هل ستُفصل الأحياء الفلسطينية عن القدس؟

يهدف برنامج جديد إلى إقامة مجلس محلي للأحياء الفلسطينية في منطقة القدس بعد أن يوافق عليه نتنياهو، ويسعى في الواقع إلى تقليل عدد الفلسطينيين المسجلين بصفتهم سكان المدينة الذين يقدر عددهم بنحو 100 ألف

29 أكتوبر 2017 | 11:22

هذه هي المرة الأولى منذ عام 1967 التي تسعى فيها إسرائيل إلى تقليص منطقة نفوذ بلدية القدس. في حال تمت الموافقة على البرنامج الاستثنائي، الذي يدفعه الوزير زئيف ألكين من حزب الليكود، فستخضع كل الأحياء الفلسطينية وراء جدار الفصل لمجلس محلي واحد، مستقل عن القدس.

يتضمن البرنامج الذي كشفت عنه صحيفة “هآرتس” اليوم مخيّم اللاجئين شعفاط والبلدات المحاذية له في شمال شرق القدس، وبلدة كفر عقب شمال القدس، وقرية الولجة في جنوب القدس، وجزءا من بلدة السواحرة. لا أحد يعرف عدد السكان في هذه المناطق، لكن تشير التقديرات إلى أنه يتراوح ما بين 100 – 150 ألفا؛ يحمل ما بين ثلث وحتى نصف هؤلاء السكان الفلسطينيين بطاقة الهوية الزرقاء، أي أنهم يتمتعون بمكانة مقيمين.

يشار إلى أنه منذ بناء جدار الفصل في القدس، قبل نحو 13 عاما، جرى عزل المناطق الفلسطينية (باستثناء الولجة، التي يتم فيها إكمال الجدار في هذه الأيام فقط)، رغم أنها تشكل جزءا من منطقة نفوذ بلدية القدس. في أعقاب إقامة جدار الفصل توقفت البلدية، الشرطة، وسائر السلطات الإسرائيلية عن تزويد خدماتها مثل إخلاء النفايات. لم تعد الشرطة مسؤولة عن هذه المناطق تقريبا، ولم يعد البناء مراقبا، وطرأت أعطال صعبة على البنى التحتية. أقيمت عشرات آلاف الوحدات السكنية متعددة الطوابق دون تصاريح بناء، وقد بدأت تنشط منظمات الجريمة والتجارة بالمخدرات في هذه المناطق.

ولفت ألكين إلى أن الوضع في هذه الأحياء مأسوي وإلى أنها تشهد اكتظاظا سكانيا (“الوضع أسوأ من تل أبيب” وفق أقواله). ولكن الدافع لديه ليس إنسانيا فحسب، بل هو دافع متعلق بالصراع الديمغرافي بين اليهود والعرب في القدس والزيادة الكبيرة في عدد الفلسطينيين.

 

وفق التقديرات في المنظومة السياسية، فإن رئيس بلدية القدس، نير بركات، هو مَن سيعارض هذه الخطوة بشدة. فمن المتوقع أن تخسر بلدية القدس برئاسته ميزانيات كبيرة بعد عزل الأحياء الفلسطينية. ومن المفترض أيضا أن تعارض هذه الخطوة السلطة الفلسطينية، وأن تعرب أنها تهدف إلى تهويد القدس من خلال إبعاد السكان الفلسطينيين منها، رغم أنه وفق أقوال إلكين أيضا،  قد تخفف هذه الخطوة نقل السيطرة على الأحياء الفلسطينية إلى السلطة الفلسطينية، مع ذلك، قد لا يكون السكان معنيين بهذا البرنامج، لأنهم يتمتعون في يومنا هذا بحقوق اجتماعية مثل التأمين الصحي، الدفعات المختلفة، وخدمات الرفاه، بصفتهم سكان إسرائيليّين.

 

اقرأوا المزيد: 341 كلمة
عرض أقل
أنفاق غزة (Flash90/Abed Rahim Khatib)
أنفاق غزة (Flash90/Abed Rahim Khatib)

حل مشكلة أنفاق حماس: بناء جدار إسمنتي على امتداد 60 كيلومترا

وزارة الدفاع الإسرائيلية تنوي حفر جدار إسمنتي وبنائه حول قطاع غزة حيث سيصل عمقه إلى عشرات الأمتار تحت الأرض، وسيرتفع فوق سطحها أيضًا

كشف تقرير نشرته صحيفة “يديعوت أحرونوت” صباح اليوم (الخميس) أن الخطة تهدف إلى بناء جدار إسمنتي يصل عمقه إلى عشرات الأمتار تحت الأرض وسيرتفع فوق سطحها أيضًا.

أوضحت تقديرات سابقة أن تكلفة بناء مثل هذا الجدار هي مليارات الدولارات، ولكن، وفق الخطة الجديدة يُتوقع أن تصل تكلفته إلى 2.2 مليار شيكل، أي، نحو نصف مليار دولار.

سيمتد الجدار على مسافة 60 كيلومترَا حول القطاع، وسيشكل في الواقع الخط الدفاعي الثالث الذي تبنيه إسرائيل على طول الحدود. وقد بُني الخط الدفاعي الأول في التسعينيات، بعد اتفاقية أوسلو، وأما الخط الثاني فقد بُني بعد قرار الانفصال عن غزة عام 2005. لم يُوفر أي من خطي الدفاع هذين حلاً لمشكلة الأنفاق الهجومية.

وقال مسؤول كبير في وزارة الدفاع البارحة، خلال بيان صحفي موجز تلاه على مراسلين حول نشوب صراع جديد محتمل مع حماس، إن المعركة القادمة ستكون المعركة الأخيرة. ‎ وأضاف: “نحن لا نرغب في السيطرة على غزة، وطالما لا يُرى في الأفق بديل سيطرة فيها، فليس لدينا ما نطمح إليه فيها، ولكن، من جهة أُخرى لا يُمكننا خوض حرب استنزاف لا نهاية لها. لذا، يجب أن تكون المعركة القادمة المعركة الأخيرة لسيطرة حركة حماس على قطاع غزة. نحن لا نبحث عن مُجازفات، ولكن مواجهة حماس هي أمر لا بد منه. “فهي تُشكّل تهديدا مُستمرا، يتزايد مع مرور الوقت، وعلينا أن نكون جاهزين ومُستعدين لمواجهته”.

اقرأوا المزيد: 209 كلمة
عرض أقل
المرشحان كريستي وترامب (AFP)
المرشحان كريستي وترامب (AFP)

مرشّح سيدير الأمور مع “الملك حسين” ومرشح آخر يريد بناء جدار مثل إسرائيل

المرشّحون الجمهوريون لمنصب رئيس الولايات المتحدة يقفون مجددا أمام اختبار ويفشل بعضهم حتى في المعلومات الأكثر أساسية في مجال السياسة الخارجية التي تمارسها دولتهم في الشرق الأوسط

في لاس فيغاس، أُغلِقت بعد منتصف الليل (الأربعاء) المناظرة الخامسة للحزب الجمهوري في الطريق إلى انتخاب مرشّح الحزب للرئاسة لعام 2016. وقد ظهر في المناظرة المرشحون التسعة الرائدون في الاستطلاعات، وعلى رأسهم دونالد ترامب، والذي أكسبه كونه المرشّح الرائد المكانة المركزية على المنصة. لقد انشغلت المناظرة في معظمها بقضية الأمن في الولايات المتحدة، وبتهديدات الإرهاب والحرب على داعش، بالإضافة إلى موضوع الهجرة إلى الولايات المتحدة.

