الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي (AFP)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي (AFP)

رؤية الرئيس السيسي للعالم

أيام مضطربة في الشرق الأوسط والسيسي يحافظ على استقرار نسبي في مصر. في هذه الايام، يحدد السيسي الاتجاه الذي ستتخذه البلاد في المستقبل القريب والبعيد

لم يصبح وزير الدفاع المصري السابق ورئيس الجمهورية الحالي عبد الفتاح السيسي بعد شخصية معروفة خارج مصر. فإضافة إلى الاجتماع الثنائي الذي عقده مع الرئيس الأمريكي باراك أوباما في أواخر أيلول/سبتمبر، استغلت الحكومة المصرية حضور السيسي الجمعية العامة للأمم المتحدة لترتيب سلسلة من الاجتماعات مع المحللين والمثقفين وقادة الأعمال وجماعات المصالح الأمريكية بهدف تقديم رئيس البلاد الجديد إلى فئات من الجمهور الأمريكي ذات التأثير على العلاقات الأمريكية المصرية. مع ذلك يبقى السيسي موضوع تقارير متعارضة ومتناقضة. على سبيل المثال، الرئيس المصري هو خصم لجماعة “الإخوان المسلمين” المصرية، ولكنّه في الوقت عينه معروف بكونه مسلمًا تقيًا عيّنه الرئيس السابق محمد مرسي لتولي منصب وزير الدفاع كجزء من جهود مرسي لإحكام السيطرة بشكل أكبر على الجيش. وفيما يلي محاولة من دبلوماسي أمريكي، حظي بفرصة حضور عدد من الاجتماعات مع السيسي خلال العام الماضي، لتقديم بعض الملاحظات حول أحد أبرز قادة الشرق الأوسط الصاعدين.

أولًا، السيسي هو وقبل كل شيء ابن الجيش المصري، حيث أمضى معظم حياته المهنية منذ أن أصبح طالبًا عسكريًا في عمر 15 عامًا. ومثل معظم كبار ضباط الجيش المصري، يتحدر السيسي من عائلة مسلمة تقليدية من الطبقة الوسطى، على الرغم من أنه، وخلافًا للعديد من الضباط الذين نشأوا في قرى منطقة دلتا النيل، وُلد السيسي ونشأ في القاهرة، أولًا في حي الجمالية من القاهرة الإسلامية الذي اشتهر في “ثلاثية القاهرة” للأديب نجيب محفوظ، لتنتقل أسرته في وقت لاحق إلى مصر الجديدة، ضاحية المدينة الحديثة، حيث لا يزال يعيش.

"ابن الجيش المصري". الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي (AFP)
“ابن الجيش المصري”. الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي (AFP)

مما لا شك فيه أن جاذبية السيسي بالنسبة إلى الكثير من المصريين تكمن جزئيًا في قدرته على التواصل مباشرة بلغة عربية عامية حيّة، حتى مع إتقانه اللغة العربية الفصحى البليغة التي يتحدث بها في المناسبات الرسمية. إضافة إلى ذلك، فإن موقفه تجاه الإسلام، كما أوضح سرًا وعلانية، يتجلى في أنه مؤمن تقليديّ مرتاح في تدينه في حياته اليومية إلا أنه يرفض التسييس الجاري للدين من قبل الدعاة والحركات الإسلامية. وتجدر الإشارة إلى أنه عندما عيّن الرئيس السابق مرسي السيسي وزيرًا للدفاع في آب/أغسطس 2012 ليحل مكان المشير محمد حسين طنطاوي، سرت الشائعات، الخيالية كعادتها في القاهرة، القائلة بأن السيسي كان في الواقع مؤيدًا سريًا لجماعة الإخوان المسلمين. وفي خلال أقل من عام، أمر السيسي باعتقال مرسي وغالبية قيادات الإخوان المسلمين. ويصر السيسي الآن على أن جماعة الإخوان المسلمين هي منظمة إرهابية وهي المصدر الأصلي للإرهاب الإسلامي المتطرف، ولكن في البداية حين كان وزيرًا للدفاع، بدا وكأنه يرى الجيش كوسيط بين مرسي و”الإخوان المسلمين” من جهة وبين الأحزاب السياسية المصرية غير الإسلامية من جهة أخرى. ومع فشل جهود الوساطة هذه وتحول العنف في الشوارع إلى أمر روتيني، بدأ الجيش يصدر بيانات تقول إنه” لن يسمح بدخول مصر في نفق مظلم.” ويشدد السيسي في هذا السياق على أن الجيش أطاح بمرسي لتجنب حرب أهلية، ولكن بحلول ذلك الوقت بدا جليًا أن جماعة الإخوان المسلمين تنظر أيضًا إلى السيسي والجيش باعتبارهما عدوها الأساسي. ويُذكر أن مرسي ارتكب العديد من الأخطاء خلال توليه الحكم، ولكن مما لا شك فيه أن أكبر خطأ فادح في الحكم ارتكبه كمن في النظر إلى السيسي باعتباره متعاطفًا محتملًا مع الجماعة نظرًا إلى شهرته بالتقوى.

على الرغم من التوترات الجديدة في العلاقة بين مصر وحماس، وفي ظل غياب أي تقدم ملحوظ بين الإسرائيلين والفلسطينيين، يبدو أنه من غير المرجح أن يؤدي التعاون الأمني ​​الجديد إلى ظهور علاقة سياسية أكثر ودية وعلانية مع إسرائيل

أما في ما يخص بروز تنظيم “الدولة الإسلامية في العراق والشام،” فيحث السيسي الحكومات الغربية على البحث عن مراكز التجنيد العاملة في أوساط المجتمعات المسلمة في الغرب وإغلاقها. ففي هذا السياق، يصرّ السيسي على أن حملة الجيش المصري ضد الإرهاب في شبه جزيرة سيناء وربما على الحدود في ليبيا تندرج في إطار الحرب ضد التطرف الإسلامي عينها التي تقودها الولايات المتحدة ضد تنظيم “الدولة الإسلامية في العراق والشام.” رد السيسي بحزم على الهجوم الذي شنّه جهاديون بتاريخ 24 تشرين الأول/أكتوبر على موقع عسكري مصري في شبه جزيرة سيناء والذي أسفر عن مقتل 30 جنديًا على الأقل. وأتى ردّ السيسي عبر إعلانه فرض حالة طوارئ في بعض المناطق من شمال سيناء، واتهامه قوى أجنبية لم يسمها بدعم الهجوم، كما توعد بشن “حرب شاملة” ضد الإرهاب. يُشار هنا إلى أن التدخل المصري في ليبيا الذي جرى الإعلان عنه في وسائل الإعلام، في حين نفته الحكومة المصرية رسميًا، يمثّل على الأرجح تغييرًا جديدًا عن السياسات الحذرة تجاه التهديدات الأمنية العابرة للحدود التي أتبعها الرئيسين السابقين مبارك ومرسي كما وزير الدفاع السابق محمد طنطاوي، مما يدل على جدية القيادة المصرية الجديدة في تعاملها مع التهديدات التي يطرحها الإرهاب والتي تبرز من خلال وجود جماعات إرهابية مسلحة في سيناء وفي صحراء ليبيا التي لا تخضع للحكم.

بالتوافق مع وجهة نظر الأزهر الشريف في مصر، يصرّ السيسي على أن المجموعات المتطرفة تستغل الدين والأفكار الدينية لأغراض سياسية، ولكنها لا تمثّل فهمًا صحيحًا للإسلام. في الوقت عينه، يعتبر أن المجال متاح أمام جماعة الإخوان المسلمين وغيرها من الإسلاميين غير المشاركين في أعمال العنف للانضمام إلى العملية السياسية. يُلاحظ هنا أن جهود المصريين وغيرهم لتعزيز الحوار بين حكومة السيسي وبعض النواب المتبقين من جماعة الإخوان المسلمين أو أنصار مرسي الآخرين لم تؤدِ إلى نتيجة حتى الآن، ولكن سيكون مثيرًا للاهتمام مشاهدة إلى أي مدى سيُسمح للإخوان المسلمين وغيرهم من مؤيدي مرسي بالمشاركة في الانتخابات المقبلة كمستقلين، أو إذا كانت الجماعة ستقرر مقاطعة العملية الانتخابية بشكل تام.

لقد أوضح السيسي أن أولوياته كرئيس للبلاد تتجلى في إعادة بسط النظام وإنعاش الاقتصاد. وتشير تصريحاته حول الاقتصاد المصري إلى إدراكه بأن نظام الدعم الحالي غير مستدام، بالتالي كانت أول مبادرة له كرئيس تنفيذ سلسلة من إصلاحات الدعم التي خطط لها اقتصاديون مدنيون بدقة. إن علاقة السيسي بنخبة رجال الأعمال المصرين ستكون مفتاحًا يحدّد إمكانية نجاح سياساته الاقتصادية. ويظهر في بعض تصريحاته على أنه يعتقد بأن الجيش يجب أن يستمر في لعب دورًا فاعلًا على الصعيد الاقتصادي، لا سيما في مجال تطوير البنية التحتية. ونظرًا إلى خلفيته العسكرية وإلى تعليمه، سيحتاج إلى المشورة الاقتصادية من الدرجة الأولى للوصول إلى السياسات الصحيحة. ولقي طموحه، الذي يقوم على توسيع قناة السويس، استحسان الجمهور المصري، وذلك يعود على الأرجح إلى رمزية المشروع الوطنية أكثر من جدواه الاقتصادية.

