مبانٍ جديدة على إحدى التلال القريبة من ميناء يافا (Noam Moskowitz)
مبانٍ جديدة على إحدى التلال القريبة من ميناء يافا (Noam Moskowitz)

الصراع على يافا الجديدة

ثلاثة عقود من التجديدات في مجال العقارات في يافا تُبعد السكان العرب الأصليين إلى خارج المدينة. ما هي التغييرات التي تطرأ على المدينة وكيف تؤثر عمليات الاستطباق في التوتر بين العرب واليهود؟

افتُتح مقهى جديد في حي يهودا مارغوزا في يافا، وهذا حدث احتفالي، لا سيما بالنسبة للزوج الشاب الذي وصل مؤخرا إلى يافا من فرنسا الباردة، باريس، التي تدور فيها حرب حضارية عنيفة بين الإسلام الشرق أوسطي وبين العلمانية الأوروبية الواضحة أو المسيحية الصليبية، حسب مَن يُطرح عليه السؤال. ينتظر الزوج الفرنسي الشاب الذي اشترى شقة قبل نحو سنة، بمبلغ 3 ملايين شاقل (نحو 787 ألف دولار) بفارغ الصبر اللحظة التي تفوح فيها روائح الخبيز في المقهى الجديد، لتملأ الفراغ في المكان المهجور، وتلبي شهواتهم.

“أنتَ من يافا! يا لها من متعة عند رؤية سكان محليين ينتقلون للعيش هنا في المنطقة الجميلة من المدينة”، هكذا استقبلتني السيدة “ج”. (الاسم الكامل محفوظ في هيئة تحرير الموقع) وهي جارتي الفرنسية. احترتُ عندما سمعتُ أقوالها فيما إذا كان علي أن أنظر إليها كإهانة أو مديح. بصفتي وُلدت في يافا، الجيل السابع، لعائلة تعمل في الزراعة، كانت هذه الأقوال بمثابة بداية بحث داخلي. أي أنها محاولة لفهم ما الذي حدث في العقود الثلاثة الأخيرة؟ إن التغييرات الكثيرة التي طرأت على المدينة وأدت إلى عمليات استطباق مُسرّعة – عملية يدخل فيها سكان أغنياء إلى حي فقير، ويؤدون إلى تغيير طابع الحي وتهميش السكان الفقراء.

مبانٍ جديدة على إحدى التلال القريبة من ميناء يافا (Noam Moskowitz)
مبانٍ جديدة على إحدى التلال القريبة من ميناء يافا (Noam Moskowitz)

الجانب الإيجابي في عمليات الاستطباق بارز: تحظى بنايات مُهملة بتجديدات، تُفتح مصالح تجارية جديدة، تستثمر بلدية تل أبيب يافا في البنى التحتية والنظافة، تزداد الرقابة، يتحسن الشعور بالأمن….وترتفع الأسعار أيضا، يهتم المستثمرون، يبنون، ويرممون…ويصل المزيد من السكان الجدد…ولكن الجانب السلبي في الاستطباق أقل بروزا ويمكن تلخيصه في مفهوم أكثر اتساعا: تهميش لا يمكن تجنبه للسكان المحليين، اليهود أيضا، ولكن تحديدا السكان العرب، الضعفاء، غير القادرين على دفع المبالغ الباهظة لشراء شقق في منطقة المباني الفاخرة.

تهويد مدينة يافا؟

السيد دانييل مونترسكو، بروفيسور في قسم علم الاجتماع والعلوم الإنسانية، ترعرع في يافا على خلفية تلة اندروميدا (Noam Moskowitz)
السيد دانييل مونترسكو، بروفيسور في قسم علم الاجتماع والعلوم الإنسانية، ترعرع في يافا على خلفية تلة اندروميدا (Noam Moskowitz)

ترتعد أرضية المقاهي الجديدة في يافا وفي المصالح التجارية التي تُفتح تحت أقدام اليهود والعرب، سكان المدينة القدماء. ففي جنوب المدينة، في حي العجمي، تقام مشاريع في مجال العقارات الفاخرة، وجزء منها معد لليهود فقط. يحاول نشطاء، غالبًا من اليهود، قدموا إلى الحي من مركز تل أبيب، بلورة برنامج عمل أحيانا ضد المصالح الوطنية، الاقتصادية، والدينية التي تصمم المجال البلدي الجديد لمدينة يافا. لا يمكن تقريبا رؤية نشطاء عرب أو يافاويين محليين في مجموعات النشطاء هذه. الطبقة الوسطى من عرب يافا ليست قائمة، وهي مُرهقة وتقبل المصير بهدوء. ورغم ذلك، ورغم ضعف النشطاء فهم يحاولون المحاربة من خلال ما يعتقدون أنه جزء آخر من سلسلة النشاطات الطويلة لتهميش السكان العرب في المدينة.

“تتغير وجهة مدينة يافا بشكل كبير. فقبل عام 1948، عاش في المدينة نحو 100000 عربي فلسطينيي. ولكن بعد عام 1948، بقي فيها السكان المُستضعفون، بقية اللاجئين الفلسطينيين وتعدادهم 4000 نسمة في غيتو عجمي”، هذا وفق أقوال دانييل مونترسكو، البروفيسور في قسم علم الاجتماع والعلوم الإنسانية، الذي ترعرع في يافا. إنه يُعلّم غالبا في الجامعة الأوروبية المركزية في بودابست، ولكنه يعيش الآن في البلاد ضمن سنة استراحة من العمل. مونترسكو هو يهودي، ابن عائلة مهاجرين من بلغاريا، ترعرع في يافا. حتى إنه تعلم في مدرسة مسيحية خاصة في المدينة. تعرف فيها على السكان المحليين على أنواعهم: “عشتُ مع المسلمين، المسيحيين، وأبناء الدبلوماسيين، ومع أصدقاء لوالدين يهود ومسلمين.

لافتة في مدخل أندروميدا تشير إلى أن الدخول منوط بفحص أمني (Noam Moskowitz)
لافتة في مدخل أندروميدا تشير إلى أن الدخول منوط بفحص أمني (Noam Moskowitz)

وهكذا أعتقد أنه بدأ البحث الخاص بي في مجال علم الاجتماع والعلوم الإنسانية في هذه المدينة”، يقول مونترسكو بينما كنا ندخل من بوابة بناء ضخم يقع على أراضي الكنيسة الأرثوذكسية اليونانية، “تلة اندروميدا”. (يعيش في يافا نحو ‏60000‏ ألف مواطن، ثلثاهم من اليهود والثلث من العرب).

