معاداة السامية

ضحايا المحركة في معسكر أوشفيتز (Wikipedia)
ضحايا المحركة في معسكر أوشفيتز (Wikipedia)

الفصل الأول في تاريخ الهولوكوست.. كراهية اليهود

لم تبدأ ظاهرة معادة السامية مع صعود هتلر والحزب النازي إلى الحكم، لكن لا شك في أنهما كانا المسؤولين عن دفع النظرية العرقية إلى الذروة، فكريا وعمليا

14 نوفمبر 2015 | 13:08

إثر اهتمام قرائنا وطلباتهم، قررت هيئة تحرير “المصدر” إطلاق مشروع مميّز، يحاول تزويد خلفية تاريخية حول “الهولوكوست” للقارئ العربي. ليس الأمر توثيقًا كاملًا أو أكاديميًّا، بل تقارير قصيرة وسهلة القراءة، تهدف إلى توفير معلومات أساسية جدًّا عن “الهولوكوست” – محرقة قُتل فيها ستة ملايين يهودي خلال الحرب العالمية الثانية.

نحن نولي اهتماما كبيرًا لهذا المشروع، وذلك على خلفية ظاهرة إنكار “الهولوكوست” المتفشية للأسف في العالم العربي أيضا. ستصف التقارير الأحداث وفق ترتيب زمني – بدءًا بجذور اللاسامية، وصولا إلى تنفيذ جريمة القتل ضد ستة ملايين يهودي، والتي أطلق عليها الألمان من باب التلطف: “الحل النهائي للمشكلة اليهودية”.

نأمل أن توفر المقالات إجابات على الأسئلة الأساسية وأن تُشجع قراءنا، لا سيما الشباب من بينهم، على الخوض بعمق في الموضوع.

جذور اللاسامية والأيديولوجية النازية

وراء كل عمل هناك فكرة. لا تبدأ جذور فكرة قتل ستة ملايين يهودي في الحرب العالمية الثانية بهتلر أو بالنظرية العرقية، بل يعود مصدرها إلى تعبير خاص عن العنصرية وكراهية الغرباء – اللاسامية. كانت كراهية اليهود التقليدية متجذرة في ألمانيا والبلدان الأوروبية على مدى أجيال كثيرة قبل “الهولوكوست”. عانى اليهود من الكراهية والعداوة واتُّهموا بالنجاسة، الكفر، وكراهية الغريب، حتى قبل اعتناق المسيحية في العالم الأوروبي. بعد انتقال العالم الغربي إلى “المسيحية”، وعلى مر مئات السنين، تحوّلت كراهية اليهود إلى كراهية دينية قوية جدا تستند، من بين أمور أخرى، على نظرات نمطية روّجت لها الكنيسة، فريات دم، كراهية اقتصادية، وكراهية الغرباء. وُصفَ اليهود كقاتلي يسوع المسيح. ولأنّ معظمهم آثروا عدم تغيير دينهم، ولو دفعوا مقابل ذلك ثمنا باهظا، أمسَوا مكروهين وانعدمت الثقة بهم. في القرون الوسطى، حُظر على اليهود العمل في مهن كثيرة. نتيجة لذلك، عمل بعضهم كمرابين، ما زاد من البُغض لهم. على مر القرون، أُذلّ اليهود في أوروبا، طُردوا من مكان سكناهم، وعانوا من المجازر وفريات الدم، كما أُكرهوا على حمل علامات تعريف مميّزة لتصنيفهم عن بقية السكان، وعلى السكن في أحياء منفردة.

نهاية القرن التاسع عشر، ونتيجة تطورات مختلفة كالعلمنة، والتحرر، والمفاهيم “العلمية” ظاهرًا، تغيّر مصطلح اللاسامية، الذي استُخدم لوصف مقاومة اليهود على أساس الاعتقاد الديني المختلف، ليصف مقاومتهم على أساس آخر – العرق. أصبحت كراهية الدين اليهودي كراهية تجاه الشعب اليهودي.

بروتوكولات حكماء صهيون

طبعة لنص "بروتوكولات حكماء صهيون" صدرت في مصر عام 1976. (وكيبيديا)
طبعة لنص “بروتوكولات حكماء صهيون” صدرت في مصر عام 1976. (وكيبيديا)

إحدى الكتابات اللاسامية الأكثر شهرة هي “بروتوكولات حكماء صهيون”، التي نُشرت في صحيفة روسية عام 1903. من المؤكد أن الاسم معروف لدى القارئ العربي، إذ إنها مُترجَمة إلى العربية ومنشورة في الدول العربية، بتشجيع من السلطات، على مدى عقود. تصف البروتوكولات مؤامرة لعصابة يهودية سرية، تُدعى “حكماء صهيون”، للسيطرة على العالم عبر خلق النزاع بين الدول، الإفساد الأخلاقي، والسيطرة الاقتصادية. كان انتشارها وتأثيرها في أوروبا كبيرَين. غنيّ عن البيان أن الأمر ليس توثيقًا حقيقيًّا، بل لا يعدو كونه تزييفًا من قبل الشرطة السرية في روسيا لتسويد سمعة اليهود. عام 1937، أقرت محكمة سويسرية أن المستند لا أساس له من الصحة، غير أن هذه الحقيقة لم تمنع الملايين الذين شاهدوا البروتوكولات من الاعتقاد أنها صحيحة.

يهود ألمانيا قبل الحرب

في ثلاثينيات القرن العشرين، عاش في ألمانيا نحو 500,000 يهودي، كانوا يشكلون أقل من نسبة مئوية واحدة (0.8 في المئة) من إجمالي السكان. معظمهم رأوا أنفسهم وطنيين مخلصين، وذوي صلة من حيث اللغة والثقافة بنمط الحياة الألماني. تفوق الكثير منهم في العلوم، والأدب، والفنون، وكانوا مبادرين ناجحين في مجالات الاقتصاد المختلفة. كان 24 في المئة من الفائزين الألمان بجائزة نوبل من أصل يهودي. بالمقابل، دفعت عمليات تاريخية مثل تغيير الدين، والزواج المختلط (بين اليهود والمسيحيين) وانخفاض بالتكاثر الطبيعي، الكثيرين في ألمانيا وخارجها إلى الاعتقاد أنّ اليهود سيختفون كليًّا من ألمانيا.

للمزيد من المفارقة، نشأت الأيدولوجية النازية داخل ألمانيا تحديدًا، وبين الشعب الألماني الذي طمح اليهود إلى الاندماج فيه.‎ ‎توهّم الكثير من اليهود أنّ دورهم في مجالَي التجارة والصناعة، وإسهامهم في الاقتصاد الألماني، سيردعان النازيين عن إبعادهم كليًّا.‎

وصول النازيين على العرش

يعود سبب وصول هتلر والحزب النازي إلى سدة الحكم إلى أسباب اجتماعية وسياسية نشأت في ألمانيا في الفترة التي تلت الحرب العالمية الأولى. شعر الكثير من الألمان بالإحباط الشديد بسبب هزيمة ألمانيا في الحرب، وادّعوا أن “طعن سكين في ظهر الأمة” من قبل أعدائها هو سبب الهزيمة. كان اليهود عنوانا مركزيًّا لهذه التهم. كان هناك عنوان آخر وهو الديمقراطية: ادعى معارضو الانصياع لشروط الاستسلام التي حددتها معاهدة “فرساي” أن الديمقراطية لا تُلائم طبيعة ألمانيا، وكان هناك من قال إنّ الديمقراطية متأثرة باليهود. فُسرت شروط معاهدة فرساي للسلام وواجب دفع التعويضات المرتفعة للدول المنتصرة من قبل الألمان كانتقام من قبل المنتصرين.‎

لافتة في ألمانيا مكتوب عليها "ألمانيا خالية من اليهود" (متحف ياد فاشيم)
لافتة في ألمانيا مكتوب عليها “ألمانيا خالية من اليهود” (متحف ياد فاشيم)

أدى كل من الشعور بالإحباط والإذلال بعد الحرب، عدم الاستقرار الاقتصادي، والقلق من زيادة خطر الشيوعية، إلى ظهور مجموعات يمينية متطرفة، بينها الحزب النازي.‎ ‎أثارت الأزمة الاقتصادية العالمية، التي اندلعت عام 1929، الغليان والشعور باليأس.

