ترجمة القرآن للغة العبرية (iStock)
ترجمة القرآن للغة العبرية (iStock)

القرآن بلغة اليهود

غلب الطلب من جهة الناطقين بالعبرية لمعرفة محتويات القرآن حظر ترجمته مؤديا إلى بعض الترجمات المثيرة للاهتمام للكتاب السماوي الأكثر قدسية في الإسلام

رغم حظر ترجمة القرآن، أدى الاهتمام الكبير به إلى ترجمته إلى كل لغات العالم تقريبا، وإلى العبريّة أيضا، وهي لغة التوراة. منذ سنوات يحاول المثقفون المختلفون ترجمة القرآن إلى العبريّة. وردت محاولات ترجمة القرآن الأولى إلى العبرية، قبل مئات السنوات، من لغات مثل اللاتينية أو الإيطالية، ورغم أنه في المائتين عاما الماضية، يحرص المترجمون إلى العبريّة على الاعتماد في ترجماتهم على اللغة العربية، لغة المصدر للقرآن، فلا يسّهل هذا على عملهم.

القرآن واحد ولكن لماذا هناك الكثير من الترجمات؟

تمثل كل ترجمة جديدة للقرآن نسخة أكثر حداثة وملاءمة للغة العبريّة الحديثة، وللتقدم في أبحاث القرآن وفهمه، التي ما زالت تشغل بال خيرة الباحثين في يومنا هذا.

تتجسد إحدى الصعوبات الكبيرة في ترجمة القرآن إلى لغة أخرى في الأسلوب اللغوي. تنقل لغة القرآن العربية إلى قرائها شعورا بالقداسة والسعادة وهي لا تُستخدم في الحياة اليومية. بهدف العثور على أسلوب لغوي مواز، حاول المترجمون استخدام اللغة اليهودية المقدسة وهي لغة التوراة. لذا، أسلوبيا، أصبح القرآن باللغة العبرية أشبه بالكتب المقدسة اليهودية.

تكمن المشكلة في أن لغة القرآن كما هي الحال مع لغة التوراة ليست متاحة أمام كل الناطقين بالعبرية. فهي لغة بليغة وتختلف جدا عن العبريّة المعاصرة. بناء على هذا أصبح جزء من القرآن المترجم إلى العبريّة صعبا للقراءة من قبل القارئ الإسرائيلي، الذي ليست متوفرة أمامه تفسيرات يستعين بها.

تتضمن الترجمة شرحا للمعنى أيضا، ويتم اختيار معنى واحد من بين معان كثيرة أثناء الترجمة. من هنا، أضاف مترجمو القرآن إلى العبريّة مصادر للصيغ المقابلة للقرآن في اليهودية والمسيحية، ملاحظات تاريخية، معلومات حول شخصيات مذكورة في القرآن، ولمحة عن تفسيرات مختلفة.

أدت الصعوبات الكثيرة في ترجمة القرآن إلى العبريّة والمهارة الكبيرة المطلوبة إلى أن يكون مترجمو القرآن خبراء دائمًا تقريبا، وأن يكرسوا وقتا طويلا للبحث في الكتاب المقدس، قبل أن يجرأوا على ترجمته.

مثلا، عمل المستشرق اليهودي والباحث في شؤون الإسلام، يوسف ريفلين، والد رئيس الدولة الحالي، على ترجمة القرآن طيلة سنوات، وحصل على استشارة مكثّفة من الشاعر الوطني الإسرائيلي، حاييم نحمان بياليك. كان يعد القرآن الذي ترجمه إلى العبرية ونُشر في عام 1936 طيلة عشرات السنوات الترجمة الكلاسيكية، الرائعة، والمفضّلة. يتحدث الرئيس ريفيلن متفاخرا عن عمل والده هذا مع المسلمين في كل فرصة.