رافق دخولنا إلى باحة المباني الضخمة قلق كبير. رأينا عند وصولنا إلى المنطقة بوابة مكتوبا عليها، “يُسمح بالدخول إلى المنطقة بعد إجراء فحص أمني”، وهو رمز لاذع لا يمكن أن يتجاهله من لا يسكن في المنطقة “نحذركم أننا لسنا معنيين بأن تدخلوا!”.

رسالة مزدوجة

في مستند الرأي الذي قُدِّم في عام 2013 إلى المحكمة الإسرائيلية، جاء فيه أن تهميش السكان القُدامى في إسرائيل هو تأثير سلبي مركزي للاستطباق. “هناك طريقتان مركزيتان للتهميش”، كتب الباحثون. “الأولى هي طريقة مباشرة ويُطلّب فيها من الجمهور القديم مغادرة مكان سكنه بأمر من السلطات أو سلطات القانون. هذا ما يحدث مثلا في الحالات التي تُخلى فيها المباني الخطيرة، في مشاريع هدم المباني وإعادة بنائها، وغيرها. الثانية وهي تهميش غير مباشر، يحدث عندما يضطر السكان الفقراء في المدينة إلى مغادرة منازلهم، لأنهم غير قادرين على دفع التكاليف الباهظة للسكن في المنطقة”.

“تحدث هذه العمليّة منذ وقت في يافا. إن السبب الذي أدى في الستينيات إلى وصول الفنانين اليهود إلى الأحياء الشمالية من يافا، والتي تدعى في أيامنا هذه، يافا القديمة، والوصول البطيء لليهود الأغنياء إلى الأحياء الجنوبية منذ الثمانينات، تحل محله الآن عملية في مجال الأملاك منظمة وساخرة. وقد حدث كل ذلك عندما قررت شركة “عميدار”، شركة حكومية كان من المفترض أن تجد حلولا سكنية للسكان المحليين تولت مسؤولية مئات الأملاك في يافا، أن تضعها تحت خدمة اتحادات في مجال العقارات، لبناء شقق للأغنياء تتضمن منظرا يطل على البحر. وقد بقيت مشكلة صغيرة فقط: تعيش مئات العائلات في هذه الأملاك. ولم تيأس شركة “عميدار” فبحثت وعرفت أن جزءا من الأملاك لم تكن الحقوق فيها منظمة أو متفقا عليها. فضمت بحماس كل أنواع عدم الوضوح القضائي هذه، وأصدرت مئات آلاف أوامر الإخلاء الشاملة للسكان المحليين”، يوضح مونترسكو بينما كنا نتجول في منطقة المباني الجديدة.

“أخرجوا جدتي من منزلها بادعاء أنه قد ينهار وأعطوها شقة أخرى، شقة انهارت بعد أن انتقلت للسكن فيها فورا”

السيد كمال اغبارية يقف على أنقاض البيت الذي أعطته السلطات لجدته بعد إبعادها من بيتها الأصلي (Noam Moskowitz)
السيد كمال اغبارية يقف على أنقاض البيت الذي أعطته السلطات لجدته بعد إبعادها من بيتها الأصلي (Noam Moskowitz)

في محاولة لفهم مشاعر السكان المحليين بشكل أفضل، رافقنا كمال اغبارية، ناشط اجتماعيّ في يافا منذ نحو 25 عاما. في السنوات الأخيرة، كان من كبار المسؤولين في لجنة سكان حي العجمي، ويشغل الآن منصب مستشار رئيس بلدية تل أبيب – يافا لشؤون العرب. وهو اليوم أيضا مدير مركز اجتماعي في حي يهودي في شمال مدينة تل أبيب، العربي الأول الذي اختيرَ لشغل هذا المنصب.

مبانٍ قديمة في حي فقير في يافا (Noam Moskowitz)
مبانٍ قديمة في حي فقير في يافا (Noam Moskowitz)

“لست قادرا على الإشارة إلى مشكلة كبيرة واحدة تعاني منها المدينة: ففيها الجرائم، مشاكل السكن، ووعود لا تتم تلبيتها، السكان المحليون متعبون، وهم مسؤولون عن مصيرهم أيضا”، يقول كمال بينما كنا في طريقنا إلى أفخر منطقة في يافا، في شارع هتسيدف، خط المباني الأول الذي يطل على البحر. “هل ترى هذا البيت، لقد عاشت جدتي فيه. هذا بيت في يافا مبني من التراب المحلي، من الكركار. في منتصف السبعينيات، وصل مسؤولون من سلطة أراضي إسرائيل، وطلبوا من جدتي مغادرة المنزل لأنه على وشك الانهيار. وأعطوها بدلا منه منزلا آخر في بداية الطريق. وفي أحد الأيام، خرجت جدتي لشراء الحاجيات من السوق، وعندما عادت وجدت أن “البيت الجديد”، الذي حصلت عليه، قد انهار. في المقابل، أصبح بيتها الأصلي مبنى عقاريا ضخما يمكنك أن تراه بنفسك”، يقول كمال.

المستوطنون في يافا

منازل فاخرة في شارع هتسيدف، أول خط مع البحر (Noam Moskowitz)
منازل فاخرة في شارع هتسيدف، أول خط مع البحر (Noam Moskowitz)

يمكن ملاحظة العمليّة الاقتصادية في يافا جيدا. فإلى جانب المشاريع الفاخرة الواقعة في حيّي العجمي والجبلية المجاورين للبحر – كما يسميهما مونترسكو “حيّين سكنيين مغلقَين” (Gated Comunities) – في السنوات الماضية، بدأ الشبان والطلاب الجامعيون يغمرون مناطق في شارع يهودا هياميت ويهودا مارغوزا، وسوق الرابش. إنهم أكثر ليبرالية ولديهم وعي سياسيًّ، ويتمتعون بتناول حلوى الكنافة صباحا وبصوت المؤذن في الليل. فهم يعتقدون أن تل أبيب متجانسة ومملة. “لقد انتقلت للعيش في يافا من أجل العيش معا” تقول لي “د” وهي طالبة جامعية في كلية أقيمت مؤخرا في المدينة: “لا تجذبني تل أبيب، فهي ليست حقيقية. أما في يافا فأشعر وكأنني في بيتي”.

مستوطنون يتظاهرون في شارع يفيت الرئيسي في مدينة يافا

يصل المستثمِرون في أعقاب الشبّان. فإذا كانت شقة في يافا في الماضي ملجأ اقتصاديا للهروب من جنون غلاء أسعار العقارات في تل أبيب، فإن أسعار أجر الشقق آخذة بالازدياد، وهذا يؤدي إلى رحيل الشبان وقدوم المستأجرين الأغنياء أكثر.