عام 1919، انضم أدولف هتلر، الذي كان حينها جنديا مُسرّحا أُصيب في الحرب العالمية الأولى، إلى مجموعة هامشية تحوّلت لاحقا إلى الحزب القومي الاشتراكي. ‏‎ ‎سرعان ما أضحى هتلر زعيما للحزب، ليبلور الأسس العنصرية والمعادية للسامية في برنامج عمله. عام 1923، كانت هناك محاولة لإحداث ثورة والسيطرة على الحكم في ميونيخ، ولكنها فشلت. سُجن هتلر وكتب أثناء وجوده في السجن كتابه المعروف “كفاحي” (Mein Kampf)، موضحًا فيه أفكاره حول النظرية العرقية وسيطرة النازية على العالم بأسره. وصف هتلر في الكتاب الذي نُشر في مجلدين، اليهود، كمَن يسعون إلى “تدنيس الجنس الآري”.

استخدام الديمقراطية لإرساء الديكتاتورية

فهم هتلر أنّ عليه النضال من أجل الاستيلاء على الحكم بطرق شرعية وضعتها الديمقراطية تحت تصرفه، ولكنه ومعاونيه أعلنوا جهرًا أنّ الحرية الديمقراطية هي مجرد وسيلة يستخدمونها لبلوغ السلطة.

في انتخابات عامَي 1924 و1928 للرايخستاغ – البرلمان الألماني – حظي الحزب النازي بنسب ضئيلة فقط من أصوات الناخبين، حاصدًا أقلّ من 15 مقعدًا.‎ ‎أمّا في المعركة الانتخابية عام 1930، بعد اندلاع الأزمة الاقتصادية العالمية، فقد أحرز النازيون بشكل مفاجئ 107 مقاعد. وبعد انتخابات تموز 1932 (مع 230 مقعدًا)، أصبح النازيون الكتلة الأكبر والقوة السياسية المُسيطرة. إذا، سيطر النازيون على الحكم بأسلوب ديمقراطي. ألقى الرئيس هيندنبورغ على هتلر مسؤولية تشكيل الحكومة، وبتاريخ 30 كانون الثاني عام 1933 وصل هتلر إلى سدة الحكم.‎‎

ألمان في برلين يقرأون لافتات عن المقاطعة الاقتصادية لليهود (متحف ياد فاشيم)
ألمان في برلين يقرأون لافتات عن المقاطعة الاقتصادية لليهود (متحف ياد فاشيم)

النظرية العرقية النازية وقوانين نيرنبرغ

كما ذُكر آنفًا، فيما كانت اللاسامية ترتكز في الماضي على الكراهية على أساس الدين أو القومية، نشأت في القرن العشرين الكراهية على أساس عِرقي. بكلمات أخرى، تجسدت اليهودية منذ هذه اللحظة بالمميّزات البيولوجية لليهودي. وفق المفهوم العِرقي، فإن الشعب الألماني هو الفرع المختار والأكثر طهارة للجِنس الآري – النوردي (إضافة إلى الشعوب النوردية – الإسكندينافية)، أمّا اليهود فهم عِرق فرعي يسعى دون كلل إلى تشويش النظام في العالم، ويحاول سلب العِرق الأسمى سيطرته وقيادته.

رسم توضيحي يعيّن من هو اليهودي حسب قوانين نيرنبرغ (متحف ياد فاشيم)
رسم توضيحي يعيّن من هو اليهودي حسب قوانين نيرنبرغ (متحف ياد فاشيم)

ادعت الأيديولوجية النازية أنه إذا لم ينتصر الجنس الآري ويبسط سيطرته على وجه الأرض، قد يقود اليهود البشرية إلى التضاؤل والانحلال. عام 1935، بعد صعود النازيين إلى سدة الحكم، تم تشريع “قوانين نيرنبرغ”، التي جعلت اليهود في ألمانيا مواطنين من الدرجة الثانية. يجري الحديث عن قانونَين أساسيَّين، أضيفت إليهما لاحقًا قوانين وأوامر أخرى. نصّ القانون الأول، “قانون المواطنة”، أنّ الألمان فقط أو ذوي “الدم الألماني” يمكنهم أن يكونوا مواطني الرايخ. شكّل هذا القانون الأساس لإخراج اليهود من كل مجالات الحياة في ألمانيا. وكان هناك قانون ثانٍ، “قانون حماية الدم والكرامة الألمانيَّين” الذي حظر، بين أمور أخرى، الزواج أو إقامة علاقات جنسية بين اليهود والألمان.

في الحقيقة، جعلت قوانين نيرنبرغ النظرية العرقية سياسة رسمية لألمانيا، مُشرِّعةً العنصرية. شكّلت القوانين تصعيدًا لخطوات معادية لليهود، اتُّخذت ضد يهود ألمانيا بعد صعود النازيين إلى الحكم، وكانت تهدف إلى عزل وإخراج اليهود من دوائر حياة الألمان.

اقرأوا المزيد: 1128 كلمة
عرض أقل
قداسة البابا فرنسيس الأول أمام حائط المبكى (Flash90/Kobi Gideon)
قداسة البابا فرنسيس الأول أمام حائط المبكى (Flash90/Kobi Gideon)

دعم من البابا: الهجمات على إسرائيل لاسامية

وقف البابا فرانسيس خلال لقائه مع الزعماء اليهود في روما إلى جانب إسرائيل وقال إن الخلافات في الرأي السياسي هي أمر شرعي، ولكن، شدد على أنه يحق لإسرائيل الدفاع عن نفسها

29 أكتوبر 2015 | 11:15

اجتمع البابا فرانسيس، أمس، مع زعماء يهود في لقاء مغلق في روما على ضوء التوتر القائم في الشرق الأوسط، لذكرى مرور 50 عاما على إعلان “نوسترا إيتاتى” (Nostra Aetate) (إعلان دعا إلى تعزيز العلاقات بين الكنسية والشعب اليهودي”.

“مهاجمة اليهود هو أمر لاسامي”. وأضاف: “يمكن أن تكون هناك اختلافات سياسية في الرأي، ولكن من المهم أن نتذكر أن لدولة إسرائيل الحق في الوجود”.

لم يؤكد أو ينفِ الناطق بلسان البابا الأقوال التي قيلت في اللقاء. مع ذلك، لم يرتدع البابا من التطرق إلى الوضع في الشرق الأوسط، مع أنه في الغالب ينتهي الأمر بتأدية الصلاة لتهدئة النفوس أو لتمني سلامة الأطفال الإسرائيليين والفلسطينيين وليس بأقوال حاسمة.

