العنف الطائفي

الزعيم العراقي الشيعي، مقتدى الصدر (AFP)
الزعيم العراقي الشيعي، مقتدى الصدر (AFP)

وجوه مقتدى الصدر العديدة

مقتدى الصدر هو إحدى الشخصيات الأكثر تأثيرًا اليوم في بلاد الرافدين، ومن المتوقع أن يلعب دورا رئيسيا في مواصلة الصراع السنّي - الشيعي في الشرق الأوسط

اشتدّت، في الشهر الأخير، “الحرب الباردة” في الشرق الأوسط بين إيران والمملكة العربية السعودية. في معظم الحالات في الماضي، فضّلت كلتا القوّتين الإقليميّتين، بشكل أساسيّ، جذب الخيوط من وراء الكواليس، ولكن التدخّل السعودي المباشر في اليمن أشار إلى صعود درجة في التوتّر بين الدولتين. قد تؤثر خطوات السعودية على مراكز أخرى في الصراع الطائفي مثل العراق سوريا، والكرة الآن بيد طهران.

وزير الداخلية الأمير محمد بن نايف في الوسط، ووزير الدفاع السعودي محمد بن سلمان بن عبدالعزيز، يشرفان على عملية "عاصفة الحزم" (Twitter)
وزير الداخلية الأمير محمد بن نايف في الوسط، ووزير الدفاع السعودي محمد بن سلمان بن عبدالعزيز، يشرفان على عملية “عاصفة الحزم” (Twitter)

كجزء من التأثير الهائل للإيرانيين في العراق، فهم يحتفظون بتأثيرهم على لاعب مهمّ جدّا؛ وهو القائد ورجل الدين الشيعي مقتدى الصدر، الذي عاد مؤخرا إلى الواجهة خلال الحرب ضدّ داعش. حاز الصدر على أوصاف عديدة خلال السنين: رجل الدين المتطرّف الذي يشجّع العنف، مناضل من أجل الحرية ومقاوم واضح للاحتلال الأجنبي، وطني براغماتي بل و “متوّج الملوك” في العراق. على أية حال، يُعتبر مقتدى الصدر إحدى الشخصيات الأكثر تأثيرا اليوم في بلاد الرافدين، ومن المتوقع أن يلعب دورا رئيسيا لاحقا في الصراع السنّي – الشيعي في الشرق الأوسط.

من هو مقتدى الصدر؟

الزعيم العراقي الشيعي، مقتدى الصدر (AFP)
الزعيم العراقي الشيعي، مقتدى الصدر (AFP)

وُلد مقتدى الصدر عام 1973 في مدينة النجف الشيعية جنوب وسط العراق. مقتدى الصدر هو سليل أسرة محترمة في العالم الشيعي والتي تشمل شخصيات مثل “محيي الشيعة” في لبنان، رجل الدين موسى الصدر. اضطُهدت عائلة الصدر كثيرا من قبل نظام صدام حسين: فقد قُتل والد مقتدى – آية الله محمد صديق الصدر، وزوج والدته آية الله محمد باقر الصدر، بسبب خوف صدام من تأثيرهما الكبير على السكان الشيعة في العراق. ومع ذلك، تمتّع مقتدى الصدر بدعم شعبي واسع في أوساط المجتمع الشيعي وذلك بسبب الحركة السياسية “الصدرية” وشبكات الرعاية الاجتماعية التي أسّستها عائلته على مرّ السنين.

تأثيره في الساحة العراقية

في أعقاب الغزو الأمريكي عام 2003 ازدادت شعبية مقتدى الصدر وأصبح إحدى الشخصيات الأكثر تأثيرا في الحرب بالعراق. بعد إسقاط نظام صدام حسين، أقام الصدر ميليشيا مُسلّحة وقوية اسمها “جيش المهدي” واستغل مكانته كرجل دين ذي نسب من أجل التصريح ضدّ الاحتلال الأمريكي. في إحدى مقولاته الأكثر شهرة قال الصدر: “كان صدام حسين الثعبان الأصغر، ولكن أمريكا هي الثعبان الأكبر”. خلال تلك الفترة، حظي الصدر بدعم مالي ولوجستي واسع من إيران، وبدءًا من عام 2004، لم يتردّد في تشغيل الميليشيا التي يقودها، “جيش المهدي”، ضدّ القوات المختلفة للتحالف الدولي. أكسبتْ تلك العمليات الصدرَ شعبية كبيرة في أوساط الشعب العراقي وجعلته رمزًا لمقاومة الاحتلال الأجنبي.