“علينا أن ندرك أنه ينضم إلى العملية في مجال الاقتصاد والعقارات في يافا الجانب الوطني أيضا. إن الصراع في المجال البلدي في المدن المختلطة (المدن التي يعيش فيها عرب ويهود ، مثل مدينة يافا، حيفا أو الرملة) في البلاد يتضمن لاعبين أيديولوجيين، لا يتصدر الدافع الاقتصادي سلم أولوياتهم. تعمل في يافا في السنوات التسع الأخيرة نواة دينية مناوبة، تهدف إلى إقامة “مجتمع قيمي”، يعمل في الحي لدفع القيم الصهيونية الدينية قدما وإقامة مؤسسات تربويّة لليهود فقط. فهم يدعون في أحيان كثيرة أنهم معنيون بعيش حياة مشتركة ولكن في الحقيقة يمكن أن نراهم يخرجون من منازلهم بمجموعات وهم يحملون سلاحا، كأنهم يتجولون في الخليل. ينظر السكان العرب إلى هذه النواة وعملها كمحاولة مؤسسية لتهويد حيّي المدينة عجمي والجبلية. من الصعب اتهامهم. مع دعم اقتصادي متين من قبل المتبرعين الأغنياء من البلاد وخارجها، ودعم شعبة الاستيطان، وعلاقات واسعة في حزب البيت اليهودي، يلعب “المستوطنون في يافا” بالنار فوق برميل من المتفجرات، وفي هذه المرة دون أن يتصدى لهم أحد”، يوضح كمال.

حي فقير في وسط يافا، حي العجمي. لا يستطيع سكان المدينة الشبّان العرب أن يشتروا شققا (Noam Moskowitz)
حي فقير في وسط يافا، حي العجمي. لا يستطيع سكان المدينة الشبّان العرب أن يشتروا شققا (Noam Moskowitz)

“نحن نتحمل المسؤولية بصفتنا سكان المدينة. لا نستطيع أن نسمح للمصير أن يقرر حياتنا. الحلول قائمة وهذا ليس قضاء مبرما. أؤمن بالحلول التي يقترحها رئيس البلدية في تل أبيب يافا عندما يقترح حلول سكن للعرب فقط. فهذا لا يكفي، إذ يستطيع السكان العرب الأغنياء في يافا أن يساهموا أيضا. يوجد الكثير من الأراضي هنا في المدينة. آمل أن يشتروا ويبنوا شققا للأزواج الشابة بأسعار معقولة، وأن يربحوا في الوقت ذاته من هذه الصفقات أيضا”، يقول كمال.‎ ‎

مستقبل أفضل؟

حملة البناء الفاخرة في يافا مستمرة (Noam Moskowitz)
حملة البناء الفاخرة في يافا مستمرة (Noam Moskowitz)

المشاريع الجديدة في يافا متاحة أمام كل المعنيين بشراء شقة، ولكن لا أذكر أن السماسرة في يافا قد نشروا ذات مرة معلومات باللغة العربية. فالسكان المحليون الذين يواجهون مشاكل اقتصادية وضائقة سكن صعبة، يتذمرون بسبب عدم وجود مشروع بناء يمكن أن يكون متاحا أمامهم، في الوقت الذي تُبنى فيه مبان جديدة وفاخرة يمكن أن يشتريها من يدفع المبلغ الأعلى ثمنا.

منازل فاخرة في شارع هتسيدف، أول خط مع البحر (Noam Moskowitz)
منازل فاخرة في شارع هتسيدف، أول خط مع البحر (Noam Moskowitz)

إن ظاهرة الأحياء السكنية المغلقة (Gated Communities) التي تترك فقاعة منفصلة عن الجمال المحلي اليافاوي البارز – آخذة بالاختفاء أيضا. الأقوال المقولبة لليهود فقط في المجمعات الجديدة ليست دقيقة: يرغب المزيد من العرب العيش في المناطق السكنية القديمة ويهتمون بالسكن في المشاريع الجديدة. فمن جهة، يشير هذا التوجه إلى تشكّل طبقة عربية غنية، ترغب في الابتعاد عن روتين الحياة العنيف الذي يُميّز يافا، ولكن ربما تشير أيضا إلى براعم التعايش الطبيعي، الذي يمكن رؤيته منذ الآن في الحوانيت، المقاهي، ومطاعم الحمص، ذات السمعة الجيدة في المدينة.

شارع يهودا مرغوزا الفاخر في مدينة يافا (Noam Moskowitz)
شارع يهودا مرغوزا الفاخر في مدينة يافا (Noam Moskowitz)

اللغة التي أسمعها في الحي الذي أعيش فيه، آخذة بالاختلاط. إن مزيج العربية والعبرية في النقاش المكثّف في الفيس بوك للمجتمع المحلي الصغير في يافا، ربما يشير إلى مستقبل أفضل وأمل ضعيف أنه ربما بسبب المصاعب المشتركة اليوم سيتم التوصل إلى حل خلاق، يكون السكان المحليون الأصليون فيه، عربا ويهودا، مسؤولين عنه.

اقرأوا المزيد: 1581 كلمة
عرض أقل
في تل أبيب يتمتع الأشخاص أيضًا في المقاهي الصغيرة وسط جادة صاخبة (Flash90/Mendy Hechtman)
في تل أبيب يتمتع الأشخاص أيضًا في المقاهي الصغيرة وسط جادة صاخبة (Flash90/Mendy Hechtman)

بالصور: تل أبيب – مدينة المقاهي

رغم أنّ تل أبيب هي مدينة صغيرة نسبيًّا، أصبحت المقاهي فيها أشهر من نار على علم. أمامكم 10 صور مهدئة وساحرة لمقاه في المدينة البيضاء

إنّ التجول مشيا في شوارع مدينة تل أبيب في يوم مشمس يستدعي التساؤل لماذا الناس في عطلة؟

المقاهي في المدينة الأكثر انشغالا في إسرائيل، مليئة تماما في الأيام العادية وأيام الأعياد أيضًا. في أيام الربيع والصيف (وهي معظم أيام السنة في إسرائيل) ستجدون صعوبة في الحصول على طاولة غير مشغولة في شرفة، في جادة أو على مجرّد مقعد بالقرب من ماكينة قهوة.

رغم أن تل أبيب مدينة صغيرة، فإن عدد المقاهي التي تُفتح وتُغلق فيها أسبوعيا، يمكن أن ينافس كل مدينة ولو كانت ضعف حجمها. في كل ساعة من ساعات اليوم ستجدون المقاهي مليئة بالناس الذين يريدون ببساطة الاستمتاع إلى جانب أولئك الذي حوّلوا المقهى إلى مكان العمل الخاص بهم.