وبشكل عام توفر مثل هذه المناظرات لمحة عن أفكار المرشحين لوراثة كرسي أوباما في البيت الأبيض وكيف سيديرون إحدى القوى العظمى الأكبر والأكثر نفوذا اليوم في العالم.

https://www.youtube.com/watch?v=Ev-4Z_xE5g0

وقد كانت هناك اثنتين من النوادر التي تفوّه بها مرشّحان رائدان، وهما كريس كريستي ودونالد ترامب.

خلال المناظرة، تشكّلت جبهتان رئيسيّتان: الأولى للمرشّحَين تيد كروز وماركو روبيو، اللذين يحتلان المركزَين الثاني والثالث في الاستطلاعات. لقد ركّزا جميع أسهمهما على بعضهما البعض، ولا سيما، على قضية السياسة الخارجية، ولكن على القضايا الأمنية أيضًا. في المقابل، فقد هاجم المرشّح جيب بوش، الغارق في الاستطلاعات، دونالد ترامب فقط، ونجح في إثارة غضبه قليلا.

دونالد ترامب (AFP)
دونالد ترامب (AFP)

“حظيتُ بنسبة 42% في الاستطلاعات أما أنت فحصلت على 3%. فوضعي أفضل من وضعك بكثير”، هكذا قال ترامب لبوش بازدراء. وقد اشتكى ترامب أيضًا من منظّمي المناظرة، CNN، لكونهم قادوا – كما يزعم – بوش إلى الأسئلة التي ركّزت مباشرة عليه. وقد تطرّق المرشّح الرائد أيضًا إلى إسرائيل في كلامه، وقال إنّه ينوي حلّ مشكلة المهاجرين غير الشرعيين من المكسيك، من خلال بناء جدار حدودي يشبه ذلك الموجود على حدود إسرائيل”. “كل ما هو مطلوب هو التحدث مع الأصدقاء في إسرائيل. فالجدار ذو أهمية”.

والنادرة الأخرى المثيرة للاهتمام والتي تتطرق إلى منطقتنا هي تصريحات حاكم ولاية نيو جيرسي، كريس كريستي، حول موضوع الحاجة إلى محاربة الإرهاب العالمي ولا سيما داعش.

وقد طلب كريستي تركيز اهتمام السياسة الخارجية الأمريكية على موضوع دعم الدول الحليفة في الشرق الأوسط وأشار مباشرة إلى الأردن وزعيمها “الملك الحسين”.

“يجب على من يتولّى منصب رئيس الولايات المتحدة أنّ يمثّل قوة يمكن الاعتماد عليها والوثوق بها… فلا يمكننا أن نثق بهذا الرئيس (أوباما)”، قال كريستي مهاجما.

كريس كريستي (AFP)
كريس كريستي (AFP)

وعندما سُئل ماذا كان سيفعل بدلا من ذلك، قال كريستي “عندما أقف أمام ملك الأردن، الملك حسين، سأقول له ببساطة، سيدي لديك صديق، سيقف إلى جانبك وسيقاتل معك في الحرب”. وأضاف “سيغيّر الملك فعلا رأيه عنّا”.

وبطبيعة الحال فإن ملك الأردن الحالي هو الملك عبد الله، و نجل الملك حسين (الذي توفي عام 1999). ويضع هذا الخطأ علامة سؤال كبيرة على مؤهلات كريستي في مجال السياسة الخارجية والعلاقة بالشرق الأوسط، كما قرّر محلّلون أمريكيون.

اقرأوا المزيد: 386 كلمة
عرض أقل
فنانون عراة أمام جدار الفصل
فنانون عراة أمام جدار الفصل

غضب في الشارع الفلسطيني: نشطاء أجانب يقومون بالتعري أمام جدار الفصل

طلبَ ناشطون إسبان الاحتجاج ضد الجدار وقاموا بالتقاط صور لهم من دون ملابس. لكنّ اللذين تأذوا هم الفلسطينيّون: "أين الاحترام؟ إنّهم كالبهائم"

نُشِرت أمس (الأربعاء) صور لمجموعة ناشطين إسبان مُؤيّدين للفلسطينيّين، واللذين التقطوا صورا لأنفسهم وهم عُراة إلى جانب الجدار الفاصل في القدس، وعلى وجوههم أنف مُهرّج. إذ قصدوا بذلك إبداءَ مُعارضتهم للجدار، إلا أنّ هذا التصوير الاستفزازيّ قد أثار اعتراضا وتعليقات قاسية، خاصّة وسطَ الشعب الفلسطينيّ.

أبدى قسم من المُتصفّحين غضبًا على أنّ الصورة التُقطت على مقربة من مسجد بلال، الذي يقع في المنطقة، وادّعى أنّ هذا العمل يُهين الإسلامَ والنضالَ ضدّ الجدار الفاصل. “أين الاحترام هنا؟ هذا تضامن مُقزّز. يقفون كالحيوانات”، هكذا عقّب مُتصفّح فلسطينيّ على الصور. في حين أشار آخرون بـ “أنّنا قد قلبنا الكفاح المُسلّح إلى كفاحٍ مُشلّح”.

رغم ذلك، كان هناك مُتصفّحون قد أيّدوا نشرَ الصور، وعلّلوا بأنّه بفضل التعريّ سيعي العالم بأسره النضالَ ضد الجدار.

الناشطون اللذين كانوا وراء الصورة هم فنّانون عقدوا في الأسبوع الأخير عروضَ شوارع وفنون في بيت لحم، في رام الله وفي شرق القدس.

وقد أفصحوا أنّ خطوتهم قد أُعدّت بهدف التوضيح بأنّه “حينما نقف أمام الجدار المُخزي هذا، فإنّ الإنسانيّة تتعرّى بأكملها. واتُخذ قرار تصوير مُهرّجين عُراة بهدف التذكير بأنّ كلّ الإنسانية قد خلعت ثوب شرفها عندما سمحت بوجود مثل هذه الجدران”.

اقرأوا المزيد: 177 كلمة
عرض أقل
أطباء إسرائيليون من أجل المرضى الفلسطينيين (Noam Moskowitz)
أطباء إسرائيليون من أجل المرضى الفلسطينيين (Noam Moskowitz)

أطباء إسرائيليون من أجل المرضى الفلسطينيين

أطباء إسرائيليون ومتطوّعون فلسطينيون في نشاط مشترك للتخفيف عن آلام سكان قرية صغيرة في ضواحي مدينة طولكرم الفلسطينية

تخيّلوا الحالة التالية: يوم السبت صباحًا، مجموعة من الأطباء اليهود والعرب، المترجمين والمتطوّعين يتجمّعون في مفرق رئيسي في مدينة الطيبة، على حدود الخطّ الأخضر.

يحظى أفراد المجموعة بإرشاد قصير يرافقه استعداد سريع، ومن ثم يحملون جميع المعدات الطبية ويصعدون لسفر مشترك في الطريق إلى قرية فلسطينية أخرى صغيرة في الضفة الغربية. يُقدّم رئيس المجموعة، الدكتور صالح حاج يحيى، إرشاداً قصيراً للمتطوّعين، “قرية أرتاح” هي قرية صغيرة يبلغ تعدادها نحو 4500 مواطن فقط وتقع قرب مدينة طولكرم، وعلى بعد نحو ربع ساعة سفر من الطيبة، على الجانب الآخر من الخطّ الأخضر. في الفترة الأخيرة اكتُشف في القرية نحو 150 مريضاً يعانون من أنواع سرطان مختلفة. في الغالب يعاني أهل القرية من سرطان الرئة أو سرطان الجلد. هناك أكثر من 3% من السكان الذين يعانون من هذه الأمراض الخبيثة. وهي منتشرة في قرية أرتاح بسبب المصنع الكيميائي الذي يلوث مياه المجاري وهواء القرية منذ فترة طويلة. نحن في منظمة أطباء لحقوق الإنسان نحاول مساعدة السكان بأية طريقة من أجل التغلب على هذا “العملاق الكيميائي” الذي يفسد لهم حياتهم”، كما يلخّص الدكتور حاج يحيى.

