فيروز (AFP)
فيروز (AFP)

الإسرائيليون يقعون في حب المطربة اللبنانية فيروز من جديد

المجتمع الإسرائيلي اليوم منفتح أكثر على الموسيقى العربيّة. وتدل على ذلك الشعبية المتزايدة هنا للمطربة اللبنانية الأسطورية فيروز

كانت تلك إحدى أجمل الحفلات التي شاهدتها في حياتي. سافرت مع عدد من الأصدقاء إلى حفلة المطربة اللبنانية الأسطورية فيروز في عمان بالأردن، ونسينا أنفسنا من شدة التأثر. كان ذلك في نهاية كانون الثاني عام 1999، عندما كان الملك حسين مريضا جدّا. ورغم الاحتفاظ بكرسي له في القاعة، كان الجميع يعلم أنّه لن يأتي.

افتُتح الحفل بالنشيدين الوطنيين، الأردني المضيف واللبناني للضيفة، كان ذلك غريبا على مسمعي، ولكنني علمت أنّني لحفل من هذا النوع جئت. علاوة على ذلك، فإنّ أغنيات فيروز وأداءها، مع ردود الفعل القوية من قبل جمهور المعجبين، والرقصات العفوية والحوار الذي ليس بالكلمات بين المطربة وجمهورها؛ كل ذلك تجاوز أي نشيد وطني وأنسى تماما الافتتاحية الرسمية للحفل. استمتعنا كثيرا، حيث قمنا في مساء اليوم التالي بشراء بطاقات للحفلة الثانية. كنّا محظوظين. كانت تلك ناجحة ومؤثرة أكثر من سابقتها.

المطربة اللبنانية العملاقة فيروز (AFP)
المطربة اللبنانية العملاقة فيروز (AFP)

وقد قضينا في شراكة بقية العرب في العاصمة الأردنية الذين قدمنا معهم في زيارة منظمة من يافا. جاء هؤلاء من مدن وقرى مختلفة في أنحاء إسرائيل/ فلسطين، بينما فوجئ بعضهم من وجود يهود يسافرون إلى حفلة فيروز، بدا الأمر للآخرين واضحا وفقط اختلط عليهم مظهري الأشكنازي.

أذكر أن إحدى الصحف الشهيرة أرسلت مراسلا للحفل وأساءت إليه. لحسن الحظ، فالمجتمع الإسرائيلي اليوم منفتح أكثر بقليل من الماضي على الموسيقى العربيّة. على سبيل المثال، فاز عرض لينا مخول في الموسم الثاني من برنامج الواقع “The Voice”، مع أغنية بالعربية لفيروز ألهبت ليس الحكّام فحسب بل أيضًا معظم الجمهور. صحيح أن هذه معالجة قام بها الملحن زياد الرحباني، نجل فيروز، لأغنية إيف مونتان “Les Feuilles Mortes” وبدا أنّ النغمة كانت سهلة على الأذن الإسرائيلية. ولكن يمكننا أن نرى تجديدا في واقع حضور اللغة العربية في برنامج شعبي يتوجه إلى الجمهور العريض.

ستقدّم مخول في نهاية الأسبوع القادم (5 كانون الأول) في قاعة سانت جوزيف في الناصرة حفلة تكريم لأغنيات فيروز التي احتفلت مؤخرا بعيد ميلادها الثمانين ومن بينها أغنيات كتبها زياد الرحباني.