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي والرئيس الفلسطيني محمود عباس (AFP)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي والرئيس الفلسطيني محمود عباس (AFP)

من جهتها، فإن المصالحة السياسية ليست على رأس جدول أعمال الرئيس المصري، ففي بيئة وطنية شديدة الحساسية والسائدة حاليًا في مصر، يعتبر العديد من المصريين أن مصطلح “المصالحة” محظور لأنه يحمل في طياته فكرة بقاء الإخوان المسلمين شريكًا شرعيًا في الحوار. كما أن الإجراءات الصارمة التي تتخذها الحكومة بحق المعارضة السياسية، بما في ذلك إدانة صحافيي قناة الجزيرة وعدد من النشطاء البارزين اليساريين والليبراليين، أسفرت عن توجيه انتقادات دولية كبيرة لها. لكن في أوساط المصريين يبدو على الأرجح أن نجاح سياسات السيسي الاقتصادية أو فشلها عامل سيلعب دورًا أكبر في تحديد ما إذا كان سيتمكن من الحفاظ على الدعم الشعبي. فعلى عكس الرئيس السابق مبارك، يعلن السيسي بصراحة عن التغيير الجذري في العلاقة بين حكّام مصر ومواطنيها. إذ نُقل عن السيسي قوله لمجموعة من البرلمانيين الفرنسيين “إذا قرر الشعب المصري أنه لا يريدني، سأذهب.” بغض النظر عما إذا كان قوله هذا صادقًا أم لا، فهو يمثل اعترافًا مثيرًا للاهتمام بأنه لم يعد بإمكان الحكام المصريين اعتبار الشرعية الشعبية أمرًا مفروغًا منه.

منذ الإطاحة بالملك فاروق في تموز/ يوليو 1952 من قبل مجموعة من الضباط العسكريين، تولى العسكريون حكم مصر لسنين عديدة إلا في فترة رئاسة مرسي التي دامت لسنة واحدة فقط. يتناسب السيسي مع هذا النمط من نواحٍ عدّة، ولكن من نواحٍ أخرى قد يمثل شخصية انتقالية. فهو خريج كلية الحرب التابعة للجيش الأميركي في كارلايل بولاية بنسلفانيا، ويتحدث بدفء عن السنوات العديدة من تعاونه الوثيق مع الجيش الأميركي، أي أنه النقيض الواضح للطنطاوي المدرب على أيدي السوفيات، والذي كان سلفه مباشرة في منصب وزير الدفاع. مع ذلك فهو أيضًا قوميّ يعتز بانتمائه ويصرّ على أن مصر تحتاج إلى تطوير علاقاتها مع القوى الأخرى، مثل روسيا والصين. وبالطبع، جعل السيسي من استعادة العلاقات التاريخية التي تربط مصر بشكل وثيق بالمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة ضرورة استراتيجية.

لكن على الرغم من التقارير الإعلامية المتكررة حول صفقة أسلحة ضخمة جديدة مع روسيا، يبدو أن اتصالات السيسي بموسكو حتى الآن هي عبارة عن مسألة استكشاف خيارات أكثر من كونها تشكل تحولًا استراتيجيًا، كما أن المتحدثين باسم الحكومة المصرية صرحوا مرارًا وتكرارًا أن مصر لا تسعى إلى استبدال شريك بآخر. إضافة إلى ذلك، فقد تم التأكيد على تعاون السيسي الأمني الوثيق ​​مع إسرائيل في سيناء وعلى تفهمه لمخاوف إسرائيل الأمنية في غزة من خلال تقدير خاص من الجيش المصري والاستخبارات المصرية لموقف إسرائيل الداعم. دفع هجوم 24 تشرين الأول/أكتوبر في سيناء بالحكومة المصرية إلى تأجيل استضافة المفاوضات الإسرائيلية الفلسطينية حول قطاع غزة التي كان من المقرر عقدها في القاهرة. ومن المرجح أن يؤدي ذلك إلى المزيد من التعاون الأمني وراء الكواليس ما بين إسرائيل ومصر.

ولقد أشارت الحكومة المصرية إلى أنها تشك في تورط جماعات فلسطينية في غزة في الهجوم الذي شهدته سيناء، إلا أن أساس التهم الموجّهة إلى هذه المجموعات ليس واضحًا. وعلى الرغم من التوترات الجديدة في العلاقة بين مصر وحماس، وفي ظل غياب أي تقدم ملحوظ بين الإسرائيلين والفلسطينيين، يبدو أنه من غير المرجح أن يؤدي التعاون الأمني ​​الجديد إلى ظهور علاقة سياسية أكثر ودية وعلانية مع إسرائيل.

حتى ولو لم تعد مصر دولة تابعة للولايات المتحدة، فإنها تبقى بمثابة جائزة استراتيجية وعنصرًا رئيسيًا للاستقرار في الشرق الأوسط. فعلى مدى السنوات القليلة المقبلة على الأقل، سيحدد مصير السيسي وسياساته على الأرجح الاتجاه الذي ستتخذه البلاد.

نشر هذا المقال لأول مرة على موقع منتدى فكرة.

اقرأوا المزيد: 1467 كلمة
عرض أقل
جنازة عسكرية لضحايا الهجوم الإرهابي في سيناء (AFP)
جنازة عسكرية لضحايا الهجوم الإرهابي في سيناء (AFP)

خطة السيسي لمكافحة الإرهاب: نقل الآلاف من البدو

بسبب الهجمات التي راح ضحيتها عشرات الجنود المصريين نهاية الأسبوع، يفكر الرئيس السيسي القيام بعملية توسعة للمنطقة العازلة على الحدود بين رفح وسيناء، والسماح للمحاكم العسكرية بمحاكمة المواطنين

تدرس مصر إمكانية توسعة المنطقة العازلة بين قطاع غزة وسيناء، وطرد آلاف البدو إلى هذه المنطقة – هذا ما تقوله مصادر أمنية في القاهرة. وذلك في أعقاب الهجومَين يوم الجمعة الماضي 24.10 اللذين أوديا بحياة ما يُقارب 33 جنديا مصريًّا، في واحد من أكثر الأيام دموية منذ الإطاحة بالرئيس محمد مرسي العام المنصرم. بالإضافة إلى ذلك، هناك أنباء تفيد أن الرئيس عبد الفتاح السيسي يخطط لتوسعة مجال الحكم الخاص بالمحاكم العسكرية في المنطقة، وتمكينهم من مقاضاة مواطنين متهمين بمخالفات إعاقة للشوارع أو مخالفات كإلحاق الأضرار بالممتلكات العامة.

قال السيسي إن الجيش سيستخدم “وسائل عديدة” في المنطقة بهدف ملاحقة المسلحين وتدمير أنفاق التهريب التي يمر من خلالها مقاتلون وأسلحة. وفي خطاب له قال السيسي إن مصر تُدير الآن “صراعًا وجوديًا” ضد المسلمين المتطرفين الذين فاقموا هجماتهم منذ الإطاحة بالرئيس محمد مرسي.

في نهاية الأسبوع، أعلن السيسي واللجنة العسكرية العليا في الدولة حالة الطوارئ شمال سيناء لمدة ثلاثة أشهر. وفي إطار حالة الطوارئ، سيتم إغلاق معبر رفح اليوم الأحد، وغدًا الاثنين، وسيتم إغلاقه يوميًّا منذ الساعة 17:00 بعد الظهر وحتى 7:00 صباحًا. “سينتقم الجيش لسفك الدماء”، قال الرئيس على شاشات البث المحلية. وأيضًا تم الإعلان عن ثلاثة أيام حداد في مصر في أعقاب الهجوم.

وأوضحت السلطات المصرية أن الرد على الهجوم سيكون قاسيًا. وقالت اللجنة العسكرية في رسالة لها: “ستُستخدم قوات الجيش والشرطة كل الوسائل المطلوبة حتى تواجه خطر الإرهاب وتمويله، ذلك من أجل المحافظة على الأمن في المنطقة والدفاع عن حياة المواطنين”.

اقرأوا المزيد: 228 كلمة
عرض أقل
الرئيس المعزول محمد مرسي خلف القضبان خلال محاكمته (AFP)
الرئيس المعزول محمد مرسي خلف القضبان خلال محاكمته (AFP)

مرسي متهم بالخيانة العظمى.. والشاهد ابو مازن

محام مصري يتهم محمد مرسي بالخيانة العظمى بعد أن كشف الرئيس الفلسطيني محمود عباس أن مرسي اقترح إقامة دولة فلسطينية في سيناء، ويطالب عباس بإدلاء الشهادة

21 أكتوبر 2014 | 14:48

أفادت وسائل إعلام عربية أن محاميا مصريا يدعى سمير صبري تقدم ببلاغ لنيابة أمن الدولة العليا المصرية يطالب فيه بإحالة الرئيس المعزول محمد مرسي للمحاكمة الجنائية بتهمة الخيانة العظمى، بعد أن كشف الرئيس الفلسطيني محمود عباس أن مرسي اقترح إقامة دولة فلسطينية في سيناء.

وقال المحامي المصري في تصريحات خاصة لـ “العربية نت” إن أبو مازن كشف عرض مرسي له بالتنازل عن 1600 كيلومتر مربع من أرض شبه جزيرة سيناء. وأضاف أن مرسي حاول معاونة إسرائيل وأميركا لنسف القضية الفلسطينية من أساسها.

وقال صبري إنه قدم مستندات للنيابة، ملتمسا إصدار الأمر بسماع شهادة رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس في القضية وتوثيقها. وقد تصل العقوبة في تهمة الخيانة العظمى إلى الإعدام.

ونقلت وسائل إعلام عربية عن مصدر دبلوماسي فلسطيني قوله إنه لا يوجد ما يمنع حضور الرئيس محمود عباس أمام القضاء المصري للإدلاء بشهادته حول وعد الرئيس المعزول محمد مرسي بمنح جزء من سيناء لغزة لإقامة دولة فلسطينية.

