لا شك في أنهما كانا المسؤولين عن دفع النظرية العرقية إلى الذروة، فكريا وعمليا

14 نوفمبر 2015 | 13:08

إثر اهتمام قرائنا وطلباتهم، قررت هيئة تحرير “المصدر” إطلاق مشروع مميّز، يحاول تزويد خلفية تاريخية حول “الهولوكوست” للقارئ العربي. ليس الأمر توثيقًا كاملًا أو أكاديميًّا، بل تقارير قصيرة وسهلة القراءة، تهدف إلى توفير معلومات أساسية جدًّا عن “الهولوكوست” – محرقة قُتل فيها ستة ملايين يهودي خلال الحرب العالمية الثانية.

نحن نولي اهتماما كبيرًا لهذا المشروع، وذلك على خلفية ظاهرة إنكار “الهولوكوست” المتفشية للأسف في العالم العربي أيضا. ستصف التقارير الأحداث وفق ترتيب زمني – بدءًا بجذور اللاسامية، وصولا إلى تنفيذ جريمة القتل ضد ستة ملايين يهودي، والتي أطلق عليها الألمان من باب التلطف: “الحل النهائي للمشكلة اليهودية”.

نأمل أن توفر المقالات إجابات على الأسئلة الأساسية وأن تُشجع قراءنا، لا سيما الشباب من بينهم، على الخوض بعمق في الموضوع.

جذور اللاسامية والأيديولوجية النازية

وراء كل عمل هناك فكرة. لا تبدأ جذور فكرة قتل ستة ملايين يهودي في الحرب العالمية الثانية بهتلر أو بالنظرية العرقية، بل يعود مصدرها إلى تعبير خاص عن العنصرية وكراهية الغرباء – اللاسامية. كانت كراهية اليهود التقليدية متجذرة في ألمانيا والبلدان الأوروبية على مدى أجيال كثيرة قبل “الهولوكوست”. عانى اليهود من الكراهية والعداوة واتُّهموا بالنجاسة، الكفر، وكراهية الغريب، حتى قبل اعتناق المسيحية في العالم الأوروبي. بعد انتقال العالم الغربي إلى “المسيحية”، وعلى مر مئات السنين، تحوّلت كراهية اليهود إلى كراهية دينية قوية جدا تستند، من بين أمور أخرى، على نظرات نمطية روّجت لها الكنيسة، فريات دم، كراهية اقتصادية، وكراهية الغرباء. وُصفَ اليهود كقاتلي يسوع المسيح. ولأنّ معظمهم آثروا عدم تغيير دينهم، ولو دفعوا مقابل ذلك ثمنا باهظا، أمسَوا مكروهين وانعدمت الثقة بهم. في القرون الوسطى، حُظر على اليهود العمل في مهن كثيرة. نتيجة لذلك، عمل بعضهم كمرابين، ما زاد من البُغض لهم. على مر القرون، أُذلّ اليهود في أوروبا، طُردوا من مكان سكناهم، وعانوا من المجازر وفريات الدم، كما أُكرهوا على حمل علامات تعريف مميّزة لتصنيفهم عن بقية السكان، وعلى السكن في أحياء منفردة.

نهاية القرن التاسع عشر، ونتيجة تطورات مختلفة كالعلمنة، والتحرر، والمفاهيم “العلمية” ظاهرًا، تغيّر مصطلح اللاسامية، الذي استُخدم لوصف مقاومة اليهود على أساس الاعتقاد الديني المختلف، ليصف مقاومتهم على أساس آخر – العرق. أصبحت كراهية الدين اليهودي كراهية تجاه الشعب اليهودي.