https://www.youtube.com/watch?v=LkGn0PmNDoc

عملت فيروز منذ بداية احترافها في سنوات الخمسينيات مع الإخوة عاصي ومنصور الرحباني، كما وتزوّجت من الأول أيضًا. عُرف الإخوان رحباني، اللذان كانا ملحّنين، موسيقيين، كاتبي أغان ومسرحيات، في العالم العربي بفضل إبداعهما، وأسلوبهما الموسيقي المميز، وتأثيرات الأنماط الموسيقية المختلفة التي دمجاها مع إبداعهما في الموسيقيّ المحلية، وخصوصا بفضل الأغنيات التي ألّفاها ولحّناها للعروض المسرحية. في بداية سنوات السبعينيات اشتهرا في العالم الغربي أيضًا، وخرج الثلاثة إلى رحلة حفلات في الولايات المتحدة ودول أخرى في أوروبا. كانت أغنيتهم الأكثر شهرة هي “حبيتك بالصيف”، والتي تم تحويلها تحت اسم “Coupabl” (مذنب) لجان فرانسوا ميشيل. أدى أداء الأغنية الفرنسي إلى اشتهار الأغنية في جميع أنحاء العالم. ولا يعلم الكثيرون اليوم أنّها في الأصل أغنية لفيروز والأخوين رحباني.

وقد أصبح زياد الرحباني أيضًا، وهو نجل فيروز وعاصي، موسيقيّا مبدعا، ومؤلفا للمسرحيات الساخرة، وملحّنا موهوبا غزير الإنتاج، ومغنيا وممثّلا. في سنّ السابعة عشرة، عندما كان والده يُعالج في المستشفى واضطرت والدته للغناء دونه، لحّن لها أغنية “سألوني الناس”، التي أصبحت إحدى أشهر أغنيات فيروز. وتمّ مؤخرا تسجيل الأغنية بنسخة عبرية أيضًا، “سألوني”، لفرقة “توركيز”. وقد أثارت الفرقة، التي تقيم الحفلات في هذه الأيام مع أغنيات فيروز، بعضها مترجمة للعبرية وبعضها بالعربية، ضجة خفيفة في العالم العربي. من جهة، كان من اعتبر ذلك بادرة جميلة للمغنية وخطوة مهمة للتقريب بين الشعوب. ولكن إذا أردنا أن نحكم وفقا للتعليقات في الشبكات الاجتماعية، فإنّها في معظمها تعليقات غاضبة تنظر إلى هذا العمل كـ “سرقة ثقافية”، تهين المغنية ومبدعي الأغاني. “لا يبدو لي”، كتب أحد المعلّقين، “أنّ فيروز ستكون فخورة إذا علمت أنّه يتم أداء أغنياتها بالعبرية في إسرائيل”. وتطرّقت تعليقات أخرى أكثر شدّة إلى أنّه بعد أنّ سرق الإسرائيليون أراضي الفلسطينيين وبعد أن سرقوا الأطعمة المحلية، يسرقون الآن التراث الثقافي والموسيقي العربي.

ويبدو أنّ الأمر لا يشغل فيروز ونجلها زياد الذي يلحّن معظم أغنياتها في العقود الأخيرة. ويفكر زياد، الذي اشتهر في العالم العربي بفضل ألحانه الجميلة وبفضل المحتوى الساخر والشائك في أغنياتها ومسرحياته، في مغادرة لبنان لصالح روسيا. قال في مقابلة معه إنّه لن يهاجر وإنما سينتقل فقط للعمل في التلفزيون الروسي، ولكن من الواضح أنه مصاب بخيبة أمل من حياته في لبنان. هناك من يدعي أنّ السياسة تصعّب حياته هناك، سواء بسبب آرائه الشيوعية، أو بسبب تأييد فيروز لحسن نصر الله والنظام السوري، أو بسبب صراع نشأ بينه وبين رئيس تحرير صحيفة “الأخبار” التي يكتب عمودا فيها. وهناك من يدعي أنّه يائس من التجاهل الإعلامي لعروضه الأخيرة. وهناك من يشير إلى أنّه منذ اكتشافه أنّ ابنه، عاصي، ليس ابنه البيولوجي، لم يعد إلى حالته العادية. وأيا كان السبب، فهو يبدو متعبا، مكسورًا ومصابا بخيبة أمل.