ما هو الهدف من ترجمة القرآن إلى العبريّة؟

ما هي الدافعية لدى مترجمي القرآن إلى العبريّة؟ هل الهدف هو ديني أي أن يتنور اليهود أكثر ويعتنقوا الإسلام، أم لأسباب علمية، بهدف البحث الأكاديمي؟ هل الهدف هو توفير أدوات للادعاءات الديماوغوغية والواقعية ضد المؤمنين المسلمين أو المصالحة عبر التعرّف إلى الدين الإسلامي بشكل مباشر؟

قال المترجم المسلم الوحيد للقرآن إلى العبرية، صبحي عدوي، الذي نُشرت ترجماته عام 2016 في مقابله معه: “لا تهدف ترجمة القرآن إلى توجيه انتقاد أو إثارة استفزاز ضد أحد بل إلى وضع صيغة أصلية من القرآن باللغة العبرية بين أيدي القارئ اليهودي. يُقال إن الإسلام لديه علاقة بالإرهاب، الترهيب، وسفك الدماء. هذا ليس صحيحا. فهو يتضمن عبارة معادية للتطرف خلافا لما يعتقدون [اليهود]. إنه يدعو إلى التسامُح والسلام. لكنه لا يشجع على قتل البشر – وهذا المفهوم خاطئ”.

وقال صبحي أيضا: “ليست لدي أية مصلحة دينية أو سياسية”، موضحا أنه لا يطمح إلى أن يؤثر في أي يهودي لاعتناق الإسلام من خلال ترجمته للقرآن.

وفق أقوال البروفيسور أوري روبين الذي نُشر القرآن بالعبرية في عام 2005 بعد أن ترجمه، إن الهدف هو: “خلق نسخة عبرية تعكس التفسيرات الأفضل بين مفسري القرآن المسلمين”. أهم ما كان يطمح إليه روبين عندما ترجم القرآن هو أن يعرض على القراء اليهود كيف يفسّره المؤمنون المسلمون ورجال الدين المسلمين.

ما هي ردة فعل اليهود عند قراءة القرآن بالعبرية؟

مثلا، يمكن أن نلاحظ كيف علق ناقد الأدب الإسرائيلي، مناحيم بن، الذي لا يتحدث العربية وليس خبيرا في الإسلام، عندما قرأ إحدى ترجمات القرآن بالعبرية: “كل ما علينا، نحن أبناء الشعب الإسرائيلي، العمل عليه وفق القرآن هو أن نؤمن بالتوراة، ولكن أن نحترم إيمان العرب”، هذا ما كتبه قبل بضعة شهور في صحيفة “هآرتس”. “وفق النبي محمد، فإن القرآن ما هو سوى توراة موسى بالصيغة العربية الخاصة: إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ ۚ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ ۚ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا ۚ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ” (سورة المائدة، الآية 44).

يتمتع ناقد الأدب، بن بقراءة القرآن. حتى أنه تطرق إلى الادعاءات والشائعات وكأن القرآن يتضمن تشجيعا على كراهية اليهود، وكتب: “الأقوال الكاذبة وكأنه ورد في القرآن أن اليهود هم من فصيلة القردة والخنازير، كاذبة حقا وتهدف إلى الدعاية الفظيعة لنشر الكراهية بين شعوب العالم، في حين أن حقيقة الإسلام وفق القرآن تختلف تماما”.

“ربما يعرف الكثير منا أقوال الشجب الكثيرة والصعبة الواردة في القرآن ضد اليهود. ولكن هل نعرف جيدا الآيات التي تتحدث عن التسامُح الهام في القرآن؟”، هذا وفق ما كتبه لاعب الشطرنج البارز ومحاضر اللغة العربية في جامعة تل أبيب، يسرائيل شرنتسل، في صحيفة “هآرتس”، مقدما مثالا على الآيات: وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ  (‏3‏: ‏46‏)، “وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ ۖ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ ۖ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ ۚ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا ۚ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَٰكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ ۖ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ ۚ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ” (‏5‏: ‏48‏)، وآية “الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ” (‏2‏: ‏156‏).

توصل شرنتسل إلى الاستنتاج غير المفهوم ضمنا لمن لم يقرأ القرآن وهو أنه يمكن فهم القرآن بصفته وسيلة للتحريض والعنف، ووسيلة للسلام على حد سواء. “أنا لست غبيا لأن أفكر في أن التغييرات الفكرية التي أتمناها أنا والكثيرون من اليهود والإسلام، باتت قاب قوسين أو أدنى. قال الكثيرون سابقا إن الدين ثنائي الوجهين: فهو يتضمن أجزاء تساهم في رفاهية الإنسان ومجده، وكذلك أجزاء تُسبب التطرف، الكراهية، والأعمال الرهيبة”.

