موسى بن ميمون

صورة توضيحية (AFP)
صورة توضيحية (AFP)

ما هي توصيات الرمبام للحفاظ على نمط حياة صحي؟

الرمبام، الذي كان من بين أمور أخرى، طبيبا، وضع مبادئ لاتباع نمط حياة صحي تُعرف باسم "حمية غذائية وفق الرمبام"؛ ما هي مبادئها المركزية؟

يرافق فترة الأعياد في إسرائيل، كما هي الحال في الدول الأخرى، الكثير من الأطعمة، ما يؤدي إلى زيادة الوزن بالتأكيد. ولكن منذ القدم، كانت هناك تلميحات واضحة تشير إلى أن تناول الكثير من الأطعمة يشكل خطرا على الجسم وخطيئة بحقه. ادعى الرمبام المشهور (موسى بن ميمون)، الذي كان فيلَسوفا، طبيبا، وعالما مشهورا، أن تناول الكثير من الأطعمة يشكل خطيئة، وقد يؤدي إلى التعرض لأمراض، وإلى الوفاة.

الرمبام (موسى بن ميمون)

تطرق الرمبام الذي عاش في المغرب قبل 800 عام، في كتاباته إلى مواضيع مختلفة، بما في ذلك التغذية الصحيحة، عادات الأكل، والرياضة. في كتاب “مشناه الرمبام”، عرض الرمبام دليلا مفصّلا وشاملا حول التغذية الصحيحة التي يفترض أن تحافظ على الجسم من التعرض للأمراض، المشاكل الصحية، السمنة، وأن تعيد الجسم إلى وزنه الطبيعي والمرغوب به أيضا – والمعروفة في أيامنا بـ “الحمية الغذائية”. واليوم، في الوقت الذي يعتمد فيه العلم على الأبحاث، يتضح أن هناك أساسا علميا لتوصيات الرمبام.

جمعنا لكم، بعض المبادئ الهامة لاتباع تغذية صحيحة وسليمة وفق الرمبام.

01
حميات غذائية متطرفة وتناول الكثير من الأطعمة

وفق الرمبام، لا يجوز تجويع الجسم، وبدلا من اتباع حمية غذائية متطرفة، يستحسن تناول وجبات خفيفة تتضمن %75 فقط مما يمكن أن تتحمله معدة الإنسان. يجب الامتناع عن تناول الأكل والشرب المفرط، ويفضل عدم الشرب أثناء الوجبة.

02
النشاط البدني

أكد الرمبام على أهمية النشاط البدني موضحا أنه حتى عندما يتبع الإنسان نمط حياة صحيا، ويتبع الوصايا، ولكنه لا يمارس الرياضة لمدة 15 دقيقة على الأقل يوميا، فسوف يتعرض للأمراض.

03
أنواع الأطعمة

وفق الرمبام، لا يوصى بتناول الأجبان القديمة والمالحة، اللحوم، والأسماك المدخنة، أو أية أطعمة ذات رائحة كريهة. كما يجب ملاءمة الأطعمة لمواسم السنة، أي يجب تناول أطعمة خفيفة أكثر في الصيف، وتناول أطعمة دسمة ومتبلة أكثر في الشتاء.

صورة توضيحية (AFP)
04
مواعيد الوجبات

وفق أقوال الرمبام، يجب تناول الوجبة الأخيرة خلال أربع ساعات تقريبا قبل النوم، وبشكل عام يفضل تناول الأكل بعد الاستحمام.

05
ملاءمة القائمة الغذائية

يمكن أن نستنتج من الكتابات المختلفة للرمبام أن قائمة غذائية مختلفة تلائم كل إنسان، وهذا يعود إلى وزنه، مزاجه، ومستوى نشاطه الجسماني. يوصى بالامتناع عن تناول أطعمة معالجة، وبالمقابل، تناول الأطعمة الطازجة والطبيعية قدر المستطاع، مثل الفواكه، الخضراوات، الجوز، واللوز.

اقرأوا المزيد: 182 كلمة
عرض أقل
عملة نقدية ورقية قيمتها 50 شيكلا (Bank of Israel / Flash90)
عملة نقدية ورقية قيمتها 50 شيكلا (Bank of Israel / Flash90)

السبب الغريب لحظر النظر إلى عملة إسرائيلية

ينص قرار مثير للاهتمام لأحد الحاخامات البارزين في إسرائيل على أنه يُحظر النظر إلى عملة نقدية ورقية بقيمة 50 شيكلا. أثار السبب دهشة في قلوبنا أيضًا..