اقرأوا المزيد: 144 كلمة
عرض أقل
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ووزير الخارجية الأمريكي جون كيري (AFP)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ووزير الخارجية الأمريكي جون كيري (AFP)

اصلاح العلاقات الأمريكية – المصرية

في الوقت عينه، أفسدت إدارة أوباما، وبدون سبب، علاقاتها مع أهم دولة في الشرق الأوسط، من خلال مزيج من قلة الخبرة والسذاجة والغمامات الأيديولوجية

غطّت مجريات توسّع رقعة انتشار تنظيم “الدولة الإسلامية” والحرب الأخيرة في قطاع غزة على خبر الضربات الجوية التي قامت بها مصر والإمارات العربية المتحدة مؤخراً على ليبيا. ولكن من خلال الوقوف كمن يبدو متفرجاً مشدوهاً، ضيّعت الولايات المتحدة الأميركية على نفسها مرة أخرى فرصة البدء برأب صدع علاقاتها مع الدولة المصرية.

ابتعدت الولايات المتحدة بمسارها عن مصر عندما انطلقت في العام 2011 مظاهرات حاشدة ضدّ الرئيس السابق حسني مبارك. ويروي وزير الدفاع السابق روبرت غيتس أنّ الرئيس الأمريكي باراك أوباما كان من رأي مساعديه الثانويين خلال الانتفاضة، وكلّهم شجّعوا مبارك على التنحّي، سواءً في السرّ أم في العلن. ولكن في المقابل، نصح كبار مساعدي الرئيس أوباما باعتماد موقف أكثر حيادية لا يلفت الأنظار. فبحسب رأيهم، ما كان يجب على واشنطن أن تحثّ مبارك لا على التنحّي ولا على البقاء في سدّة الحكم، كونه كان صديقاً لها لفترة طويلة. وبعد مرور ثلاث سنوات، لم يغب عن ذاكرة الجيش المصري ورعاة مصر في الخليج كيف تخلّت إدارة أوباما عن حليفها (مبارك) عند حاجته إليها.

تلقّت العلاقات الأميركية المصرية ضربةً موجعة أخرى عندما حاولت إدارة أوباما حماية حكومة الإخوان المسلمين من الإطاحة على يد الجيش المصري، مع أنّ الغالبية العظمى من المصريين كانت قد انقلبت على الرئيس المصري السابق محمد مرسي بحلول العام 2013. وبدل مناصرة الإطاحة بمرسي بهدوء والوقوف في صفّ الشعب المصري، قدّمت الولايات المتحدة ملاحظات مبتذلة عن أهمية “العملية الدستورية.” أضف إلى ذلك أنّ المساعدة العسكرية الأميركية لمصر ما زالت معلّقة منذ رحيل مرسي عن الحكم، على الرغم من أنّ البلاد بحاجة إلى خوض حرب ضدّ المتمردين في شبه جزيرة سيناء، وللبعض من هؤلاء صلة بتنظيم “الدولة الإسلامية.”

وزير الخارجية المصري ووزير الخارجية الأمريكي (Flicker U.S Department)
وزير الخارجية المصري ووزير الخارجية الأمريكي (Flicker U.S Department)

من المفارقة بمكان أنّ الفترة السوداوية هذه تذكّر بالفترة التي التزم فيها الرئيس جورج دبليو بوش بشكل صارم بـ”أجندة الديمقراطية” التي كان من المفترض أن تضع الولايات المتحدة في مصاف “القوى التاريخية” الجديدة، ولكنها بدل ذلك ساهمت في وصول حركة حماس الى سدّة الحكم في قطاع غزة، بالإضافة إلى أمور مشابهة أخرى.

لا شكّ في أنّ أحد الدروس المستفادة من انتفاضة العام 2011 ضدّ مبارك هو أنه في عالمنا المعاصر، لا يمكن لأي زعيم أن يبقى في السلطة لعقود بدون أن ينفد صبر المواطنين في البلاد ويطالبوا في التغيير. وبالتالي، من الأفضل لمصر أن تحترم الفترة المحددة لولاية الرئيس بموجب دستورها الجديد. ونأمل أن تمدّ الحكومة المصرية الجديدة أيضاً يد العون إلى القوى السياسية المعتدلة التي لديها شكاوى مشروعة.

في الوقت عينه، أفسدت إدارة أوباما، وبدون سبب، علاقاتها مع أهم دولة في الشرق الأوسط، من خلال مزيج من قلة الخبرة والسذاجة والغمامات الأيديولوجية. فالسياسة الخارجية ليست مجرد مسابقة لقياس الشعبية والهدف الأساسي منها لا يتلخّص بنيل أصوات أكثر من التي ينالها الخصم. انحاز الرئيس أوباما في عام 2011 للشارع المصري، وفي غضون عامين، راح الشارع عينه يلوم الرئيس الأميركي ويتّهمه بالتواطؤ لإبقاء مرسي والإخوان المسلمين في السلطة. وبدلاً من الاعتماد على اتجاه الأهواء لتحديد مساراتها، حريّ بالإدارة الأميركية اللجوء إلى بوصلة لاتباع سياسات متوازية مع حكومة مصرية ودية بقيادة عبد الفتاح السيسي، والتي يؤمَل أن تكون قد استخلصت العبر من التجربة التي كادت تقتلها.

خفّضت الحكومة المصرية في خلال الأشهر الستة الماضية دعمها للمواد الغذائية والوقود والذي بدا عكسي النتائج، كما لعبت دوراً رئيسياً في إنهاء الجولة الأخيرة في الحرب بين إسرائيل وحركة حماس وتدخّلت لدعم قوات الميليشيا المعتدلة في ليبيا. من المفترض أن يجتمع الرئيس أوباما بالسيسي الأسبوع المقبل أثناء تواجدهما في نيويورك لحضور دورة الجمعية العامة للأمم المتحدة لهذا العام، علماً أن الوقت قد حان، ليس لقلب الصفحة فحسب بل للبدء بكتابة فصل جديد بالكامل في كتاب العلاقات الأميركية- المصرية، وذلك من خلال إعادة تقديم المساعدة العسكرية كاملةً والتعبير عن التقدير – لا بل عن الامتنان – للبلد الذي كان شريكاً لواشنطن مرة، والذي سيكون شريكاً لها في المستقبل.

نشر المقال لأول مرة على موقع “منتدى فكرة”

اقرأوا المزيد: 590 كلمة
عرض أقل
انصار الرئيس الاسبق حسني مبارك يتجمعون امام مستشفى المعادي العسكري في القاهرة (AFP)
انصار الرئيس الاسبق حسني مبارك يتجمعون امام مستشفى المعادي العسكري في القاهرة (AFP)

تأجيل الحكم على مبارك في قضية قتل المتظاهرين الى 29 نوفمبر

اوضح القاضي ان المحكمة لم تنته من كتابة اسباب الحكم في القضية التي يحتوي ملفها، وفقا له، على 160 الف صفحة

قررت محكمة جنايات القاهرة تأجيل النطق بالحكم على الرئيس الاسبق حسني مبارك في قضية التواطؤ في قتل المتظاهرين اثناء ثورة 2011 التي اطاحت به الى 29 تشرين الثاني/نوفمبر المقبل.

واوضح رئيس المحكمة القاضي محمود كامل الرشيدي ان المحكمة لم تنته من كتابة اسباب الحكم في القضية التي يحتوي ملفها، وفقا له، على 160 الف صفحة رغم انها عملت لساعات طويلة طوال الفترة السابقة لذلك قررت “مد اجل النطق بالحكم”.

واضاف انه “من ضمن التزام القاضي من الناحية الموضوعية ان يحرر اسباب الحكم” قبل النطق به مشيرا الى انه بشكل شخصي اعتاد ان يودع اسباب اي حكم يصدره صباح يوم النطق به.

وأكد، في معرض شرحه لاسباب تأجيل النطق بالحكم، ان تحرير اسباب الحكم يحتاج الى “الفي صفحة” على الاقل خصوصا وان المحكمة “تعهدت بان تكتب اسباب خاصة (للحكم) على كل متهم من المتهمين ال11 في القضية وهم عشرة في القفص واخر غائب”.

وقال القاضي، بعد ان عرض شريط فيديو يظهر الحجم الضخم لاوراق القضية، ان اسباب الحكم التي لم تنته هيئة المحكمة منها تتضمن ثلاثة عناصر هي “عرض الوقائع المادية للقضية وموجز لدفوع الدفاع عن المتهمين واستبيان مكنون ما استقر”.

ويحاكم الرئيس الاسبق الذي يبلغ السادسة والثمانين مع وزير داخليته حبيب العادلي وستة من كبار مسؤولي الاخير في هذه القضية التي تشمل ايضا قضية فساد متهم فيها مع نجليه علاء وجمال .

وقد سبق ان حكم على مبارك بالسجن مدى الحياة في هذه القضية في حزيران/يونيو 2012 لكن محكمة النقض قررت الغاء الحكم واعادة محاكمته امام دائرة جديدة.

وكان الرئيس المصري الاسبق نقل الى محكمة جنايات القاهرة على سرير طبي من مستشفى المعادي العسكري في القاهرة الى مقر اكاديمية الشرطة في ضاحية التجمع الخامس بشرق العاصمة المصرية.

وظهر مبارك في الجلسة جالسا على مقعد متحرك وبجواره نجلاه.

نقل الرئيس الاسبق حسني مبارك على سرير طبي الى المروحية التي اقلته الى المحكمة، امام مستشفى المعادي العسكري في القاهرة (AFP)
نقل الرئيس الاسبق حسني مبارك على سرير طبي الى المروحية التي اقلته الى المحكمة، امام مستشفى المعادي العسكري في القاهرة (AFP)

يواجه مبارك الذي حكم مصر بقبضة من حديد لنحو ثلاثين عاما، اتهامات بالتواطؤ في قتل مئات المتظاهرين اثناء ثورة العام 2011.