نُشرت المقالة للمرة الأولى في موقع صحيفة “هآرتس”

اقرأوا المزيد: 710 كلمة
عرض أقل
الرابحة نوف عثامنة إسماعيل (Flash90/Yonatan Sindel)
الرابحة نوف عثامنة إسماعيل (Flash90/Yonatan Sindel)

العرب في وقت الذروة في التلفزيون الإسرائيلي

نوف عثامنة إسماعيل، الفائزة ببرنامج الطبخ "ماستر شيف" أمس، هي مجرّد عربيّة واحدة من كثيرين نجحوا في الآونة الأخيرة بأسر مشاهدي برامج وقت الذروة الإسرائيلية بسحرِهم. فكيف ينظر إليهم المجتمَع الإسرائيلي، وماذا يمثِّلون؟

وقت حبس الأنفاس – بعد ثوانٍ سيُعرف الفائز بلقب “ماستر شيف”، برنامج الواقع في مجال الطبخ الأكثر مشاهدةً على التلفزيون الإسرائيلي. فجأةً، يحدث الأمر – “نوف، أنتِ “الماستر” القادمة في إسرائيل”، يُعلن أحد الحكّام في البرنامج.

عثامنة (37 عامًا) هي دكتورة في علم الأحياء من باقة الغربية، تعِد، وعيناها مغرورقتان بدموع الفرح، بأنها ستسعى لتحقيق حلمها إنشاء مدرسة للطبخ يرتادها التلاميذ العرب واليهود من جميع أرجاء البلاد لدراسة أسرار الطبخ الشرق أوسطيّ المعاصِر.

رآها مشاهدو البرنامج طيلة حلقات الموسم حائرة في الهوية: عربية، إسرائيلية، تحترم المكان الذي منه أتت والمجتمع الذي تمثّل، لكنها غير مستعدّة لقبول كلّ الإملاءات والقيود التي فرضها ويفرضها المجتمع العربي على المرأة. أوضحت عثامنة نفسها أنّه كان صعبًا عليها مواجهة هويّتها المشطورة إزاء المجتمَع اليهودي الإسرائيلي. فقد كان يهمّها أن تجيد النطق بالعبريّة دون طريقة لفظ مختلفة حتّى لا توسم على أنها من “الأقليات” في المدرسة، كما كان يهمهّا تحصيل إنجازات هامّة في الحياة لتثبت أنها ليست عربيّة تقليدية، تجيد الطبخ، ومكانها المطبخ. ورغم كونها أمًّا لثلاثة أطفال، وحائزة على دكتوراة في الأحياء الدقيقة، فقد كسرت أساطير ومسلّمات اجتماعيّة وخاصّة بالطبخ. فمَن فكّر في وضع سمك في الكبّة؟ وأن يكون لها أيضًا مذاق تابل هنديّ خاصّ؟ ولسببٍ ما، فُتن الحُكّام بسحرها.

السنة الماضية، شاركت سلمى فيومي، عربية متديّنة من كفر قاسم، هي الأخرى في برنامج الواقع “ماستر شيف”، وكادت تخطف المركز الأول، الذي حصل عليه متسابِق آخر نجح في التغلُّب عليها. وتلقّت سلمى عددًا غير قليل من ردود الفعل العنصرية في الإنترنت بادّعاء أنّ وصولها إلى النهائي كان لسبب التمييز المصحِّح.

سلمى فيومي
سلمى فيومي

كان بعض التعليقات المكتوبة حولها في المواقع المختلفة عنصريًّا حقًّا. “هذه الردود لا تفاجئني”، ردّت في مقابلات بعد انتهاء الموسم الماضي من “ماستر شيف”. “تلحق هذه التصريحات الأذى بي، وتغضبني العنصرية دائمًا، لكنّ الناس يدّعون وجود نوعٍ من التفضيل منذ بداية الموسم، وأعلم أنّ هذا ليس أمرًا شخصيًّا. فضلًا عن ذلك، إذا نظرتم إلى نسبة مشاهدة البرنامج والمحبّة التي أجدها في الشارع، تفهمون أنّ هذه الردود تعبّر عن أقليّة. فهي لا تمثّل ما يجري على الأرض. قال لي أشخاص إنهم ظنوا قبل أن يرَوني أنّ العرب لا يجيدون الحديث والتعبير عن أنفسهم، وإنني غيرتُ رأيهم. أنا فخورة بذلك”.