ومع ذلك، فبالنسبة للولايات المتحدة والحكومة العراقية يُعتبر الصدر واعظا متطرّفا وعنيفا، ليس أقل خطورة من تنظيم “القاعدة في العراق”. وفي أعقاب التغيير الاستراتيجي للولايات المتحدة في العراق عام 2007، والذي عززت الولايات المتحدة أيضًا في إطاره قواتها في العراق بعشرات آلاف الجنود، هرب الصدر إلى إيران عندما شنّت جيوش الولايات المتحدة والعراق عملية مشتركة ضدّ “جيش المهدي”. بعد معارك طاحنة وخسائر فادحة، وفي أعقاب تسوية بينه وبين الحكومة العراقية بوساطة إيران، أعلن الصدر في شهر آب عام 2008 عن تفكيك الميليشيا وتحويلها إلى منظّمة رعاية اجتماعية بحتة.

https://www.youtube.com/watch?v=Lv08Xg5tlZg

بين عاميّ 2007-2010، كرّس الصدر وقته للدراسة الدينية في إيران من أجل أن يحظى بلقب آية الله الذي سيمنحه تأثيرا أوسع. وفي المقابل، شاركت للمرة الأولى “الحركة الصدرية” في انتخابات البرلمان العراقي عام 2010 وحظيت بنجاح كبير عندما حصدت 39 مقعدًا. بعد أن أعرب عن دعمه لنوري المالكي في منصب رئيس الحكومة، تم تتويج الصدر من قبل الباحثين بلقب “متوّج الملوك” في العراق بسبب قوته السياسية الكبيرة.

وفي أعقاب إقامة حكومة المالكي الثانية في شهر كانون الثاني عام 2011، عاد الصدر من المنفى إلى مسقط رأسه في النجف واستُقبل بترحيب وابتهاج من قبل الجماهير في المدينة. ومع انسحاب القوات الأمريكية الأخيرة من العراق في كانون الأول عام 2011، بدأ الصدر في تشكيل خطّ أكثر اعتدالا وبدأ بالتصريح بمصطلحات “العراق الديمقراطي” و “سيادة القانون”، وبرز تغيير في نهج الصدر مقارنة بالواعظ الشاب صاحب الخطاب المنفّر في السنوات السابقة. قال بعض المحلّلين بأنّ التغيير في نهج الصدر نابع من كونه قد طمح إلى التصالح مع عناصر القوة الأخرى في العراق وإنشاء إجماع وطني حوله وليس فقط من الطائفة الشيعية. وقدّر كثيرون بأنّ الصدر “يهيئ الأرضية” ليصبح رئيس حكومة في يوم من الأيام. ولذلك فوجئ الكثيرون عندما أعلن الصدر بشكل مفاجئ في شباط عام 2014، قبل شهرين من الانتخابات البرلمانية، بأنّه سيستقيل فورا عن الحياة السياسية وأنّه ليست هناك أية هيئة سياسية تمثّله أو تمثّل عائلته. وهكذا، بعد ست سنوات من تفكيك “جيش المهدي”، اختفى الصدر من الخطاب السياسي في العراق. ولكن ليس لوقت طويل.

عودة الصدر إلى الساحة العراقية

هل بعد انتهاء الحرب في العراق سيندمج الصدر بشكل نهائي في النظام السياسي كزعيم عراقي (AFP)
هل بعد انتهاء الحرب في العراق سيندمج الصدر بشكل نهائي في النظام السياسي كزعيم عراقي (AFP)