دُهِش طلاب الحاخام بن صهيون موتسافي عند سماع حكمه المثير للاهتمام فيما يتعلق بعملة نقدية حجمها 50 شيكلا (حوالي 14 دولارا). خلال الدرس الذي نقله الحاخام في نهاية الأسبوع الماضي، سحب الحاخام عملة نقدية ورقية حجمها 50 شيكلا جديدا من جيبه، موضحا أنه يُحظر النظر إليها لأنها تحمل صورة الشاعر شاؤول تشرنيخوفسكي، الذي كان متزوجا من امرأة مسيحية.

وردا عن سؤال أحد الطلاب، أوضح الحاخام قراره قائلا: “من المعروف أن تشرنيخوفسكي كان “متزوجا” من شابة مسيحية متدينة كانت تصلي كل يوم أحد في الكنيسة. ويقال إن الحاخام كوك طيب الذكر (حاخام كبير جدا في اليهودية) توسل إليها، ناشدها، وحاول إقناعها باعتناق اليهودية إلا أنها رفضت”. وأوضح الحاخام الكبير أيضا أن الرمبام (موسى بن ميمون) قال عنه بصفته إنسان عاش مع شابة ليست يهودية قد ألحق “دمارا بأمته”.

الحاخام بن صهيون موتسافي (Yaacov Cohen / FLASH90)

في الأسابيع الأخيرة، تصدرت الأوراق النقدية العناوين الرئيسية في إسرائيل، بعد صدور الأوراق النقدية الجديدة، التي تظهر عليها شخصيات بطولية في الثقافة الإسرائيلية. كما أعرب الجمهور المتدين في إسرائيل عن استيائه ودهشته إزار القرار، لأن الحديث يجري عن شخصيات نسائية.

اقرأوا المزيد: 165 كلمة
عرض أقل
عالم يهودي يدرس في كتاب التلمود البابلي (Flash90/Hadas Parush)
عالم يهودي يدرس في كتاب التلمود البابلي (Flash90/Hadas Parush)

تعامل التلمود والشريعة اليهودية مع الأغيار

ما هو التلمود، وكيف يتطرق إلى الأغيار؟ هل يعتقد الفقهاء اليهود أن اليهود أسمى من الشعوب الأخرى أم أن كل البشر متساوون؟

التلمود البابلي، هو بروتوكولات نقاشات الحاخامات الذين عملوا في المراكز التعليمية اليهودية في أرض إسرائيل وبابل بين القرنين الثالث والخامس للميلاد. النقاشات حول أسئلة فقهية، عملية، فلسفية، وأخلاقية، مطبوعة اليوم في نحو 20 مجلدا (2.711 صفحة). يشكل التلمود المكتوب بالآرامية والعبرية أساس الشريعة اليهودية، وأهم النصوص التي تدرّس في المؤسسات التعليمية اليهودية (حلقات دينية).

كما هو الحال في كل نص ديني تاريخي، يتضمن التلمود أقوالا متناقضة حول “الآخر”. هناك مصادر يمكن العثور فيها على تعامل إيجابي مع الشعوب الأخرى، وأخرى فيها تعامل سلبي أكثر. بالطبع، فإن السياق التاريخي والتجربة الشخصية للحاخام تؤثر في نظرته إلى الآخر، إلى غير اليهود.

كما هو الحال في كل نص ديني تاريخي، يتضمن التلمود أقوالا متناقضة حول “الآخر”. هناك مصادر يمكن العثور فيها على تعامل إيجابي مع الشعوب الأخرى، وأخرى فيها تعامل سلبي أكثر

تجادل حكيما البلاد في إسرائيل، الحاخام عكيفا وبن عزاي حول تفسير الآية في التوراة “تُحِبُّ قَرِيبَكَ كَنَفْسِكَ” (سفر اللاويين، الإصحاح 19، الآية 18). وفق بن عزاي، فإن الكلمة “صديق” تعني كل شخص، ولكن يعتقد الحاخام عكيفا أن وصية محبة الآخر، تنطبق على اليهود فقط.