الدكتور صالح حاج يحيى (Noam Moskowitz)
الدكتور صالح حاج يحيى (Noam Moskowitz)

يقودنا سفر مدته نحو ربع ساعة بين التلال الخضراء عند مدخل المنطقة A في الضفة الغربية، إلى ضواحي مدينة طولكرم. ينعطف سائق الحافلة الصغيرة إلى اليسار في طريق وعرة ويصل إلى مدخل مدرسة صغيرة في القرية. عند مدخل المدرسة، استقبلتنا لافتة ضخمة سُجّل عليها “المدرسة الابتدائية قرية أرتاح، وزارة التربية والتعليم، السلطة الفلسطينية بمساهمة الأمم المتحدة”.

أطباء إسرائيليون من أجل المرضى الفلسطينيين (Noam Moskowitz)
أطباء إسرائيليون من أجل المرضى الفلسطينيين (Noam Moskowitz)

ومن ثم تقف الحافلة على طريق ترابي. عند مدخل المدرسة، كانت تقف مجموعة من وجهاء القرية ومتطوّعين فلسطينيين محليّين يحملون باقات الورود. نزل الدكتور حاج يحيى أولاً، ثم توجه إلى رئيس القرية، أبو إياد، فعانقه وقبّله واستقبله. بعد ذلك بثوان ثارت ضجة كبيرة في القرية حول “الإسرائيليين المحبوبين”، كما وصفتهم لي أم عيسى (اسم مستعار)، التي جاءت مع ابنها الرضيع من أجل استشارة خبير الأطفال من وفد “الأطباء اليهود”.

أطباء إسرائيليون من أجل المرضى الفلسطينيين (Noam Moskowitz)
أطباء إسرائيليون من أجل المرضى الفلسطينيين (Noam Moskowitz)

توجّه الشبان الفلسطينيون فوراً لمساعدة الأطباء، وأخلوا لهم الغرف الدراسية، وغطوا نوافذ الصفوف بأوراق البريستول الكبيرة من أجل إعطاء العيادات المؤقتة شعور العيادة الحميمية، ووضعوا الفرشات على طاولات التلاميذ وجهزوا طاولات المعلّمين بالأقلام والأوراق.

“نحن نهنئ الأطباء من أجل حقوق الإنسان الذين يأتون إلى قريتنا لمساعدتنا في مواجهة “مصنع جيشوري” المجاور”، كما يقول أبو إياد، أحد زعماء القرية بالعبرية بطلاقة. في محادثة حميمية تحدث لي عن الصعوبات اليومية التي يواجهونها في القرية. “كما هو معروف لك أنا موظف لدى السلطة الفلسطينية في مكتب تنسيق العلاقات الإدارية مع الجانب الإسرائيلي. لم يكن هناك يوم واحد لم نصرخ فيه صرخة ألم السكان من مصادرة الأراضي، ومن تلوّث الهواء من مصنع جيشوري القريب من جدار الفصل، ومن المياه الجوفية التي تضررت، ومن جدار الفصل الذي سلب جزءًا من الأراضي الفلسطينية. لا حياة لمن تنادي. بفضل هؤلاء الأطبّاء الإسرائيليين الذين يساعدوننا في الحصول على تصاريح العلاج الطبي في المستشفيات في إسرائيل، نبقى على قيد الحياة. تساعدنا زياراتهم القليلة كل عام كثيراً. فهم يحضرون معهم الكثير من المعرفة والأدوية، ويحاولون تقديم الدعم قدر الإمكان وحيثما تكون الحاجة”.

مصنع جيشوري قرب جدار الفصل (Noam Moskowitz)
مصنع جيشوري قرب جدار الفصل (Noam Moskowitz)

يتجول الدكتور حاج يحيى بين الصفوف ويتأكد أن جميع الأطباء في مواقعهم. ينضم إلى كل طبيب إسرائيلي خبير طالب طب شاب أيضًا، وغالبا ينضم أيضا شخص عربي أو مترجم مهني، واللذان تشكل وظيفتهما حلقة وصل بسبب صعوبة اللغة.

جاءت أم ماهر إلى العيادة التي أقامها الأطباء في المدرسة وهي تعاني من تعب شديد بسبب مشاكل عانت منها في الكبد مؤخراً. بدأت تشرح المترجمة الشابة المرافقة للطبيبة لأم ماهر ماذا عليها أن تفعل، وأية أدوية عليها أن تتناولها في الوقت الذي كانت تفحص فيه الطبيبة الإسرائيلية صور الأشعة السينية التي قدّمتها لها أم ماهر. وهي صور أشعة سينية تمت تصويرها في مستشفى رئيسي في عمان، الأردن.

أطباء إسرائيليون من أجل المرضى الفلسطينيين (Noam Moskowitz)
أطباء إسرائيليون من أجل المرضى الفلسطينيين (Noam Moskowitz)

كنت أحاول أن أفهم من الدكتور صالح ما هي فاعلية هذه الزيارات لمرة واحدة، وأوضح لي أنّها فعلا تشكل “نقطة في بحر”. “تكمن أهمية هذه الزيارات في التخفيف. أخذنا على عاتقنا في الجمعية مهمة التخفيف قدر الإمكان. كافحنا من خلال الجمعية مع سكان أرتاح أيضًا ضدّ إجراءات قانونية في المحكمة العُليا. انضممنا إلى سكان البلدات اليهودية في المنطقة مثل “شاعر أفرايم” و”نيتسني عوز” لإبداء المعارضة ضدّ المصنع الكيميائي “جيشوري” وخسرنا. أي دعم، لا يهم ما هو حجمه، له أهميته”، قال مضيفاً.

وكيل الموت؟

بين طولكرم ومستوطنة نيتسني عوز الإسرائيلية، في المنطقة C (سيطرة أمنية وإدارية إسرائيلية) من الجانب الشرقي لجدار الفصل، تقع المنطقة الصناعية “نيتسني شالوم”. لقد أقيمت في الثمانينيات، دون خطط للبناء، وتمت المصادقة عليها بعد عقد من ذلك، حيث أشير في المخطط الرئيسي قبل المصادقة النهائية بأنه يجب إجراء مسح التأثير على البيئة وربط المكان بمنظومة مياه الصرف الصحي الرئيسية. وبحسب تقرير لمنظمة أصدقاء الكرة الأرضية، تم نشره في آذار عام 2014، تلوّث مياه الصرف الصحي القادمة من المصنع المياه الجوفية في المنطقة.

حتى اليوم لم يتم القيام بشيء في هذا الموضوع: تعمل المصانع وتتسرب مياه الصرف الصحي إلى طبقة المياه الجوفية، والتي عُرّفت بحسب سلطة المياه بأنها “حساسة بشكل خاصّ” لتلويث المياه الجوفية. هناك في المنطقة آبار عديدة لمياه الشرب، والتي عُثر فيها في العقود الثلاثة الأخيرة على ارتفاع في كمية الملوّثات.

أطباء إسرائيليون من أجل المرضى الفلسطينيين (Noam Moskowitz)
أطباء إسرائيليون من أجل المرضى الفلسطينيين (Noam Moskowitz)

وأوضح معدّ التقرير أن “إسرائيل ليست قادرة على تطبيق القوانين البيئية على المستوطنات والمناطق الصناعية الإسرائيلية خارج الخط الأخضر”، وأضاف أنّ “التشريعات البيئة التي تتم في الكنيست لا تعترف بالبلدات الإسرائيلية الواقعة خارج الخط الأخضر”.