في شهر حزيران عام 2014، بعد يوم واحد من سقوط مدينة الموصل بيد تنظيم داعش، أعلن الصدر عن إقامة “سرايا السلام”، وهو تجسّد جديد لـ “جيش المهدي” الذي تم تفكيكه عام 2008، وذلك من أجل إيقاف تمدّد داعش. في نفس اليوم، توجّه إلى الشوارع 10000 من مقاتلي الميليشيا في عرض قوة مثير للإعجاب في حيّ الصدر الشيعي في بغداد، والذي سُمّي على اسم والد مقتدى. انضمّت الميليشيا إلى تنظيم أعلى للميليشيات الشيعية تحت مُسمى “الحشد الشعبي”، والذي تأسس بشكل خاصّ من أجل مواجهة تهديد داعش. في شهر أيلول عام 2014، أعلن الناطق باسم “سرايا السلام” فعليّا بأنّ التنظيم قد قتل 30 مقاتلا من داعش قرب مدينة أمرلي شرقي العراق. وبالمناسبة، لم تكن تلك هي المرة الأولى التي يُقاتل فيها الصدر التنظيم السنّي المتطرّف، فإنّ داعش أيضًا هي تحوّل عن “القاعدة في العراق”، والتي قاتلت “جيش المهدي” خلال الحرب الأهلية بين عاميّ 2006-2007.

في شهر آذار عام 2015، شاركت “سرايا السلام” التابعة للصدر في القتال من أجل تحرير المدينة الشمالية تكريت، مكان ولادة صدام حسين. انضمّت ميليشيا الصدر إلى تحالف أوسع يشمل قوات الجيش العراقي؛ بقية الميليشيات الشيعية المشاركة في “الحشد الشعبي”؛ قوات “قدس” الإيرانية؛ ومن المفارقات: قوات سلاح الجو الأمريكي بل ومقاتلين من العشائر السنّية التي ضاقت ذرعًا بتعامل داعش مع السكان المحلّيّين. قال الناطق باسم التنظيم إنّهم يعملون “من أجل مساعدة مجتمع من المسلمين ومساعدة الشعب العراقي”. بعد عدة أسابيع من القتال الشرس، ذُكر في 12 نيسان بأنّ داعش انسحبت من المدينة وبأنّ قوات التحالف قد طهّرت آخر جيوب المقاومة.

ذو وجهين؟

رغم التعاون مع المقاتلين السنة، هناك تقارير عن مجازر وحرق منازل نفّذتها الميليشيات الشيعية في القرى السنّية حول تكريت. واستمرارا للخطاب “الوطني” الذي استخدمه الصدر في السنوات الماضية، لقد أدان الأعمال العدائية ضدّ السكان السنّة وأعلن بأنّ “سرايا السلام” لم تُشارك فيها. وفي تصريح مشابه في شهر شباط عام 2015، دعا الصدر اثنتين من الميليشيات الشيعية المتنافسة إلى تعليق عمليّاتهما في أعقاب اغتيال شيخ سنّي في بغداد. بشكل متناقض، قال الصدر بعد تلك الحادثة: “ما حدث يُثبت أنّ العراق لا يُعاني فقط من عوامل خارجية وإنما من ميليشيات مُلحدة. تعمل هاتان الجهتان على تقويض الحكومة العراقية وتشكّلان تهديدا أمنيا على البلاد”. تشير جميع هذه التصريحات على الأوجه المتعددة للصدر: فهو من جهة يقف على رأس ميليشيا طائفية ومن جهة أخرى يعرض نفسه كزعيم وطني وبراغماتي ويطمح لقيادة عموم الشعب العراقي بمختلف تنوعاته وطوائفه.

https://www.youtube.com/watch?v=3U9pvWU3lp0

والآن مع الانتصار في تكريت هناك علامات استفهام كثيرة حول مستقبل مقتدى الصدر المتقلّب. هل بعد انتهاء الحرب في العراق سيندمج الصدر بشكل نهائي في النظام السياسي كزعيم وطني وسيفكّك أو يدمج الميليشيا الخاصة به مع قوات الأمن العراقية؟ أم إنّ الأحداث في اليمن ستؤدي إلى عودة الصدر الطائفي والمتطرّف للقتال في إحدى الدول في المنطقة؟

في الماضي شاركت عدة ميليشيات شيعية من العراق (مثل حزب الله من لبنان وبدعم إيراني) في القتال بسوريا إلى جانب جيش بشار الأسد. ومن بينها، كان هناك أيضا أعضاء من “جيش المهدي” سابقا والذين اعترفوا بأنّهم قاتلوا من أجل الدفاع عن الأماكن الشيعية المقدّسة في سوريا. وكذلك من الجدير بالذكر بأنّ مركز سكن الشيعة هو في جنوب العراق، على مسافة بضعة كيلومترات من الحدود السعودية الشمالية. إذا حدث تدهور إقليمي بسبب الحرب في اليمن، فإنّ “سرايا السلام” قد تُستخدم كوكيل القوة التابع لإيران للتحرّش بالحدود السعودية.