في شهر أيار المنصرم فقط، أثارت أقوال البابا غضبا في إسرائيل، عندما التقى رئيس السلطة الفلسطينية أبو مازن في الفاتيكان، وقال إن أبو مازن “ملاك السلام” وأعلن أنه ينوي التوقيع على الاتفاق الأول مع الفلسطينيين.

اقرأوا المزيد: 138 كلمة
عرض أقل
أشرطة القاعدة: تسلسل زمني من الإرهاب (AFP)
أشرطة القاعدة: تسلسل زمني من الإرهاب (AFP)

أشرطة القاعدة: تسلسل زمني من الإرهاب

بعد الغزو الأمريكي لأفغانستان عام 2001، اضطر أسامة بن لادن إلى مغادرة قندهار. تم إخلاء بعد الأماكن التي عاش فيها وتم نسيان 1,500 تسجيل بداخلها، ومن بينها أسرار التنظيم الكبرى

تغطي القصة التالية شبكة الـ BBC البريطانيّة وتحكي قصة التنظيم الإرهابي الإجرامي، القاعدة، كما لم تُحكَ من قبل.

وفقا لتقرير الـ BBC، ففي تحقيق عشوائي بممتلكات منهوبة، عثرت عائلة أفغانية على صناديق مليئة بأشرطة صوتية. أخذت العائلة هذه الأشرطة إلى متجر محلّي من أجل تبديلها بأشرطة بوب. والآن بعد أن لم تعد طالبان في الحكم يمكن سماع الموسيقى بل وإنتاج موسيقى البوب.

أُعجب صاحب المتجر بالمجموعة وقام بشرائها. في وقت لاحق سمع مصوّر الـ CNN بهذه الأشرطة وأقنع صاحب المتجر بإعادتها، بادعاء أنّ ما تحويه يمكن أن يوفر معلومات مهمة حول التنظيم. وقد صدق فعلا.

فلاغ ميلر
فلاغ ميلر

مضت الأشرطة في طريقها في نهاية المطاف إلى جامعة ماساتشوستس في الولايات المتحدة إلى مشروع خاص للبحث في ثقافة الوسائط الأفغانية. كان فلاغ ميلر (‏Flagg Miller‏) – الخبير في الأدب العربي من جامعة كاليفورنيا، هو أول من استمع إلى هذه الأشرطة: خليط من الخطب، الأغاني وتسجيلات لمحادثات حميمية.

في مقابلة مع الـ BBC قال: “كان ذلك مدهشا تماما”، مع تذكّره لليوم الذي استعاد فيه صندوقين مغبّرين من الأشرطة، عام 2003.

على مدى عقد درس ميلر هذه الأشرطة بل وكتب حولها كتابا. كان الشريط الأول في السلسلة من العام 1960 ووصلت المتأخرة حتى عام 2001. احتوى المجموع على أكثر من 200 متحدّث مختلف، من بينهم أسامة بن لادن.

المرة الأولى التي يُسمع فيها صوت بن لادن

أشرطة القاعدة: تسلسل زمني من الإرهاب (AFP)
أشرطة القاعدة: تسلسل زمني من الإرهاب (AFP)

بحسب شهادة ميلر، فقد سُمع بن لادن للمرة الأولى في تسجيل من العام 1987، وكان تسجيلا لمعركة بين المجاهدين الأفغان العرب والكوماندوز السوفياتي. ترك بن لادن منزله في السعودية، حيث نشأ هناك كأمير، وجاء ليصنع لنفسه اسما، “مقاتل الكفار السوفييت” في أفغانستان.

“أراد بن لادن أن يخلق لنفسه صورة المجاهد المناضل، وهو الأمر الذي كان يصعب الحصول عليه في البداية بسبب نسبه العائلي” كما قال ميلر.

“ولكنّه كان ذكيّا جدّا في تسويق نفسه، وكانت التسجيلات الأولى بالتأكيد جزءًا من خلق قصة، ومن خلق الشخصية الجديدة للإرهابي اللدود الأكبر في التاريخ”.

العدوّ الأول لبن لادن

https://www.youtube.com/watch?v=HdjHQEt4rZo

في الأشرطة منذ نهاية الثمانينيات حتى بداية التسعينيات يركّز بن لادن على التهديدات التي تتعرض لها دول شبه الجزيرة العربية. ولكن من هو العدوّ؟ ليس الولايات المتحدة، وليس الدول الأوروبية كما يمكن أن نشتبه في البداية. لقد أشار بن لادن إلى الدول العربيّة نفسها وحكامها باعتبارهم التهديد الأكبر.

في حين أن الولايات المتحدة أصبحت الهدف الرئيسي لبن لادن قبيل أواسط التسعينيات، لم تكن هناك أية إشارة تقريبا في الثمانينيات وبداية التسعينيات إلى الولايات المتحدة كعدوّ. خلال عدة سنوات كان قلقا جدّا ممّا وصفه بـ “انعدام الثقة” بين المسلمين الذين لا يلتزمون بتفسيره الصارم والحرفي للإسلام.

كانت الأشرطة الصوتية هي الأداة الأمثل للدعاية، فلم يكن من المستغرب أن يكون بن لادن محبوبا. لقد أنشأوا لغة مشتركة، كان بالإمكان توزيعها مجانا بين الناس ولم تنتبه لها الرقابة إطلاقا. وكانت أيضًا شعبية جدّا في الشرق الأوسط والعالم العربي، حيث كان الناس يلتقون وينصتون إلى الأشرطة ويعزّزون الأفكار الثورية.

ويمكن العثور في الأشرطة أيضًا على ساعات طويلة من الأناشيد الإسلامية: وهي أغنيات تهوّل من معارك إسلاميّة شهيرة بل ودعوات للمجاهدين من جميع أنحاء العالم. كانت هذه الأشرطة وسيلة تجنيد رئيسية.

مغني يهودي يحبّ إسرائيل ومهاتما غاندي

أشرطة القاعدة: تسلسل زمني من الإرهاب (AFP)
أشرطة القاعدة: تسلسل زمني من الإرهاب (AFP)

رغم الطريق الإجرامي الذي ورّثه لأتباعه، عُثر في مجموع بن لادن على أغنيات للمطرب اليهودي إنريكو ماسياس. بحسب ادعاء ميلر، كان ماسياس أحد المغنّين المحبوبين لدى بن لادن.

على ضوء معاداة السامية العميقة التي تميّز القاعدة، فوجئ ميلر بالعثور على أغاني المغني اليهودي من أصول جزائرية بين الأشرطة التي استمع إليها كما يبدو زعماء القاعدة. “ربّما تشير هذه الأشرطة إلى أنّ أحدا ما في مرحلة معيّنة في حياته استمتع بالاستماع إلى مغنّ شعبي بل واستمر في الاستماع إليه رغم الصراع الذي عرّف ذلك بأنّه كفر”.

وسُجّل مشهد فريد آخر في الأشرطة لزعيم عُرف بالنضال غير العنيف، وهو مهاتما غاندي. يبدو أنّه مثّل إلهاما لخطاب ألقاه بن لادن عام 1993 بخصوص مقاطعة البضائع الأمريكية، كما اقترح غاندي على الهنود القيام بذلك فيما يتعلق بالبضائع البريطانية في أراضيهم.

نداء الحرب الأولى ضدّ الولايات المتحدة

https://www.youtube.com/watch?v=HHt17kGhyqc

يميل الخبراء إلى نسب الهجوم اللفظي الأول ضدّ الولايات المتحدة إلى التغيير الكبير الذي طرأ على بن لادن عام 1996. “تغيّر ذلك عام 1996، بعد أيام من إجلائه من السودان”، كما يقول ميلر.