منذ سنوات، يواجه المشاركون العرب في برامج الواقع التعقيد الغريب الذي يرافق مشاركتهم في البرامج الأكثر شعبية في التلفزيون الإسرائيلي. فمن جهة، تراك الدولة كلّها، والشارع يفيض حبًّا. ومن جهة ثانية، ثمة دائمًا أشخاص يجيدون إغاظتهم، لأنهم عرب حصرًا.

“أذكر أنّ البعض قال في الإنترنت إنه لا يحقّ لي أن أغني وأنّ علي الذهاب للغناء في الدول العربية”، تروي مريم طوقان، المشترِكة في الموسم الخامس من برنامج الواقع الموسيقيّ “كوخاف نولاد” (ولادة نجم). وتضيف: “لكنّ هذا لا يثيرني. فهذا لا يساوي شيئًا مقابل الأمور الجيّدة التي حصلتُ عليها من البرنامج”.

توافق فتنة جابر، المشتركة التي وصلت إلى نهائيات “الأخ الأكبر 2” على هذه المقاربة، وتسارع إلى القول: “اتصلت بي نساء من مستوطنة كريات أربع وقلنَ لي إنهن بدأنَ دراسة العربية بسببي، وقالت لي امرأة من بيسان إنها قبل أن تراني لم تستطع أن تسمع عن العرب، أمّا بعد “الأخ الأكبر” فقد أجّرت شقتَها لزوجَين عربيَّين. حتّى إنّ حاخامًا من كندا أتى للقائي. غيّرتُ الكثير، وأشعر بذلك حتى اليوم. فقد ظنّ الناس أنّ المسلمة المتديّنة لا يمكنها أن تبدو مثلي، لكنّ الناس اليوم لديهم نظرة أخرى. ينظرون بشكل مختلف إلى الدين، وإلى آراء العرب وعقليّتهم. من ناحيتي، أظهرتُ أنّ ثمة إمكانية للعيش معًا”.

فتنة جابر
فتنة جابر

برامج الواقع، كما هو معلوم، تحاول جمع متنافسين من شتّى الخلفيات في بيتٍ واحد، ثمّ تمنحهم الفرصة ليجعلوا واحدهم الآخَر يبدون على حقيقتهم. تساعد مشاركتهم بشكلٍ عامّ على إظهار جوانب إضافية في القوالب التي اعتدنا عليها، وتساعد على إعادة خلق الصُّوَر بطريقة حيويّة. لكنّ ما هو صحيح بالنسبة للمشترك “الشاذّ جنسيًّا”، المشترك من جنس “الشرقيّ الحارّ” أو “التل – أبيبية رفيعة الثقافة”، لا يصحّ بالضرورة على المشاركين العرب. فالبروفسور أمل جمال، رئيس برنامج الإعلام السياسي للمديرين في جامعة تل أبيب، يعتقد أنّ مشاركتهم في برامج الواقع تفعل العكس تمامًا: ترسّخ النظرة النمطيّة.

“إنّ حضورهم في هذه البرامج لا يكسر الأفكار المقولَبة مطلقًا، بل يحافظ عليها، فالدراسات تظهر أنّ العربي في برامج الواقع أمر مثير للضحك لا أكثر. إنه نوعٌ من الحيوانات الأليفة التي تُحضَر لزيادة نسبة المشاهدة”. ويتابع: “لاحِظوا مثلًا، أنه في كلّ برنامج واقع هناك عربي أو عربيّة، شخص واحد لا أكثر. يظهر العرب عادةً كشخصيات متديّنة تتجوّل في المطبخ أو عربيات انفعاليّات. إذا سألتِني، فهذه تتمّة مباشرة للعرض المشوَّه للعرب في الإعلام العامّ، حيث يجري عرضنا كمخالِفين أو عوامل تهديد فقط”.

وعدا واقع تحوّل العنصريّة في السنوات الماضية إلى جزء لا يتجزأ من الواقع ومن المجتمَع الإسرائيلي، تجاه القادمين الجدد، الإثيوبيين، العرب، اليهود، المتدينين، والشاذّين جنسيًّا، فإنّ برامج الواقع تُنتج بشكل طبيعي مشاعر عديدة. فعند وصول أشخاص ينتمون إلى هذه المجموعات إلى النهائي، أو فوزهم باللقب، تتضاعف هذه المشاعر، بحيث يتابع كلّ مشاهِد مع مرشّحه حتى النهاية.