نُشرت هذه المقالة للمرة الأولى في موقع ‏Near East‏

اقرأوا المزيد: 1193 كلمة
عرض أقل
محاضرة ضمن برنامج كرسي العلماء في قناة اقرأ - الشيخ صالح المغامسي (Youtube)
محاضرة ضمن برنامج كرسي العلماء في قناة اقرأ - الشيخ صالح المغامسي (Youtube)

القنوات الدينية تؤجّج الصراع في الشرق الأوسط

الدول العربيّة هي الدول الأكثر استثمارا للموارد في العالم على قنوات التلفزيون الدينية. نحو 100 قناة دينية تنشط في أنحاء الشرق الأوسط وتلعب دورا فاعلا في تأجيج التحريض بين المجموعات السياسية والطائفية المختلفة

مع بداية الربيع العربيّ في نهاية عام 2011، لم تتغيّر البيئة السياسية في الشرق الأوسط فحسب، بل أيضًا الواقع الإعلامي. وصل عدد القنوات الفضائية العربية إلى نحو 1,400، وارتدى جزء كبير من تلك القنوات الطابع الديني ولعب دورا في الصراعات الطائفية في المنطقة العربية.

قال رئيس معهد دراسات الإعلام الأردني، الدكتور باسم الطويسي، للمجلة العربية “رصيف 22” إنّ الدول العربيّة هي الدول الأكثر استثمارا في الأموال في مجال القنوات التلفزيونية العربية. بحسب كلامه، فليس الحديث تحديدًا عن الاستثمار الاقتصادي، وإنما الاستثمار السياسي والأيديولوجي. فقد أشار إلى أنّ نطاق الاستثمار الاقتصادي في هذا القطاع يصل إلى مليارات الدولارات، في الوقت التي لا يزيد فيه الدخل المعلن عن مليارين.

صراع طائفي تليفزيوني

يخدم جزء كبير من القنوات الدينية في الشرق الأوسط أجندة لدول أو حركات دينية حصرية، وأحصى عريب الرنتاوي، الذي يرأس مركز القدس للدراسات السياسية في الأردن، الجهات الأربع الرئيسة التي تموّل القنوات الدينية في الشرق الأوسط: السعودية، الإمارات العربية المتحدة، قطر وإيران، إلى جانب أحزاب من العراق والأردن، حركات دينية مثل الإخوان المسلمين وحركات سلفية وشيعية. وأوضح الرنتاوي بأنّ الدول الغربية لا تلعب دورا في دعم وتمويل تلك القنوات.

ويعتقد الباحث الأردني أنّ كثرة القنوات الدينية في الشرق الأوسط هو جزء من الصراع الطائفي المستعر في المنطقة العربية، والذي يرغب فيه عدد غير قليل من الدول والأحزاب بزيادة عمليات القتل وتكريس الاستقطاب الطائفي. بحسب كلامه، فالخطر الكامن في ذلك هو أنّ هذه القنوات تحرّض على العنف والإرهاب، وكل محاولة لمكافحة التطرّف ستفشل دون مكافحة موازية لتلك القنوات التلفزيونية.

وقال رئيس نقابة الصحافيين في الأردن، طارق المومني، إنّ من يشاهد القنوات التلفزيونية الدينية يمكن أن يرى كيف ينعكس واقع القتل الطائفي في الشرق الأوسط في برامجها. على حد تعبيره، فإنّ رسالة هذه القنوات تستند إلى تنمية المشاعر الدينية وتكريس التطرّف، الإرهاب والصراع العرقي. وتشارك التنظيمات الإرهابية والتكفيرية في الشرق الأوسط بهذه الحفلة وتستخدم قنواتها كسلاح رئيسي، من خلال التحريض ونشر المعلومات المكذوبة.