أخبرتني كفاح أبو ربيع وهي أم لطفل مريض في الثامنة من عمره، كيف مرض ابنها بعد أن سقط في قناة مجارٍ تابعة للمصنع: “عندما كان في الثانية والنصف من عمره لعب ابني في الحقل قرب بيتنا. لقد سقط في قناة مجارٍ تابعة للمصنع وكانت تمر قرب المكان، ومنذ ذلك الحين ضعُف جهازه المناعي جدّا، تساقط شعره وتضررت رئتاه وهو يعاني من أمراض متعددة في الجهاز التنفسي.

متطوّعون حيثما يجب

الدكتور أهرون طبيب العظام (Noam Moskowitz)
الدكتور أهرون طبيب العظام (Noam Moskowitz)

من الجدير ذكره أنه ليس جميع المرضى الذين التقيت بهم قد تضرّروا نتيجة لعمل المصنع، كان هناك من جاء لأخذ الأدوية باهظة الثمن والتي توزّعها الجمعية مجانا. وزّع الدكتور حاج يحيى الأدوية في غرفة منفصلة عُلّقت على بابها لافتة بدائية كتب عليها “صيدلية”.

تحدث الدكتور أهرون، طبيب عظام، وزوجته عيريت وهما متطوّعان في الجمعية منذ أكثر من ست سنوات، عن التجربة قائلين: “لا حاجة للكثير من الكلام، نحن جئنا لنعمل عملا صالحا، بعيدا عن السياسة والسياسيين. أرى أن هناك من يعاني من آلام في المفاصل أو آلام في الظهر. فمباشرة أفكر كيف يمكنني أن أخفف آلامه. نتطوّع مرة كل شهر وليته توفر لي الخيار بمتابعة هؤلاء المرضى الفلسطينيين هنا. أقدّم لهم تخفيفا صغيرا قدر الإمكان”. كانت تطلب عيريت زوجة الدكتور أهرون المسارعة في إنهاء المقابلة من أجل البدء في التشخيص الأولي لرجل في منتصف الخمسينيات من عمره ويعاني لفترة طويلة من آلام في الظهر والأطراف.

الدكتور أهرون طبيب العظام (Noam Moskowitz)
الدكتور أهرون طبيب العظام (Noam Moskowitz)

توجهت إلى غرفة أخرى بعد أن بدت لي “مشبوهة” أكثر من غيرها. كُتب على اللافتة البدائية “الوخز بالإبر الصينية” وتساءلت كيف يمكن للوخز بالإبر الصينية أن يساعد المواطن في القرية. كانت تنتظرني الإجابة في الداخل. في حلقة دائرية كان يجلس ويرتاح على المقاعد رجال وشباب في حين كانت الإبر تزيّن وجوههم، آذانهم وأيديهم. وكانت تشرح لهم مرشدة الوخز بالإبر عن أهمية التنفس والاسترخاء الذي يمنحه الوخز.

أطباء إسرائيليون من أجل المرضى الفلسطينيين (Noam Moskowitz)
أطباء إسرائيليون من أجل المرضى الفلسطينيين (Noam Moskowitz)

في زاوية أخرى كان يجلس بعض الأشخاص وينتظرون بصبر طبيبا شابا آخر متخصّصا بالرضّع، وفي كل ركن يتجوّل نشطاء ومتطوّعون فلسطينيون وإسرائيليون وتشغلهم قضية واحدة فقط وهي تقديم المساعدة الطبية لكل من يطلبها. لقد تخيّلت “خلية نحل” نشطة بشكل خاصّ، إسرائيلية وفلسطينية وضعت جانبا الجوانب السياسية والدبلوماسية للصراع ووفّرت دعما نفسيا وطبّيا للناس الذين يحتاجونه.

اقرأوا المزيد: 1140 كلمة
عرض أقل
إسرائيل تمنع الفلسطينيين من ركوب الحافلات ذاتها مع الاسرائيليين لفترة تجريبية (Miriam Alster/FLASH90)
إسرائيل تمنع الفلسطينيين من ركوب الحافلات ذاتها مع الاسرائيليين لفترة تجريبية (Miriam Alster/FLASH90)

إسرائيل تمنع الفلسطينيين من ركوب الحافلات ذاتها مع الاسرائيليين لفترة تجريبية

صادق وزير الدفاع الإسرائيلي، موشيه يعلون، على إجراء تجريبي في الضفة الغربية للفصل بين الفلسطينيين والإسرائيليين في ركوب الحافلات لأسباب أمنية

20 مايو 2015 | 09:53

قررت إسرائيل اليوم الأربعاء منع فلسطينيي الضفة الغربية الذين يتوجهون يوميا إلى إسرائيل للعمل، من ركوب الحافلات ذاتها مع الإسرائيليين اعتبارا من اليوم للعودة إلى منازلهم، بحسب ما أفادت مسؤولة في وزارة الدفاع.

وقالت المسؤولة لوكالة “فرانس برس” طالبة عدم كشف اسمها إنه “بموجب إجراء يدخل قيد التجربة لثلاثة أشهر سيترتب على الفلسطينيين العاملين في إسرائيل اعتبارا من الأربعاء العودة إلى منازلهم عبر نقاط العبور ذاتها بدون أن يركبوا الحافلات التي يستخدمها المقيمون” الإسرائيليون في الضفة الغربية المحتلة.

ويضطر آلاف العمال الفلسطينيين الذين يعملون في إسرائيل إلى المرور عبر أربع نقاط تفتيش للذهاب إلى أماكن عملهم وعند عودتهم إلى الضفة الغربية المحتلة سيترتب عليهم ركوب حافلات فلسطينية وليس إسرائيلية للوصول إلى منازلهم، بحسب المسؤولة.

ويفق وراء هذا القرار وزير الدفاع، موشيه يعالون، الذي يريد “استخلاص الدروس من هذه التجربة بعد انتهاء فترة الاختبار لثلاثة أشهر”. ويرى الوزير أن هذا الإجراء سيسمح “بالسيطرة بشكل أفضل على الفلسطينيين ومن يخرج من إسرائيل وسيحد من المخاطر الأمنية”.

وكان لوبي المستوطنين في الضفة الغربية المحتلة يدعو لسنوات لمثل هذا الإجراء الذي سيجعل تنقل الفلسطينيين يستغرق المزيد من الوقت.

اقرأوا المزيد: 170 كلمة
عرض أقل
أسواق طولكرم (Amer Dacca)
أسواق طولكرم (Amer Dacca)

بين يافا وطولكرم: واقع معقّد ورزق ضيّق

زيارة إلى الأسواق الصاخبة في مدينة طولكرم الفلسطينية، على ضوء حملة المقاطعة الاقتصادية لاستيراد المنتَجات الإسرائيلية، تكشف عن نسيج علاقات اقتصادية معقّدة بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية

السبت، في فترة ما بعد ساعات الظهر الباكرة، وصلت مع بعض الأصدقاء من يافا باتجاه حاجز الدخول إلى مدينة طولكرم الفلسطينية. كانت لدى الدخول إلى حاجز “تيئنيم”، حركة المرور خفيفة في اتجاه واحد. تزحف السيارات الإسرائيلية بعيدا باتجاه معابر طولكرم.

فقد اعتاد مواطنو إسرائيل العرب على الذهاب في نهاية كلّ أسبوع إلى المدن الفلسطينية لشراء المواد الغذائية، الحلويات للمناسبات السعيدة، الأثاث، الملابس والأحذية، بل يأتون أحيانا من أجل تلقّي خدمات طبّ الأسنان في عيادات أطبّاء الأسنان الفلسطينيين، وهو مجال تطوّر كثيرا في السنوات الخمس الأخيرة. والسبب واحد وواضح، وهو أنّ جميع هذه الخدمات أرخص في مدن الضفة، وغالبا ما يكون انتقال البضائع والناس، بين المدن الإسرائيلية (الطيبة، الطيرة، يافا، حيفا إلخ) إلى المدن الفلسطينية (قلقيلية، طولكرم، نابلس ورام الله) سلسًا.