بروتوكولات حكماء صهيون

طبعة لنص "بروتوكولات حكماء صهيون" صدرت في مصر عام 1976. (وكيبيديا)
طبعة لنص “بروتوكولات حكماء صهيون” صدرت في مصر عام 1976. (وكيبيديا)

إحدى الكتابات اللاسامية الأكثر شهرة هي “بروتوكولات حكماء صهيون”، التي نُشرت في صحيفة روسية عام 1903. من المؤكد أن الاسم معروف لدى القارئ العربي، إذ إنها مُترجَمة إلى العربية ومنشورة في الدول العربية، بتشجيع من السلطات، على مدى عقود. تصف البروتوكولات مؤامرة لعصابة يهودية سرية، تُدعى “حكماء صهيون”، للسيطرة على العالم عبر خلق النزاع بين الدول، الإفساد الأخلاقي، والسيطرة الاقتصادية. كان انتشارها وتأثيرها في أوروبا كبيرَين. غنيّ عن البيان أن الأمر ليس توثيقًا حقيقيًّا، بل لا يعدو كونه تزييفًا من قبل الشرطة السرية في روسيا لتسويد سمعة اليهود. عام 1937، أقرت محكمة سويسرية أن المستند لا أساس له من الصحة، غير أن هذه الحقيقة لم تمنع الملايين الذين شاهدوا البروتوكولات من الاعتقاد أنها صحيحة.

يهود ألمانيا قبل الحرب

في ثلاثينيات القرن العشرين، عاش في ألمانيا نحو 500,000 يهودي، كانوا يشكلون أقل من نسبة مئوية واحدة (0.8 في المئة) من إجمالي السكان. معظمهم رأوا أنفسهم وطنيين مخلصين، وذوي صلة من حيث اللغة والثقافة بنمط الحياة الألماني. تفوق الكثير منهم في العلوم، والأدب، والفنون، وكانوا مبادرين ناجحين في مجالات الاقتصاد المختلفة. كان 24 في المئة من الفائزين الألمان بجائزة نوبل من أصل يهودي. بالمقابل، دفعت عمليات تاريخية مثل تغيير الدين، والزواج المختلط (بين اليهود والمسيحيين) وانخفاض بالتكاثر الطبيعي، الكثيرين في ألمانيا وخارجها إلى الاعتقاد أنّ اليهود سيختفون كليًّا من ألمانيا.

للمزيد من المفارقة، نشأت الأيدولوجية النازية داخل ألمانيا تحديدًا، وبين الشعب الألماني الذي طمح اليهود إلى الاندماج فيه.‎ ‎توهّم الكثير من اليهود أنّ دورهم في مجالَي التجارة والصناعة، وإسهامهم في الاقتصاد الألماني، سيردعان النازيين عن إبعادهم كليًّا.‎

وصول النازيين على العرش

يعود سبب وصول هتلر والحزب النازي إلى سدة الحكم إلى أسباب اجتماعية وسياسية نشأت في ألمانيا في الفترة التي تلت الحرب العالمية الأولى. شعر الكثير من الألمان بالإحباط الشديد بسبب هزيمة ألمانيا في الحرب، وادّعوا أن “طعن سكين في ظهر الأمة” من قبل أعدائها هو سبب الهزيمة. كان اليهود عنوانا مركزيًّا لهذه التهم. كان هناك عنوان آخر وهو الديمقراطية: ادعى معارضو الانصياع لشروط الاستسلام التي حددتها معاهدة “فرساي” أن الديمقراطية لا تُلائم طبيعة ألمانيا، وكان هناك من قال إنّ الديمقراطية متأثرة باليهود. فُسرت شروط معاهدة فرساي للسلام وواجب دفع التعويضات المرتفعة للدول المنتصرة من قبل الألمان كانتقام من قبل المنتصرين.‎

لافتة في ألمانيا مكتوب عليها "ألمانيا خالية من اليهود" (متحف ياد فاشيم)
لافتة في ألمانيا مكتوب عليها “ألمانيا خالية من اليهود” (متحف ياد فاشيم)

أدى كل من الشعور بالإحباط والإذلال بعد الحرب، عدم الاستقرار الاقتصادي، والقلق من زيادة خطر الشيوعية، إلى ظهور مجموعات يمينية متطرفة، بينها الحزب النازي.‎ ‎أثارت الأزمة الاقتصادية العالمية، التي اندلعت عام 1929، الغليان والشعور باليأس.