يمكن فهم موقف الحاخام عكيفا السلبي على خلفية العلاقات الصعبة بين اليهود والإمبراطورية الرومانية في عصره. قتل الرومان الحاخام عكيفا في نهاية حياته بسبب إيمانه اليهودي.

تحدث تلميذ الحاخام عكيفا الحاخام شمعون بار يوحاي بشكل متطرف أكثر تجاه الأغيار. فوفق أقواله، لا تنقل قبور الأغيار النجاسة لأنهم لا يعتبرون من بني البشر بالمعنى الكامل، ويمكن قتلهم أثناء الحرب. ادعى حكماء في التلمود أن الأغيار ينجذبون أكثر للغريزة الجنسية، وحشيون أكثر من اليهود، ومتواضعون أقل. حتى أنه ذُكر في التلمود أنه يحظر إنقاذ غير اليهود إذا كانوا يحتضرون يوم السبت.

بالمُقابل، هناك موقف آخر مختلف تماما في التلمود للأغيار، موقف أكثر إيجابية. في قسم سنهدرين (جزء في المشناه يتحدث عن المحكمة اليهودية)، كُتب أن الإنسان الأول خُلِق وحيدا لئلا يدعي كل شعب أن سلَفه أفضل. هذه أقوال معادية للعنصرية بشكل واضح. أقوال الحاخام مئير الإسرائيلي، مقتبسة في التلمود للتوضيح أن غير اليهود الذين تعلموا التوراة هم مساوون للكاهن الكبير في الهيكل، وهكذا يلغي تماما فكرة أن اليهود أسمى من غيرهم من الأمم عرقيا.

طالب يهودي يدرس التلمود في حلقة دينية في نيو يورك (AFP)
طالب يهودي يدرس التلمود في حلقة دينية في نيو يورك (AFP)

في قسم سنهدرين تُحكى أسطورة تتحدث عن أن المصريين غرقوا في البحر بعد خروج بني إسرائيل من مصر، فطلب الملائكة الغناء. فصرخ بهم الله سائلا: “يغرق البشر من صنع يدي وأنتم تغنون؟”. تحدد المشناه في ذلك القِسم أن “كل من يخسر إنسانا، كأنه خسر العالم بأكمله، وكل من ينقذ شخصا وكأنه أنقذ العالم بأكمله”.

يحظر على اليهود قتل كل البشر حظرا تاما. جاء حظر القتل قبل أن حصل بنو إسرائيل على التوراة، ولذلك ليس في وسع التوراة أن تسمح بإلغاء حظر كان قائما. وفق رأي الحاخام إليعزر في التلمود البابلي في قسم الفصح (Pesachim) فإن سبب تهجير الله لكل اليهود في أنحاء العالم هو إقناع الوثنيين بعبادة إله واحد.

تحدث الحاخام موسى بن ميمون (‏1135-1204‏) من كبار الفقهاء في القرون الوسطى، في كتابه الفقهي عن ثلاث مجموعات من الأغيار: أغيار وثنيين، “مواطن ساكن” (أغيار يعيشون في المجتمع اليهودي)، وأغيار عاديين.

اليهودية ليست ديانة تبشيرية ولا تشجع مؤمنين من ديانات أخرى على اعتناق اليهودية، ولكنها تبارك كل المؤمنين الذين يؤمنون باليهودية ويتعلمون أهم مبادئها طيلة فترة طويلة، ويلتزمون أن يبقوا يهودا كل حياتهم

ليس هناك واجب في الشريعة لإنقاذ الوثنيين، ولكن يحظر أيضا قتلهم طالما أنهم لا يقاتلون شعب إسرائيل. “مواطن ساكن” هو شخص تحمل مسؤولية تأدية 7 وصايا أخلاقية أساسية، تسمّى في الشريعة اليهودية “شرائع نوح السبع” وتمنع: السرقة، التجديف على الله، الانحلال الجنسي، الوثنية، أكل لحم حيوان حي، وتفرض إقامة نظام عدل.