تحوّلت برامج الواقع إلى الملعب شبه الوحيد الذي يُعطى فيه تمثيل للوسط العربي على الشاشة الإسرائيلية. فمشتركون مثل فتنة جابر ورنين بولس (“الأخ الأكبر”)، نسرين غندور (“سرفايفر”)، مريم طوقان (“ولادة نجم”)، فراس حليحل (“المليون”)، ولينا مخول ومنار شهاب (“ذا فويس”)، أدّوا إلى وضع فيه برامج الواقع هي المكان المركزي، شبه الوحيد، الذي يلتقي فيه المشاهد الإسرائيلي الشعب العربي، الذي يعرفه غالبًا عبر تقارير إخبارية في شأن النزاعات والعُنف.

المثير للاهتمام هو معرفة نظرة المجتمع العربي في إسرائيل لظهور شخصيات عربية ومشاركتها في برامج التلفزيون الشهيرة. يظهر استطلاع أجري عام 2013 لصالح الموقع الإخباري الاقتصادي “غلوبس” وموقع الإنترنت العربي “بانيت” أنّ 78% من المتصفِّحين يدعمون مشاركة أبناء المجتمع العربي في مثل هذه البرامج. وهذا اتّجاه معاكس لاستطلاع مماثل أجراه الموقع عام 2009. وينتج من الاستطلاع أيضًا أنّ 63% يعتقدون أنّ المشاركة تؤثر في وجهة نظر المجتمَع بين المشاهِدين عامّة، إذ يذكر 40% أنّ التأثير إيجابي، مقابل 23% يرون التأثير سلبيًّا.

وأظهرت دراسة أخرى أجراها في هذا الشأن المركز المتعدد المجالات في هرتسليا أنّ برامج الواقع التي كان فيها مشترِكون عرب منحتهم إمكانية للظهور ووقتًا جيّدَين، ولكن بنسبة لا تزيد عن نسبتهم بين السكّان (20%)، حتّى في حالة فوز المشترِكين العرب. مع ذلك، غابت لغتهم الأم، اللغة العربية، بشكل كليّ تقريبًا عن الشاشة.

ويظهر أيضًا من الدراسة، التي تطرقت إلى الأعوام 2003 – 2007، أنّ النزاع والهوّة بين اليهود والعرب لم يكونا في مركز البرامج التي فُحصت، ولكن في جميع البرامج كانت لحظات طُرح فيها الموضوع بشكل واضح، بما في ذلك النظرة السلبية للمشترِكين اليهود للمشترِك العربي.

في الوقت الراهن، رغم الدراسات التي تثبت غياب التمثيل المناسب والحقيقي للمجتمع العربي في إسرائيل في الذروة التلفزيونية الإسرائيلية، يبقى فقط الأمل بأن يكون المشترِكون العرب يومًا ما، جزءًا لا يتجزأ من الأحلام، خيبات الأمل، الأحاسيس، وقصص النجاح في المجتمَع الإسرائيلي، بحيث لا يجري إدراجهم في إطار “وسط” و”أقلية” مع جميع الأفكار النمطية المرتبطة بهذَين اللقبَين.

اقرأوا المزيد: 1049 كلمة
عرض أقل
المطربة الإسرائيلية نينيت طايب (Flash90/Yonatan Sindel)
المطربة الإسرائيلية نينيت طايب (Flash90/Yonatan Sindel)

ألن نكفّ عن الغِناء؟

ظهرت البرامج التلفزيونية للكشف عن المواهب الغنائية قبل نحو عقد في إسرائيل، لكنها تأبى الاختفاء، بل تتكاثر؛ 4 صِيَغ، عدد لا يُحصى من ساعات البثّ، وتأثير هائل على الحضارة: إنّها صناعة برامج الواقع في إسرائيل