دين أكثر من الأخبار

https://www.youtube.com/watch?v=I3k5hRdSTvI

وقد توصّلت دراسة أجريتْ عام 2014 إلى أنّ البرامج الدينية، سواء كانت شيعية، سنّية أو مسيحية، تشكّل نحو 28% من البرامج التي تُبثّ في قنوات التلفزيون في العالم العربي. وهذا، وفقا لباحثين، نتيجة لاستخدام السياسة للدين في صالحها. حتى التسعينيات من القرن العشرين، تراوح عدد القنوات الدينية بين 20 إلى 30 في العالم العربي، ولكن منذ التسعينيات حدث ارتفاع ملحوظ في عددها، ومن بين أسباب ذلك الثورة التكنولوجية الرقمية.

وتقع القنوات الدينية الفضائية اليوم في المركز الخامس من بين أنواع القنوات الموجودة في الشرق الأوسط (بعد قنوات الرياضة، المسلسلات، الأفلام والموسيقى)، ويصل عددها إلى 95 قناة. عدد القنوات الإخبارية أقل ويصل إلى نحو 65 قناة.

تتدفّق الكثير من الأموال لتلك القنوات الدينية، وذلك بشكل أساسيّ بسبب الصراع القائم بين الأجندة السياسية في الشرق الأوسط. يدير جيل جديد من رجال الأعمال الاستثمارات في القنوات التلفزيونية، ويمثّل معظمهم في الواقع تيارات سياسية. في مصر، على سبيل المثال، هناك رجال أعمال ينقسمون إلى تيّارين: التيّار الأول مقرّب من النظام الحالي وقد أسس قنوات تدعم هذا النظام. في المقابل، يحاول التيار الثاني الدفاع عن الإخوان المسلمين وقد أطلق فعلا مجموعة من القنوات التي تعمل من تركيا.

https://www.youtube.com/watch?v=o3gCNQiThx4

وجرّاء الاستخدام المتزايد للقنوات التلفزيونية الدينية لأهداف سياسية، فإنّ جزءًا من الدول العربيّة، وخصوصا تونس، الجزائر ومصر، بدأت بتنفيذ لوائح من شأنها تغيير هذا الواقع. فقد قرّر الدستور المصري الجديد إقامة لجنة مستقلّة تنظّم شؤون الإعلام المرئي والمسموع. وقد فرضت تونس قيودا على الحصول على تراخيص البثّ.

نُشر هذا المقال لأول مرة في موقع “ميدل نيوز”

اقرأوا المزيد: 532 كلمة
عرض أقل
الحرب الأهلية في اليمن (AFP)
الحرب الأهلية في اليمن (AFP)

هادي، الحوثيون، القاعدة: مَن ضد مَن في اليمن؟

قررت المملكة العربية السعودية، ردًا على السيطرة على القصر الرئاسي في عدن، بالتعاون مع جاراتها، شن عملية واسعة النطاق، أطلقت عليها اسم "عاصفة الحزم". من هم الحوثيون؟

تعود الأزمة في اليمن إلى الخلافات السياسية، القبلية، الإقليمية والطائفية في الدولة، الأمر الذي يخلق صراعًا مُعقدًا يجذب إليه عملاقة النفط، المملكة العربية السعودية، ودولتها العدوة في المنطقة – إيران. هنالك أوجه كثيرة للصراع الدموي الذي يحصد في هذه الأثناء أرواح الكثيرين.

الرئيس اليمني المعترف به دوياً السيد عبد ربه منصور هادي (AFP)
الرئيس اليمني المعترف به دوياً السيد عبد ربه منصور هادي (AFP)

من أجل فهم خارطة المصالح في تلك الدولة المتشرذمة ولماذا بدأت المملكة العربية بعملية “عاصفة الحزم”، إليكم 5 حقائق عن الحوثيين والحرب الدامية في اليمن:

1. يُقاتل المتمردون الحوثيون، الذين يتركزون في شمال – غرب اليمن، ضد الحكم المركزي في صنعاء منذ عام 2004، حين كان لا يزال رئيس البلاد هو علي عبد الله صالح، حليف الولايات المتحدة، الذي حكم البلاد حكمًا استبداديًا طوال أكثر من ثلاثة عقود. حاليًا، بعد مرور أكثر من عقد على بداية الثورة، يبدو الحوثيون على بُعد خطوة من تنفيذ انقلاب في اليمن.

2. ينتمي الحوثيون، بخلاف معظم الشعب اليمني، الذي ينتمي للتيار الإسلامي السني، لطائفة الزيديين الشيعية. يعود اسم هذا التيار إلى الإمام زيد بن علي، الذي قُتل بعد أن تمرد على حكم الأمويين عام 740 للميلاد.