أسواق طولكرم (Amer Dacca)
أسواق طولكرم (Amer Dacca)

كشخص يزور المدن الفلسطينية كثيرا فلا يزال هناك نوع من الشعور بالانفصال، وكأنّه سور افتراضي يفصل بين الوسط الإسرائيلي والوسط الفلسطيني، من النوع الذي لم ينجح أي جانب في اختراقه.

في بداية هذا العام (2015)، أعلن رئيس السلطة الفلسطينية، محمود عباس، عن عدّة إجراءات اقتصادية أحادية الجانب لمقاطعة المنتَجات القادمة من إسرائيل. وقد جاءت هذه الإجراءات كجزء من نشاط الحكومة الفلسطينية في الساحة الدولية لإعاقة تحرّكات إسرائيل. ردّا على ذلك، وبعد توجّه عباس بطلب الانضمام إلى المحكمة الدولية في لاهاي، قرّرت إسرائيل تجميد تحويل أموال الضرائب (التي تجبيها إسرائيل لحساب السلطة الفلسطينية) إلى السلطة الفلسطينية وذلك رغم خشية إسرائيل من أن يضرّ هذا الأمر باستقرار السلطة. وكردّ على ذلك قرّر الفلسطينيون مقاطعة 6 شركات أغذية إسرائيلية (من بينها: تنوفا، عيليت، أوسم وشتراوس).

منتجات الألبان من صناعة شركة تنوفا الإسرائيلية في سوبر ماركت كبير في طولكرم (Amer Dacca)
منتجات الألبان من صناعة شركة تنوفا الإسرائيلية في سوبر ماركت كبير في طولكرم (Amer Dacca)

اعتمد قادة حركة BDS، الرائدة في حملة فرض المقاطعة الدولية على إسرائيل، بسرور القرار الفلسطيني في مقاطعة الشركات الإسرائيلية العاملة في حدود الخطّ الأخضر أيضًا. بل أعرب قسم منهم عن رضاهم عن الاختيار المتكرر لبنيامين نتنياهو، لرئاسة الحكومة الإسرائيلية (في انتخابات آذار 2015)، زعما أنّه هكذا “يظهر وجه إسرائيل الحقيقي”. تُستخدم BDS اليوم كمظلّة تتجمّع تحتها هيئات ومنظّمات معادية لإسرائيل تنشط في الغرب وتطمح إلى رسم صورة إسرائيل كدولة أبارتهايد.

يمكن غالبا أن نسمع من قادة الحركة، أنهم يوفّرون المنصّة الأوسع للاحتجاجات الاجتماعية في الضفة الغربية وغزة. ولكن إذا فحصنا القضية، فيبدو أن الفلسطينيين، في معظمهم، غير مبالين بالفكرة الرئيسية لمقاطعة إسرائيل.

“نريد كسب العيش بكرامة”

شوارع طولكرم تعج بالباعة الفلسطينيين والمستهلكين العرب من سكان إسرائيل (Amer Dacca)
شوارع طولكرم تعج بالباعة الفلسطينيين والمستهلكين العرب من سكان إسرائيل (Amer Dacca)

“الحياة معقّدة أكثر من التصريحات السياسية”، كما قال لي أحد الباعة في أحد متاجر المستحضرات التجيملية الرئيسية في المدينة، قرب ما كان يوما ما السوق الرئيسي في طولكرم، الذي انتقل في الوقت الراهن إلى مقرّه الجديد في الساحة العامّة لمبنى بلدية طولكرم.

“كانت فترة طُلب منّا من قبل مفتّشي السلطة الفلسطينية أن نزيل منتَجات قادمة من المصانع الإسرائيلية. أخذنا مهلة من الوقت، أسبوعين، من أجل القضاء على المخزونات: الصابون، مستحضَرات العناية بالبشرة، مستحضَرات التجميل، مستلزمات النظافة وغيرها… قمنا بذلك. لم يكن لدينا مناصّ”.

مستحضرات تجميلية من صنع إسرائيل في أحد متاجر طولكرم (Amer Dacca)
مستحضرات تجميلية من صنع إسرائيل في أحد متاجر طولكرم (Amer Dacca)

طلب أحمد (اسم مستعار) عدم الكشف عن اسمه الحقيقي، وقال لنا في محادثة حميمية مع تعابير وجه قاسية “ليس الإسرائيليين ولا الفلسطينيين يدعوننا نعيش ونكسب رزقنا بكرامة. تُثقل السلطة والسلطات في إسرائيل على المواطنين الفلسطينيين مع المقاطعات الاقتصادية وتجميد الضرائب. اضطررنا إلى البيع بخسارة منتَجات اشتريناها من إسرائيل. وصلنا إلى حالة بعنا فيها حتى لتجار إسرائيليين منتَجات اشتريناها في إسرائيل، بأسعار التكلفة فقط من أجل التخلّص من المخزونات وحتى لا نكون معرّضين للمطالبات والغرامات من قبل السلطة”.

وجبات خفيفة ومسليات من صناعة شركة أوسم الإسرائيلية (Amer Dacca)
وجبات خفيفة ومسليات من صناعة شركة أوسم الإسرائيلية (Amer Dacca)

رحّب بنا صاحب المكان عند دخولنا إلى متجر ملابس رياضية في شارع جمال عبد الناصر المزدحم. وقد طلب هو أيضًا عدم الكشف عن اسمه الحقيقي. كان المتجر مليئا بالملابس الرياضية العصرية لأفضل الشركات الرياضية العالمية، Nike و Adidas.

وإجابة على سؤالي إذا ما كان معتادا على استيراد بضاعته من إسرائيل، نظر علي (اسم مستعار) إليّ بتعابير جادّة وكأنّه لا يصدّق إطلاقا بأنّني يمكن أن أسأله سؤالا كهذا. “كلا إطلاقًا. نحن نستورد بضاعتنا من تركيا والأردن ولدي القليل من البضائع التي تنتجها الصناعة الفلسطينية بصناعة محلّية ورخيصة بالنسبة للمنافسين الإسرائيليين”.

“هذا التفاح من البلدات الزراعية في الجولان”

"هذا التفاح من البلدات الزراعية في الجولان" (Amer Dacca)
“هذا التفاح من البلدات الزراعية في الجولان” (Amer Dacca)

أكملنا التجوّل في أنحاء المدينة المزدحمة والمغبّرة. ذهبنا عند الغداء إلى أحد المطاعم التي تقدّم وجبات سريعة، “Shawarma Express‏”. كانت وجبة الغداء رخيصة بشكل رهيب. كانت طاولتنا ممتلئة بكل الطيّبات: السلطة، الخبز، واللحم الطازج. بعض المشروبات التي طلبناها تمّ استيرادها من إسرائيل، وكان بالإمكان رؤية ذلك بوضوح على اللاصقات. كان واضحا أنّ قواعد المقاطعة الصارمة، تعرف غالبا كيف تفلت المصالح التجارية من يديها.

واصلنا التجوّل في المدينة مع معدة مليئة. في كلّ متجر أو بسطة توجّهنا إليهما، أصررت على السؤال إذا ما كانت هناك منتَجات مستوردة من إسرائيل. في بعض الأماكن حصلت على إجابة قاطعة وسلبية: “نحن ننتج أدوات الكتابة في المدن الفلسطينية ولا نستورد من إسرائيل. ونحن أيضًا نعتمد أكثر فأكثر على الاستيراد من تركيا”.