عام 1919، انضم أدولف هتلر، الذي كان حينها جنديا مُسرّحا أُصيب في الحرب العالمية الأولى، إلى مجموعة هامشية تحوّلت لاحقا إلى الحزب القومي الاشتراكي. ‏‎ ‎سرعان ما أضحى هتلر زعيما للحزب، ليبلور الأسس العنصرية والمعادية للسامية في برنامج عمله. عام 1923، كانت هناك محاولة لإحداث ثورة والسيطرة على الحكم في ميونيخ، ولكنها فشلت. سُجن هتلر وكتب أثناء وجوده في السجن كتابه المعروف “كفاحي” (Mein Kampf)، موضحًا فيه أفكاره حول النظرية العرقية وسيطرة النازية على العالم بأسره. وصف هتلر في الكتاب الذي نُشر في مجلدين، اليهود، كمَن يسعون إلى “تدنيس الجنس الآري”.

استخدام الديمقراطية لإرساء الديكتاتورية

فهم هتلر أنّ عليه النضال من أجل الاستيلاء على الحكم بطرق شرعية وضعتها الديمقراطية تحت تصرفه، ولكنه ومعاونيه أعلنوا جهرًا أنّ الحرية الديمقراطية هي مجرد وسيلة يستخدمونها لبلوغ السلطة.

في انتخابات عامَي 1924 و1928 للرايخستاغ – البرلمان الألماني – حظي الحزب النازي بنسب ضئيلة فقط من أصوات الناخبين، حاصدًا أقلّ من 15 مقعدًا.‎ ‎أمّا في المعركة الانتخابية عام 1930، بعد اندلاع الأزمة الاقتصادية العالمية، فقد أحرز النازيون بشكل مفاجئ 107 مقاعد. وبعد انتخابات تموز 1932 (مع 230 مقعدًا)، أصبح النازيون الكتلة الأكبر والقوة السياسية المُسيطرة. إذا، سيطر النازيون على الحكم بأسلوب ديمقراطي. ألقى الرئيس هيندنبورغ على هتلر مسؤولية تشكيل الحكومة، وبتاريخ 30 كانون الثاني عام 1933 وصل هتلر إلى سدة الحكم.‎‎

ألمان في برلين يقرأون لافتات عن المقاطعة الاقتصادية لليهود (متحف ياد فاشيم)
ألمان في برلين يقرأون لافتات عن المقاطعة الاقتصادية لليهود (متحف ياد فاشيم)

النظرية العرقية النازية وقوانين نيرنبرغ

كما ذُكر آنفًا، فيما كانت اللاسامية ترتكز في الماضي على الكراهية على أساس الدين أو القومية، نشأت في القرن العشرين الكراهية على أساس عِرقي. بكلمات أخرى، تجسدت اليهودية منذ هذه اللحظة بالمميّزات البيولوجية لليهودي. وفق المفهوم العِرقي، فإن الشعب الألماني هو الفرع المختار والأكثر طهارة للجِنس الآري – النوردي (إضافة إلى الشعوب النوردية – الإسكندينافية)، أمّا اليهود فهم عِرق فرعي يسعى دون كلل إلى تشويش النظام في العالم، ويحاول سلب العِرق الأسمى سيطرته وقيادته.

رسم توضيحي يعيّن من هو اليهودي حسب قوانين نيرنبرغ (متحف ياد فاشيم)
رسم توضيحي يعيّن من هو اليهودي حسب قوانين نيرنبرغ (متحف ياد فاشيم)

ادعت الأيديولوجية النازية أنه إذا لم ينتصر الجنس الآري ويبسط سيطرته على وجه الأرض، قد يقود اليهود البشرية إلى التضاؤل والانحلال. عام 1935، بعد صعود النازيين إلى سدة الحكم، تم تشريع “قوانين نيرنبرغ”، التي جعلت اليهود في ألمانيا مواطنين من الدرجة الثانية. يجري الحديث عن قانونَين أساسيَّين، أضيفت إليهما لاحقًا قوانين وأوامر أخرى. نصّ القانون الأول، “قانون المواطنة”، أنّ الألمان فقط أو ذوي “الدم الألماني” يمكنهم أن يكونوا مواطني الرايخ. شكّل هذا القانون الأساس لإخراج اليهود من كل مجالات الحياة في ألمانيا. وكان هناك قانون ثانٍ، “قانون حماية الدم والكرامة الألمانيَّين” الذي حظر، بين أمور أخرى، الزواج أو إقامة علاقات جنسية بين اليهود والألمان.