ميليشيات موالية للرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي (AFP)
ميليشيات موالية للرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي (AFP)

3. استغل قائد هذا التيار، في حينه، حسين الحوثي، الغضب الشعبي الذي جاء نتيجة اجتياح الولايات المُتحدة للعراق ليحقق مكاسب سياسية وأعلن تمردًا ضد صالح. قُتل الحوثي عام 2004، بينما تابع مؤيدوه صراعهم المسلح في منطقة صعدة في شمال البلاد. تدخلت السعودية، الداعمة للنظام المركزي السني، فيما يحدث في شمال اليمن؛ عام 2009، وبدأت بشن عمليات عسكرية، من جانب واحد، ضد الحوثيين في المناطق الحدودية. تم التوصل، بعد عام من ذلك، إلى وقف لإطلاق النار وصمد ذلك الاتفاق، بشكل متزعزع، حتى عام 2011.

صورة من تلفزيون المنار التابع لحزب الله بتاريخ 20 كانون الثاني/يناير 2014 لعبد الملك الحوثي يدلي ببيان من موقع لم يكشف عنه في محافظة صعدة شمال غرب اليمن  (تلفزيون المنار/اف ب)
صورة من تلفزيون المنار التابع لحزب الله بتاريخ 20 كانون الثاني/يناير 2014 لعبد الملك الحوثي يدلي ببيان من موقع لم يكشف عنه في محافظة صعدة شمال غرب اليمن (تلفزيون المنار/اف ب)

4. تم عزل صالح عن الحكم في عام 2012 في أوج موجة التمرد التي اجتاحت العالم العربي. تم استبداله بنائبه، عبد ربه منصور هادي، باتفاق تضمن نقل الصلاحيات بهدوء والذي تمت رعايته من قبل دول الخليج والغرب. يحتل الحوثيون، مذاك، مكانة هامة وتحولوا إلى حركة سياسية قومية تُقاتل الذراع العسكري لتنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية. سيطر الحوثيون في عام 2014 على صنعاء، قاموا بنصب حواجز على الطرقات وقاموا بتنصيب رجالهم في الكثير من مؤسسات الحكم، مع قطعهم وعود لإدخال تغييرات سياسية في الدولة. إلا أنهم يتعرضون، منذ ذلك الحين، إلى عمليات يومية، تقريبًا، من القاعدة.

حوثيون (Yemen Fox)
حوثيون (Yemen Fox)

5. يتلقى الحوثيون، الذين يقودهم حاليًا عبد المالك الحوثي؛ البالغ من العمر 33 عامًا، من إيران دعمًا ماديًا، عسكريًا ولوجستياً. ينفي الحوثيون هذا الادعاء، ولكن السلطات اليمنية كانت اعترضت سفنًا تحمل أسلحة إيرانية كانت مُعدّة للنقل إليهم. أدى تعاظم قوة الحوثيين إلى ضعف كبير للحكومة اليمنية. يطالب الحوثيون بصلاحيات أكبر في وزارات الحكومة للتيار الزيدي، الذي يُشكل 33% من الشعب اليمني، ويطالبون بأن تتضمن مسودة الدستور الجديد تقسيم اليمن إلى منطقتين بدل ست مناطق، الأمر الذي سيعزز مكانتهم.

يأتي تدخل دول الخليج، بوجود خطاب القاعدة المعادي للشيعة وللحوثيين، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية، بدعم من الولايات المتحدة والخلافات الإثنية في اليمن، ليزيد من خطر حدوث المزيد من سفك الدماء بين القبائل والجماعات الإثنية التي من شأنها أن تُقسم اليمن، المُقسمة أصلاً والدولة الأفقر في الشرق الأوسط.