مطعم شوارما أكسبرس (Amer Dacca)
مطعم شوارما أكسبرس (Amer Dacca)

كان هناك أيضًا من لم يخجل بأن يقول لنا الحقيقة “هذا التفاح تمّ استيراده من البلدات الزراعية في الجولان. هناك مخصّصات سنوية لكل مدينة فلسطينية للتفاح القادم من الجولان”، كما قال لي أحد الباعة في السوق الرئيسي المجاور لمبنى البلدية في طولكرم، حيث ترفرف في الخلفية لافتة ضخمة تدعو إلى إطلاق سراح مروان البرغوثي، الذي يمكث في السجون الإسرائيلية منذ أكثر من 13 عامًا.

كان يمكن أن نرى في سوبر ماركت رئيسي في ميدان شويكة رفوفًا مليئة بالمنتَجات المصنّعة محلّيّا، في الأردن وحتى في إسرائيل من شركات مثل تنوفا، عيليت أو أوسم. وجد التجّار الفلسطينيّون في السنوات الأخيرة ما لا يُحصى من الطرق من أجل تجاوز الصعوبات الاقتصادية التي تراكِمها عليهم إسرائيل أو السلطة الفلسطينية على حدِّ سواء، ولذلك فقد طوّروا علاقاتهم التجارية الواسعة مع دول مثل تركيا والأردن.

كان شعار معظم التجّار وأصحاب المصالح التجارية الصغيرة الذين تحدّثت معهم قاطعًا وصريحًا: “البراغماتية هو اسم اللعبة. التصريحات على حدة، والسوق على حدة”.

اقرأوا المزيد: 855 كلمة
عرض أقل
  • إسرائيليون يمرّون بجانب جرافيتي مرسوم على مبانٍ في ميناء يافا (Noam Moskowitz)
    إسرائيليون يمرّون بجانب جرافيتي مرسوم على مبانٍ في ميناء يافا (Noam Moskowitz)
  • جرافيتي على جدران حائط مترو، الولايات المتحدة (Wikipedia)
    جرافيتي على جدران حائط مترو، الولايات المتحدة (Wikipedia)
  • جرافيتي في فرنسا (Flash90/Serge Attal)
    جرافيتي في فرنسا (Flash90/Serge Attal)
  • جرافيتي في البرتغال (Flash90/Danielle Shitrit)
    جرافيتي في البرتغال (Flash90/Danielle Shitrit)
  • جرافيتي سياسي في إسرائيل (Flash90/Hadas Parush)
    جرافيتي سياسي في إسرائيل (Flash90/Hadas Parush)
  • رسوم الجرافيتي في ميناء يافا (Flash90/Miriam Alster)
    رسوم الجرافيتي في ميناء يافا (Flash90/Miriam Alster)
  • رسوم الجرافيتي في تل أبيب  (Flash90/Nati Shohat)
    رسوم الجرافيتي في تل أبيب (Flash90/Nati Shohat)
  • رسوم الجرافيتي في تل أبيب  (Flas90/Yonatan Sindel)
    رسوم الجرافيتي في تل أبيب (Flas90/Yonatan Sindel)

الجرافيتي: فنّ متحضّر أم مجرّد خربشة؟

في أماكن مختلفة في العالم، تعجّ شوارع المدن برسوم فتّانة على الأرصفة، المباني، والمباني المهجورة. ما كان يُعتبَر تخريبًا يضيف الكثير من الطابع واللون ويكسر الرتابة.

غالبًا ما يعني كونك فنّان جرافيتي (كتابة على الجدران) أن تبقى في الظل، مجهولًا. يوقّع فنّانو الكتابة على الجدران باسم مستعار هو كناية عن مزيج من الحروف والأرقام، ويصرّ معظمهم على البقاء مجهولين، حتّى لو وصلت أعمالهم إلى المتاحف، أو حتّى بيعت. مَن لم يسمع بِبانكسي؟ إنكليزي، في الثامنة والثلاثين من عُمره تقريبًا، أعماله (غالبًا بقوالب سبك) منتشرة في كل العالم (بما في ذلك جدار الفصل). كُتبت عنه كُتب وعُرضت أفلام وثائقية، لكنّ هويته غير واضحة تمامًا.

جرافيتي في البرتغال (Flash90/Danielle Shitrit)
جرافيتي في البرتغال (Flash90/Danielle Shitrit)

تحوّل فن الجرافيتي في السنوات الأخيرة إلى أشهر من نار على علم في عالَم الفنّ، وما اعتُبر تخريبًا غير شرعيّ سرعان ما تحوّل إلى مُمؤسَس، جزء من المشهد اليوميّ، جزء من الفن المعماريّ للعالَم الجديد.‎ ‎
لكنّ الجرافيتي هو أعرق بكثير من الكثير من مجالات الفنّ الأخرى في العالم.‎ ‎

القليل من التاريخ

الجرافيتي هو رسوم تُرسَم على ممتلكات عامّة أو خاصّة.‎ ‎يمكن أن يكون الجرافيتي فنًّا، رسمًا، أو كتابات.‎ ‎بشكل عامّ، يجري الرسم دون إذن صاحب الملك، ولذلك يُعتبَر انتهاكًا للقانون وتخريبًا.

الجرافيتي قائمٌ منذ أيّام القِدم، فقد وُجدت كتابات الجرافيتي في الإمبراطورية الرومانية واليونان.‎ ‎يمكن القول إنّ رسوم المغارات القديمة هي نوع من الجرافيتي.

ويمكن العثور على أمثلة أولى للجرافيتي في المدينة اليونانية أَفَسُس (في تركيا اليوم).‎ ‎ويبدو أنها كانت إعلانًا دعائيَّا لبيت دعارة.‎ ‎‎كما يمكن إيجاد جرافيتي الفايكينج في روما وإيرلندا.

في العصر الحديث، يمكن اعتبار الكتابات التي رسمها جنود فرنسيون على مواقع مرّوا بجانبها في مصر خلال حروب نابليون جرافيتي (كتابة على الجدران).

جرافيتي على جدران حائط مترو، الولايات المتحدة (Wikipedia)
جرافيتي على جدران حائط مترو، الولايات المتحدة (Wikipedia)

في القرن العشرين، ولا سيّما بعد الحرب العالمية الثانية، اعتادت العصابات البلديّة في الولايات المتحدة على الكتابة على الجُدران عبر بخّ دهان على جدران في مواقع عامّة لتحديد مقاطعتها.‎ ‎وكثيرًا ما كانت الكتابات مرتبطة بحضارة موسيقى الهيب هوب والراب.‎ ‎مع الوقت، لم تعُد للعادة علاقة بـ “ثقافة العصابات”، وأصبحت منتشرة، وكذلك معقّدة وفنيّة أكثر.‎ ‎

جرافيتي إسرائيلي

جرافيتي سياسي في إسرائيل (Flash90/Hadas Parush)
جرافيتي سياسي في إسرائيل (Flash90/Hadas Parush)

فنّ الشارع ناشط في إسرائيل أيضًا.‎ ‎إليكم بعض الأمثلة: “هاروف” (الأكثرية) – مشروع بدأ أوائل آذار 2005، ظهرت خلاله في شوارع مدينة تل أبيب ألوان الأزرق السماويّ – الأسود – الأخضر على نطاق واسع – بدءًا من جدران المدينة وصولًا إلى المقاعد وخلايا الهاتف العمومي.‎ ‎بعد أسبوع، تجلّى أنّ هذا جزء من حملة مموَّلة من متبرع يهودي أمريكي أراد إنتاج شعار جديد، حيث يمثّل الأزرق السماوي الشعب اليهودي، الأخضر الشعب الفلسطيني، والأسود جدار الفصل بينهما.