تحت الضغوط الأمريكية ألغت السلطات السعودية مواطنتَه (1994) وبذلك فقد جميع ممتلكاته وبعد ذلك بعامين وجد نفسه خارج السودان. أشعلت هذه الخطوات التي مورست ضدّه نار التطرّف فيه ورغب بشدّة في إيقاظ أنصاره مجدّدا. جاءت الفرصة الأولى عام 1996 في خطاب ألقاه من جبال تورا بورا في أفغانستان.

غالبا ما يسمّى هذا الخطاب: “إعلان بن لادن الحرب على الولايات المتحدة – الكافر الأكبر”. ومع الوقت تطرّف الخطاب ضدّ الولايات المتحدة والأسرة السعودية المالكة وتمّ شحذه.

في التسجيلات التي تلت عام 1996، شواهد أولى أيضًا بخصوص التخطيط للهجوم على الولايات المتحدة في 11 أيلول عام 2001. “لا يوفّر بن لادن معلومات ولكنّه يتطرّق إلى الطريقة التي “سُمع فيها أنباء”، بل ويدعو الله أن “يضمن نجاح إخواننا”، أولئك الذين يخطّطون لمهاجمة الولايات المتحدة على أراضيها.

اقرأوا المزيد: 751 كلمة
عرض أقل
الشيخ يوسف القرضاوي (AFP)
الشيخ يوسف القرضاوي (AFP)

التوراة كما يراها كبير القضاة المسلمين القرضاوي

يكشف الشيخ القرضاوي معرفته ليس فقط في التوراة، بل في المدارس اليهودية المختلفة أيضا، إليكم لمحة من تفكير الشيخ الأكثر تأثيرًا في العالم الإسلامي اليوم

الشيخ يوسف القرضاوي الذي يبلغ من العمر 87 عامًا، يشغل منصب رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، يُعتبر مصدر السطلة الدينية لمئات الملايين من المسلمين حول العالم. لديه العشرات من الكتب المنشورة حول العالم بكل اللغات، ويتم بث خطبه وفتاويه على قناة الجزيرة ببث مباشر. ولم نتحدث بعد عن شبكة مواقع الإنترنت الخاصة به. باحثة إسرائيل، د. نسيا شيمر محاضرة في قسم دراسات الشرق الأوسط في جامعة بار إيلان في إسرائيل، تعرض لنا لمحة عن تفكير الشيخ الأكثر تأثيرًا وكذلك لمحة عن تفكير مئات ملايين المسلمين في أرجاء العالم.

حسب ادعاءات د. شيمر، فإن آراء الشيخ حول اليهود وحول مدينة إسرائيل ليست متسامحة على أقل تقدير. يُعتبر الشيخ من كبار كارهي دولة إسرائيل في العالم الإسلامي السني. فهو ينظر إلى الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني على أنه صراع سياسي، وأن اليهود قد احتلوا أرضًا إسلامية، ولكن الأمر لا يقتصر على السياسة فقط. “حسب رأيه، فإن للصراع جذور عميقة، تصل حد العلاقات المعقّدة بين سيدنا إبراهيم وزوجتيه هاجر وسارة” كما كتبت.

كما نعلم، فقد كانت سارة عاقرًا وعندما سئمت من قضية الإنجاب، قدمت جاريتها هاجر لسيدنا إبراهيم والتي أنجبت له إسماعيل. وعندما بلغ إسماعيل 13 عامًا وُلد إسحاق وعندها أمرت سارة سيدنا إبراهيم بطرد هاجر وإسماعيل. وفق النسخة الإسلامية للقصة، سافر إسماعيل وهاجر عبر الصحراء وصولًا إلى مكة المكرمة. وذهب سيدنا إبراهيم الذي اشتاق لابنه لزيارته، وفي إحدى زياراته بنى وإياه الكعبة المشرفة في مكة كبيت الصلاة لله الواحد الأحد. كان سيدنا إبراهيم الموحّد الأول وانحدر العرب من ابنه إسماعيل.

يهودي يقرأ بالتوراة (Mendy Hechtman/FLASH90)
يهودي يقرأ بالتوراة (Mendy Hechtman/FLASH90)

شخصية سيدنا إبراهيم ووعد الله له: “لنسلك أعطيتُ هذه الأرض”، إلهامًا للادعاءات اللاهوتية في الصراع الإسرائيلي الفلسطيني. شكل الحق بأرض إسرائيل الذي مُنح لبني إسرائيل في التوراة حجة أساسية للحركة الصهيونية. على سبيل المثال، حين سُئل بن غوريون في لجنة بيل، لماذا يدعي الملكية على أرض إسرائيل، ويطالب بنزع الملكية من السكان العرب، وهو قد وُلد في بولندا، أجاب: “التوراة هي مرجعنا. أرض إسرائيل هي وطن الشعب اليهودي”.

تدعي الباحثة أن التوراة قد ذكرت ثلاثة أماكن في أرض إسرائيل القديمة (التوراتية) والتي اشتُريت بالمال من اليهود. الأماكن الثلاثة هي: الحرم الإبراهيمي، والذي اشتراه سيدنا إبراهيم، المعبد المقدس الذي اشتراه سيدنا داود وقبر يوسف الذي اشتراه سيدنا يعقوب. يكشف الشيخ القرضاوي معرفته في الكثير من التفسيرات المجردة الموجودة في التوراة، ومعرفته بالمدراش، ويدعي بخصوص قصة شراء الحرم الإبراهيمي، أن عملية الشراء تثبت عدم وجود ملكية على الأرض لسيدنا إبراهيم. بما أن الله وعد سيدنا إبراهيم بكل الأرض، ورأينا أنه حينما ماتت سارة لم يجد لها قبرًا لدفنها. لذلك اضطر سيدنا إبراهيم إلى شراء قبر لها. “هل هنالك أي شخص يشتري ممتلكاته؟” يسأل الشيخ ويجيب: “لا يشتري الإنسان ممتلكاته وهذا يُثبت أن إبراهيم لم يكن يملك شبرًا واحدًا من الأرض. كذلك أبناؤه إسحاق ويعقوب لم يكونا مالكي الأرض، وحتى أن يعقوب وكل عائلته تركوها وذهبوا إلى مصر”.

يستمر الشيخ بالمماحكة: “أنتم اليهود، تزعمون أن الأرض ملككم لكونكم من سلالة إسحاق، ولكن هل نسيتم أن هناك ابنين لإبراهيم؟ وأن ابنه البكر هو إسماعيل تحديدًا؟ بأي حق حرمتم إسماعيل من حقه في الورثة؟ نعم أنتم تحبون القول إن إسحاق هو ابن سارة، الحديدية وأن إسماعيل هو ابن هاجر، الجارية. فإذا كان يتم التمييز ضد أبناء الجواري، أود تذكيركم بأنه كان ليعقوب أربع زوجات: راحيل وليا السيدات، واللاتي قدمتا جواريهما، بيلها وزيلفا، ليعقوب لتلدا له المزيد من البنين. وبالتالي، فإن نصف شعب إسرائيل هم أبناء جواري، وبالرغم من ذلك فهم يشكلون جزءًا لا يتجزأ من شعب إسرائيل ولا يتم التمييز ضدهم. لا يمكنكم أن تنكروا ذلك”.