هناك الكثير من المقاهي الصغيرة الواقعة في الأحياء في تل أبيب، وقد أقامت بعضها مجموعات من الأصدقاء الذين أرادوا ببساطة افتتاح مكان للقاء لأصدقاء، وبعضها موجود منذ عشرات السنين، وقد تغيّر مالكوها ولكنها حافظت على طابعها، ويقع بعضها في الشوارع الرئيسية في حين أن هناك مقاه تختبئ في الشوارع الجانبية، وتبيع بشكل أساسيّ إلى سكان المنطقة. يبدو معظمها لطيفا ووديا ومن المرجح أنّه بعد زيارتين أو ثلاثة سيتذكّرون كيف تحبّون قهوتكم.

تجوّلت كاميرا هيئة تحرير “المصدر” في المدينة الصاخبة، يوما كاملا وحاولت الحصول من أجلكم على لحظات جميلة من المقاهي الفريدة التي يمكن لمدينة تل أبيب أن تقترحها ومن ثم عرضها ضمن 10 صور.

مقهى على درج (Flash90/Miriam Alster)
مقهى على درج (Flash90/Miriam Alster)
في تل أبيب يتمتع الأشخاص أيضًا في المقاهي الصغيرة وسط جادة صاخبة (Flash90/Mendy Hechtman)
في تل أبيب يتمتع الأشخاص أيضًا في المقاهي الصغيرة وسط جادة صاخبة (Flash90/Mendy Hechtman)
يعمل الأشخاص ويستمتعون بقهوة جيدة (Flash90/Miriam Alster)
يعمل الأشخاص ويستمتعون بقهوة جيدة (Flash90/Miriam Alster)
شبكة مقاهٍ مصمّمة في قلب تل أبيب (Flash90/Miriam Alster)
شبكة مقاهٍ مصمّمة في قلب تل أبيب (Flash90/Miriam Alster)
في الأحياء الراقية في تل أبيب تُسمى المقاهي بأسماء نساء (Flash90/Liron Almog)
في الأحياء الراقية في تل أبيب تُسمى المقاهي بأسماء نساء (Flash90/Liron Almog)
رصيف الفنّ في تل أبيب مزدحم دائما بالمقاهي (Flash90/Gili Yaari)
رصيف الفنّ في تل أبيب مزدحم دائما بالمقاهي (Flash90/Gili Yaari)
أصبحت المقاهي في مدينة يافا (وهي جزء من تل أبيب) مكانا للقاء الشباب (Flash90)
أصبحت المقاهي في مدينة يافا (وهي جزء من تل أبيب) مكانا للقاء الشباب (Flash90)
في المسرح القومي في تل أبيب يحرصون على وجود مقاهٍ مصمّمة وحديثة (Flash90/Hadas Parush)
في المسرح القومي في تل أبيب يحرصون على وجود مقاهٍ مصمّمة وحديثة (Flash90/Hadas Parush)
وهناك لمن يرغب بتناول العصائر ما لا يحصى من الأكشاك في المدينة البيضاء (Flash90/Miriam Alster)
وهناك لمن يرغب بتناول العصائر ما لا يحصى من الأكشاك في المدينة البيضاء (Flash90/Miriam Alster)
يحقّ للحيوانات الأليفة الحصول على قهوة وهواء نقيّ أيضا (Flash90/Serge Attal)
يحقّ للحيوانات الأليفة الحصول على قهوة وهواء نقيّ أيضا (Flash90/Serge Attal)
اقرأوا المزيد: 210 كلمة
عرض أقل
تل أبيب يافا من أجمل المدن في النهار والليل (Osnat Krasnanski)
تل أبيب يافا من أجمل المدن في النهار والليل (Osnat Krasnanski)

يافا من أجمل المدن في النهار والليل

جولة سحرية بالصور في سوق الرابش الجديد - القديم في أزقة يافا القديمة والمزج بين سحر الماضي وابتكار المستقبل

هناك ما لا نهاية من المواقع الجميلة المكشوفة والخفية في يافا والتي يمكن أن يتمتع فيها كل منا. تشهد آلاف السنين من التاريخ أهمية الأزقة القديمة، السوق النابض، الفنادق الفخمة التي تظهر ببطء والمطاعم الفريدة في كل ركن.

بدءا بالمواقع التي تربطنا بتاريخ المدينة وصولا إلى مختلف الأديان: برج الساعة الذي بُني من أجل تمجيد الحاكم التركي، المسجد الكبير “المحمودية” و “سبيل” أبو نبوت الذي بُني من قبل الحاكم أبو نبوت بسبب طرق جباية الضرائب الوحشية الخاصة به، كنيسة القديس بطرس، و هي الوحيدة في العالم المتجهة نحو الغرب، نحو البحر الذي أبحر فيه سمعان لنشر البشارة، برج الساعة، بوابة أبو نبوت، ميناء يافا وبطبيعة الحال سوق الرابش المميّز.

يمزج سوق الرابش في يافا بين القديم والحديث، ويعمل فيه التجار القدماء أصحاب الأثاث القديم، الأغراض القديمة، المصابيح القديمة، التذكارات السياحية بل والملابس القديمة، إلى جانب محلات التصميم الجديدة للمجوهرات، الأثاث، وملابس المصممين.

إلى جانب كل ذلك، نسمع من كل صوب وحدب أصوات الحانات التقليدية التي يجلس فيها الزائرون على مقاعد خشبية منخفضة ويتم صبّ البيرة والعرق مثل الماء، وهناك أيضا مجموعة متنوعة من المطاعم الجديدة والمصممة، والمقاهي. يجعل كل ذلك زيارة يافا بشكل عام وسوق الرابش بشكل خاص تجربة رائعة ومميزة.