اقرأوا المزيد: 905 كلمة
عرض أقل
نص ثنائيو اللغة - صورة توضيحية (Maktoobooks/Facebook)
نص ثنائيو اللغة - صورة توضيحية (Maktoobooks/Facebook)

سلام من الأدب العربي

في السنوات الأخيرة، بدأ يسمح المزيد من الأدباء العرب لأنفسهم أكثر من الماضي بنشر مؤلفاتهم في إسرائيل. فمنذ اندلاع ثورات "الربيع العربيّ" لم يعد الحديث عن ترجمة مؤلفات قليلة، إنما عن كميات ثابتة وهامة

يشهد العالَم العربي تغييرا، وتتغير معه السياسة الداخلية أيضًا. إن ظاهرة كتب الأدب العربي المترجمة إلى اللغة العبريّة والمصادق عليها، تشكل تعبيرا عن الصراع من أجل الحرية والتغيير في جدول الأعمال العام العربي، الذي يتجسد في الأدب العربي الحديث.

هناك مصريان أحداهما رسام مؤهل والآخر أديب. وعملا وزيري الثقافة في مصر. الأول هو فارون الحسيني، الذي سُئل في عام 2008 عن وجود كتب بالعبرية في المكتبة الكبيرة في الإسكندرية، فأجاب: “في حال وجود كتب كهذه سأحرقها”.

أثار حسني غضبا لدى يهود العالم، وفي أعقاب هذه التصريحات لم يُعيّن في منصب الأمين العام في اليونسكو. بعد مرور 24 عاما من العمل استقال من منصبه. شهدت بلاده هزة. في عام 2016، سُئل وزير الثقافة الحالي، حلمي النمنم، عن رأيه حول ترجمة الأدب العبري إلى العربي. “علينا التعرّف إلى المجتمعات الأخرى وتوسيع معلوماتنا”، أجاب.

لم يؤثر موقفه الإيجابي في المترجمين المصريين فحسب. يبدو أنه كانت هناك إشارات من مسؤولين أعلى وأنه تلقى علامات مسبقة في السنوات التي سبقت تصريحاته. إنه يعرب عن توجه حذر من الانفتاح من جهة الأدباء أنفسهم. بعد سنوات طويلة من القيود السياسية أصبح الأدباء يسمحون لأنفسهم أكثر من الماضي بإعطاء ضوء أخضر لنشر مؤلفاتهم في إسرائيل. وفعلا، منذ اندلاع أحداث “الربيع العربي” هناك شعور واضح في البلاد يتعلق بترجمة الكتب الصادرة في دول عربيّة. لم يعد الحديث عن ترجمة مؤلفات قليلة بل عن ترجمة كميات ثابتة وهامة بشكل قانوني.

كتاب عزازيل بالعبرية للكاتب المصري يوسف زيدان
كتاب عزازيل بالعبرية للكاتب المصري يوسف زيدان

فيما عدا العاصفة الإعلامية التي أثارها الأديب علاء الأسواني في القاهرة، فإن إصدار نشرات عبرية لأشهر الروايات العربية نال رضا في دول المنشأ. وقد تقدم الكاتب المصري المشهور يوسف زيدان خطوة إلى الأمام في هذا وتباهى في ترجمة الرواية الرومانسية “عزازيل” إلى العبريّة في عام 2013، ورفع في صفحته على الفيس بوك صور الغلاف الإسرائيلي.

تتحدث الحقائق عن ذاتها. منذ عام 2012، تُرجمت من العربية إلى العبرية كتب لكتّاب من مصر، العراق، السعودية، لبنان، الجزائر، اليمن، وسوريا – صدر ما معدله نحو 20 رواية رومانسية، كتابا، وقصائد ووصلت إلى الأسواق. من بين روايات أخرى، تعرف الجمهور الإسرائيلي إلى رواية “بنات الرياض”، عزازيل”، “عمارة يعقوبيان”، “الحكاية السادسة (ملائكة مشردة)، “فرانكشتاين في بغداد” (دار النشر: كينريت زمورا بيتان)، “النمور في اليوم العاشر” للمؤلف زكريا تامر (دار النشر: راسلينج)، وروايات رومانسية للأديب اللبناني، الياس خوري، – “الوجوه البيضاء” (دار النشر: هكيبوتس همؤحد)، “رحلة غاندي الصغير” (دار النشر: حرجول)، و “مجمع الأسرار” (إصدار مكتوب – دار النشر: عولام حداش بتمويل معهد فان لير ومفعال هبايس).