تشير الباحثة إلى أن هناك في المجتمع الإسرائيلي الحالي، ما بعد اليهودية، ادعاءات كهذه تبدو غريبة. ولكن من المثير للاهتمام أن نرى أن بالنسبة لجيراننا، خاصة بعد الربيع العربي، هذه الادعاءات هي قلب الصراع”.

اقرأوا المزيد: 574 كلمة
عرض أقل
تنظيم الدولة الإسلامية يبث فيديو لفاقدي السمع
تنظيم الدولة الإسلامية يبث فيديو لفاقدي السمع

داعش تهدّد بلغة الإشارات: “سنذبحكم”

في مقطع فيديو جديد: جهاديون صمّ يتوجّهون بلغة الإشارات إلى صمّ مسلمين من أوروبا من أجل الانضمام للقتال

أرسلت داعش، في نهاية الأسبوع، ذراعها الدعائي الطويل لهدف جديد ومفاجئ. في فيديو جديد مخصّص لتجنيد المقاتلين إلى صفوفها، تتوجه داعش إلى شريحة الصمّ، وتوجّه مقاتلان في التنظيم – وهم من الصمّ – في الفيديو بلغة الإشارات إلى هذا الجمهور المستهدف.

تم تصوير المقطع في مدينة الموصل وهدّد خلاله أحد المسلّحين الصمّ بذبح كل أعداء “الدولة الإسلامية”. ودعا مسلمي أوروبا إلى الانضمام للتنظيم قائلا: “الطريق أمامكم مفتوحة للمجيء إلى أرض الخلافة. الدولة الإسلامية تتمدّد”.

“نقول للولايات المتحدة، لبريطانيا، لفرنسا وإيطاليا، والتي تعمل انطلاقا من كراهية المسلمين، ولحكام السعودية، الأردن، الكويت وقطر الذين شكّلوا معهم تحالفا: سنأتي لذبحكم بإذن الله”. ويقول إنّ التحالف بين تلك الدول وقصف التحالف الدولي ضدّ داعش لن يوقف تقدّم الدولة الإسلامية، ومكان كل مقاتل في التنظيم يُقتل سيأتي آخرون.

وتظهر في الفيديو ترجمة بالإنجليزية والعربية من أجل نقل الرسالة الموجّهة بلغة الإشارات جيّدا.

https://www.youtube.com/watch?v=bPiBVq_isIo&t=24

اقرأوا المزيد: 134 كلمة
عرض أقل
حاريديم يمشون في شوارع القدس (Miriam Alster/FLASH90)
حاريديم يمشون في شوارع القدس (Miriam Alster/FLASH90)

“بروس لي” بلحية: حاخامات أوروبا يتعلمون الدفاع عن النفس

توارد عشرات الحاخامات في براغ للتدريبات التي أعدَت لتأهيلهم لمعالجة الجرحى والرد على محاولات الطعن: "أمور أساسية على ضوء انتشار السامية والكراهية في القارة"

في أعقاب موجة التهجمات اللاسامية في أوروبا، قرر رؤساء رابطة المنظمات اليهودية في الاتحاد الأوروبي (EJA) ومركز حاخامات أوروبا، تأهيل حاخامات الجالية اليهودية في عدة دول للدفاع عن النفس وتقديم الإسعاف الأولي للمصابين في العمليات الإرهابية. إنها خطوة عملية وهي الأولى من نوعها، تهدف إلى إحباط الأحداث اللاسامية في أوروبا، وذلك، بعد الأحداث الإرهابية الأخيرة في فرنسا والدنمارك.

قوات الأمن الفرنسي يحرسون مؤسسة يهودية (AFP)
قوات الأمن الفرنسي يحرسون مؤسسة يهودية (AFP)

في المؤتمر الذي أقيم أمس (الثلاثاء) في براغ بمشاركة العشرات من حاخامات الجالية اليهودية من مدن أوروبية، عُرضت أحداث لعمليات إرهابية لاسامية حول المؤسسات اليهودية. ولذلك تدرب الحاخامات على عمليات الدفاع عن النفس الأساسية والتي علمهم إياها رجال الأمن، وكذلك تدرّبوا على التأهيل الأساسي لتقديم الإسعاف الأولي لمصابي العمليات الإرهابية.

اقرأوا المزيد: 107 كلمة
عرض أقل
مسيرة تأييد لمسيحيين محبي إسرائيل (AFP)
مسيرة تأييد لمسيحيين محبي إسرائيل (AFP)

صداقة مثيرة للجدل: من هم المسيحيون محبّو إسرائيل؟

المثلث الخطير: المال، السياسة والدين. لماذا يدعم المسيحيون الإنجيليون إسرائيل كثيرا، رغم أنّه وفقا لتصوّرهم فإنّ اليهود أيضًا سيعتنقون المسيحية يومًا ما وإلا فسيُقضى عليهم

القليل فقط من مواطني إسرائيل على وعي بمدى تأثير اللوبي المسيحي – الإنجيلي (أحد تيارات الدين المسيحي) على ما يحدث في المنظومة السياسية الإسرائيلية. يبدو أنّه كلّما عزّز هذا اللوبي من قبضته على أروقة الحكومة والكنيست، فإنّه بذلك يستطيع الابتعاد عن الأضواء وأنّ يظلّ أحد اللاعبين الأقل شهرة في ساحة الصراع الإسرائيلي – الفلسطيني.

سُجّل في العقد الأخير تقارب ملحوظ بين جهات مسؤولة في السياسة الإسرائيلية والقيادة الإنجيلية: ترسم المجموعات الإنجيلية جدول الأعمال السياسي لبعض أعضاء الكنيست، وتؤثر على العلاقات الخارجية للبلاد وتستثمر ثروة كبيرة في البنية التحتية التنظيمية التي تمكّنها من التدخّل بالوضع السياسي في الشرق الأوسط.‎ ‎تتمتّع تلك المجموعات المنظّمة بحضور دائم في مؤسسات دولة إسرائيل الرسمية، وكلّ ذلك بعيدا عن الأعين.

من هي، إنْ كان الأمر كذلك، المنظّمات الإنجيلية الرئيسية التي تعمل بلا كلل في أروقة السلطة في دولة إسرائيل؟ لماذا يويّدون جدّا إسرائيل وما هي البنى التحتية الأيديولوجية – اللاهوتية التي تحرّكهم؟

الصهيونية المسيحية: حركة مسيحانية

مسيرة للمسيحيين الإنجيليين في القدس (AFP)
مسيرة للمسيحيين الإنجيليين في القدس (AFP)

من أجل فهم نشاط اللوبي الإنجيلي في إسرائيل، يجب أن نفهم بادئ ذي بدء ما هي الصهيونية المسيحية. الصهيونية المسيحية هي ظاهرة دينية شائعة في أجزاء مختلفة من العالم المسيحي.‎ ‎تشمل الظاهرة إيمان المسيحيين بأنّ هجرة اليهود لإسرائيل وإقامة الدولة اليهودية هي جزء ضروري من عملية الخلاص المسيحية.

يستند إيمانهم على تصور لاهوتي بحسبه فإنّ عودة المسيح إلى العالم ستكون مستحيلة ما لم يعد اليهود لإسرائيل، ويستأنفوا حكمهم فيها، كما كان الأمر في عهد المسيح. سيأتي الخلاص، بحسب رأيهم، مع المجيء الثاني للمسيح، وإقامة دولة إسرائيل تشجّع على حدوث حرب “يأجوج ومأجوج” التي تتسبق مجيء المسيح والألف عام التي سيحكم فيها على وجه الأرض.