في الحقيقة، جعلت قوانين نيرنبرغ النظرية العرقية سياسة رسمية لألمانيا، مُشرِّعةً العنصرية. شكّلت القوانين تصعيدًا لخطوات معادية لليهود، اتُّخذت ضد يهود ألمانيا بعد صعود النازيين إلى الحكم، وكانت تهدف إلى عزل وإخراج اليهود من دوائر حياة الألمان.

اقرأوا المزيد: 1128 كلمة
عرض أقل
حفل زفاف يهودي في ليبيا
حفل زفاف يهودي في ليبيا

إبادة الجالية اليهودية في ليبيا: هولوكوست شمال إفريقيا

لم تكتفِ ذراع ألمانيا النازية الطويلة بيهود أوروبا، ووصلت أيضًا إلى البلدان الخاضعة للاستعمار في شمال إفريقيا. كانت الجالية التي تضرّرت أكثر من الجميع هي الجالية اليهودية في ليبيا

عندما نتحدث عن الهولوكوست التي ألحقها الألمان بالشعب اليهودي، نفكّر مباشرة بيهود أوروبا. ومع ذلك، فقد تأثرت الجاليات اليهودية في شمال إفريقيا بشكل مباشر بما حدث في أوروبا. كانت أكثر جالية يهودية قد تضرّرت في شمال إفريقيا هي الجالية اليهودية الليبية، بسبب التحالف بين ألمانيا وإيطاليا، التي كانت تسيطر على ليبيا في تلك الفترة. تم ترحيل اليهود من منازلهم، ونُقلوا إلى معسكرات الاعتقال، بل إنّ بعضهم أُرسل إلى معسكرات في أوروبا، حيث لاقوا حتفهم هناك. عند انتهاء الحرب وفي السنوات التي أعقبت ذلك، لم يبقَ يهود في ليبيا تقريبًا، وعلى مرّ السنين اختفت الجالية حتى لم يبقَ ولا حتى يهودي واحد يعيش اليوم في ليبيا. هذه هي قصة الجالية اليهودية في ليبيا في فترة الهولوكوست:

الاحتلال الإيطالي

عام 1931 كان عدد اليهود في ليبيا 21,000، نحو 4% من مجموع السكان. (الجالية الأصغر من بين جاليات شمال إفريقيا). كان عددها عشية الحرب العالمية الثانية نحو 30,000. أقام أكثر من نصف أبناء الجالية في طرابلس، نحو 10% في بنغازي، والبقية في عشرات البلدات الصغيرة.

في تلك الفترة بدأ الاحتلال الإيطالي بالاستقرار في ليبيا. لم يكن نفوذ السلطات الإيطالية محسوسا جدّا في البداية في أوساط يهود ليبيا، الذين حصلوا على مكانة قانونية، ومثّلوا مجموعة دينية – عرقية مهمّة وخصوصا بسبب دورهم المهم في الاقتصاد الليبي. كان لدى القيادة الإيطالية نهجان متناقضان تجاه اليهود: دعا النهج الأول إلى التقدم السياسي والاجتماعي لليهود، وخلافا له عمل تيّار خشي من أن يثير “التفضيل الزائد” لليهود غضب السكان العرب المسلمين.