وفق الحاخامين الكبيرين في أرض إسرائيل في القرن العشرين، الحاخام أبراهام يتسحاق هكوهين كوك (‏1865-1935‏)، والحاخام ﻳﺘﺴﺤﺎق أﻳﺰﻳﻚ ﻫﻠﻴﻔﻲ ﻫﺮﺗﺴوغ (‏1888-1959‏)، يُعتبر العرب الذين يعيشون في البلاد “مواطنين سكانا” لأنهم يطبقون الوصايا الأساسية إيمانا بإله واحد. خلافا للوثنية، يسمح لـ “مواطن ساكن” العيش في أرض إسرائيل وعلى اليهود أن يكونوا عادلين معه مثلما يتعاملون مع اليهود الآخرين.

وفق الرمبام (موسى بن ميمون)، على اليهود التعامل باحترام مع الأغيار الذين لا يعتبرون “مواطنين سكّانا”: زيارة مرضاهم، إعالة الفقراء من غير اليهود، ودفن موتاهم مع الأموات اليهود. السبب لذلك هو أهمية خلق علاقات سلمية بين كل الشعوب.

اليهودية ليست ديانة تبشيرية ولا تشجع مؤمنين من ديانات أخرى على اعتناق اليهودية، ولكنها تبارك كل المؤمنين الذين يؤمنون باليهودية ويتعلمون أهم مبادئها طيلة فترة طويلة، ويلتزمون أن يبقوا يهودا كل حياتهم.

للإجمال، كما يمكن العثور في القرآن، والإسلام عامة، على تعامل إيجابي وسلبي لليهود والمسيحيين، كذلك الحال في اليهودية إذ يمكن أن تُسمع آراء مختلفة تجاه الأغيار. بشكل عامّ، يمكن القول إن اليهودية لا تتعامل تعاملا متساويا بين اليهود والأغيار، كما هو الحال بين الإسلام وغيرهم. رغم ذلك، توصي الديانة اليهودية المؤمنين اليهود باحترام كل البشر، استنادا إلى الآية في سفر الأمثال في التوراة: “طرقها طرق نعم، وكل مسالكها سلام”. السلام هو قيمة عليا تملي العلاقة المرجوّة بين البشر.

اقرأوا المزيد: 748 كلمة
عرض أقل
كنيس عدلي أو  أو شعار هاشامايم في القاهرة (SAMIR RAAFAT / AFP)
كنيس عدلي أو أو شعار هاشامايم في القاهرة (SAMIR RAAFAT / AFP)

يهود النيل – من فرعون إلى عبد الناصر

في العصور السالفة، استقرّ الحُكماء اليهود في الإسكندرية ونشروا حكمتهم للعالم. حتّى القرن العشرين، لم تكُن الصهيونية والوطنيّة المصرية متناقضتَين. لكن اليوم، تكاد جالية يهود مصر تكون غير موجودة

لم تكن الجالية اليهودية في مصر يومًا أكبر جالية يهودية في الشرق الأوسط، ولا أبرز جالية. فالجاليات العراقية، الشاميّة، اليمنيّة، والإفريقية الشمالية كانت أبرز بشكلٍ عامّ. لكن منذ فجر التاريخ، نسج اليهود علاقات خاصّة مع مصر، لم تتوقّف يومًا. فمنذ ذهاب إبراهيم الخليل ويعقوب إلى مصر في أزمنة الكتاب المقدّس، وجد الكثير من اليهود ملجأً في بلاد النيل.

شعب مُقاتِلين وحُكماء

ثمة شهادات قديمة على أنّ مقاتِلين يهودًا مأجورين كانوا يعيشون في جزيرة إلفنتين على حدود مصر الجنوبيّة، إذ كانوا مؤتَمَنين على حراسة الحدود من الغزاة القادمين من الصحراء، الذين تعاونوا مع المملكة الفارسيّة. حتّى إنّ أولئك اليهود أنشأوا معبَدًا فاخرًا جدًّا، كان مركزًا للنزاع مع جيرانهم غير اليهود. كذلك، استخدم الملك بطليموس الأول المقاتِلين اليهود بشكلٍ كبير لحماية مملكته.‎

في الحقبة الهلينستية، التي ازدهرت فيها مدينة الإسكندرية وأضحت مركزًا عالميًّا للحكمة، الفلسفة، الهندسة، والعمران، لم تتضرّر مكانة اليهود. ففي القرن الثالث قبل الميلاد، وضع حُكماء يهود من الإسكندرية الترجمة الأولى للأسفار المقدّسة العبرانيّة إلى لغة أجنبية، التي دُعيت “الترجمة السبعينية”، لأنّ 72 من الحكماء اليهود عملوا على الترجمة إلى اليونانيّة وفق التقليد. بعد ذلك بسنوات، ظهر في الإسكندرية فيلَسوف يهودي شهير آخَر، هو فيلون السكندري، الذي كان يطمح إلى أن يُظهر أنّ اليهودية دين يمكنه أن يندمج مع مبادئ الفلسفة اليونانيّة، ولا يناقضها.