وتُرجم إلى العبرية كتاب “تاكسي” للكاتب المصري خالد الخميسي (دار النشر: الكرمل)، “‏2084‏…..نهاية العالم” للروائي الجزائري بوعلام صنصال (دار النشر: كيتر) و “ميرسو تحقيق مضاد” للروائي الجزائري كمال داود (دار النشر: أحوزات بايت) وتُرجما من الفرنسيّة، وتُرجم أيضا كتاب “اليهودي الحلو” للكاتب اليمني علي مكري (دار النشر: برديس)، وقصائد “خبز وحشيش، وقمر” لنزار قباني (دار النشر: عولام حداش)، “فهرس لأعمال الريح” لأدونيس، “آخر الملائكة” للروائي فاضل العزاوي (دار النشر: كشيف لشيراه)، “لا أملك إلا الأحلام” – ديوان أيزدي (إصدار مكتوب – دار النشر: عولام حداش). هناك كتب أخرى في مراحل عمل مختلفة، وهناك كتب كثيرة عُرضت للترجمة ولكنها رُفضت كما هو متبع في هذا المجال. كلما يتعلق الأمر بدور النشر في إسرائيل، يلقى الأدب العربي ترحابا.‎ ‎

لقد تغير العالَم العربي وتغيرت السياسة الداخلية أيضًا. يأتي هذا التقدم تعبيرا مباشرا عن الصراع من أجل الحرية. فالكاتب العربي الذي كانت تُحظر عليه خلال عشرات السنوات إقامة أية علاقة مع “الصهاينة المحتلين” بدأ يشق طريقه رويدا رويدا ويتغلب على معارضة إسرائيل. قبل نحو عشرين حتى ثلاثين عاما، تمتعت مصر بالسيطرة التي لا يشق لها غبار في الثقافة العربية، وعندما تصدرت القاهرة المقاطعة ضد إسرائيل كان من الصعب على دول أخرى معارضتها.

في تلك الأيام كانت هناك دول عربية مستقرة إلى حد معيّن، وكانت غالبية الأنظمة موحّدة في آرائها ضد التواصل الثقافي مع إسرائيل. في ظل هذا الواقع، مَن سيجرؤ على السماح بترجمة كتابه إلى العبريّة؟ يجرؤ الشجعان أو اللاجئون فقط. في السنوات الماضية انضمت مجموعة ثالثة إلى هؤلاء: الأشخاص الذين يعتقدون أن بيع حقوقهم فيما يتعلق بمؤلفاتهم هو أمر طبيعي. منذ أن بدأوا بهذه الخطوة، لم تحدث كارثة. سعت دولهم إلى المكافحة من أجل الحفاظ على استقلالها وملاحقة العدو الفوري والخطير في الداخل، وأصبحت تشكل إسرائيل مشكلة ثانوية. في ظل الجو الليبرالي والصراع من أجل الحرية، تجرأ الكتّاب أكثر. لا يدور الحديث عن رد فعل إيجابي على اقتراحات إسرائيلية فحسب، بل على مبادرات من دول أخرى أيضا. تلقت دور نشر في إسرائيل، من بين طلبات أخرى، توجهات من السعودية، لبنان، والعراق.