عائلة يهودية ليبية
عائلة يهودية ليبية

بدأ اليهود يشعرون باليد الثقيلة للحكم الفاشيّ عام 1935، حيث أوجدوا حينذاك المرسوم الأول، وهو “مرسوم يوم السبت”، حيث أُجبر جميع التجار اليهود على افتتاح محلاتهم خلال يوم السبت، وهو يوم الراحة المقدّس لدى اليهود. ومع ذلك، وافق بينيتو موسوليني عام 1937 على الالتقاء بممثّلي الجالية، وتلقّى استقبالا فاخرا، ووعد الحاخام الرئيسي بأنّ النظام الفاشي سيحترم الجاليات اليهودية وتقاليدها، دينها وزعيمها. وفعلا، في نفس العام تم إلغاء جميع العقوبات التي فُرضت على التجار اليهود.

الألمان يدخلون إلى الصورة

ومع ذلك، لم يستغرق وقتًا طويلا حتى بدأ الوضع بالتدهور. عام 1936 عقدت إيطاليا الفاشية تحالفا مع ألمانيا النازية، وبحسبه فإنّ قوانين العنصرية نافذة أيضًا على إيطاليا ومستعمراتها. في تموز عام 1938 نُشر في إيطاليا “البيان العرقي”، والذي ظهرت فيه القوانين العنصرية والمعادية للسامية والتي مثّلت موقف الحزب الفاشي. طالب البيان بإقالة جميع اليهود الذين يشغلون مناصب حكومية، طرد المواطنين اليهود من الرعايا الأجانب، سحب رتب جميع اليهود في الجيش الإيطالي، وبالإضافة إلى ذلك لم يُسمح لليهود بالتعلّم في مؤسسات التعليم العالي أو المشاركة في المناقصات الحكومية.

لحسن حظّ يهود ليبيا، فقد طلب حاكم ليبيا الإيطالي تخفيف هذه الأحكام بحجّة أنّها ستطيح بالاقتصاد الليبي، وحصل على موافقة في تطبيق القوانين العنصرية كما يراه مناسبا في ليبيا. ورغم أنّ العديد من اليهود قد أُقيلوا وتأذت مكانتهم، ولكن حالهم كان أفضل من يهود إيطاليا. ولكن وفاة حاكم ليبيا عام 1940 في حادث، والذي يعتبره البعض اغتيالا متعمّدا من السلطات الإيطالية، إلى جانب انضمام إيطاليا إلى الحرب العالمية الثانية، إلى جانب الألمان، يعدّ نقطة التحوّل الحقيقية في أوضاع اليهود.

أدولف هتلر وبينيتو موسوليني
أدولف هتلر وبينيتو موسوليني

معسكرات الاعتقال وأعمال السخرة

بدءًا من النصف الثاني من العام 1940 عانت مدينة طرابلس من قصف فرنسا وبريطانيا، وتضرّر الحيّ اليهودي في المدينة بشدة. قُتل الكثير من اليهود ونجمت أضرار جسيمة لممتلكاتهم. بعضهم، فضلا عن عدد من السكان المسلمين، هربوا إلى داخل البلاد. وفي نفس الوقت جرى تشديد على قوانين العنصرية وإنفاذها. تم ترحيل اليهود من بنغازي وما حولها إلى معسكر اعتقال قريب من طرابلس. أرسلتْ معظم القوى العاملة من الجالية في طرابلس إلى معسكرات العمل بالسخرة. وقد عانت بقية أبناء الجالية من القوانين العنصرية التي آذت مكانتهم الاقتصادية والاجتماعية بشدّة.

أدّت هذه الظروف القاسية والقوانين العنصرية بالجالية اليهودية لدعم البريطانيين، وليس الإيطاليين. عام 1940 احتُلّت بنغازي من قبل البريطانيين، وتم تحرير اليهود الذين كانوا فيها من وطأة القوانين العنصرية، ووثّقوا علاقاتهم مع البريطانيين. ولكن عام 1941 عادت قوات إيطالية وألمانية لاحتلال المدينة، وانسحب معها 250 يهوديا أيضًا. حافظ المواطنون الإيطاليون الذين أقاموا في المدينة على كراهيّتهم لليهود بسبب ولائهم للبريطانيين، ونفّذوا فيهم أعمال شغب قُتل خلالها يهوديّان، وتم نهب الكثير من الممتلكات وتدميرها. اعتقلت السلطات الإيطالية الكثير من اليهود اشتباهًا بمساعدتهم للعدوّ وكانت الأجواء المعادية للسامية في ذروتها. قرّرت إيطاليا ترحيل جميع اليهود من المنطقة إلى إقليم طرابلس وفرضت عليهم عقوبات شديدة، من بينها إعدام ثلاثة يهود.