تأتي اعادة المحاكمة في اجواء مختلفة عن تلك التي كانت سائدة قبل سنتين.

فقد اجرت مصر في حزيران/يونيو 2012 اول انتخابات رئاسية ديموقراطية انتخب فيها رئيس مدني واسلامي للبلاد هو محمد مرسي في اقتراع بدا كانه ينذر بحكم استبدادي. وبعد نحو سنة وتحت ضغط شعبي هائل اطاح الجيش بمرسي الذي اودع السجن حيث يواجه عقوبة الاعدام. وفي نهاية ايار/مايو 2014 انتخب قائد الجيش السابق عبد الفتاح السيسي رئيسا للبلاد.

وشنت السلطات المصرية حملة عنيفة على المعارضة الاسلامية ادت الى مقتل 1400 شخص معظمهم من انصار جماعة الاخوان المسلمين واعتقال آلاف آخرين. وحكم القضاء على مئات منهم بالاعدام.

والى جانب الاسلاميين، اوقف عشرات الشبان الليبراليين والعلمانيين الذين قادوا الثورة، لمشاركتهم في تظاهرات غير مرخص لها.

وقد اكد السيسي اكثر من مرة رغبته في اعطاء الاستقرار الاولوية ولو على حساب الحريات في موقف لقي تاييدا كبيرا من الشعب الذي انهكته ثلاث سنوات من الفوضى والانفلات الامني والركود الاقتصادي.

وجعل تدهور الاوضاع الاقتصادية والامنية في عهد محمد مرسي والفترة التي تلتها الكثيرين يشعرون بالحنين لعهده الذي يرونه تميز ب”استقرار اقتصادي وظروف معيشية افضل” مقارنة بالوضع الحالي.

وتواجه مصر في الواقع منذ عزل مرسي اعتداءات دامية تشنها الجماعات الجهادية وتستهدف قوات الامن والجيش. كما بات ينظر الى ثورة 25 يناير على انها مؤامرة على مصر تستهدف اضعافها.

حتى ان الكاتب الصحفي ابراهيم عيسى المعارض الشرس لمبارك، شهد في اعادة المحاكمة بان اعمال العنف التي جرت خلال الثورة كانت على الارجح من فعل مخربين وليس من فعل الشرطة.

وفي اشارة الى هذا اختلاف الاجواء فان محاكمة مبارك التي لقيت في البداية متابعة كثيفة من المصريين لم تعد تتصدر الصفحات الاولى للصحف المصرية التي لم يشر معظمها الى الخبر سوى في الصفحات الداخلية.

وخلال الجلسة السابقة للمحكمة في اب/اغسطس الماضي ، دافع مبارك عن فترة حكمه نافيا التهم الموجهة ضده في “خطاب عاطفي” مؤثر كان الاطول الذي يلقيه منذ عزله في شباط/فبراير 2011.

وخاطب مبارك القضاء وهو جالس على كرسي متحرك. وكان قد صدر حكم عليه بالسجن ثلاث سنوات في قضية فساد تعرف في مصر باسم “القصور الرئاسية” في ايار/مايو الماضي حكم في اطارها ايضا على ولديه علاء وجمال بالسجن اربع سنوات.

الرئيس المعزول محمد مرسي خلف القضبان خلال محاكمته (AFP)
الرئيس المعزول محمد مرسي خلف القضبان خلال محاكمته (AFP)

وقال الرئيس الاسبق ان “حسني مبارك الذي يمثل امامكم لم يكن ليأمر ابدا بقتل المتظاهرين وإراقة دماء المصريين”، وهو ما كرره مرة اخرى. واضاف “لم أكن لآمر ابدا بقتل مصري واحد لاي ظروف او اسباب”.

ودافع عن سياساته في مجال السياسة والاقتصاد خلال فترة حكمه. وقال ان مصر شهدت “اعلى معدلات نمو واعلى احتياطي للنقد الاجنبي” في تاريخ البلاد مؤكدا انه عمل على “حماية الامن القومي المصري”.

وتابع “لعل حديثي اليوم هو اخر ما اتحدث له (…) قبل ان ينتهي العمر ويحين الاجل واوارى في تراب مصر الطاهر”، وتابع “انني احمد الله مرتاح الضمير ان قضيته مدافعا عن مصر ومصالحها وابنائها حربا وسلاما”.

ومع دفاع معظم الشهود من مسؤولين في الشرطة والجيش عن مبارك يخشى الضحايا واقاربهم من ان يؤدي المناخ السياسي الجديد الى عدم احقاق العدل.

وقال اسامة المغازي لوكالة فرانس برس “هناك موجة من تشويه صورة الثورة والشباب الذين قاموا بها”.

واضاف هذا الرجل الذي فقد يده خلال قمع الشرطة لتظاهرة في الاسكندرية (شمال) بالغازات المسيلة للدموع والرصاص الحي في 28 كانون الثاني/يناير 2011 “من المهم ان اشعر بانهم انصفوني”.

من جهته، صرح جمال عيد احد المحامين المدافعين عن حقوق الانسان ويمثل الضحايا انه لا يتوقع عقوبة قاسية ضد مبارك او قادة الشرطة الذين تمت تبرئة ستة منهم في المحاكمة الاولى. واضاف “لا اشعر بثقة نظرا للاحكام السابقة (…) الاحكام تسير في اتجاه المناخ السياسي”.

 

اقرأوا المزيد: 823 كلمة
عرض أقل
مسجد محمد علي تحت غطاء الظلام في القاهرة (AFP)
مسجد محمد علي تحت غطاء الظلام في القاهرة (AFP)

أزمة الكهرباء في مصر

تعاني مصر من مجموعة متنوعة من المشاكل الإدارية، ويبدو أنّ رئيسها الجديد، عبد الفتاح السيسي، ليس قادرًا على طرح حلّ مناسب. إنّ تصرّف السيسي إزاء أزمة الكهرباء يدلّ على أنّه لا يختلف عن حكّام مصر السابقين. والخطر في ذلك هو أن ينهي السيسي حياته السياسية مثلهم

تعاني مصر من مجموعة كبيرة من المشاكل تقريبًا في جميع مجالات الحياة. الحكومة الجديدة تراوغ ولا تفلح في توفير الحلول المناسبة للبطالة، الفقر، الجريمة، الفساد المزري في جميع المؤسسات، نقص الوقود والخبز، نقص الأدوية، غلاء المعيشة وغير ذلك. ولكن المشكلة الأخطر هي مشكلة الكهرباء.

لا يبدو الرئيس عبد الفتاح السيسي أنه رجل البشريات أيضًا بعد مرور مئة يوم منذ تولّيه للمنصب. منذ الإطاحة بمبارك عن كرسيّ الحكم يسير الوضع الداخلي في مصر من سيّء إلى أسوأ، وتُخرج أزمة الكهرباء – التي تتجلّى في انقطاع التيّار الكهربائي بشكل متكرّر – المواطنين المصريين إلى الشوارع. لقد تفاقمتْ مشكلة الكهرباء بشكل كبير في الآونة الأخيرة. تعيش مناطق واسعة في الظلام لساعات طويلة نهارًا وليلا. وقد حدثت في بداية هذا الشهر إحدى حالات انقطاع الكهرباء الأخطر في تاريخ مصر، وذلك عندما انقطع التيار الكهربائي لخمس ساعات في مناطق كثيرة من مصر، بما في ذلك العاصمة القاهرة ومدن مثل الإسكندرية. ذكرت وسائل الإعلام المصرية أنّ انقطاع التيّار الكهربائي بهذا الشكل لم يحدث في مصر منذ الانقطاع لمرة واحدة في بداية سنوات التسعينات من القرن الماضي.

يعاني قطاع الكهرباء في مصر من ديون ثقيلة يبلغ مجموعها أكثر من 24 مليار دولار. وفقًا لقناة الجزيرة التلفزيونية فإنّ هذا الدين أكبر بأربعة أضعاف من الدخل السنوي لقناة السويس. السبب الرئيسي لحالات انقطاع التيار الكهربائي متأصّل في عدم قدرة قطاع الطاقة على تلبية الطلب الكبير، بالإضافة إلى حالة البنى التحتية غير المستقرّة والتي عفا عليها الزمن. وفي أعقاب انقطاع التيار الكهربائي لفترة طويلة في بداية الشهر وجّهت المعارضة بالإضافة إلى جهات تؤيّد النظام الجديد انتقادات للحكومة على عجزها، وغياب الرعاية المناسبة لمشاكل البلد.

محطצ الكهرباء في بورسعيد، مصر(AFP)
محطצ الكهرباء في بورسعيد، مصر(AFP)

وعد السيسي الشعب خلال الانتخابات بحلول لمشكلة الكهرباء. والآن، بعد أن فاز ولم يتمّ حلّ المشكلة فقد فسّر صعوبة تحسين الوضع قائلا: “إنّ حلّ مشكلة الكهرباء يحتاج إلى استثمار يُقدّر بـ 13 مليار دولار في السنوات الخمس القادمة”. يمكننا أن نفهم من خطابه أنّه ليست هناك حلول سحرية وأنّ الحلّ الوحيد هو الانتظار بصبر: “على المواطنين التحلّي بالصبر بشأن هذه الأزمة، لا يمكن حلّ هذه الأزمة في يوم وليلة”. إن الخطوة الوحيدة التي تمكّن من اقتراحها على مواطنيه هي إقامة لجنة تقف على الأسباب الحقيقية لانقطاع التيار الكهربائي وتحاول اقتراح الحلول.