ولنقدم لكم جزءا من السحر اليافاوي سواء نهارا كان أو ليلا، قمنا بحملة تصوير قصيرة وجمعنا 10 لآلئ من يافا القديمة وسوق الرابش المذهل، وها هي أمامكم

خلال النهار:

يافا من أجمل المدن في النهار والليل (Osnat Krasnanski)
يافا من أجمل المدن في النهار والليل (Osnat Krasnanski)
يافا من أجمل المدن في النهار والليل (Osnat Krasnanski)
يافا من أجمل المدن في النهار والليل (Osnat Krasnanski)
يافا من أجمل المدن في النهار والليل (Osnat Krasnanski)
يافا من أجمل المدن في النهار والليل (Osnat Krasnanski)
يافا من أجمل المدن في النهار والليل (Osnat Krasnanski)
يافا من أجمل المدن في النهار والليل (Osnat Krasnanski)
يافا من أجمل المدن في النهار والليل (Osnat Krasnanski)
يافا من أجمل المدن في النهار والليل (Osnat Krasnanski)

خلال الليل:

يافا من أجمل المدن في النهار والليل (Osnat Krasnanski)
يافا من أجمل المدن في النهار والليل (Osnat Krasnanski)
يافا من أجمل المدن في النهار والليل (Osnat Krasnanski)
يافا من أجمل المدن في النهار والليل (Osnat Krasnanski)
يافا من أجمل المدن في النهار والليل (Osnat Krasnanski)
يافا من أجمل المدن في النهار والليل (Osnat Krasnanski)
يافا من أجمل المدن في النهار والليل (Osnat Krasnanski)
يافا من أجمل المدن في النهار والليل (Osnat Krasnanski)
يافا من أجمل المدن في النهار والليل (Osnat Krasnanski)
يافا من أجمل المدن في النهار والليل (Osnat Krasnanski)
اقرأوا المزيد: 216 كلمة
عرض أقل
دكان في سوق الرابش (Flash90)
دكان في سوق الرابش (Flash90)

السوق الأكثر شعبية في إسرائيل بموجب جوجل: سوق الرابش

بموجب "جوجل تريندز" فإن عدد مرات البحث عن الأسواق الأكثر شعبية في إسرائيل قد تضاعف مرتين بل ثلاثًا في السنوات الأربع الأخيرة.

سوق الرابش في يافا معروف كمركز استقطاب للسيّاح والكثير من الإسرائيليين، ولكن هذا الأمر أصبح رسميّا: هذا هو السوق الأكثر شهرة في إسرائيل. وقد نشر “جوجل تريندز بيانات جديدة، تقضي أن عدد حالات البحث في محرك البحث حول الأسواق الرائدة في إسرائيل قد تضاعف مرتين بل ثلاثًا بين عامي 2009 و 2013. من بين هذه الأسواق، فإن السوق الأكثر شعبية في إسرائيل هو سوق الرابش الذي يحظى نحو ما معدله 4,400 بحث في كل شهر.

وقد احتل المرتبة الثانية سوق محانية يهودا المشهور في القدس، وحظي بما معدله  2900 بحث شهريًا. حتى قبل عدة سنوات، كان يُعتبر هذا السوق المقدسي سوقًا مشهورًا، غير أنه بموجب جوجل يبدو أن الوضع قد تغيّر. وقد احتل المرتبة الثالثة سوق الكرمل في تل أبيب وقد بحث عنه ما معدله 1600 شخص في الشهر.

كجزء من تجديد المكان باعتباره منطقة سياحية، مرّ المكان بثورة في مجال المطاعم والحياة الليلية (David Katz)
كجزء من تجديد المكان باعتباره منطقة سياحية، مرّ المكان بثورة في مجال المطاعم والحياة الليلية (David Katz)

وفي الوقت الذي يُعتبر السوقان الثاني والثالث سوقَين “كلاسيكيَّين”، يقدمان بالأساس تشكيلة من الفواكه والخضار وسائر منتوجات الطعام (مثل الأجبان، النقانق، المخللات وما شابه ذلك)، فإن سوق الرابش يعتبر مركز تسلية عام، حيث يتم خلال اليوم بيع أثاث قديمة وأغراض مستخدمة، إلى جانب المقاهي ومتاجر البوتيك، وفي المساء يتحوّل إلى مركز نابض بالحياة من الحانات الليلية.

ويمرّ المجمّع في السنوات الأخيرة بتغييرات واسعة النطاق في البنى التحتية، في التصميم المعماري من أجل أن يتماشى مع العصر الحديث‎.‎ كما يشكّل السوق مركزًا هامًا للتعايش، حيث يمر الباعة الجوالون العرب إلى جانب الباعة الجوالون اليهود، وفي نهاية السوق تظهر مئذنة مسجد سكسك إلى جانب الكُنُس.

سوق محانيه يهودا (Flash90Sarah Schuman)
سوق محانيه يهودا (Flash90Sarah Schuman)

إضافة إلى الأسواق الثلاثة الرائدة يسطع نجم سوق ليفينسكي في تل أبيب، سوق الرملة-اللد، سوق هتيكفا وسوق الناصرة. لا شك في أن الأسواق الإسرائيلية هي بين مراكز الاستقطاب السياحية الرائدة في إسرائيل، النظيفة والجميلة وهي تعرض بضاعة طازجة وجيدة. إذا قمتم بزيارة إلى المنطقة، فلا تفوّتوا الفرصة.

اقرأوا المزيد: 275 كلمة
عرض أقل
"الجميلة" بين مطاعم يافا
"الجميلة" بين مطاعم يافا

“الجميلة” بين مطاعم يافا

بعد ثلاثين عامًا في المجال، الشيف صلاح كُردي يستجمع الجرأة وينشئ "الجميلة"، مطعم شيف فاخرًا. الأسماك النيئة، شرائح الخروف، والحمضيات التي تجتمع في وجبات مدهشة تقدِّم الكثير من الاحترام للمطبخ الفلسطيني في يافا. صحتين!

19 أبريل 2014 | 11:21

“إنه ليس مطعمًا فاخرًا”، يسارع صلاح كُردي، شيف مطعم “الجميلة” إلى التصريح، بعدَ أن أوضحتُ له أنني أرسلتُ لتغطية المطعم الفلسطيني الفاخِر الجديد الذي افتُتح في يافا. فرغم المظهر الأنيق للمطعم والمبنى المزخرَف الذي يقيم فيه في قلب سوق يافا، صلاح صادق. الجوّ في المكان جميل لكنه ليس مُصطنَعًا، وهو يعكس رغبة صادقة لجماهير واسعة في المجتمَع الإسرائيلي للتعرُّض لمذاقات جديدة. صحيح أنّ أسعار الوجبات مرتفِعة نسبيًّا، لكنها لا تزال بعيدة عن أسعار المطاعم في تل أبيب المجاوِرة، وتتيح للإنسان العاديّ اختبار تجربة مثيرة.

يؤكّد صلاح انطباعي. “هدفنا هو الطبقة الوسطى. إذا جاءني إنسان جائع يده على جيبه، أقول له إنّه غير مناسِب. إذا كان أحد يظنّ أنه سيُحضِر 10 أولاد ويأكل بـ 300 شاقل، فليس هذا هو المكان الصحيح”. حسب تعبيره، لا تهدف الأسعار المرتفِعة إلى إقصاء أحد من المطعم. فهي تأتي من الاهتمام الذي يوليه بجودة الطعام، الطاقم الذي يعمل معه في المطبخ وخارجه، الموقع في مركز السوق، وطزاجة الموادّ الخام. “أشتري كمّيات صغيرة، وتصلني الموادّ يوميًّا من المزوِّد. للجودة ثمنٌ في أيّامنا”، يوضح.