كان إيذاء يهود برقة، وهو الإقليم الذي تقع فيه بنغازي، هو الأسوأ من أي جالية أخرى في ليبيا. تم قتل أكثر من 500 يهودي من جالية بلغ تعدادها 4,000 نسمة. بقيت حياة أولئك الذين نجوا في خطر. أُرسل نحو 2,600 يهودي إلى معسكرات الاعتقال.

أُرسل معظم يهود برقة إلى معسكر الاعتقال جادو، جنوب طرابلس. أقيم المعسكر في قاعدة عسكرية قديمة، وتم تجميع اليهود فيه في ثكنات قديمة باكتظاظ فظيع. وبسب الظروف الصحيّة السيّئة، توفي الكثيرون من الأمراض ومن سوء التغذية. حتى كانون الثاني عام 1943، عندما حرّر البريطانيّون المعسكر، تم قتل 600 يهودي من بين 2600 ممّن تمّ تجميعهم في المعسكر.

كنيس يهودي في ليبية
كنيس يهودي في ليبية

في الوقت نفسه، تم طرد جميع اليهود من الرعايا الأجانب من ليبيا. تم ترحيل نحو 1600 يهودي من الرعايا الفرنسيين إلى تونس، وتم ترحيل أكثر من 400 يهودي من الرعايا البريطانيين إلى إيطاليا، حيث جُمّعوا هناك في المعسكرات. بعد أن احتل الألمان إيطاليا عام 1943، أرسلوا اليهود لأعمال السخرة. عام 1944 تم إرسال قسم من المنفيين من ليبيا إلى معسكرات الاعتقال في ألمانيا، حيث مات هناك الكثير منهم بسبب الظروف المزرية والبرد القارس، والذي لم يكن يهود إفريقيا معتادين عليه.

نهاية الجالية

لم تكن نهاية الحرب العالمية الثانية بالضرورة علامة مشجّعة بالنسبة ليهود ليبيا. في نهاية عام 1945 جرت مذابح ضدّ يهود ليبيا وقُتل منهم 142 شخصا، وأصيب الكثيرون غيرهم وتضرّرت ممتلكات جماعية كثيرة بما في ذلك الكنُس. في حزيران عام 1948، قريبا من غزو الجيوش العربية لإسرائيل، وقعت أحداث دامية مجدّدا وذُبح فيها 14 يهوديّا، ودُمّر 280 منزلا. وفي أعقاب أعمال الشغب بين عاميّ 1948 – 1953 هاجرت الجالية اليهودية كلّها تقريبا إلى دولة إسرائيل، وهاجر القليلون إلى إيطاليا. في نهاية تلك الفترة بقي في ليبيا نحو 4,000 يهودي فقط.

.‎ ‎بعد أن نالت ليبيا استقلالها عن الحكم البريطاني عام 1951، لم يحصل يهود ليبيا على حقوقهم المدنية أو بطاقة هوية ليبية، واستمرّوا بالمعاناة من اضطهاد السكان المسلمين. حتى عام 1967 هاجر معظم اليهود من ليبيا إلى دولة إسرائيل. في فترة حرب الأيام الستة، هاجم المسلمون من تبقّى من اليهود في ليبيا، وفي أعقاب ذلك غادر ليبيا الألفي يهودي الذين تبقّوا فيها، واشتملت الجالية التي بقيت على عدد قليل من اليهود. عام 2002 غادرت ليبيا اليهودية الأخيرة.

اقرأوا المزيد: 1008 كلمة
عرض أقل