يتمّ النشاط شبه السرّي لهذا اللوبي تحت غطاء من الدعم غير المشروط لدولة إسرائيل. في الواقع، هو دعم أضيق بكثير، لا يرى أمام عينيه مصلحة إسرائيل العامة، وإنما رؤية سياسية محدّدة وواضحة؛ أي تلك التي تتماهى مع يمين المستوطنين.‎ ‎وهذا هو السبب في أنّ جزءًا كبيرا من العلاقات الاقتصادية والسياسية للإنجيليين تدار مع منظّمات اليمين: أحزاب، جمعيات ومجالس محلّية في كتل الاستيطان الكبرى في الضفة الغربية.

أمسية لمنظمة الصهاينة المسيحيين لدعم إسرائيل (Facebook)
أمسية لمنظمة الصهاينة المسيحيين لدعم إسرائيل (Facebook)

إنّه تحالف سياسي جديد نسبيًّا، يعتمد على تقاطع المصالح وعلى قاعدة أيديولوجية مشتركة. من ناحية المصالح، فبشكل مماثل لقيادة المستوطنين، يعارض الإنجيليون أيضًا بشكل شديد تقسيم البلاد كحلّ محتمل للصراع الإسرائيلي – الفلسطيني.‎ ‎ولكن على النقيض من المستوطنين، فإنّهم يقومون بذلك انطلاقا من إيمانهم بأنّ انتشار المستوطنات اليهودية في جميع أرجاء إسرائيل التوراتية هو بمثابة شرط سابق للمجيء الثاني للمسيح.

إنّ الرؤية المسيحانية لبعض القادة الإنجيليين تُخصّص لشعب اليهودي في إسرائيل مصيرا سيّئا ومريرا: سيتم القضاء على ثلثيه في حرب “يأجوج ومأجوج”. أيديولوجيًّا، فإنّ اليمين الإنجيلي واليمين الاستيطاني يتقاسمان لغة مشتركة، تتمثّل في جدول أعمال اجتماعي محافظ شبيه وبعداء شديد تجاه الإسلام.

يتمثّل الجانب الأكثر أهمية في التحالف بين المسيحية الإنجيلية واليمين الإسرائيلي بتأثير المنظّمات المسيحية على العلاقات بين إسرائيل والولايات المتحدة. تشارك هذه المنظّمات، التي تتمتّع ببنية تحتية تنظيمية متطوّرة وبموارد مالية هائلة، في العمليات الدبلوماسية المصيرية، وتُسمع صوت اليمين الاستيطاني في واشنطن بقوة غير مسبوقة. على سبيل المثال، فهي تمارس ضغوطًا هائلة على البيت الأبيض – سواء كان فيه رئيس ديمقراطي أم جمهوري – لتجنّب تعزيز أيّة تسوية سياسية بين إسرائيل والفلسطينيين.

هل حقّا يحبّ اللوبي الإنجيلي اليهود وإسرائيل؟

رغم أنّ الكثير من المجموعات الإنجيلية يتمنّى علنًا الموت الجماعي لملايين اليهود، فإنّه يحظى بتعاون من قبل جهات إسرائيلية رسمية. لقد أصبح الكنيست مركزًا صاخبا للنشاط الإنجيلي الذي يقف في مركزه “لوبي تعزيز العلاقات مع المجتمعات المسيحية في العالم”، وهو جسم برلماني لديه الكثير من النفوذ والمال، تدعمه شبكة من 25 لوبي شقيق في المجالس النيابية في العالم.

الإنجيليّون أيضًا هم عامل رئيسي في تمويل المشروع الاستيطاني. وفقا لنتائج تحقيق “معهد مولد” فإنّ عشرات الملايين من الدولارات تدفّقت في السنوات الأخيرة من خارج البلاد إلى المستوطنات في الضفة الغربية لتمويل مشاريع مختلفة؛ بدءًا من المباني العامّة، المعدّات الأمنية وصولا إلى مصانع الألبان وأبراج المياه. بالإضافة إلى ذلك، توفّر المنظّمات الإنجيلية عددا كبيرا من المتطوّعين للمزارعين خارج الخط الأخضر، بما في ذلك البؤر الاستيطانية غير القانونية. في هذه الأثناء، يعمل اللوبي الإنجيلي مع وحدات الجيش الإسرائيلي ويعزّز المنظّمات التبشيرية، والمنظّمات العاملة في مجال مكافحة الإجهاض، التحرّكات ضدّ المجتمع المِثلي والمنظّمات العاملة على بناء الهيكل الثالث في الحرم القدسي الشريف، رغبةً في إشعال حرب عالمية ضدّ الإسلام العالمي.

هل هناك من يدعو في إسرائيل إلى منع التعاوُن معهم؟

مقرالسفارة المسيحية الدولية في القدس (Wikipedia)
مقرالسفارة المسيحية الدولية في القدس (Wikipedia)

“افهموا، ليس هناك شيء يُدعى مسيحيون يحبّون إسرائيل”، هذا ما كتبه الحاخام شلومو أفينر، وهو حاخام مؤثر جدّا في إسرائيل من بيت إيل قرب القدس. وأضاف أيضًا: “لسوء حظّنا، فإنّ المسيحيين لا يتركوننا وإنما يبحثون باستمرار عن طرق مبتكرة لإدخال دينهم في إسرائيل… إنّهم ينظّمون شعائر مسيحية جماعية مفتوحة لليهود، في حائط المبكى… والمنظّمون هم السفارة المسيحية في القدس، قساوسة، وعّاظ مسيحيون، إنجيليون وحجّاج… ولذلك فإنّنا ننضمّ لدعوات الحاخامات الرئيسيين بمنع أيّ نشاط مشترك معهم”.

في الوقت الراهن، يبدو أنّه سوى دعوات بعض الحاخامات المؤثّرين في إسرائيل لإحباط كل نشاط مشترك مع اللوبي الإنجيلي، فإنّ التعاون يعمل ويتقدّم دون كلل. مؤخرا فقط أعلنت السفارة المسيحية الدولية في إسرائيل بأنّها تطلق دعما للمنتجات الإسرائيلية، وذلك على خلفية المقاطعة الأوروبية لاستيراد المنتجات الإسرائيلية من المستوطنات. تهدف الحملة إلى التوجّه للسوق المسيحي، وخصوصا لمئات الملايين من المسيحيين الإنجيليين في جميع أنحاء العالم، بهدف تشجيعهم على شراء المنتجات الإسرائيلية في مجالات مختلفة: الغذاء، الأزياء، المنتجات الاستهلاكية ومنتجات الرعاية والمنتجات التكنولوجية المتطوّرة. وسيتمّ في إطار هذه الحملة توزيع دليل مشتريات للمنتجات الإسرائيلية، يتمّ تحديثه كلّ عام، ويشمل قائمة المنتجات التي صُنعت في إسرائيل، صور المنتجات وشعارها. وسيكون الدليل متاحا بشكل مطبوع أيضًا.

نشير إلى أنّ الحركة الإنجيلية اكتسبت أيضًا عددا ليس قليلا من المعارضين في الأوساط المتديّنة في إسرائيل، ومن اليساريين الإسرائيليين، الذين يرون في نشاط اللوبي خطرا حقيقيّا على أمن إسرائيل وعلى وجود حلّ الدولتين لشعبين، ومن كثير من الدوائر المسيحية وبالطبع من المجتمعات المسلمة في جميع أنحاء العالم والتي ترى في النشاط المسيحاني للحركة الإنجيلية العالمية، نشاطا عدائيّا يعلن الحرب على العالم الإسلامي وأماكنه المقدّسة، وخاصّة في القدس.