قبل أن يأتي صلاح إلى طاولتي، قررتُ تجربة بعض مأكولات المطعم. توجّهت النادلة اللطيفة إليّ مع لوائح الطعام، أصغت بانتباهٍ شديد إلى أسئلتي، ونصحتني في النهاية بـشيشبرك الجدّة، معجّنات محشيّة بلحم خروف رُشّت عليها صلصة لبن حارّة، وسلطة فتّوش، مع خيرة الخضار في المنطقة وجبنة ماعز مقليّة. وصلت الوجبتان بسرعة، ورغم وصفهما البسيط في اللائحة، يبدو الفرق واضحًا بين هذا المطعم والمطعم العاديّ.

الوجبات متعوب عليها واللمسة الشخصيّة محسوسة، ورغم أنني تناولتُ في الماضي مأكولات شبيهة في الأسلوب، فإنّ الشعور مختلِف كليًّا. أقطع المعجّنات، وأتمتّع بكلّ لقمة. رغم مذاقه السائد، فإنّ لحم الخروف لا يسيطر على الوجبة، بل يندمج بشكلٍ ممتاز مع العجينة السميكة، وكذلك مع الثوم والبصل المُذابَين داخل الصلصة الحرّة. إنها لذّة صافية حقًّا! تفسير مثير للاهتمام ومختلِف للعجين، الذي يُعتبَر أكلة بسيطة، ويمثّل عظمة الاندماج بين المطبخ الفلسطيني والمطبخ اليهوديّ. تجعل الحيويّة التي يمنحها الاحمرار للسلطة هذه الإضافة اللذيذة اختبارًا، يستمرّ في مرافقتي طوال المقابلة، بين سؤال وآخَر.

أطلب منديل العرايس كوجبة رئيسية، وهو كباب حَمَل مخبوز، مع بندورة محروقة من فوق وخلفية مسبحة عدس من تحت. خلافًا للوجبة السابقة، التي هي عبارة عن تطوير لوجبات شبيهة موجودة في المطبخ الإسرائيلي – اليهودي، فإنني قابلتُ هنا مذاقات وخلطات لم أكن أعرفها. لحم الخروف غنيّ ولذيذ، وكلّ لقمة تكشف عن عالَم جديد ورائع؛ يسيل سائل البندورة على قطَع اللحم ويضيف طعمًا يميل إلى الحموضة؛ فيما عجينة العدس الشبيهة بالحمّص رقيقة النسيج وتعكس أعماقًا في الطعم لم أعرفها موجودة في هذا النوع الجميل من الحبوب.

"الجميلة" بين مطاعم يافا
“الجميلة” بين مطاعم يافا

مباشرةً بعد أن استسلمتُ ووضعت الملعقة والسكّين على الطاولة، سارعتُ إلى إرسال رسالة نصيّة إلى أمّي، طالبًا أن تضيف وجبةً أخرى إلى مائدة العيد… بعد أن أثرتُ غدد الذوق على لساني، وملأتُ بطني بكلّ ما لذّ وطاب، شعرتُ بأنني مستعدٌّ أكثر لمواصلة المقابلة.

س: متى بدأتَ العمل في الطبخ؟

“يأتي الطبخ من البيت. أنا آخر العنقود، ونشأتُ في حيّ ذي ساحة مركزيّة، طبخت فيها جميع الأمهات. تجوّلتُ بينهنّ وقت الطبخ، وكان عملي أن أتذوق شوكولا الكعك بعد التحضير… (ضاحكًا) من هناك كانت البداية. تعلمتُ الكثير من ذلك. فكلّ ما أقدّمه هنا في المطعم هو من هناك، من البيت والساحة”. وفق أقوال صلاح، إنها المقاربة التي تشكّل أساس المطعم، الفكرة التي منحته دفعًا إلى الأمام. “كلّ الوقت، أتذكّر مذاقاتٍ من الماضي، وهذا تمامًا ما فعلتُه هنا – أخذتُ أمورًا من الطفولة، ودمجتُها بأمور آنيّة”.

بدأ مهنة الطبخ قبل ثلاثين سنة، حين بدأ العمل في مطاعم على ساحل يافا، كان اختصاصها الأسماك. “بعد ذلك تنقّلتُ بين أهم الطبّاخين في أيّامنا”، يروي صلاح ويتوقّف برهةً ليحيّي أحد ضيوف المطعم. يبدو أنه الشيف الأخير الذي عمل معه، يائير فاينبرج، الذي تعلّم منه كثيرًا. “تعلمتُ منه تقنيّة التجدُّد في الطبخ – الطبخ الجزيئي. أخذتُ الطرق الجديدة، واستخدمتُها في الأكل العربي، فهذه هي التقنيّة العالية في الطّعام.

س: متى وأين تبلورَ لديك قرار افتتاح مطعم خاصّ بك؟

“كلّ من يعمل في المطبخ ويرى نفسه شيفًا يحلم بإقامة مطعم خاصّ به مع المذاقات التي يحلُم بتقديمها، والطعام الذي يرغب في تحضيره من القلب. في المطاعم، يُملي عليك الشيف أو صاحب المطعم لوائحه الخاصّة. هنا، أنا الشيف والمالك، وأنا أضع نكهاتي ونفسي على المائدة. كلّ ما قرأتَه في لائحة الطعام هو أنا. هذه قصص طفولة، ذكريات، ويجري هذا رغبةً في تقديم الكرامة اللائقة لميراث الطبخ”.

سلطة الفتوش
سلطة الفتوش

س: هذا المطعم مختلِف عن المطاعم العربية التي نراها عادةً في منطقة يافا. فهل هذا مقصود؟

يحرّك صلاح رأسه، ويسارع إلى الإيضاح: “في بيتٍ عربيّ حقيقيّ، ليس معتادًا وضع 20 نوعًا من السلطة على المائدة قبل البدء بتناوُل الطعام. ثمة وجبة رئيسية مع إضافة، فرضًا الأرزّ مع اللبن، أو الأسماك مع السلطة وبعض الطحينة، دون مُبالَغة. قضية السلطات وكلّ ما ترَونه في المطاعم العربية هو شأن سياحيّ أكثر ممّا هو انعكاس للواقع”.