يشكل التقارب من إسرائيل طبعا هدفا ثانويا في مجال دور النشر العربية. ففي الماضي، كتب الكتّاب المصريون مؤلفاتهم، وطبعوها في دور النشر اللبنانية، وقرأها العراقيون، هذا وفق تغريدة غردها متصفح عربي في تويتر مؤخرا. في يومنا هذا تعمل دول الخليج، لا سيّما الإمارات العربية المتحدة كل شيء. ففي العقد الأخير أصبحت تدير معارض مركزية للكتب وتموّل الحكومات جوائز أدبية هامة، مثل الجائزة العالمية للرواية العربية، الموازية لجائزة بوكر الأدبية. من المتوقع هذا العام أن تُفتتح في الشارقة مدينة دور النشر الخيالية، وفي نهاية حزيران أعلنت اليونسكو عن الإمارات أنها “عاصمة عالمية للكتاب لعام 2019”.‎ ‎

ما هي المواضيع التي يتناولها الكتّاب العرب في عصرنا؟ وصف علاء الأسواني، مؤلف رواية “عمارة يعقوبيان” دولة تشكل الديمقراطية فيها شعارا فحسب، ومجتمعا يستند إلى الفساد، الانحطاط والخروج عن المألوف. في رواية “تاكسي: حواديث المشاوير” عرض الروائي خالد الخميسي محادثات أدارها مع سائقي تاكسي في القاهرة تحدثوا فيها عن ضائقهتم الاقتصادية، قلقهم حول تربية أطفالهم، والفساد في  الشرطة. كشفت رجاء الصانع في رواية “بنات الرياض” عن عالم النساء العصريات، اللواتي يحاولن الملاءمة بين الحب وتحقيق الذات وبين التقاليد الإسلامية. إن الأدب الاجتماعي والسياسي مزدهر حولنا، وتلقى المواضيع التي يتناولها – القهر الاجتماعي، الصراع الجندري، مظاهر الأصولية الإسلامية والمجال الوجودي الآخذ بالتلاشي – اهتماما لدى المواطن الإسرائيلي المتوسط.‎ ‎

أصبحت المشاكِل الداخلية التي تم كنسها في الماضي تحت السجاد وكانت تهدد شرعية أنظمة الحكم أو استقرارها، موضوعا ساخنا في الأدب العربي الحديث. المواضيع الشعبية التي تتناولها المؤلفات هي الفقر، القمع بشتى أنواعه، عدم شفافية أنظمة الحكم، والعنف الأسري. تشكل الرواية المصرية “عزازيل” التي تدور أحداثها في القرن الخامس ميلادي وتتحدث عن حياة راهب، رواية مثيرة للجدل ولاذعة ضد المؤسسة الكنائسية، ولكنها في الحقيقة تمثل استعارة للكفاح ضد الأصولية الإسلامية. تناول الأدب العربي هذه الأمور قبل عقدين أو ثلاثة، ولكنه لم يتناولها بذات الوتيرة والأهمية الحالية.‎

غلاف كتاب "فرانكشتاين في بغداد" بترجمته العبرية (النت)
غلاف كتاب “فرانكشتاين في بغداد” بترجمته العبرية (النت)

مثلا، تتناول المؤلفات الأدبية العربية في العراق الدولة التي تعرضت لصدمة، جروح الحرب الأهلية بشكل مكثّف. تشكل رواية “فرانكشتاين في بغداد” جزءا من هذه المواضيع، وتعرضها عبر الخيال العلمي مستخدمة عناصر رائعة. يمكن نجد أن في الكويت هناك تطرق إلى العلاقات بين المحليين ومهاجري العمل والعائلات المختلطة التي نشأت بناء على هذه العلاقات. تشكل رواية “ساق البامبو” للكاتب سعود السنعوسي مثالا على ذلك.

وتزدهر مؤلفات عالم الواقع المرير أيضًا وهذا ليس صدفة. يتيح الواقع المرير الذي يصف واقع بشري تسيطر فيه عناصر اجتماعية سلبية، انتقاد أنظمة الحكم بشكل مبطّن. تشكل رواية “الطابور” للناشطة من أجل حقوق الإنسان، بسمة عبد العزيز، جزءا من هذا النوع من المؤلفات. تتحدث الرواية الغنية بالمديح عن مواطني دولة “مجهولة” متعلقين بشكل تام بالأعمال الخيرية لسلطة مركزية طاغية وصلت إلى الحكم بعد ثورة جماهيرية فاشلة، تُدعى “الأحداث المشينة”.‎ ‎