بطليموس الثاني ومترجمو السبعينية، رسم من عام 1672
بطليموس الثاني ومترجمو السبعينية، رسم من عام 1672

في الحقبة الرومانية أيضًا، واصل اليهود الازدهار، لكنّ تمرّدهم على الحُكم الروماني عام 115 للميلاد كان ذا عواقب وخيمة عليهم. فقد كان يهود الإسكندرية عاملًا رئيسيًّا في الصراع ضدّ الرومان، الذي بدا في البداية انتصارًا كبيرًا على الإمبراطورية. لكن الإمبراطور تراجان أرسل قوّات عسكريّة كبيرة أدّت إلى انتهاء ثورة اليهود بإبادة 90% من يهود مصر، وتدمير المجمع اليهودي الفاخر في الإسكندرية. ولم تبدأ مكانة اليهود بالتعافي إلّا مع صعود الإسلام، إذ حظوا، كباقي يهود العالم الإسلاميّ بمكانة “أهل الذمّة”.

رغم أنّ تعامُل السلطات الإسلاميّة كان يتغيّر مع السنين، ورغم العبء الماديّ المتمثل في الضرائب والجزية، تمتّع يهود مصر باستقلال شبه تامّ. في القرن السابع للميلاد، ازدهر في مصر اليهود القرّاؤون، وهم فرع خاصّ من اليهودي لا يعترفون بأيّ من “الكتابات الدينيّة” عدا التوراة نفسها. ولا تزال هذه الجماعة، الموجودة في صراع طويل الأمد مع باقي الطوائف اليهودية، قائمةً في إسرائيل إلى اليوم.

حين بلَغ عظيمُ اليهود القاهرة

موسى بن ميمون
موسى بن ميمون

في أواخر القرن الثاني عشر للميلاد، وصلَ مصرَ رجلٌ يُعتبَر أحد أحكم اليهود وأفضلهم في التاريخ، وهو موسى بن ميمون. كان ابنُ ميمون، الذي وُلد في الأندلس، وانتقل جرّاء ضائقة اقتصاديّة إلى المغرب، في طريقه إلى الشرق الأوسط، رجل دين، فيلَسوفًا، عالمًا، وطبيبًا. وبالتوازي مع كونه رئيس الجالية اليهودية في مصر، كان ابن ميمون أيضًا طبيب الملك الأفضل بن صلاح الدين. قضى موسى بن ميمون وقتًا طويلًا في البلاط الملكيّ في القاهرة، لكنه استمرّ في تكريس قسمٍ كبير من عمله للفتاوى الدينية لليهود.

جعلت الخبرة المنوّعة، التي شملت كتب الفلسفة والعلوم اليونانيّة، إلى جانب الاطّلاع الكامل على الأدب الدينيّ السابق له، ابن ميمون اسمًا يبعث على الفخر لدى كلّ يهودي إلى يومنا هذا. في القاهرة، خَطَّ كتابه الشهير دلالة الحائرين، الذي يُرشِد اليهودي الحائر الذي لا ينجح في التوفيق بين مبادئ دينه وبين العلم والفلسفة، واستخدم فيه ابن ميمون مبادئ مدرسة “الكلام” الإسلاميّة. ويُعتبَر الكتاب مُؤَلَّفًا نموذجيًّا.

أيّام الازدهار

في عصر المماليك، كان وضع اليهود حرِجًا جدًّا. فقد جعل التعصُّب الديني ضدّ جميع الطوائف غير المسلمة، الذي كان موجَّهًا بشكل خاصّ ضدّ الطوائف المسيحية، اليهود يدفعون ثمنًا باهظًا. أمّا مع صعود الإمبراطورية العثمانية، فقد تحسَّن وضع اليهود نوعًا ما، لكنّه ظلّ متقلّبًا. وأدّت المجازِر المُرتكَبة ضدّ الجالية اليهودية إلى تقلُّص عدد اليهود بشكل ملحوظ في القاهرة والإسكندرية في القرون التي تلَت. ولكن مع تولّي محمد علي باشا السلطة، عاد وضع اليهود إلى التحسُّن.