في إسرائيل، الكتابة “شعب إسرائيل حي” منتشرة، وهي تظهر غالبًا بلون أزرق، مرفقة برسمة لنجمة داود.‎ ‎وكثيرًا ما تُضاف كلمات إلى هذه الكتابات من قِبل بخّاخي جرافيتي آخرين (مثلًا: (إضافة بالأحمر): “شعب إسرائيل يعيش في فيلم” (غير واقعي)، “شعب إسرائيل حي؟”، و”شعب إسرائيل حي وموجود!”).

جرافيتي في فرنسا (Flash90/Serge Attal)
جرافيتي في فرنسا (Flash90/Serge Attal)

وتشيع كذلك الكتابة “ن نح نحمان مئومان” لحاسيديي فروتسواف (تيّار في اليهودية)، وتظهر في مدن كثيرة، سيّما ذات الطابع الدينيّ، بأشكال شتّى.

رسوم على الحائط، المباني، والأرصفة

هناك جرافيتي في كلّ العالم – المدن التي تتصدّر المشهد هي نيويورك، بوينس أيرس، برلين، سياتل، ولندن؛ لكنّ في تل أبيب أيضًا حضورًا قويًّا للجرافيتي.الفنّانون المعروفون والبارزون هم ديفيز، ديديه، كلون، زيرو سينتس(Zero Cents)، وونكي مونكي(Winky Monky)، وآخرون كَثيرون. وأعمالهم المتنوّعة منتشرة على جدران، أبواب، مبانٍ، وأرصفة.

اخترنا لكم بضعة نماذج مثيرة للاهتمام بشكل خاصّ:

رسوم الجرافيتي في ميناء يافا (Flash90/Miriam Alster)
رسوم الجرافيتي في ميناء يافا (Flash90/Miriam Alster)
رسوم الجرافيتي في تل أبيب  (Flash90/Nati Shohat)
رسوم الجرافيتي في تل أبيب (Flash90/Nati Shohat)
رسوم الجرافيتي في تل أبيب  (Flas90/Yonatan Sindel)
رسوم الجرافيتي في تل أبيب (Flas90/Yonatan Sindel)

 

اقرأوا المزيد: 478 كلمة
عرض أقل
كل شهر يدخل ما يقارب 30 ألف مقيم فلسطيني غير قانوني من الأراضي الفلسطينية إلى إسرائيل (Flash90)
كل شهر يدخل ما يقارب 30 ألف مقيم فلسطيني غير قانوني من الأراضي الفلسطينية إلى إسرائيل (Flash90)

ما الذي يدفع المقيمون الفلسطينيون غير القانونيين في إسرائيل إلى الإرهاب؟

حتى الآن تم بناء 65% من الجدار الفاصل ما بين إسرائيل ومدن الضفة الغربية. يثير دخول عناصر معادية عن طريق ثغرات في الجدار قلق الجهاز الأمني الإسرائيلي

إن السهولة المفرطة التي استطاع بها هؤلاء الفلسطينيون الوصول من بيوتهم أو مكان إقامتهم في أرجاء الدولة، إلى أهدافهم حيث نفذوا عمليات دهس أو طعن، لم تفاجئ الجهاز الأمني الإسرائيلي.

وفقًا للبيانات التي نشرها جهاز الأمن العام (الشاباك)، فإن الحديث يدور عن عدد من الطرق التي يعبرها هؤلاء الفلسطينيون غير الشرعيين بشكل منتظم، فكل شهر يدخل ما يقارب 30 ألف مقيم فلسطيني غير قانوني من الأراضي الفلسطينية إلى إسرائيل، مستغلين إزالة بعض الحواجز خلال السنوات الأخيرة.

إن تاريخ الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي حافل بالعديد من الأحداث حيث يستغل شبان فلسطينيون، في الغالب هم مقيمون غير قانونيين يسكنون في مدن إسرائيل، الفجوات الموجودة في الجدار أو مجرد إقامتهم في إسرائيل، لتنفيذ عمليات طعن أو دهس، وخصوصًا بعد موجات الصراع والعنف بين إسرائيل وغزة أو بين إسرائيل ومدن الضفة الغربية.

من المهم أن نلاحظ أن الحديث لا يدور عن ظاهرة واسعة الانتشار. يعبر أشخاص قليلون الجدار الفاصل دون تصاريح الدخول التي تسمح لهم بالإقامة في إسرائيل، ويقررون من تلقاء أنفسهم بأن ينتقموا لأجل الضحايا في غزة نتيجة الحروب بين إسرائيل وغزة.

لماذا يصل مقيمون غير قانونيين إلى إسرائيل؟

القبض على فلسطينيين غير قانونيين داخل المناطق الإسرائيلية (Flash90/Orel Cohen)
القبض على فلسطينيين غير قانونيين داخل المناطق الإسرائيلية (Flash90/Orel Cohen)

يأتي هؤلاء المقيمون غير الشرعيين إلى إسرائيل من أجل كسب الرزق. لا يحتاج الفلسطينيون لجوازات سفر للدخول إلى دولة إسرائيل، فتكفيهم التصاريح التي يمنحها لهم الجيش الإسرائيلي وقوات الأمن الفلسطينية. تحدد أحيانًا في هذه التصاريح الأماكن المسموح دخولها، وفي أحيان أخرى يُسمح لهم بالدخول لكل الأماكن في إسرائيل. ويذكر فيها سبب الإقامة: العمل، الاحتياجات الطبية أو الاحتياجات الشخصية.

أحد الأسباب الأساسية التي تسمح بدخول آلاف الفلسطينيين إلى إسرائيل هي اقتصادية: يحصل عامل البناء الفلسطيني في إسرائيل على ما يقارب 200-300 شاقل (51-76 دولار) مقابل يوم عمل. بينما في الضفة الغربية سيكون دخله مائة شاقل يوميًا، في حال وجد عملًا.

الأسباب الرئيسية للحد من الدخول إلى إسرائيل

القبض على فلسطينيين غير قانونيين داخل المناطق الإسرائيلية (Wikipedia)
القبض على فلسطينيين غير قانونيين داخل المناطق الإسرائيلية (Wikipedia)

بسبب التواصل الجغرافي القائم بين إسرائيل ومدن الضفة الغربية فإن تسلل أو دخول الفلسطينيين غير القانوني إلى إسرائيل يعتبر سهلا وأكثر انتشارا من باقي الدول. يصعب التسلل في المناطق التي أقيم فيها الجدار الفاصل. ويقدّر عدد الفلسطينيين الذين يعيشون في إسرائيل دون تصريح في عام 2009 من قبل مسؤولي وزارة الدفاع ما بين 20 ألف وحتى 50 ألف تقريبا.

تحد إسرائيل من دخول الفلسطينيين رغبةً في منع تنفيذ العمليات الإرهابية، والتقليل من ارتكاب جرائم جنائية كسرقة السيارات، وأيضًا لأسباب تتعلق بسوق العمل في إسرائيل. في مكافحة ظاهرة الإقامة غير القانونية، تم في عام 1996، سن قانون الإقامة غير الشرعية، والذي يحظر تشغيل، ونقل فلسطينيين غير شرعيين. تم سن القانون كإجراء مؤقت، ويتم تمديده كل سنة أو سنتين، حتى تتمكن الكنيست من تحديد شرعيته وتغيير بعض بنوده.

تثير ظاهرة الإقامة غير الشرعية قلق جهاز الأمن، وذلك لأنها تشكل خطرًا أمنيًا عاليًّا، حيث توفر ميزة واضحة لمخططي التفجيرات في المنظمات الإرهابية، مثل الجهاد الإسلامي أو حماس. معرفتهم الجيدة لإسرائيل، قدرتهم على الاندماج في البيئة المحلية وعلاقاتهم مع المهربين والسائقين، كل هذا زاد بشكل واضح من احتمال نجاح عمليات الإرهاب في إسرائيل.