هناك نوع آخر من الأدب يعبّر عن صوت النساء ويتناول مكانتهن وحريتهن أو عدم وجودهما. تشكل “بنات الرياض” من السعودية مثالا بارزا على ذلك، وهناك كاتبات شابات أخريات في هذه الدولة، مثل هناء حجازي التي كتبت “امرأتان” وأخريات من العراق ومصر. هناك مجال ثانوي آخر غير مُسيّطر ولكن ملحوظ دون شك وهو التطرق إلى اليهود. يظهر هذا الاهتمام بشكل خاص في كتاب “اليهودي الحلو” للروائي اليمني علي المكري، في كتاب “فرانكشتاين في بغداد” إذ تحدث حبكة الرواية في الحي اليهودي البتاويين ويظهر هذا الاهتمام في رواية “اليهودي الأخير في تمنطيط” للروائي الجزائري أمين الزاوي (كُتبت بالفرنسية) وفي كتب يوسف زيدان وكتّاب مصريين آخرين. يعبّر التطرق إلى اليهودية في مصر والعراق عن التوق إلى أيام من نوع آخر، أيام شهدت استقرارا، ازدهارا، فنا، وتعدد الحضارات.‎ ‎

إن الفائدة الأدبية هذه هي ثنائية الاتجاهين. إذ يهتم القارئ الإسرائيلي أكثر من ذات مرة بالأدب العربي، وأصبح بيع الرواية الرومانسية أعلى من المتوقع. شهدت “عمارة يعقوبيان” بيعا كثيرا في جزء من عام 2016، ويعزز هذا النجاح الكتب القادمة. بدأت تسطع براعم هذا التقدم في نهاية عام 2011. كان من الأسهل على الإسرائيليين التماهي مع الاحتجاج في الدول الجارة، إذ أن “الربيع العربي” أكد أهمية القيم الاجتماعية أكثر من مواضيع سياسية تعمل على انقسام الجمهور في إسرائيل وتهدده.

ظهرت في تلك الأيام احتجاجات اجتماعيّة، رفعت الوعي حول الفجوات الاجتماعية، ومعاملة الشعب – أنظمة الحكم مع ضائقة الفرد، وتبرز هذه الأفكار في الأدب العربي المعاصر. تتطرق هذه المؤلفات إلى الرومانسية السياسية وتصف الجمهور الذي سعى إلى إسقاط نظام الترهيب وشجع الثورة ضده. هكذا في وسع الإسرائيليين التهرّب من مركزية المشكلة الفلسطينية فيما يتعلق بعلاقة إسرائيل – الدول العربية والكتب التي تتناول هذا النزاع، الذي ما زال من الصعب عليه استيعابها.

نُشرت هذه المقالة للمرة الأولى في موقع منتدى التفكير الإقليمي.

اقرأوا المزيد: 1389 كلمة
عرض أقل
متجر ""هميغدلور" (الفنار) للكتب في تل أبيب
متجر ""هميغدلور" (الفنار) للكتب في تل أبيب

من يقرأ “عزازيل” بالعبرية في إسرائيل؟

أي كتب عربية مترجمة إلى اللغة العبرية يمكن أن نجد في الراهن في المتاجر الإسرائيلية للكتب؟ من يقرأ هذه الكتب وماذا حلّ بمشاريع الترجمة التي كانت تطمح يوما إلى بناء جسر بين القارئ الإسرائيلي والعالم العربي عبّر كتابه ومفكريه؟

13 فبراير 2016 | 09:32

بهدف العثور على مؤلفات عربية نقلت إلى اللغة العبرية في تل أبيب، متاحة للبيع لعامة الإسرائيليين، توجهنا إلى متجر صغير في المدينة، يدعى “”هميغدلور” أي “الفنار”. وهناك وجدنا عددا قليلا من هذه المؤلفات. فهذه الكتب ليس عليها طلب كبير بعد، كما أوضحت لنا البائعة في المتجر الصغير، الذي يشدد على أنه يهتم بتجميع أكبر عدد ممكن من هذه الكتب، وعرضها على القارئ الإسرائيلي.

وحين تفقدنا الرّف “المتواضع” في المتجر، حيث شمل نحو 20 كتابا، رأينا “أولاد حارتنا” لنجيب محفوظ، و”موسم الهجرة إلى الشمال” لطيب صالح، و”الأرواح المتمردة” لجبران خليل جبران، و”حكاية زهرة” لحنان الشيخ، و”باب الشمس” لإلياس خوري. كلها باللغة العبرية. وبدا أن مشروع ترجمة المؤلفات العربية إلى العبرية آخذ بالانحصار، ومعظم الكتب في المتجر لم تر طبعات جديدة.