حين بدأت تُثار مسألة شقّ قناة السويس في القرن التاسع عشر، تحسّن وضع اليهود أكثر أيضًا. فقد امتلأت القاهرة بمندوبين وذوي مصالح بريطانيين، فرنسيين، وألمان، وساعدت المبادرةُ الاقتصاديةُ اليهودَ على انتهاز تلك العلاقات لإقامة علاقات تجاريّة جيّدة.

في مطلع القرن العشرين، بلغت جالية يهود مصر الذروة، وتكوّنت ليس من يهودٍ عاشوا في مصر طوال قرون فحسب، بل أيضًا من مُهاجِرين يهود أتَوا من جميع أنحاء أوروبا وشمال إفريقيا. وأتى إلى مصر أيضًا يهودٌ من أصول بولندية وروسيّة بسبب التعامُل السيء مع اليهود في أوروبا الشرقية. أدّى هذا إلى جعل يهود مصر ينطقون بلُغاتٍ مختلفة. فالمخضرَمون تحدّثوا باللهجة العربية المصرية، فيما المُهاجرون المتحدّرون من المطرودين من إسبانيا تحدّثوا الإسبانية – اليهودية، التركية، اليونانيّة، والإيطاليّة، أمّا الأوروبيون الشرقيون فكانوا ناطقين بالروسية، البولندية، ولهجات من الألمانية – اليهوديّة. في الواقع، كانت الجالية المصرية في ذلك الحين أشبه بقوس قزح.

جوقة يهودية في الإسكندرية
جوقة يهودية في الإسكندرية

في القاهرة والإسكندرية، كانت ثمة مدارِس يهودية درّست مختلف اللغات والحضارات الأوروبية، التي اختارها والِدو التلاميذ. كما أنشأت الجالية اليهودية مستشفَيات في القاهرة والإسكندريّة، مؤسسات للمُسنّين، ومؤسسات صَدَقة وثقافة مختلفة، بما فيها مسرح جماهيريّ.

الدمج بين الصهيونيّة والوطنيّة المصريّة

بلغت الصحافة اليهودية في مصر ذروتَها في القرن العِشرين. فقد عمل نحو 90 صحيفة يهودية في مصر بدءًا من نهاية القرن التاسع عشر، حتّى مغادرة معظَم اليهود إلى إسرائيل. إحدى أشهر الصحف، التي كانت تصدُر في العشرينات، كانت صحيفة “إسرائيل”، التي نُشرت بالعربية، الفرنسيّة، والعبرانيّة. أنشأ الصحيفةَ د. ألبرت موصيري، أحد أعيان الجالية اليهودية. كان موصيري وطنيًّا مصريًّا، ولكنه دعم الصهيونيّة أيضًا. وهو لم يجِد أيّ تناقض بين الصهيونية وبين القوميّة العربية، بل ظنّ أنّ الدولة اليهودية يمكن أن تُقام في قلب الشرق الأوسط.

في تلك السنوات، بدأت الفكرة الصهيونية تنمو لدى يهود مصر. بدأ عدد أكبر فأكبر من شبّان مصر ينتمون إلى حرَكات شبابيّة صهيونية، فيما تبرّع أثرياء الجالية اليهودية بالمال لشراء أراضٍ للمستوطَنات اليهودية في فلسطين. ولدى صدور وعد بلفور عام 1917، عبّر يهود القاهرة والإسكندريّة عن فرحهم علنًا.

النشرة العربية لصحيفة "إسرائيل" المصرية
النشرة العربية لصحيفة “إسرائيل” المصرية

لكن في الثلاثينات، تزايدت الدعاية النازية والفاشيّة بين المصريّين، ما أدى إلى تدهوُر أوضاع اليهود. أدّى العداء لليهود في نهاية المطاف إلى إغلاق صحيفة “إسرائيل”. ومع انتهاء الحرب العالمية الثانية وازدياد الحديث عن الحاجة إلى دولة يهودية، تزايد السخط العربيّ والمصريّ على اليهود.