أمنيًّا، لا يمكننا أن ننكر حقيقة أنه ومنذ بناء الجدار الفاصل قلت العمليات الانتحارية في إسرائيل بشكل ملحوظ. لا شك أن الجدار ساهم في ذلك، لكن هنالك عوامل أخرى: التعاون الوثيق ما بين جهاز الأمن الإسرائيلي وأجهزة الأمن الفلسطينية.

يمكننا أن نعتبر المقيمين الفلسطينيين كأرض خصبة لتجنيدهم لعمليات معادية ضد أهداف إسرائيلية، ولكن إحصائيًا تم تنفيذ معظم التفجيرات في إسرائيل عن طريق منظمات إرهابية كبرى بعد الإعداد والتخطيط. على المنظومة الأمنية الإسرائيلية أن تعالج ظاهرة انتفاضة الأفراد حيث يقرر شبان فلسطينيون من تلقاء أنفسهم تفجير أهداف إسرائيلية.

اقرأوا المزيد: 536 كلمة
عرض أقل
الممزقة جدًا؟" data-image_url="https://static.al-masdar.net/uploads/2014/03/f130301ns82.jpg" data-image_width="1600" data-image_height="1066" data-author_name="جدعون ليفي" data-is_type="article">
مدينة القدس (Nati Shohat/Flash90)
مدينة القدس (Nati Shohat/Flash90)

أكره القدس

عمود صحفي خاص ناقد: لماذا اليساري، جدعون ليفي، يكره المدينة "الموحدة"، الممزقة جدًا؟

أنا لا أحب القدس.‎ في الحقيقة، أنا أكرهها كثيرًا. أحاول ألا أصل إليها وأن أخرج منها بأقصى سرعة ممكنة. أساسًا هي مدينة مقرفة وشائنة. في الجزء اليهودي منها هنالك بعض الأشياء النفيسة، كلها في أحيائها القديمة؛ في الجزء الشرقي هنالك المدينة القديمة التي هي رائعة بجمالها بالطبع وبتاريخها. بقية الأشياء: مقرفة. أحياء المستوطنين الجديدة مقرفة والأحياء الفلسطينية القذرة والمهملة مقرفة. كذلك هو حال وسط المدينة. حتى جمال المدينة القديمة مُحي منذ زمن – دائمًا ما تكون المدينة المحتلة هي مدينة مقرفة جدًا.

إلا أنه لا حاجة أن تكون أية مدينة جميلة لكي نحبها. تل أبيب ليست جميلة ولكنها محبوبة. لا يمكن لأي لإسرائيلي علماني، ليبرالي وإنساني أن يُحب القدس – لا يمكن أن أحب مدينة في وضعها اللا أخلقي. وقدسيتها كذلك لا يمكنها أن تُحاكي قلب إنسان علماني، ولا شك بأنه لا يستطيع تقبُل المُسَلَّمات السياسية المبالغ بها والنابعة من قُدسيتها. على الإسرائيلي من هذا النوع أن يثور ضد عملية غسل الدماغ الدينية – القومية، التي تُحيط بالقدس. هذه ليست غايته، ولا يجب أن يكون هناك إجماعٌ حول القدس.

بدأ ذلك المسار في اليوم التالي لاحتلالها وتعاظم لاحقًا. ووقعت أنا حينها، في خٍضم تلك الحرب وبينما كنت لا أزال شابًا، أيضًا ضحية عربدة “العودة إلى أرض صهيون المقدسة”، كحال كل أبناء جيلي. تأثرت حتى البكاء لرؤية حائط المبكى، قبر راحيل والحرم الإبراهيمي. لم نر أبدًا ما كان حول تلك الأماكن.

جاءت لاحقًا سنوات الرومانسية، وكانت عمياء ومتجاهلة بشكل يفوق ذلك: الرحلات الليلية في المدينة القديمة، الحمص، طالبات الجامعات المرتديات الفساتين الجاهزة من السوق، النبيذ من كريمزان (نبيذ كان يصنعه رهبان “دير كريمزان” القريب من القدس) والطاولات النحاسية في كل صالون. أحببنا القدس. أحببناها أساسًا لأن السفر إليها كان يُشبه السفر إلى مكان آخر، في الوقت الذي كانت فيه تلك الرحلات قليلة. شعرنا ونحن في القدس بأننا خارج البلاد، لا دخل لقدسيتها ولا يهوديتها. انتقل بعض الأصدقاء للعيش في دير رهبان في شرقي المدينة. كنا علمانيين وكنا كالحالمين. أحببنا القدس وكنا نعتقد أنه إن سنت الكنيست قانونًا، حينها ستبقى المدينة “موحدة للأبد” تمويهًا لكلمة الاحتلال. اعتقدنا أنه يكفي أن يكون رئيس بلدية القدس يتحدث بلهجة فيينية (مدينة فيينا” ويُعتبر ليبراليًا من وسط أوروبا وهو صديق رجال فكر عالميين، لتمويه جرائم الاحتلال والاستيطان، التي كان هو، تيدي كوليك، المسؤول عنها منذ سنوات الاحتلال الأولى.

جاءت اليقظة بالطبع فقط مع نشوب الاضطرابات. ذكّرت الانتفاضة الأولى الإسرائيليين أن الوضع لا يمكن أن يبقى على حاله للأبد، ليس في الضفة، ولا في قطاع غزة ولا في “العاصمة الأبدية” (مُصطلح تستعملها القيادة الصهيونية للدلالة على “وحدة مدينة القدس والإشارة إلى أنها العاصمة الأبدية للشعب اليهودي.‎ أول من استخدم هذا المصطلح هو أول رئيس للحكومة الإسرائيلية، دافيد بن غوريون). رد الاحتلال من جهته، بطريقته: إجراءات أكثر تشددًا وتعنتًا. أضاف بعد الانتفاضة الثانية حتى جدارًا للمدينة، والذي قام بتقسيم القدس الشرقية لأجزاء. هكذا على الأقل انتهت الحفلة التنكرية: لم يعد الإسرائيليون العلمانيون يقصدون المدينة القديمة ليلا لتناول الكعك المالح. بقيت قدسيتها رهنًا على المؤمنين والغيورين. إنما ويا للعجب: القدس “الموحدة” بقي عليها إجماع، وكأن شيئًا لم يحدث أبدًا. وكأن الإسرائيليين العلمانيين لم يتوقفوا عن الذهاب إلى شرقي المدينة منذ زمن، وكأن الكثير من العلمانيين لم يهجروا قسمها الغربي، وكأنه لم يكن هناك احتلال في شرقها، تمامًا مثل قلقيلية وطولكرم؛ المدينة التي جزء منها هو بسيط مثل موديعين أو الطيبة.

إنما إن أردت أن أقول الحقيقة عن القدس، فإن المدينة تحتاج لقيادة شجاعة وهذا غير موجود. والحقيقة هي أنه ما من دولة في العالم تعترف بأنها عاصمة إسرائيل؛ التي دمرها الاحتلال، وأنها مقسمة، ممزقة ومجزأة، قُدسيتها هي مسألة تخص المؤمنين فقط ولا علاقة لها على أي حال بالسيادة؛ حيث أن تقسيمها إلى عاصمتين أو تحويلها لتصبح عاصمة دولة واحدة هي مأساة أقل بكثير من الاستمرار باحتلالها.

في الوقت الراهن، يجب فقط الابتعاد عنها، قدر المستطاع.

نُشرت المقالة لأول مرة في موقع‏‎ ‎‏هآرتس.

اقرأوا المزيد: 596 كلمة
عرض أقل