قد يصعُب تصديق ذلك، ولكنّ برامج الواقع التي تهدف إلى تحديد المطرب الكبير القادم ترافقنا منذ أكثر من عَقد. فعام 2003، جرفت إسرائيل موجةٌ من الحماس غيرُ مسبوقة حول برنامج المواهب الأول على الشاشات، “كوخاف نولاد” (ولادة نجم – برنامج شبه مطابق لبرنامج “سوبر ستار”/ “عرب أيدل”). احتفل البرنامج بعقده الأولى، واحتفاءً بالحدث، غيّر اسمه إلى “النجم القادم” ليجتاز تحوُّلًا جديدًا. لكنّ البداية كانت مع “ولادة نجم”، مع المقدّم تسفيكا هدار، ومع صيغة تُتيح للمشاهدين في بيوتهم التصويت وتحديد هوية الرابحين، عبر إرسال رسائل نصية قصيرة (SMS).

في نهاية صيف السنة نفسِها، بلغ الجنون بالبرنامج ذروته. ففي أمسية النهائي، الذي أقيم في شواطئ نيتسانيم، تجمّع عشرات آلاف الشبّان لمشاهدة الظاهرة الثقافية الأكبر في ذلك الوقت، و”النجوم” التي كانت تولد أمام أعينهم، في حفل أشبه بالمهرجان. في تلك الليلة، تنافست نينيت طايّب مع شيري ميمون وشاي جبسو. كانت المنافسة متقاربة بين الثلاثة، واستأثرت بانتباه نسبة مرتفعة من الشعب الإسرائيليّ. في النهاية، كانت نينيت – التي أظهرت صوتًا رنّانًا ومحرّكًا للمشاعر في أغنية “يام شِل دمَعوت” (بحر من الدموع)، لزوهر أرجوف – هي التي نالت أكثر الأصوات وظفرت بالمركز الأول. وخلافًا لعدد من المشتركين الذين فازوا في المسابقات المختلفة لاحقًا، والذين سنتحدث عن بعضهم، فإنّ نينيت نجحت في الحفاظ على مكانتها في النقاش الموسيقي والحضاري في إسرائيل، خلافًا لكلّ التوقّعات المسبقة.

شاهِدوا لتفهموا لماذا كانت نينيت “نجمة” إسرائيل الأولى (الذروة: بعد 04:23)

بعد النجمة التي أتت من الظل في الموسم الأول، واصل برنامج “كوخاف نولاد” تعميق تحكُّمه في الموسيقى الإسرائيليّة. بدأ البرنامج يحدّد الإيقاع ويجذب مغنّين مشهورين ليكونوا حكّامًا، مساعدين، مدرّبين، وغير ذلك من الوظائف التي تهدف إلى منح دقائق من المجد في “وقت الذروة” في المشاهدة، إذ يشاهد معظم الجمهور شخصيةَ الموسيقيين. وبلغ مغنّون أمثال هاريل مويال وهاريل سقعت (الموسم الثاني) أو يهودا سعدو (الموسم الثالث) المراحل النهائية في البرنامج، عارضين أساليب موسيقية دمجت بين التأثيرات المتوسطية وإيقاعات البوب السريعة.

المطرب عومر آدم (Wikipedia)
المطرب عومر آدم (Wikipedia)

لاءمت أغانٍ مثل “نير عل هحلون” (شمعة على الشباك) التي جدّدها مويال، أو “سادوت شل إيروسيم” (حُقول السوسن) التي غنّاها سعدو، الروح التي حاولت إنتاجها القنوات التلفزيونية التجارية في ذلك الحين: روح الوحدة بين كلّ أطياف الشعب، كما يجري التعبير عنها في الموسيقى التي تمزج مميّزات من تيّارات مختلفة في مضمونها.