تُكثر وسائل الإعلام من الحديث عن الأزمة وهي تحظى باهتمام الجمهور العام. أما معارضو النظام فهم يتّهمونه بالتخلّي عن السكّان وعدم الوفاء بالوعود للناخبين. وهم يؤكّدون على ذلك كلّ يوم بخصوص الأزمة المستمرّة. إنّهم يقتنصون الفرصة لمهاجمته ويقولون إنّه حتى في فترة حكم مبارك كان الوضع أفضل. يقولون إنّه ليس للمواطن العادي أحد ليتوجّه إليه، وإنّه لا يستطيع توجيه شكاوه إلى أي طرف ثالث. وهم يعتقدون أنّ صانعي القرار لا يرغبون في اقتراح حلّ للمشكلة، وبدلا من ذلك فهم يتجاهلون أوضاع المواطنين الصعبة. انشغلت أيضًا وسائل الإعلام المؤيّدة للنظام في الأزمة وهي أيضًا تعلم أنّ الحكومة عاجزة، وأنّها لا تستطيع تقديم حلّ للأزمة الخطيرة التي تصعّب كثيرًا على السكّان في أشهر الصيف الحارّة بل وفي الشتاء.

مظاهرات في القاهرة للحد من اللأزمة الإقتصادية (AFP)
مظاهرات في القاهرة للحد من اللأزمة الإقتصادية (AFP)

تساءل الصحفي فهمي هويدي في مقالة كتبها في الصحيفة اليومية “الشروق” تحت عنوان “مواطنون لا رعايا” لماذا لا تقدّم الحكومة في مصر تقريرًا عن الأسباب الحقيقية من وراء انقطاع التيار الكهربائي. وهو لا يقبل الطريقة التي يخبّر فيها المسؤولون صانعي القرار فحسب بخصوص أزمة الكهرباء ويتجاهلون الشعب:

“بعدما تُرك (الشعب المصري) طوال النهار يضرب أخماسًا في أسداس ويتساءل عما إذا كان الانقطاع سببه عمل تخريبي أم إهمال في الصيانة أم قصور في الإمكانيات”.

وهو يقدّم أيضًا انتقادات حول أنّ السلطات لا تبلّغ الجمهور عن كيفية التعامل مع قضايا أخرى تشغل الشعب. لقد خرج ضدّ الاتجاه الذي يتم فيه إعلام المؤسسة الحاكمة فقط بما يحدث في البلاد في حين أنّ الشعب ليس طرفًا في ذلك، ولا تتمّ مشاركته في قضايا كثيرة تتعلّق بمصيره ومستقبل مصر. “من المفارقات أن يحدث ذلك في أعقاب ثورة قام بها الشعب المصري احتجاجًا على تحكم نظام مبارك الذى صادر إرادة الأمة وعمد إلى تزويرها طوال ثلاثين عامًا. وحين رفعت الثورة شعارات العيش والحرية والكرامة الإنسانية، فلم يكن الهدف من وراء ذلك إزاحة سلطة واستبدالها بسلطة أخرى، ولكن الهدف الحقيقي كان رد الاعتبار للشعب بحقوقه التي أهدرت وتطلعاته التي أجهضت‎.”‎‏

وجّه الإعلامي عمرو أديب أيضًا انتقادات حول أزمة الكهرباء وهكذا عبّر في برنامج “القاهرة اليوم” الذي يقدّمه في قناة “اليوم”: “من ينتظر أن يعود التيار الكهربائي لمصر يشبه من ينتظر أن يعود محمد مرسي إلى القصر”. وقد فسّر هو أيضًا للمشاهدين بأنّه لن يكون هناك حلّ لأزمة الكهرباء في الفترة القريبة. بل اقترح على المواطنين قائلا: “البقاء في البلاد وأن نكون قادرين على تحمّل الأوضاع، أو تركها لبلد أخرى فيها ماء وكهرباء”.

https://www.youtube.com/watch?v=iExtogg3F3w

لدى أزمة الكهرباء – المصاحبة لأزمات أخرى تحلّ بمصر – القدرة على جلب المواطنين إلى الشوارع والميادين، للمطالبة بتحقيق الأهداف التي خرجوا من أجلها ضدّ النظام السابق. يجب أن نذكر بأنّه رغم الدعم المالي الكبير الذي تحظى به مصر من دول الخليج، فهي لا تستطيع تحسين مستوى حياة المواطن المصري العادي. يحاول السيسي تجنّب هذه الأزمات من خلال كثرة انشغاله بمكافحة الإرهاب، أو تسليط الضوء على معارضي النظام وعلى رأسهم الإخوان المسلمين في مصر. ولكن يبدو – عاجلا أو آجلا – أنّ السيسي أيضًا سيرى بأنّ مشاكل مصر المشتعلة تتطلّب منه أن يعمل جادًا من أجل تقديم الاستجابة المناسبة قبل أن يجد نفسه هو أيضًا مكان سابقيه في الحكم.

نُشرت المقالة للمرة الأولى في موقع Can Think‏

اقرأوا المزيد: 823 كلمة
عرض أقل
رئيس تركيا، رجب طيب أردوغان (ADEM ALTAN / AFP)
رئيس تركيا، رجب طيب أردوغان (ADEM ALTAN / AFP)

مصر وتركيا: الصراع على قيادة العالم الإسلامي

يزداد الخلاف حدة بين مصر وتركيا: بعد أن هاجم أردوغان السيسي هجومًا حادًا عن منصة الأمم المتحدة، وادعى أن حكومته غير شرعية، رد المصريون: "أردوغان يدعم الإرهاب ويصنع الفوضى في الشرق الأوسط"

تحوّل التوتر والصراع بين مصر وتركيا إلى توتر علني وحاد جدًا في الأيام الأخيرة. التوتر بين كلا الدولتين الكبيرتين، الذي ترافقه تصريحات لا سابقة لها في حدتها، وصل إلى مستويات عالية جدًا، ويستدعي التساؤل هل نشهد صراعًا حادًا على قيادة العالم الإسلامي والشرق الأوسط.

بدأ التوتر الحالي مع خطاب رئيس تركيا، رجب طيب أردوغان، في الهيئة العامة للأمم المتحدة، أول أمس. بعد فترة قصيرة من خطاب رئيس مصر، عبد الفتاح السيسي، على منصة الأمم المتحدة، صعد أردوغان لإلقاء خطاب. لم يكن أحد من الحاضرين مستعدًا لهذا الهجوم الحاد من أردوغان، الذي كانت ذروته عند توجيه الانتقاد الحاد لمصر والسيسي.

أردوغان الذي خطب أمام العالم لأول مرة كرئيس تركيا كونها حكومة مستقرة، ولا يمكن تقريبًا إسقاطها، اتهم في بداية خطابة الأمم المتحدة بأنها لا تنجح في أداء مهامها، وذكر كمثال الحرب الأهلية في سوريا، التي قُتل فيها كما قال أكثر من 200,000 إنسان، وكذلك حرب غزة في الصيف الأخير.

بعد ذلك فورًا، بدأ أردوغان بإلقاء النقد العارم المتعلق باستيلاء حكومة السيسي، التي كانت حسب ادعاء أردوغان انقلابًا غير شرعي على حساب الرئيس السابق، محمد مرسي. لقد تساءل أردوغان لما تمنح الأمم المتحدة الشرعية لشخص مسؤول فعليًّا عن انقلاب غير شرعي.

“نحن لا نحترم قرارات الناس الديمقراطية”، قال أردوغان متهمًا، وهو يشير إلى أن مرسي قد عُزل رغم أنه فاز بانتخابات الرئاسة سنة 2012. “إن كنا نعبّر عن دعمنا للانقلابات، إذا لم الأمم المتحدة قائمة؟” تساءل أردوغان “لم تقم الأمم المتحدة بأي شيء غير التفرّج على الأحداث، التي قُتل فيها آلاف الأبرياء”.

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي (AFP)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي (AFP)

لم يكتف أردوغان بانتقاداته، وفي باقي كلامه لقب السيسي “بالطاغية”. أكد أردوغان أنه يعتقد أن على الأمم المتحدة أن تكون أحيانًا أكثر “شجاعة” حين تتعامل مع معضلات عالمية. خلال اليوم، خطب أردوغان على منصة مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، اتهم العالم بأنه لا يساعد تركيا رغم أنها ضحت كثيرًا، ولها وظيفة رئيسية في الصراع ضد الإرهاب.

لم يتأخر الرد المصري على هجوم أردوغان في وروده. سارع المصريون لإلغاء لقاء وزراء الخارجية لكلا الدولتين، الذي كان مفروضًا أن يتم على هامش الجمعية العامة للأمم المتحدة، وأصدرت وزارة الخارجية المصرية بيانًا مفاده أنها ترفض التهم ضد السيسي.

في الرد المصري، اتُّهم أردوغان بأنه يدعم الإرهاب وأنه يسعى لافتعال الاستفزاز. “لا شك أن الأكاذيب والتلفيقات من هذا النوع ليست غريبة عن الرئيس التركي، المعنيّ بخلق الفوضى في الشرق الأوسط بواسطة دعم ومساعدة التنظيمات الإرهابية. وفي الرد أيضًا، اتهَم المصريون أردوغان أن إضراره بمصالح عدة جهات في الشرق الأوسط تقف حاجزًا أمام طموحاته الشخصية لإحياء أوهام الماضي.

حرب غزة والدولة الإسلامية

تحوّل التوتر بين مصر وتركيا إلى توتر معلن لأول مرة، رغم أن التوتر تحت السطح كان قد ازداد من قبل بعد عزل مرسي عن الحكم، وأُعلن عن الإخوان المسلمين، الذين كانت لهم علاقة حارة مع تركيا، منظمة إرهابية.