وتابع: “لذا فكّرت: (لحظة، أريد تقديم الحقيقيّ). إنه مطبخ عربيّ يافاويّ، دون تظاهُر سياسيّ”، يتابع صلاح ليوضح أنّ المطبخ الفلسطيني وفق النظرة الإسرائيلية هو مطبخ جليليّ، يركّز كثيرًا على اللحوم، وأنّ معظم الإسرائيليين لا يعرفون أبدًا المطبخ اليافاويّ الأصلي، المرتكز على الأسماك. “أتت الحضارات وذهبت، ومعها المأكولات المختلفة، لكنّها كانت دائمًا مبنيّة على البيّارات والبحر، على الفاكهة، الأسماك، وثمار البحر”.

س: أية وجبة لديها قصّة خاصّة؟

“ثمّة عدّة وجبات هي عبارة عن دمج لحالاتٍ شخصيّة بي، من الماضي والحاضِر. على سبيل المثال، سلطة الجميلة. كأطفالٍ، كنّا نذهب إلى بيّارة جيراننا، وكان لديهم شجرة حمضيّات رائعة، في أحد فروعها مندلينا، وفي فرع آخَر ليمون الجنّة (الغريب فروت). كانت الجدّة الجالسة في ظلّها تجمع الخبيزة، وتحضّر سلطة كنّا نأكلها. بعد ذلك بسنواتٍ، حين عملتُ في البحر، انطفأ المحرّك، ومرّ يوم أو يومان حتّى أتى أحدٌ لإنقاذ القارب، فأكلنا سمكًا نيئًا لنبقى أحياء. تتشابك ذكريات الطفولة مع الجدّة بتجربة التورُّط في البحر، وكذلك الأسماك النيئة في السلطة مع البرتقال، خلطة تجمع الطفولة والبلوغ – سلطة رائعة”.

 منديل العرايس
منديل العرايس

ولاسم السلطة – واسم المطعم كذلك – تفسيرٌ مثير للاهتمام. “دعوتُه على اسم شقيقتي، جميلة – كبادرة حسن نيّة تجاه الأخت التي ربّتني بعد وفاة أمّنا، وكانت العمود الفقريّ للبيت من جهة الطبخ”، يوضح صلاح ويضيف أنّ الاسم يُشير إلى الكتاب الذي كُتب عن يافا قبل سنوات تحت عنوان “يافا الجميلة”.

في هذه المرحلة، أشعر بحاجة متزايدة – السكّر يدعوني. أطلب من صلاح أن ينصحني بحلوى من لائحة مقلَّصة، تكون ذات جودة ومدهِشة. أمامي حلوى باسم مِستيكا، أتساءل ماذا تحوي. إنها المهلبيّة (“لكن ليس كما تعرفُها، بل مع زعفران”، يشدّد متباهيًا بالتابل الثمين)، مقدَّمة برفقة صلصة حمضيّات وكشط قشر برتقال مطهوّ بالسكّر مع كاجو محلّى ومُقطَّع. يملأ مذاق الحمضيّات والورود الخلفية في الفم، لكنه لا يغطّي على نسيج المهلبيّة التي يجري الحرص عليها، ويحصل على انعطاف مع مذاق الزعفران المُميَّز. أثني عليه وأعده بتذوُّق القرع المطهوّ بعصير الهال، والقطايف مع التوت المحلّى في الزيارة القادمة.

س: ماذا يخبّئ لك المستقبل؟ ما هي أمنيتك؟

“المرحلة القادمة؟ مطعم في نيويورك”، يضحك صلاح ويعترف بأنه وصل إلى ذروته: “أنا على قمّة العالم”. رغم ذلك، لا يريد ولا يستطيع النوم على الحرير. “لا يمكن الجلوس بهدوء والاسترخاء. دائمًا، أتأكد من أنّ كل شيء على ما يُرام، كلّ شيء دقيق. أنا مسؤول مسؤوليةً تامّة عن كلّ وجبة. أنا أُملي المكوِّنات، أتابع الطبخ، وأهتمّ بطريقة وضع الطعام في الصحن. كلّ شيء هو جزء من العملية، لا تقرير المذاقات فقط. يهمّني جدًّا أن تكون كلّ وجبة ما قصدتُه بالضبط”.

حلوى المِستيكا، المهلبيّة
حلوى المِستيكا، المهلبيّة

في النهاية، يُعرب صلاح عن أمله في أن يقدّر الجمهور المحليّ في يافا المطعم. “المطعم مفتوح منذ شهر ونصف، ولم يدخُل من يافا أكثر من 4 أو 5 أشخاص. أنا أعطي الاحترام لطعام المدينة، وسكّانها متردّدون”، يعبّر عن خيبة أمل طفيفة، ويوضح: “إنها مأكولات أكلها هؤلاء الناس في البيت”. المشكلة حسب رأيه من جهة عرب يافا هي أنّ ثمة فرقًا لديهم بين ما يأكلونه في البيت وما يأكلونه في المطعم. رغم ذلك، يحافظ على التفاؤل، ويوجز: “رُوَيدًا رُوَيدًا، سيتعلّم كلّ شخص أنه يمكن أن يأكل في المطعم ما يُؤكَل في المنزل”.

اقرأوا المزيد: 1217 كلمة
عرض أقل
يافا القديمة. سوق الرابش (David Katz)
يافا القديمة. سوق الرابش (David Katz)

سوق الرابش في يافا: بين الشعبي والعصري

سوق الرابش في يافا يمر في السنوات الأخيرة بتغييرات كبيرة: بوتيكات فاخرة، معارض فنية، مطاعم، وهو لم يعد شعبيًا

أي شخص في إسرائيل، عربيًا كان أو يهوديًا لا يعرف سوق الرابش في يافا؟ السوق الذي يزدحم بالناس في كل أيام السنة، يشكّل مركز استقطاب ليس فقط للسكان المحليين، بل كذلك للكثير من السائحين الذين يأتون لزيارة المدينة ولعشاق الأشياء النفيسة والأغراض المستعملة.

أشكاك تقدم أدوات من فائض البضائع القديمة والجديدة وقطع الخردة (Flash90)
أشكاك تقدم أدوات من فائض البضائع القديمة والجديدة وقطع الخردة (Flash90)

يمر الزوار في أزقة يافا في الكثير من المرات عبر السوق. وعادة فإن المحلات التجارية والأشكاك تكون ثابتة، ولكن يمكن أيضًا العثور على أشكاك تقدم الأدوات بشكل مستقل؛ من فائض البضائع القديمة والجديدة، التحف القديمة، أشياء من الماضي وقطع الخردة.