اقرأوا المزيد: 462 كلمة
عرض أقل
صورة للأمين العام لحزب الله، السيد حسن نصر الله (AFP)
صورة للأمين العام لحزب الله، السيد حسن نصر الله (AFP)

سلخ حزب الله عن لبنان صعب جداً

لو كان المسؤولون اللبنانيون يمتلكون القدرة على إحياء الدولة اللبنانية وإنهاء هيمنة حزب الله، لكانوا فعلوا ذلك منذ زمن طويل

لو كان اللبنانيون المعارضون لـحزب الله قادرين على إضعاف الحزب، لكانوا فعلوا ذلك منذ زمن طويل. ففي أيار/مايو 2008، قام سياسيون في الحكومة اللبنانية، التي كانت آنذاك مدعومة من الغرب، بتحدي حزب الله، مطالبين بتفكيك شبكة الاتصالات الخاصة به. إلا أن الحزب رفض هذا المطلب واندلعت اشتباكات دامية بين مسلحين موالين للحكومة من جهة وآخرين موالين للحزب من جهة أخرى في مناطق مختلفة من بيروت وجبل لبنان. والأهم من ذلك، لو كان المسؤولون اللبنانيون يمتلكون القدرة على إحياء الدولة اللبنانية وإنهاء هيمنة حزب الله، لكانوا أيضًا فعلوا ذلك منذ زمن طويل.

في الوقت الراهن، يبدو أن قدر اللبنانيين هو العيش مع حزب الله. بالنسبة إلى الكثيرين، هذا الواقع مروع جدًا لدرجة أنهم يشدّدون على اقتراب زوال الحزب. من جهة أخرى، تقبل البعض الآخر هذا الأمر، على مضض بالتأكيد، مثل تيار المستقبل الذي يعقد حاليًا سلسلة من جلسات الحوار مع حزب الله.

هذا وصرّح سعد الحريري، الزعيم السني لتيار المستقبل، خلال اجتماع عُقد في بيروت في 21 شباط/ فبراير، قائلًا بأن حوار تياره مع حزب الله يهدف إلى “توفير الحد الأدنى من مقومات الاستقرار الأمني والسياسي.” يُشار إلى أنه منذ كانون الأول/ ديسمبر 2014، عقد الجانبان ستة جلسات حوارية، التي لا تهدف إلى تقليص ترسانة حزب الله العسكرية، ولا تسوية قضية المحكمة الدولية الخاصة بلبنان، ولا معالجة تورط الحزب الخطير في الحرب الأهلية السورية. بدلًا من ذلك، يهدف الحوار بين الفريقين إلى منع أي فتنة طائفية من النشوب في لبنان، وإلى تسهيل انتخاب رئيس مسيحي للجمهورية، علماً أن هذا المنصب لا يزال شاغراً منذ أيار/ مايو 2014.

منذ العام 2008، والعديد من الأحزاب اللبنانية تتعامل بحذر مع حزب الله وذلك لسببين. أولًا، لا يمكن للبنان أن يتحمل خوض مغامرة لإضعاف أقوى حزب مسلح على أراضيه لأن هذا سيؤدي إلى نزاع داخلي. فـحزب الله هو عبارة عن جماعة شيعية لبنانية، ولا يمكن تحديه بنفس الطريقة التي تحدى فيها اللبنانيون النظام السوري في العام 2005 وأجبره على الانسحاب من لبنان. حتى وإن كان الحزب يمثل في نظر العديد اللبنانيين إيران لا لبنان، إلا أنه لا يمكن إنكار حقيقة أنه طرف مؤثر تمكن من تعزيز تحالفات سياسية مختلفة مع المسيحيين والدروز، وحتى مع بعض الجماعات السنية. ونظرًا إلى تأثيره وسلاحه وشعبيته في صفوف الشيعة اللبنانيين، لا يمكن للبنان معاملة حزب الله بنفس الطريقة التي تتبعها الولايات المتحدة والدول الأوروبية. ففي لبنان، حزب الله، أو حتى جناحه العسكري على الأقل، ليس مصنفاً كمجموعة إرهابية.

ثانيًا، جميع الأحزاب المعارضة لـحزب الله تتمتع بالحق في توجيه النقد اللاذع إلى الحزب على مدار الساعة، لكنها لا تستطيع محاربته عسكريًا. لهذا السبب اعتمد بعض اللبنانيين، وبشكل خاطئ، على البلدان الأجنبية، مثل إسرائيل، لتركيع حزب الله، وخاصة بعد حرب العام 2006. لكن في حال قررت إسرائيل في المستقبل القضاء على حزب الله فإن كل اللبنانيين، وليس الشيعة فقط، سيعانون من أثار الحرب الجديدة التي ستكون أسوأ من الحرب الأخيرة بين الطرفين.