ساعد في هذا المقال أيضًا تحقيق أجريَ من قبل معهد الدراسات “مولد”، حول تأثير الإنجيليين على جدول الأعمال السياسي الدبلوماسي في إسرائيل.

اقرأوا المزيد: 937 كلمة
عرض أقل
ماذا يحصل لليهودي الذي يجوب شوارع باريس واضعا القلنسوة؟ (لقطة شاشة)
ماذا يحصل لليهودي الذي يجوب شوارع باريس واضعا القلنسوة؟ (لقطة شاشة)

فيديو: ماذا يحصل لليهودي الذي يجوب شوارع باريس واضعا القلنسوة؟

أرسل موقع NRG صحفيا ليجوب شوارع باريس وتظهر فيه علامات تدلّ على ديانته اليهودية، حيث وثّق بالفيديو ردود الفعل اللاسامية والعنيفة التي تلقاها. شاهدوا:

تثير موجة الإرهاب الإسلامي التي تغطي أوروبا، وهي غالبا ضد الطائفة اليهودية، الكثير من المخاوف في أوساط اليهود. يجسد المقطع الآتي كم أصبحت اللاسامية وكراهية اليهود أمرا منتشرا وجليا في أوروبا، خاصة في باريس.

يحاول هذا المقطع أن يقلّد في ماهيته مقطع المضايقات الجنسية الشهير الذي تظهر فيه فتاة تتجول في شوارع نيويورك لمدة عشر ساعات وتتلقى تشكيلة من الملاحظات الجنسية، ولكن يتجسد الاختلاف أن في هذا المقطع أرادوا أن يفحصوا ردود الفعل ليس تجاه نساء شابات بل تجاه اليهود.

“في المناطق الهادئة، كان الجوّ هادئا نسبيا، ولكن كلما ابتعدنا أصبحت النظرات المليئة بالكراهية، والجمل التي قيلت لي، ولغة الجسد المعادية تبعث فيّ الخوف الشديد”

الصحفي الذي يسير في الشوارع، والمبعوث من قِبَل الموقع الإسرائيلي NRG، تجوّل في باريس وعليه أمارات يهودية واضحة – القبعة اليهودية والملابس الدينية المهدبة في أسفل القميص. تجوّل الصحفي لمدة عشر ساعات، حيث يخطو أمامه مصوّر يخبئ في شنطة ظهره كاميرا من نوع GoPro. بدأت الجولة في المناطق الهادئة من باريس، مقابل برج إيفيل، في الشانزيليزيه، وأيضا في المناطق التي يسكن فيها يهود، ثم أكمل طريقه إلى أحياء بعيدة يقطن بها عدد لا بأس به من المسلمين.‎

“في المناطق الهادئة، كان الجوّ هادئا نسبيا، ولكن كلما ابتعدنا أصبحت النظرات المليئة بالكراهية، والجمل التي قيلت لي، ولغة الجسد المعادية تبعث فيّ الخوف الشديد. أصبح القلب ينبض بشدة، وتكاثرت الأفكار السلبية في ذهني”. كتب الصحفي. “أحيانا، أحسست أنني أتجول في قلب رام الله. معظم النساء كنّ يلبسن الحجاب، وكان الرجال أصحاب هيئات إسلامية واضحة المعالم. وكانت اللغة العربية تطرق آذاني من كل اتجاه. وقد اتفقنا منذ البداية أنه عليّ أن أتجوّل بهدوء. لن أرد على أحد، لن أتوقف، لن أنظر إلى الجوانب. سوف أكون كاذبا إن قلت إنني لم أخف”.

في أحد الأحياء، لاحظ طفل صغير وجوده فسأل أمه المحجبة: “أمي، ماذا يفعل هذا هنا؟ ألا يعرف أنهم سوف يقتلونه؟” تم توجيه فيض من الشتائم البذيئة، الملاحظات العنصرية، الأيدي المؤشرة، والأسئلة المستجوبة للصحفي الذي أجمل هذه التجربة على أنها تجربة مخيفة وغير لطيفة بتاتا. يتضح إذن، أن اليهودي لا يستطيع أن يتجوّل أينما يريد في أوروبا دون أن يعرّض حياته للخطر، أو على الأقل دون أن يفقد شعور الأمان الأساسي الذي يحتاج له كل إنسان.

اقرأوا المزيد: 343 كلمة
عرض أقل
الشرطة خارج متجر اغذية مطابقة للتعاليم اليهودية شرق باريس (AFP)
الشرطة خارج متجر اغذية مطابقة للتعاليم اليهودية شرق باريس (AFP)

غضب في إسرائيل لزلة لسان أوباما: “إطلاق النار في باريس كان عشوائيا”

يواصل البيت الأبيض ووزارة الخارجية الأمريكية نفي كون إطلاق النار في أحد محلات المأكولات في باريس في شهر كانون الثاني "عملية إرهابية على خلفية معاداة السامية"

خلال مقابلة قدّمها أوباما، قبل عدة أيام، للموقع الأمريكي – الليبرالي، Vox، سُئل الرئيس، هل يضغط الإعلام ويفرط في المبالغة تجاه الجمهور حول مواضيع مثل الإرهاب. وكانت إجابته أن: “وظيفتي الأولى هي حماية الشعب الأمريكي. هذا شرعي تماما للشعب الأمريكي أن يكون قلقا جدا عندما تكون لديه مجموعة من المتعصّبين العنيفين، الوحشيين، الذين يقطعون رؤوس الناس أو يطلقون النار بشكل عشوائي على مجموعة من الناس في محل مأكولات في باريس…”.

أغضبت إجابة الرئيس جدّا الأمريكيين وخصوصا الجالية اليهودية في الولايات المتحدة والتي اندهشت كيف يقول أوباما إن العملية الإرهابية في محلّ المأكولات “‏Hyper Cacher‏” في فرنسا هي عملية عشوائية. وكما هو معلوم، فإنّ منفّذ عملية إطلاق النار نفسه قد اعترف أنّ الإضرار بأهداف يهودية كان مخطّطا له. الرئيس الفرنسي، هولاند، سمّى العملية “عملا معاديا للسامية”.

رئيس الولايات المتحدة، باراك أوباما (AFP)
رئيس الولايات المتحدة، باراك أوباما (AFP)

ولكن القضية لم تنتهي بزلّة لسان الرئيس، التي أثارت غضبا كبيرا في إسرائيل أيضًا، وبعد يوم من نكران أوباما بأنّ العملية في محلّ المأكولات الشرعية دينيا (بحسب اليهودية) كان مخطّطا لها ضدّ اليهود، واصل الناطقون باسم الإدارة اتخاذ نفس الخطّ. وذكرت صحيفة “واشنطن بوست” بأنّ الناطق باسم البيت الأبيض أيضًا بالإضافة إلى الناطقة باسم وزارة الخارجية قد واصلا التصريحات المثيرة للجدل.

قالت الناطقة باسم وزارة الخارجية، جين ساكي، خلال مؤتمر صحفي: “إذا كنت أذكر جيّدا، لم يكن لجميع الضحايا في المتجر اليهودي خلفية وقومية مماثلة”. لقد أجابت عن سؤال أحد الصحفيين وبدأت بالتلعثم عند الإجابة: “لا أعتقد أننا قادرين على الحديث باسم السلطات الفرنسية، هل كان المتجر اليهودي هدفا أم الأشخاص (اليهود) الذين كانوا بداخله”.