يمكننا أن ندرك أن سلسلة الأحداث الأخيرة في الشرق الأوسط قد غيّرت الخارطة الجيو سياسية للمنطقة، وخلقت واقعًا جديدًا. في الواقع الجديد، مصر وتركيا هما دولتان تتنافسان فيما بينهما على السيطرة في الشرق الأوسط بل وعلى قيادة العالم الإسلامي.

يمكن الإشارة إلى حدثين إقليميين قد زادا من التوتر بين الدولتين: أولا، تعاظم الدولة الإسلامية وسيطرتها على مساحات واسعة من سوريا والعراق، وكذلك حرب غزة التي انتهت قبل شهر. نعم إن أردوغان يصرح بأنه يساعد في الصراع العالمي ضد داعش بأنه استوعب في بلاده أكثر من مليون لاجئ، لكن عمليًّا، تركيا تساعد داعش على التعاظم وازدياد القوة وذلك لأنها تساعد التنظيم الإجرامي على جمع الأموال الكثيرة.

مقاتلو الدولة الإسلامية، داعش (AFP)
مقاتلو الدولة الإسلامية، داعش (AFP)

ثانيًا، لقد كشفت حرب غزة التي وقعت مؤخرًا في الصيف عن صراع القوى الإقليمية: استضافت مصر محادثات المفاوضات بين البعثة الإسرائيلية والفلسطينية، بل واتُهمت أكثر من مرة من الفلسطينيين لأنها لم تكن موضوعية ودعمت المواقف الإسرائيلية. لقد كشفت المحادثات أن مصر السيسي غير معنية بأن تكون زعيمة الشرق الأوسط والعالم الإسلامي كما كانت سابقًا.

من الناحية الأخرى، كانت تركيا إحدى الدول المعدودة التي أيدت حماس، بينما انضمت علنيًّا فقط قطر إليها. لقد أخذت تركيا على عاتقها بقسط كبير من محاولات وقف إطلاق النار، وهي تكثر من انتقاد إسرائيل، وفي شوارعها خرجت عدة مظاهرات وحدة نادرة تقريبًا بين مواطنيها ضد إسرائيل.

تمنح حرب غزة وتعاظم داعش عمليًّا فرصة لفحص تغيّر الخريطة الجيوسياسية الإقليمية، ويكشف توتر العلاقات بين تركيا ومصر أن الصراع على زعامة المنطقة في أوجه.

اقرأوا المزيد: 651 كلمة
عرض أقل
أنور السادات, مناحم بيجن وجيمي كارتر في كامب ديفيد (Wikipedia)
أنور السادات, مناحم بيجن وجيمي كارتر في كامب ديفيد (Wikipedia)

36 عامًا على توقيع اتفاقية كامب ديفيد

قبل 36 عامًا وقّعت إسرائيل ومصر على اتفاقية كامب ديفيد، التي أرست السلام بين الدولتين، وهي الاتفاقية التي تحافظ على الشرق الأوسط من الانهيار التام رغم السلام "البارد"

في هذا اليوم تحديدًا، قبل 36 عامًا، حدث تطوّر كبير في تاريخ الشرق الأوسط المليء بالأحداث، وذلك حين وقّعت القوّتان العظميان في الشرق الأوسط، إسرائيل ومصر، في كامب ديفيد الأمريكية على الاتفاق الإطاري للسلام بين الدولتين.

خلال 36 عامًا مرّت من ذلك الحين، كان السلام بين إسرائيل ومصر بين صعود وهبوط، ولكن المصلحة القوية لكلا البلدين في الحفاظ على الاستقرار حافظ على السلام، وفي الأيام التي شهد فيها الشرق الأوسط الكثير من الاضطرابات، فإنّ أحد الأمور الأكثر استقرارًا في المنطقة هو السلام الإسرائيلي – المصري.

السادات يزور إسرائيل

حتى موعد توقيع الاتفاقية، كانت إسرائيل ومصر عدوّتين مريرتين وقاسيتين. منذ إعلان استقلال دولة إسرائيل عام 1948، نشأت بين إسرائيل ومصر معارك وحروب قاسية ومريرة، وعلى رأسها حروب 1948، 1967 و 1973. كان التوتّر على الحُدود الإسرائيلية – المصرية كبيرًا، دفع الجنود بل والمدنيّون حياتهم خلال الحروب وبينها، واضطرّت الدولتان إلى استثمار موارد كبيرة للحفاظ على الحُدود غير المستقرّة، من أجل حماية أراضيهما.

جاء التحوّل الدراماتيكي في العلاقات بين البلدين مع تصريحات علنية في تشرين الثاني عام 1977 لزعيميّ كلا الدولتين، أنور السادات ومناحم بيجن، حول نيّة السادات بزيارة إسرائيل. بعد عدة أيام من ذلك، هبط السادات في إسرائيل وتلقّى ترحيبًا حارّا من بيجن، وبدأ الاثنان فورًا بالتفاوض للتوصّل إلى اتفاق دائم.

صاحبت المفاوضات صعوبات كثيرة، وفي النهاية، في 17 أيلول عام 1978، وقّع كلا الطرفين على اتفاقية كامب ديفيد، التي كانت الاتفاق الإطاري للسلام. بعد عشرة أيام من ذلك وافق الكنيست الإسرائيلي على الاتفاقية، وبعد نحو نصف عام من ذلك، في آذار 1979، وقّع كلا الزعيمين على اتفاقية السلام التاريخية.

مناحيم بيغن وأنور السادات في حفل توقيع اتفاقية السلام الإسرائيلة المصرية (AFP)
مناحيم بيغن وأنور السادات في حفل توقيع اتفاقية السلام الإسرائيلة المصرية (AFP)

تداعيات الاتفاقية

كسب كلا الطرفين كثيرًا من الاتفاقية. تتلقّى مصر، منذ توقيع الاتفاقية وحتى اليوم، معونة اقتصادية وعسكرية على نطاق هائل من الولايات المتحدة، والتي لا يتوقّف تدفّقها للحظة وتشكّل بالنسبة للبلد أنبوب أكسجين مهمّا جدّا.

كل من إسرائيل ومصر، خصّصت – تدريجيّا – موارد أقلّ من أجل الحفاظ على الحدود المتوترة. خلال 30 عامًا من استقلال إسرائيل خاض الطرفان كما ذكرنا ثلاثة حروب صعبة بالإضافة إلى القتال الذي لا يتوقف، ممّا أدى إلى زيادة التوتّر وعدم الاستقرار على الحدود وتطلّب من الدولتين تخصيص موارد كبيرة للحفاظ عليها، والتي تشمل من بين أمور أخرى دماء أبنائهم.

وبالطبع، قبل كلّ شيء، كانت شبه جزيرة سيناء. 61,000 كيلومتر مربع (تقريبًا 3 أضعاف مساحة إسرائيل)، والتي قامت إسرائيل باحتلالها خلال حرب 1967، تمّت إعادتها إلى مصر. ومن أجل ذلك اضطرّت إسرائيل إلى إخلاء عدد من البلدات الإسرائيلية، التي أقيمت على أراضي سيناء.

فتحت اتفاقية السلام أيضًا السياحة الإسرائيلية إلى مصر. سافر العديد من الإسرائيليين للسياحة في المواقع التاريخية في مصر بالإضافة إلى القاهرة، واعتاد العديد من الإسرائيليين كذلك على قضاء عطلة في سيناء الهادئة. ولكن في عام 2004 جرت سلسلة من الهجمات الإرهابية ضدّ إسرائيليين في سيناء، وقلّصت تدريجيّا من عدد السياح الإسرائيليين في سيناء، وصولا إلى درجة صفرية كما هو الحال اليوم.

شبه جزيرة سيناء (Wikipedia)
شبه جزيرة سيناء (Wikipedia)

عهد جديد

حدّدت اتفاقية السلام بين إسرائيل ومصر عهدًا جديدًا في الشرق الأوسط. لن يقاتِل الجيشيْن الأكبر في المنطقة بعضهما البعض بعد ذلك. لقد تمّ توقيع الاتفاقية بين زعيمين قويّين، وبدأت بالتعرّض للتجارب الحقيقية بعد أن أخلى هؤلاء الساحة الدولية.

المرة الأولى التي تمّ فيها تجريب الاتفاقية هي في فترة الحرب بين إسرائيل ولبنان عام 1982. تمّ تفعيل ضغوط كبيرة جدّا على الرئيس المصري، حسني مبارك، مع اندلاع الحرب، والذي حلّ مكان السادات الذي اغتيل، من أجل إلغاء اتفاقية السلام. لقد وضعت اضطرابات أخرى في المنطقة أيضًا، مثل الانتفاضة الفلسطينية، الاتفاقية قيد الاختبار.

ومع ذلك، فإنّ اتفاقية السلام كانت “اتفاقية حديدية” بالنسبة لكلتا الدولتين. حتى في الفترة التي سيطر فيها الإخوان المسلمون في مصر، احترم محمد مرسي الاتفاقية وأدار اتصالات غير مباشرة مع الحكومة الإسرائيلية.

وقد أثبتت الوساطة المصرية بشكل أساسي خلال عملية “الجرف الصامد”، والتي تمّت في الصيف الأخير، بشكل قاطع أنّ الرئيس الحالي لمصر، عبد الفتّاح السيسي، يرى في إسرائيل أكثر من مجرد صديق إقليمي. علاوة على ذلك، فخلال المحادثات بين الجانبَين الإسرائيلي والفلسطيني سُمع الكثير من الشكاوى من قبل الفلسطينيين بأنّ السيسي في الواقع “منحاز” لصالح الإسرائيليين.