أيّام العِداء

في جلسةٍ للأمم المتحدة سبقت الإعلان عن إقامة دولة يهودية، في تشرين الثاني 1947، حذّر سفير مصر، يوسف هيكل باشا: “يعيش مليون يهودي بسلام في مصر وباقي الدول الإسلامية، ويتمتّعون بجميع حقوق المواطِنين. وهم بالتأكيد لا يرغبون في الهجرة إلى فلسطين. لكن إذا أُقيمت دولة يهودية، فليس في وسع أحدٍ أن يمنع الكوارث. ستندلع اضطرابات في فلسطين، تمتدّ إلى جميع الدول العربية، وتؤدي ربما إلى حرب عرقيّة … إذا قرّرت الأمم المتحدة تقسيم فلسطين، فإنها ستتحمّل مسؤولية الكوارث الخطيرة جدًّا وقتل عددٍ كبير من اليهود”.

لكنّ قرار إنشاء دولة يهودية اتُّخذ في الأمم المتحدة، وقرّرت مصر إرسال جيشها لنصرة فلسطين وتدمير الكيان الصهيوني. ولم يُؤدِّ الإخفاق المصري والانتصار الإسرائيلي عام 1948 سوى إلى تحوُّل التعامُل مع اليهود إلى أكثر سوءًا. فاعتُقل عددٌ كبير منهم، وصودرت ممتلكاتُهم.

بين حزيران وتشرين الثاني عام 1948، شرعَت الحكومة المصرية والجماهير في مصر في ممارسة العنف والاضطهاد ضدّ اليهود. في الحيّ اليهودي، أُلقيت قنابل، تسبّبت بوفاة 70 يهوديًّا وإصابة نحو 200 آخَرين، فيما أدّت اضطرابات أخرى في أرجاء مصر إلى مقتل وإصابة مئات آخَرين من اليهود. كما اعتُقل ألفا يهودي، وصودرت ممتلكات آخَرين.

كنيس بن عزرا في منطقة الفسطاط (Roland Unger)
كنيس بن عزرا في منطقة الفسطاط (Roland Unger)

في 30 أيار 1948، أعلنت الحكومة المصرية عن نيّتها مصادرة ممتلكات أيّ مواطن، في حال ثبت أنّ نشاطه يشكّل خطرًا على أمن الدولة. فانتقلت ملكيّة نحو 70 شركة ومصلحة يهودية إلى الحكومة المصرية. دفع ذلك يهودًا كثيرين إلى اجتياز الحدود، ليقيموا في إسرائيل. فغادر نحو 30 ألف يهودي القاهرة، ووصل نصفهم إلى إسرائيل.

تزايدت النزعة مع ارتقاء جمال عبد الناصر السُّلطة. فهزيمتا مصر أمام إسرائيل عامَي 1956 و1967 جعلتا مصريين عديدين يصبّون جام غضبهم على اليهود القليلين الباقين. أدرك معظم اليهود عام 1956 أنّ مصر لم تعُد ملجأً آمنًا بالنسبة لهم، فهاجروا إلى إسرائيل أو إلى دُول أخرى. صادرت الحكومة جميع ممتلكات اليهود الذين غادروا مصر، واضطُرّوا إلى التوقيع على تعهُّد بأنه لا يمكنهم مطالبة مصر بأيّ شيء أو العودة إليها مطلقًا. حتّى عام 1957، هبط عدد يهود مصر، الذي بلغ نحو 80 ألفًا في مطلع القرن، إلى مُجرَّد 15 ألفًا.‎ ‎

أمّا اليوم فلم يبقَ في مصر سوى بضع عشراتٍ من اليهود، يعيش معظمُهم في الإسكندرية. أدرك يهود مصر أنّ الأيّام التي كان يمكن فيها لليهود في مصر أن يرَوا أنفسهم وطنيّين مصريّين وصهيونيّين على حدٍّ سواء ولَّت، وأنه أصبح عليهم أن يختاروا بين الكون مصريين والكون صهيونيين. كانت تلك النهايةَ الحزينة لقصّة جالية عظيمة، كان يمكنها لولا الظروف السياسية أن تواصل النمو والازدهار داخل مصر، إلى جانب دولة إسرائيل، حتّى يومِنا هذا.

اقرأوا المزيد: 1292 كلمة
عرض أقل