أصغوا إلى سعدو في تجديد لأغنية شلومو أرتسي، “سادوت شل إيروسيم” (حقول السوسن)

لاحقًا، كانت ممكنةً ملاحظةُ كيف يعكس البرنامجُ المزاجَ الموسيقيّ في إسرائيل، الذي أصبح يميل أكثر نحو الموسيقى الشرقية، لا سيّما في أسلوب البوب، ولكن أيضًا نحو الكلاسيكيّ أكثر. أصبحت الكمنجات مركزية، وأظهر فوز بوعز معودة (الموسم الخامس)، وكذلك الشعبية التي حظي بها عومر آدم (الموسم السابع) أنّ الأذن العاديّة في إسرائيل تنشُد صوتًا جميلًا، ولكن أيضًا صوتًا قادرًا على غناء “موّال” بطريقة بارعة ورنّانة. صحيح أنّ عومر آدم طُرد من البرنامج في منتصف الموسم، بعد أن تبيّن أنّ عمره (16 عامًا) أصغر ممّا قال، لكنه نجح لاحقًا في التألق ليصبح نجمًا بقواه الذاتيّة.

شاهدوا الشاب عومر آدم يؤدّي “إيشاه نئماناه” (امرأة أمينة) ليشاي ليفي

رغم أنّ الكثير من النقد وُجّه إلى البرنامج على مدار السنوات، لكونه يشجّع على النجاح الفوري على حساب العمل الجادّ والاستثمار للمدى البعيد، لكن قياسًا على النتيجة، فقد نجح بقوّة. صوّت الجمهور حاملًا جهاز التحكّم في يده كلّ مرة من جديد. ورغم أقوال النقّاد المشاكِسين، “ابتلع” الجمهورُ بشهيّة كل ما قُدّم له عبر شاشة التلفاز. قبل ثلاثة أعوام، شهد الصيفُ دليلًا إضافيًّا على النجاح الكبير للبرنامج، حين قررت قناة تلفزيونية أخرى استيراد برنامج العثور على المواهب الموسيقية “The Voice” (الصّوت) من هولندا. ورغم أنّ البرنامج قدّم طريقة لتحديد المواهب مغايرة لتجارب الأداء – أصغى الحُكّام للأغاني مديرين ظهرهم للمغنّين، وفقط مَن استدار حكمٌ تجاهه يحظَ بالانتقال إلى المرحلة القادمة – فإنّ المبدأ ظلّ هو هو. من ثمّ، كان مفاجئًا أنه بعد 8 سنوات من ظهورها لأول مرة، لم تختفِ برامج الغناء. على النقيض من ذلك، فقد سيطرت على المزيد والمزيد من مساحة البثّ في ساعات ذروة المشاهدة.

المطرب الإسرائيلي إيال جولان (Flash90/Nati Shohat)
المطرب الإسرائيلي إيال جولان (Flash90/Nati Shohat)

في البرنامج الجديد، كان مطربون معروفون أكثر، مثل أفيف جيفن وسريت حداد، مدرّبين وحكّامًا في آنٍ واحد. فهم يهيّئون المتسابقين للغناء، ويقيّمونهم بعد انتهاء تقديم مقاطعهم. هنا أيضًا، كانت المتسابقتان البارزتان في الموسمَين الأولَين- يوفال ديان (الموسم الأول) ولينا مخّول (الموسم الثاني)- تملكان صوتًا استثنائيًّا وتحكّمًا كبيرًا في الصوت في سلسلة كبيرة من الأوكتافات. كان مدربهما شلومي شبات، أحد نجوم الغناء المُتوسّطي في إسرائيل، ذو الأغاني الضاربة “أبا” (أبي)، “ييش لاخ” (لديكِ)، و”شتدعي” (فلتعرفي)، والذي يتميّز بالأسلوب التركي، الذي يدمج العزف على الطبول وآلات وترية مختلفة. أمسى البرنامج مع بدايته أمرًا يتحدث عنه الجميع وينشغلون به، بما في ذلك البرامج الحوارية، النقد التهكمي، والصحف.