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي (EBRAHIM HAMID / AFP)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي (EBRAHIM HAMID / AFP)

اليوم

اليوم، بعد 36 عامًا من توقيع اتفاقية كامب ديفيد، من الواقع دون شكّ أنّ اتفاقية السلام تخدم كلا الطرفين، ولديهما مصلحة واضحة في الحفاظ عليها. إنّ الوضع الاقتصادي في مصر صعب جدّا اليوم، وهي لا يمكن أن تسمح لنفسها بتخصيص موارد لحروب لا داعي لها. بالإضافة إلى ذلك، في الأيام التي ليبيا فيها محطّمة، والسودان مقسّمة وقطاع غزة هو مكان يتعرّض للضرب وميؤوس منه، فإنّ مصر في أمسّ الحاجة إلى الاستقرار وإلى الأصدقاء الأقوياء بجانبها، مثل إسرائيل.

وهناك جوانب سلبية للاتفاقية أيضًا. يعتبر السلام سلامًا “باردًا”، لأنّه لا يشمل بداخله تعاونًا ثقافيًّا ومبادرات اقتصادية مشتركة. لا يزال الكثير من المثقّفين المصريين يقاطعون إسرائيل. ليس هناك سيّاح مصريّون في إسرائيل وتغطّي وسائل الإعلام المصرية إسرائيل في غالب الأحيان بشكل عدائيّ وليس موضوعيّا.

بالإضافة إلى ذلك، هناك نظريّات تقول إنّه وفقًا للإسلام، فليس هذا سلامًا دائمًا وإنما هدنة طويلة الأمد. ولكن، كلّما مرّت السنين وتم الحفاظ على الاستقرار، ازدادت بذلك قوة الاتفاقية وتراجعت احتمالات إلغائها.

بالإضافة إلى ذلك، تعتبر الاتفاقية نجاحًا كبيرًا جدًا. أدّت الاتفاقية – التي أنهت تمامًا حالة الحرب بين البلدين – بالدرجة الأولى إلى إنقاذ حياة الآلاف، إنْ لم يكن عشرات الآلاف من الناس، من الجانبين معًا. باستثناء حوادث قليلة لانتهاكات محليّة في إطلاق النار، والتي نشأت عن مبادرات فردية مع قضايا شخصية ما، فإنّ كلا الطرفين يلتزم بالحفاظ على الهدوء والأمن المتبادل.

يسير الكثير من الناس اليوم في شوارع القاهرة وتل أبيب، دون أن يعرفوا بأنّهم يمارسون حياتهم اليومية، وأنهم على قيد الحياة، بفضل اتفاقية السلام. ولكن كما ذكرنا، فإنّه سلام “بارد”، على الرغم من أنه في الأيام التي يمرّ فيها الشرق الأوسط باضطرابات كثيرة، يمكن تعريف الحفاظ على الهدوء والسلام بين إسرائيل ومصر باعتباره أحد الأمور الأكثر استقرارًا في الشرق الأوسط.

الاعلام في معبر طابا الحدودي (MARWAN NAAMANI / AFP)

اقرأوا المزيد: 883 كلمة
عرض أقل
أعضاء "الدولة الإسلامية" يرفعون إصبعًا واحدة (AFP)
أعضاء "الدولة الإسلامية" يرفعون إصبعًا واحدة (AFP)

إصبع داعش

ما هو السبب الذي يجعل أعضاء "الدولة الإسلامية" يرفعون إصبعًا واحدة؟ وما تعني اثنتان، ثلاث وأربع أصابع في العالم العربي؟

صور أعضاء الدولة الإسلامية وهم رافعون أصبعًا واحدة منتشرة في الأشهر الأخيرة في كل مكان، لكن لم يُكتب كثيرًا عن نفس الإصبع وماذا تعني. في أرجاء العالم، الإصبع المنفردة تمثل القوة والنصر، لكن لأعضاء الدولة الإسلامية الإصبع المنفردة تمثل شيئًا آخر.

دلالة الإصبع أسهل مما يمكن تخمينه: إنها ترمز للإيمان الإسلامي الأساسي: التوحيد. التوحيد كما هو معلوم، هو الجملة الأولى من شهادة الإسلام (لا إله إلا الله).

تنظيم الدولة الإسلامية، الذي يطالب عامة المسلمين الاعتراف به كأمة الإسلام الحديثة برئاسة الخليفة أبي بكر البغدادي، معنيّ بإيصال رسائله لكل المسلمين في العالم، وحتى لأولئك المعنيين بالإسلام ويفكرون في تغيير ديانتهم. التوحيد هي جملة معروفة لكل المسلمين الذين يشاهدون ما يجري في الدولة الإسلامية، ولا يعرفون أيضًا (ربما بالأساس) اللغة العربية.

مع رفع الإصبع والإشارة بالتوحيد، يمكن لباقي المسلمين في العالم أن يشعروا بالارتباط بالتنظيم، وبذلك تزيد احتمالات نجاح التنظيم في تجنيد مسلمين آخرين، ومن الدول الغربية أيضًا، وكذلك إضفاء الانطباع أن تأثير التنظيم على الغرب كبير.

تظهر الإشارة بإصبع التوحيد في المقاطع والصور بالإضافة إلى الجملة نفسها، البارزة بلون أبيض على خلفية سوداء في راية التنظيم. يظهر القسم الثاني من الشهادة أيضًا في الراية، في دائرة بيضاء بارزة، لكن بترتيب عكسي (الله رسول محمد).

جيش الدولة الإسلامية (AFP)
جيش الدولة الإسلامية (AFP)

في حالات عديدة يترافق رفع الإصبع مع الهتاف “تكبير”، الذي يستدعي المستمعين والحاضرين في المكان لتعظيم اسم الله، وفعلا يُستجاب لهذا الهتاف بالتعظيم: اللهُ أَكْبَر.

لماذا، إذًا، تحظى الإصبع المنفردة بالتجاهل، رغم أنها شوهدت كثيرًا في الفترة الأخيرة؟ التفسير لذلك أنه رد فعل يقوم به الدماغ الإنساني- المقاطع والصور التي يُشَاهد فيها أعضاء التنظيم رافعي الإصبع لا تظهر وحدها.

تظهر صورة رفع الإصبع على الأغلب خلال مقالة ما، تصف جولة الاحتلالات، أو على العكس جولة أخرى من الإعدامات أو قطع رأس فظيع. عندما يتعرض قارئ أو متصفح إنترنت لمحتوى كهذا، الذي ليس بالسهل مشاهدته واستيعابه، تهبط الإصبع المنفردة، التي ترمز لدى المشاهد الغربي إلى القوة والنصر، في سلم الأولويات ولا تأخذ ذلك الاعتبار المهم.

لم يكن تنظيم الدولة الإسلامية هو الأول في استخدام الإصبع، من أجل الإشارة لأمر ما. إن استعمال الإصبع في العالم العربي ولدى المسلمين شائع جدًا. مثلا، اعتاد ياسر عرفات أن يشير صباحًا ومساءً بإصبعيه أمام الكاميرات. لدى الكثيرين، تشير الإصبعان إلى السلام العالمي، لكن عرفات قصد بهذه الإشارة إشارة V، اختصارًا لكلمة Victory- النصر. أيضًا يدأب الأسرى الفلسطينيون المحررون على الإشارة أمام الكاميرات بإشارة النصر.

الرئيس الفلسطيني محمود عباس خلال استقبال الأسرى المفرج عنهم ليلا (AFP PHOTO / ABBAS MOMANI)
الرئيس الفلسطيني محمود عباس خلال استقبال الأسرى المفرج عنهم ليلا (AFP PHOTO / ABBAS MOMANI)

صارت الإشارة بالأصابع الثلاث أيضًا مشهورة في أوساط الفلسطينيين بالأشهر الأخيرة، بعد الخطف والقتل الشنيع للفتيان الإسرائيليين الثلاثة في شهر حزيران. لقد اتخذ كثير من مؤيدي حماس صورًا وهم يشيرون بثلاث أصابع.

ياسر عرفات ومحمود عباس (AFP)
ياسر عرفات ومحمود عباس (AFP)

ينتشر لدى مؤيدي الإخوان المسلمين في مصر في السنة الأخيرة استخدام أربع أصابع، للإشارة إلى المواجهة العنيفة بين الجيش المصري وبين مؤيدي محمد مرسي في دوار رابعة العدوية، والتي قُتل فيها مئات المتظاهرين. لقد صار رفع الأصابع الأربع شائعًا منذئذ، وحتى رئيس تركيا، رجب طيب أردوغان، المعروف بمحاولاته الكثيرة لحيازة أصوات الناخبين الأتراك المتديّنين، قد اتخذ صورًا وهو يرفع أصابعه الأربع.

محاكمة الرئيس المخلوع محمد مرسي، المحكمة الدستورية العليا في القاهرة (AFP)
محاكمة الرئيس المخلوع محمد مرسي، المحكمة الدستورية العليا في القاهرة (AFP)
اقرأوا المزيد: 455 كلمة
عرض أقل
باسم يوسف، الإعلامي المصري صاحب البرنامج الساخر "البرنامج" (AFP)
باسم يوسف، الإعلامي المصري صاحب البرنامج الساخر "البرنامج" (AFP)

البرامج العربية الساخرة: حرية في تراجع

موجة البرامج الساخرة في العالم العربي لا تهددها فقط الأنظمة المتهاوية التي تجد صعوبة في السيطرة على ما يتم فعله على شبكة الإنترنت. الكثير من الأشخاص في المجتمع العربي يعارضون هم أيضًا تلك القضية الجديدة واللاذعة

واحدة من تأثيرات الربيع العربي كانت فتح مجال الحوار الجماهيري. ظهرت، مع التوسع المفاجئ لنطاق حرية التعبير، مسألة جديدة – قديمة في وسائل الإعلام في الشرق الأوسط: برامج سياسية ساخرة لاذعة وقاسية.