وقبل ذلك صرّح بشكل مماثل الناطق باسم البيت الأبيض، جوش إرنست. “واضح جدّا ماذا كان هدف المهاجمين. هؤلاء الأشخاص الذين قُتلوا في محل المأكولات لم يموتوا بسبب هويّتهم، وإنما لأنهم كانوا في المكان الخطأ في الوقت الخطأ. كان داخل محل المأكولات أشخاص ليسوا يهودا”. وواجه إرنست أحد المراسلين الذي طالبه بالاعتراف بأنّ الرئيس قد أخطأ، عندما قال إن الهجوم على المتجر اليهودي لم يتمّ على خلفية كون الأشخاص يهودا. وبدا إرنست أيضًا مشوّشا، ووجد صعوبة في تقديم إجابة واضحة.

اقرأوا المزيد: 315 كلمة
عرض أقل
البعثة الإماراتية تعزي الرئيس الفرنسي هولوند (AFP)
البعثة الإماراتية تعزي الرئيس الفرنسي هولوند (AFP)

دول عربية تدعم حرية التعبير في الخارج وتقمعها في الداخل

"لا أتفق مع سياسات مجلة تشارلي إيبدو في إهانة الأديان بشكل صارخ ولكني سأستميت في الدفاع عن حقها في التعبير عن رأيها طالما أنها لا تحرّض على العنف أو تهدد فئة معينة"

بالرغم من أن عدداً كبيراً من المسؤولين العرب رفيعي المستوى قد شاركوا في “مسيرة الوحدة” في فرنسا للتنديد بالهجمات الأخيرة في باريس ودعم حرية التعبير، إلا أن مشاركتهم لم تهدف سوى تحقيق المكاسب السياسية أمام الرأي العالمي. فلقد أرادوا من خلال مشاركتهم غسل أيديهم من الانتهاكات التي يرتكبونها في بلدانهم ضد حرية التعبير.

أرسلت المملكة العربية السعودية مندوبا لها للمشاركة في المسيرة، لكن على أرض الواقع تقوم السلطات السعودية بحملة اعتقالات وتلفيق اتهامات بحق الناشطين السياسيين والليبرالين. آخر ضحايا حرية التعبير كان الناشط رائف بدوي الذي حكم عليه بالسجن عشر سنوات وبالجلد 1000 جلدة بتهمة الإساءة للإسلام وذلك على خلفية تأسيسه منتدى يشجّع على الحوار حول الشؤون الدينية والسياسية. وتم بالفعل تنفيذ العقوبة بالجلد. وبالرغم من الإدانة الدولية الواسعة لعملية الجلد الأولى والتي وصفتها منظمة العفو الدولية بأنها “إجراء وحشي وقاسي يحظره القانون الدولي،” إلا أن السلطة الحاكمة لا تريد أن تنصاع لتلك الضغوط بحجة المحافظة على أمن البلاد، وتم تأجيل تنفيذ العقوبة لتدهور حالته الصحية.

https://www.youtube.com/watch?v=eua1SvrRUq0

أما الإمارات العربية المتحدة التي شاركت في المسيرة من خلال وزير خارجيتها، لا تسمح لأحد في البلاد بالتعبير عن آراء سياسية مخالفة. ولقد مررت الدولة أخيراً قانوناً يتعلق بمكافحة جرائم تقنية المعلومات والذي ينص على سجن كل من يستعمل الشبكة المعلوماتية أو إحدى وسائل تقنية المعلومات بقصد السخرية أو الإضرار بسمعة أو هيبة أو مكانة الدولة أو أي من مؤسساتها، وبالطبع تطبق عقوبة السجن على أي شخص يجرؤ على المساس بالأسرة الحاكمة أو الدين الإسلامي.

وكانت مصر حريصة أيضاً على المشاركة في المسيرة. فشارك وزير الخارجية، سامح شكري، للتعبير عن موقف مصر ضد الإرهاب، وقبيل الهجوم على مجلة تشارلي إيبدو دعا الرئيس السيسي في ذكرى المولد النبوي الشريف لتجديد الخطاب الديني وذلك لمكافحة التطرف الديني. لكن بعد أيام قليلة قام السيسي بإصدار قرار جمهوري يفوض رئيس وزرائه، إبراهيم محلب، بمنع المطبوعات المسيئة للأديان أو إعادة نشرها داخل البلاد. وعلاوة على ذلك، قضت محكمة بمدينة البحيرة، شمال مصر، بحبس الطالب كريم البنا ثلاث سنوات بسبب إعلانه على موقع فيسبوك بأنه ملحد. وفي يونيو/ حزيران الماضي تم الحكم على شخص مسيحي بالسجن ست سنوات لمجرد أنه أساء للإسلام. أما بالنسبة للأزهر (أكبر وأعرق مؤسسة دينية في العالم الإسلامي)، فلقد أدان الهجوم في باريس بالرغم من أنه يقوم بمنع أي عمل فني يتنافى مع فهمه للشريعة الإسلامية، مثل فيلم “سفر الخروج: الآلهة والملوك” الذي تم منع عرضه مؤخراً في مصر تحت مزاعم أنه عمل فني يجسد الأنبياء.

وفي الشوارع العربية على اتساعها قامت مظاهرات انفعالية عدّة للتنديد بالرسوم المسيئة للنبي محمد (ص) التي قامت تشارلي إيبدو بإعادة نشرها، لكن لم يندّد أحد في تلك المظاهرات بالهجوم الإرهابي على المجلة ولم يجرؤ أحد على التنديد بقمع حرية الفكر أو التعبير في بلادهم. ولقد نقلت الجزيرة نت تعليقات لبعض قرّاء موقع صحيفة اللوموند الفرنسية حيث كتبت قارئة فرنسية بأنه “إذا صح أن الذين نفذوا العملية صرخوا “الله أكبر” بعد تنفيذها، فنحن نتوقع أن يخرج كل المسلمين بهذا الشعار إلى الشوارع مندّدين بالجريمة، إلا أننا لا نرى المظاهرات الحنجورية إلا في قضيتين: هجوم إسرائيلي على غزة أو نشر رسوم مسيئة للإسلام…” وبالرغم من مشروعية التظاهر في تلك القضيتين الا أن التظاهر من أجل التغيير الداخلي هو الأولى والأهم.

في الشوارع العربية على اتساعها قامت مظاهرات انفعالية عدّة للتنديد بالرسوم المسيئة للنبي محمد (AFP)
في الشوارع العربية على اتساعها قامت مظاهرات انفعالية عدّة للتنديد بالرسوم المسيئة للنبي محمد (AFP)

يقول الفيلسوف الفرنسي فولتير “أكره ما تقول، لكنني سأدافع حتى الموت عن حقك في قوله.” ومن هذا المنطلق، لا أتفق مع سياسات مجلة تشارلي إيبدو في إهانة الأديان بشكل صارخ ولكني سأستميت في الدفاع عن حقها في التعبير عن رأيها طالما أنها لا تحرّض على العنف أو تهدد فئة معينة. فلا يمكن القبول بالقتل وسفك الدماء كرد فعل على موضوع لا يتفق معه المرء لأن الفكر لا يواجه إلا بالفكر.

نشر هذا المقال لأول مرة على موقع منتدى فكرة

اقرأوا المزيد: 571 كلمة
عرض أقل