أصغوا إلى يوفال ديان تغني “شئيريوت شل هحييم” (بقايا الحياة)، أغنية حظيت بملايين المشاهدات على Youtube

وبالتوازي مع ” The Voice”، بدأ برنامج جديد مع أكبر نجوم الغناء المتوسطي، “إيال جولان يدعوكَ”. وبعد أن سجّل البرنامجان موسمَين ناجحَين، وخلافًا للمنطق، تقرّر الشروع في برنامج ثالث، موجّه لجمهور الشباب. “إكس فاكتور”، الذي تقدّمه بار رفائيلي، عارضة الأزياء الإسرائيلية العالمية، هو استيراد آخر لبرنامج من خارج البلاد، وهو دليل على أنّ الجمهور الإسرائيلي لم يضجر بعد من سماع أشخاص يجربون صوتهم ويغنّون أمام الميكروفون.

واحدة من أكثر الفائزين إثارةً للاهتمام هي نسرين قدري، التي اختارها إيال جولان وأصدقاؤه من صناعة الموسيقى – الكتّاب، المغنّين، الملحّنين، والنقّاد – في الموسم الثاني من برنامجه. نجحت قدري، عربية مسلمة من حيفا، في تسمير المشاهدين أمام الشاشة، وهم الذين أرادوا سماع صوتها، ولكن أيضًا السماع عنها وعن نمط حياتها، إذ عرضت مزجًا حديثًا بين الإسلام والحياة الغربية، كفتاة تعمل في حانوت ملابس حققت حلمها وأصبحت شخصية معروفة بين عشيّة وضُحاها. حتّى أشدّ النقاد مهاجمةً لهذه البرامج يعترفون أنه رغم جميع مساوئ البرامج من هذا النوع، فهي تتيح لجماهير لا تنال دائمًا منبرًا أن تنكشف بصورة إيجابية في مركز الحدث الحضاريّ في إسرائيل.

أصغوا إلى نسرين قدري تؤدي بشكل مؤثّر أغنية “كِشِهليف بوخيه” (حينَ يبكي القلب) لسريت حدّاد

http://youtu.be/vTdKzmUJEMI

اقرأوا المزيد: 906 كلمة
عرض أقل
تطبيق التوجيه في الطرق Waze
تطبيق التوجيه في الطرق Waze

WAZE: صفقة جوجل الكبرى أصبحت الآن بالعربية أيضًا

سوف يقود تطبيق التوجيه الإسرائيلي الذي اقتنته شركة محركات البحث الضخمة جوجل، سائقين كثيرين من مكان إلى آخر في الدول العربية وباللغة العربية.

شركة الهاي تك الإسرائيلية من مدينة رعنانا، تلك التي تم بيعها قبل أقل من نصف سنة لشركة محركات البحث الضخمة جوجل مقابل أكثر من مليار دولار، وهي تخدم أكثر من 50 مليون مستخدم في مختلف أنحاء العام، بأكثر من 32 لغة، قد طرحت مساء أمس الإصدار العربي للتوجيه.

وأما السفيرة الدولية التي تم اختيار صوتها للتوجيه في تطبيق WAZE ‎ ليست إلا المطربة الإسرائيلية العربية لينا مخول، التي كانت قد فازت مؤخرًا ببرنامج الغناء “The Voice”.

التطبيق Waze باللغة العربية
التطبيق Waze باللغة العربية

وقد وضعت مخول مهاراتها في الغناء جانبًا وكرست جهودها لتسجيل صوت التوجيه الذي سيقف من وراء إرشاد السائقين على الطرقات في طريقهم من مكان إلى آخر في مختلف أرجاء العالم العربي. وفي مقابلة مع القناة الثانية، قالت مخول إنها تأمل في أن تكون سفيرة النوايا الحسنة ليس في مجال التوجيه الجغرافي فحسب، بل كذلك في مجال الطرب والغناء.

Waze تطبيق إسرائيلي
Waze تطبيق إسرائيلي

إذا أخذنا بالحسبان أن هناك مئات ملايين الأشخاص الناطقين باللغة العربية في مختلف أنحاء العالم العربي سيستخدمون في سفرتهم العائلية في مصر، أبو ظبي أو في المملكة العربية السعودية تطبيق التوجيه WAZE، وسيستمعون إلى صوت لينا مخول، فإن احتمال ذلك سيكون كبيرًا.

رافقتكم السلامة …

اقرأوا المزيد: 175 كلمة
عرض أقل