متجر ""هميغدلور" (الفنار) للكتب في تل أبيب
متجر “”هميغدلور” (الفنار) للكتب في تل أبيب

والكتب مثل أي منتج آخر في العصر الحديث، تخضع لقوانين الاقتصاد، فكلما قل الطلب شح المنتج. وفي إسرائيل، بات قرّاء هذه الروايات قلة، خاصة أن الكتب الأجنبية المترجمة إلى اللغة العبرية، ومنها الإنجليزية والفرنسية والإسبانية، تنافس اللغة العربية بشدة، وتملك حيزا كبيرا في مكتبة القارئ الإسرائيلي.

وبعد معاينة الكتب، برز اسم دار النشر “الأندلس” على معظم الكتب. وهي دار نشر أقيمت عام 2000، وقامت بترجمة 22 مؤلفا من العربية إلى العبرية، بهدف إحياء العلاقة بين القارئ الإسرائيلي والأدب العربي العريق، لكن رغم البداية الواعدة ل “الأندلس”، ونجاح عدد من الكتب التي ترجمتها في السوق الإسرائيلي، ومنها كتب الشاعر الفلسطيني الراحل، محمود درويش، ورواية “باب الشمس” للأديب إلياس خوري، إلا أن دار النشر دخلت في ضائقة مالية لقلة الطلب على الكتب التي ترجمت لاحقا.

ومثل اسمها المأخوذ من العصر الذهبي للأمة الإسلامية في بلاد الأندلس، فقد أفل نجمها، واليوم توقف مشروع الترجمة.

وحين سألنا البائعة في المتجر عن قلة الكتب المترجمة من العربية الموجودة في المتجر، قالت إن هذا الكم القليل جاء بعد مجهود كبير. وأضافت، اسمها نوغا، أن وجود الكتب يعود إلى السياسة التي تتبعها صاحبة المكان، وهي التميّز في انتقاء الكتب، والتشديد على التنوع. وفاجأتنا البائعة حينما أجابت على السؤال: “هل قرأتِ أيا من هذه الكتب؟”، فأجابت “نعم. أعجبتني قصة “نمر من ورق” للكاتب السوري زكريا تامر”.

"نمر على ورق" للكاتب السوري زكريا تامر
“نمر على ورق” للكاتب السوري زكريا تامر

ولفت انتباهنا كتاب “عزازيل” للروائي المصري، يوسف زيدان، الذي ترجم في إسرائيل عام 2009، ولا يزال يجذب القراء الإسرائيليين، حسبما تقول البائعة.

كتاب عزازيل بالعبرية للكاتب المصري يوسف زيدان
كتاب عزازيل بالعبرية للكاتب المصري يوسف زيدان

وحين سألنا من هم الزبائن الذين يطلبون هذه الكتب؟ لم تكن الإجابة واضحة، فهم متنوعون. قد يكونون من اليهود الشرقيين أو من المختصين في دراسات الشرق الأوسط، أم مجرد قرّاء ذوو ذوق متنوع في الأدب. وأضافت نوغا أن ثمة طلب دائم على أشعار محمود درويش، والشاعر طه محمد علي. وشاهدنا بين الكتب مؤلفات لكتاب فلسطينيين آخرين، مثل: علاء حليحل، وسلمان ناطور.

وغادرنا المكتبة ويساورنا الشعور أن مشروع نقل المؤلفات العربية المعروفة من العربية إلى العبرية، الذي كان له منزلة هامة لدى المفكرين الإسرائيليين في الماضي، الذين أرادوا أن يتعرفوا على العالم العربي عبر كتّابه ومفكّريه، فقد كثيرا من منزلته في إسرائيل، وربما يعود الأمر إلى الصراع العربي – الإسرائيلي الذي أبعد الحضارتين عن بعضهما البعض، وسبّب في أن تحوّلت كتب نجيب محفوظ وغيره من الكتاب الكبار، معبقة بالغبار على رفوف المتاجر الإسرائيلية.

اقرأوا المزيد: 473 كلمة
عرض أقل