وقد استخدمت هذه المنطقة، كمناطق أخرى في يافا، من قبل المجمعات الصليبية التي عاشت هناك، ولكنها هدمت وأقيمت من جديد في العهد العثماني. ويعمل السوق في ذلك المكان منذ القرن التاسع عشر، فقد ازدهرت في تلك الفترة الحياة التجارية المحلية، وكانت يافا مدينة فيها ميناء ومركزًا للحجاج في طريقهم إلى القدس أو إلى مكة. وقد تبلور السوق في عصر الانتداب البريطاني ليصل إلى ما هو عليه حاليًا.

ويمرّ المجمّع في السنوات الأخيرة بتغييرات واسعة النطاق في البنى التحتية، تغييرات في التصميم المعماري من أجل أن يناسب العصر الحديث. ويمكن ملاحظة هذه التجميلات في السنوات الثلاث الأخيرة: فإلى جوار بائعي الشارع، الذين يناضلون في الشمس الحارقة، وتجار التحف القديمة الذين يكتفون بمراوح معدنية صاخبة للتبريد، يقع مكان التجار الجدد، الذين لا يشعرون إطلاقا بحرارة الصيف أو برد الشتاء. إنهم لا يعرقون، ولا يتبللون من الأمطار، ولا تختلط بضاعتهم بروائح السوق اللاذعة. ويستقبلون الزبائن في محلاتهم المكيّفة، المعطرة والعصرية.

كجزء من تجديد المكان باعتباره منطقة سياحية، مرّ المكان بثورة في مجال المطاعم والحياة الليلية (David Katz)
كجزء من تجديد المكان باعتباره منطقة سياحية، مرّ المكان بثورة في مجال المطاعم والحياة الليلية (David Katz)

وقد تم إجراء هذا التغيير بفضل مبلغ 100 مليون دولار كانت قد دفقته بلدية تل أبيب – يافا في العقد الأخير من أجل تجديد سوق الرابش ومجمّع ميدان الساعة. وقد بدأ الأمر يعطي ثماره مؤخرًا. فقد بدأت ماركات الأزياء في الدخول إلى السوق الذي لم تكن قد انتشرت فيه محلات الأزياء حتى هذا الوقت، وينتشر فيه العاملون في القطاع العقاري ليلا ونهارًا، وبدأت إقامة الكثير من المشاريع العقارية المرموقة. وأصبحت الشوارع المكشوطة والملوثة خلابة، ويطلّ المصمّمون المحليون من كل زقاق.

يمرّ السوق في السنوات الأخيرة بتغييرات واسعة في البنى التحتية، تغييرات في التصميم المعماري ليناسب العصر الحديث (Flash90)
يمرّ السوق في السنوات الأخيرة بتغييرات واسعة في البنى التحتية، تغييرات في التصميم المعماري ليناسب العصر الحديث (Flash90)

وتترافق هذه العملية السريعة والجذرية مع مشاعر مختلطة. يرى أنصارها أن المنطقة تتحول إلى جوهرة يافاوية محدّثة، ويقارنون بينها وبين حيّ “نافيه تسيدك” في الجهة الشمالية منها. والمتحفّظون غير معجبين بمقارنتها مع ذلك الحيّ الفاخر، ويخشون أن تسحق هذه العمليات في نهاية المطاف الأصالة والزيادة في مستوى الأسعار.

هناك آثار أخرى للزيادة في الأسعار والفوائد في المنطقة: فعلى سبيل المثال تظهر في نهاية السوق مئذنة مسجد سكسك، وتذكر الناس في السوق بالحاجة إلى التعايش في المنطقة. خلال 61 عامًا كان المسجد مغلقا ومهجورًا، واستخدم في أعمال تجارية مختلفة، وفي صيف 2009، بدأ نشطاء الجمعية الإسلامية في يافا بأعمال ترميم واسعة النطاق، من أجل إعادة فتحه. وقد قوبلت الخطوة بأصوات معارضة. فقد قامت إحدى المقيمات في السوق، وهي ممثلة سكان المنطقة، بنشر طلبها الذي أرسلته لرئيس البلدية في أحد المواقع الإخبارية المحلية. وبحسب ادعائها، فإن التجديدات في المسجد قد قامت دون تصريح، وهذا يعتبر انتهاكًا للملكية. وقد أعربت عن قلقها في أن يشكل المسجد عبئا ثقيلا على سكان السوق: “يأتي إلى المكان عشرات المصلّين، حيث يقيمون صلواتهم ويجتمعون لتدخين الأراجيل. إنْ كان هذا هو ما يحمله المستقبل لنا، فإن حياتنا لن تطاق”، هكذا كتبت.

بدأت ماركات الأزياء تدخل إلى السوق (Flash90/Liron Almog)
بدأت ماركات الأزياء تدخل إلى السوق (Flash90/Liron Almog)

وقد رد على هذه الأمور أحمد مشهراوي، الذي كان عضوًا في مجلس مدينة تل أبيب (باسم حزب ميرتس)، في نفس الموقع الإخباري. وعلى ما يبدو أن كلماته تعكس مشاعر سكان يافا العرب، الذين يراقبون عن بعيد تحوّل السوق إلى مجمّع فاخر: “أنت، كيهودية، يمكنك في كل لحظة أن تقومي وأن تذهبي لشراء قطعة أرض في كل مكان في الدولة. أما أنا، كعربي، لا أستطيع أن أتزحزح من عدة كيلومترات مربعة مخصصة لي في يافا. لا يوجد لدي أي مكان أذهب إليه. ولدتُ هنا، وتتواجد هنا في يافا بعض الرموز الدينية والثقافية المرتبطة بي كأقلية”. وقد افتتح المسجد قبل قرابة الأربع سنوات، رغم أنف الأصوات المعارضة، في حفل حضره عشرات المصلين المسلمين.

كجزء من تجديد المكان باعتباره منطقة سياحية، مرّ المكان بثورة في مجال المطاعم والحياة الليلية. فإلى جانب البوفيهات والمطاعم الناشطة، قامت مطاعم، ومقاهٍ وحانات عصرية. والتغيير الملفت للانتباه: من يحضر إلى السوق في ساعات الليل سوف يفاجأ بعدد الزوار وبكثرة عدد أماكن الاستجمام التي يوفرها المكان. مطعم إيطالي، سوشي، محلات البوظة، حانات الأحياء، وأماكن أخرى.

أصبح الدمج بين الجديد والقديم هو الاسم الثاني للسوق، والذي كما يبدو سيبقى لسنوات عديدة يخدم السكان المحليين غير المتجانسين وزواره من الخارج.

اقرأوا المزيد: 673 كلمة
عرض أقل