جاءت هذه الظاهرة لترتبط مع الإحباط العام للكثير من المواطنين من النظام القديم وحازت على نجاح أولي باهر، رغم أن الطريق إلى ذلك لم يكن سهلاً ومستقبل هذه الظاهرة يبدو كئيبًا.

فرض حكام الدول العربية، حتى عام 2011، أنظمة استبدادية وقمعية لم تترك لحرية التعبير سوى زاوية صغيرة جدًا ذات حدود واضحة جدًا ومقيّدة. وجدت البرامج السياسية الساخرة، نتيجة لذلك، صعوبات في تلك المرحلة “بأن ترفع رأسها” وحتى من كانوا يفعلون ذلك كانوا يفعلونها بشكل قانوني وكانوا حذرين من عدم تحدي النظام القائم. مثلاً، يتم ومنذ 14 عامًا وخلال شهر رمضان، على شاشة التلفزيون السعودية، المسلسل الاجتماعي الساخر “طاش ما طاش” الذي يُعتبر واحدًا من البرامج الأكثر شعبية في المملكة. إضافة إلى ذلك، يُعرض البرنامج على قناة MBC التي تخضع لمرجعية حكومية، وهي محدودة جدًا من ناحية النقد الذي يمكن توجيهه ضد النظام والتواصل مع متطلبات جيل الشباب بالإصلاح والتغيير.

ألزمت الثورات، التي عصفت بالعالم العربي، الأنظمة أيضًا؛ التي صمدت بوجه تلك العاصفة، بالتأقلم مع الواقع الجديد وإعطاء حرية التعبير مساحة أكبر. وكانت شبكات التواصل الاجتماعي هي التي حفزت ذلك الجوع المتجدد للنقد الساخر ضد الأنظمة السياسية كما وفرت منبرًا جماهيريًا وغير قابل للمراقبة حتى لمقاطع الفيديو، رسوم الكاريكاتير والنقد اللاذع.

http://www.youtube.com/watch?v=Vq1sojZseN0

هناك أمثلة كثيرة على ذلك: فقد انتشرت في تونس سلسلة رسومات كوميكس ساخرة، على الفيس بوك تحت عنوان “كابتن خبزة” والتي تتحدث عن متظاهر تونسي يتسلح برغيف خبز بدل السلاح. وفي السعودية هناك برنامجان ؛على اليوتيوب، يحققان نجاحًا كبيرًا وعنوانهما “لا يكثر” و “على الطاير”. حتى في سوريا، التي ما زالت تنزف، تُعرض برامج مختلفة على الشبكة تشير إلى النقد الهام للجيل الشاب وتسخر من الوضع المزري للدولة.

إلا أن، موجة البرامج الساخرة في العالم العربي لا تهددها فقط الأنظمة المتهاوية التي تجد صعوبة في السيطرة على ما يتم فعله على شبكة الإنترنت. يعارض الكثير من الأشخاص في المجتمع العربي أيضًا تلك القضية الجديدة واللاذعة. تجد المؤسسات الدينية، والأوساط المحافظة في تلك المجتمعات، صعوبة كبيرة بتقبل النقد السياسي الساخر ويدعون أن تلك الظاهرة جاءت لتنتقد النظام السياسي فقط ولا تحمل أي انتقادات بناءة. هنالك اتهام آخر ضد تلك البرامج الساخرة وهو أن تلك البرامج تحفر في عمق القيم الإسلامية الأساسية، وما هو ممكن في الدول الغربية المستهترة لا يجوز في العالم الإسلامي، الذي، حسب ادعائهم، يجب أن يكون مبني على أساس الشريعة الإسلامية.

https://www.youtube.com/watch?v=k1zXv66FfSQ

لا شك بأن المثال الأبرز على البرامج السياسية الساخرة التي ظهرت بعد “الربيع العربي” هو برنامج الإعلامي المصري باسم يوسف والذي تعكس قصته وضع تلك الظاهرة في السنوات الأخيرة وفي هذه الأيام.

يوسف، هو طبيب جراح، جمع حوله بعض رفاقه المقربين بتأثير “ثورة الـ 25 من يناير” وبدأ بإنتاج برنامج سياسي ساخر سري على الشبكة. تحوّلت سلسلة مقاطع الفيديو، التي مدة كل منها خمس دقائق واسمها “The B+ Show”، إلى مادة كثيرة المشاهدة بشكل سريع. تحوّل باسم يوسف، الذي صرح أنه متأثر جدًا من أسلوب جون ستيوارت وبرنامج “The Daily Show”، إلى أشهر اسم بالنسبة لرواد شبكة الإنترنت في الشرق الأوسط.

ضمت القناة التلفزيونية المصرية ONTV ، بعد 3 أشهر و 5 ملايين مشاهدة في اليوتيوب، يوسف لطاقم عملها وأنتجت برنامجه “البرنامج”. أعطى نجاح الجراح المصري المفاجئ الإلهام للكثيرين في العالم العربي وتمت دعوته في حزيران من العام 2012 إلى برنامج جون ستيوارت. حظي يوسف بالكثير من الإشادة من مقدم البرامج الأمريكي الشهير والذي جاء لاحقًا حتى إلى القاهرة وحل ضيفًا على برنامج يوسف.

تونس، الدولة التي أشعلت "الربيع العربي" (AFP)
تونس، الدولة التي أشعلت “الربيع العربي” (AFP)

تم بث الموسم الثاني من برنامج “البرنامج” على شبكة الـ CBC الرئيسية، في قلب القاهرة وأمام جمهور حي وفي أستوديو ضخم. استمر يوسف بتوجيه انتقاداته اللاذعة ضد الذين كانت في أيديهم السلطة، محمد مرسي وحركة “الإخوان المسلمين”. حظي البرنامج بنسبة مشاهدة كبيرة جدًا، حيث تم تسجيل 24 مليون مشاهدة في التلفزيون وأكثر من 184 مليون مشاهدة على الإنترنت. بدأ، بالمقابل، بالكتابة في الصحيفة المستقلة “الشروق” وحتى أنه جاء ضمن قائمة الـ 100 شخصية الأكثر تأثيرًا في العالم حسب صحيفة “التايمز”.

إلا أنه في الوقت ذاته تم إطلاق الكثير من الشكاوى على محتوى البرنامج، من قبل الكثير من المواطنين، الذين اتهموه بمعاداة نظام الحكم والإسلام، إلى جانب ملاحقته المتزايدة من قبل السلطات. عاد البرنامج للظهور ثانية بعد 4 أشهر من التوقف؛ في تشرين الثاني 2013، ولكنه عاد ليترك أثرًا سلبيًا لدى الجمهور المصري. في هذه الأثناء أثار يوسف حفيظة المؤسسة العسكرية العليا، الرئيس المؤقت عدلي منصور، والكثير من مؤيدي “ثورة الـ 30 من حزيران”، الذي أسماها يوسف بالانقلاب العسكري. لم ينظر الرئيس المصري الجديد؛ عبد الفتاح السيسي، إلى التهكم السياسي لباسم يوسف على أنه شيء جيد، حيث أن ذلك النقد كان يتحدى في كل مرة حدود حرية التعبير في البلاد التي راحت تضيق شيئًا فشيئًا على إثر الانقلاب العسكري في تموز 2013. على إثر الضغط الاجتماعي والسلطوي قررت شبكة قنوات CBC أن تنأى بنفسها عن تقديم البرنامج المثير للجدل ووقف بثه. بدأ النائب العام المصري، إضافة إلى ذلك، بتحويل جزء من الشكاوى إلى تحقيقات جنائية ضد يوسف.

http://www.youtube.com/watch?v=FA7wIHOUsWQ

لم ييأس طاقم البرنامج، ففي شهر شباط من العام 2014، عاد البرنامج للظهور على شاشة “MBC مصر”. ولكن، استمر الواقع السياسي الخانق بمطاردة البرنامج وتم توقيفه خلال الانتخابات الرئاسية المصرية التي أُجريت في العام ذاته لأن القابضين على خيوط السلطة لم يرغبوا بأن يؤثر البرنامج على رأي الجمهور في هذه الفترة الحساسة.

كان من المفترض أن يعود البرنامج للعرض ثانية ولكن كان يتم دائمًا اقتطاع مواد تنتقد الانتخابات. جاء الضغط الجماهيري أخيرًا بنتيجة حيث صرح يوسف في شهر حزيران، خلال مؤتمر صحفي، أنه تم إلغاء البرنامج نزولاً عند رغبة قناة MBC . وفي تصريح له قال يوسف: “لا تلائم الأجواء في مصر عرض برنامج سياسي ساخر… تعبت من الصراع من أجل أمني الشخصي وأمن عائلتي”. اعتبر كثيرون أن إلغاء البرنامج هو ضربة قاسية لحرية التعبير في مصر والعالم العربي عمومًا.

وجدت البرامج السياسية الساخرة منبرًا لها على إثر أحداث “الربيع العربي”، سواء كان على القنوات التلفزيونية أو على مواقع التواصل الاجتماعي. تُرجم إحباط الجيل الجديد، من النظام القديم والواقع الذي لا يُحتمل، إلى مزاح ناقد وتهكمي وحظي بنجاح منقطع النظير.

إلا أنه كما يمكننا أن نرى من خلال تجربة باسم يوسف أنه كلما صارت هناك يقظة وتراجع للشكوك التي لفت الثورات العربية، تتعزز قبضة السلطات المحكمة. يمكننا فقط، في هذا الواقع، أن نتمنى أن حرية التعبير والبرامج السياسية الساخرة في العالم العربي لم تقل نكتتها الأخيرة.

نُشرت هذه المقالة لأول مرة على موقع مجلة الشرق الأدنى

اقرأوا المزيد: 1007 كلمة
عرض أقل