حزب الله ليس قوة لا تُقهر. فهو عانى من خسائر عديدة في سوريا، كما تم اختراق صفوقه من قبل جواسيس إسرائيليين. لكن لا يبدو بأن الحزب سيزول في المستقبل القريب. وقال الأمين العام للحزب، حسن نصر الله، في مقابلة أجراها في 15 كانون الثاني/يناير إن “المقاومة اليوم أفضل مما كانت عليه في أي وقت من حيث قدراتها وسلاحها النوعي. ولدينا كافة [الأسلحة] التي يمكن تخيلها، وبكميات كبيرة. ونحن الآن أقوى من أي وقت مضى كحركة مقاومة.” وأتى ذلك قبل ثلاثة أيام من استهداف إسرائيل لقافلة تقل أعضاء من حزب الله وجنرالًا إيرانيًا بالقرب من هضبة الجولان. وبعد بضعة أيام رد حزب الله من مزارع شبعا المحتلة، وليس من الأراضي اللبنانية، من خلال ضرب قافلة عسكرية إسرائيلية، مما أسفر عن مقتل وإصابة عدد من الجنود.

إضافة إلى تعزيز ترسانته العسكرية، اكتسب حزب الله خبرة قتالية مهمة خلال الحرب السورية، وتمكن من تحسين قدراته على مستوى الاستطلاع العسكري والاتصالات، وذلك وفقًا لصحيفة ” كريسشان ساينس مونيتور.” حتى إن بيني غانتز، رئيس أركان جيش الدفاع الإسرائيلي السابق، أقر في العام 2014 بأن حزب الله هو حاليًا “أقوى من أي جيش عربي.”

لا يزال لبنان محافظاً على تماسكه على الرغم من الاضطرابات الداخلية الخطيرة والناتجة عن الأزمة السورية وعن تورط حزب الله فيها. والجيش اللبناني، بدعم من غالبية الشعب اللبناني، يحارب حالياً مجموعات متطرفة على طول الحدود مع سوريا، ولا يزال يحصل على الأسلحة الضرورية من قبل الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وحتى الأردن، لمساعدته على منع تنظيم “الدولة الإسلامية في العراق والشام” وجبهة النصرة من الاستيلاء على أراض لبنانية.

في الوقت الحاضر، تُعتبر التهديدات على الحدود الشمالية والشرقية للبنان مقلقة أكثر من تلك التي يشكلها حزب الله. لذا فإن معركة لبنان اليوم ليست مع حزب الله، بل مع المتطرفين القادمين من سوريا.

لبنان أشبه ببرج بيزا المائل في ايطاليا. لكن الفارق بينهما هو أن ميلان لبنان لن يستقر بشكل تام.

نشر هذا المقال لأول مرة على موقع منتدى فكرة

اقرأوا المزيد: 746 كلمة
عرض أقل
مسيحيو العراق (AFP)
مسيحيو العراق (AFP)

كاهن بغداد: “بينما كان المسيحيون يُذبحون في العراق كان العالم منشغلاً في غزة”

أحد قادة طائفة المسيحيين في العراق، الطائفة التي يُقتل أفرادها بشكل متوحش على يد مقاتلي داعش، هرب إلى إسرائيل وروى لوسائل الإعلام الإسرائيلية عن "المحرقة التي يتعرض لها أبناء الأقليات الدينية في العراق

يسكن الكاهن في بغداد وشاهد كيف يتم ذبح أبناء الطائفة المسيحية في العراق على يد مقاتلي الدولة الإسلامية، “داعش”. الكاهن البريطاني آندرو وايت (Andrew white) معروف جدًا في العراق، فهو من قادة الأقلية المسيحية البارزين في بغداد. صمد خلال حكم نظام صدام حسين الدكتاتوري، عمل بشكل دؤوب على التقريب بين الطوائف خلال الاجتياح الأمريكي للعراق عام 2003 وهذه المرة يؤمن أن نهاية الأقليات الإثنية والدينية في العراق ستكون مريعة. يزور في هذه الفترة إسرائيل وخلال مقابلة معه لصحيفة “يديعوت أحرونوت”، الصحيفة الأكثر انتشارًا في إسرائيل، تحدث الكاهن عن الخداع العالمي “هل تعرف ماذا حدث الأسبوع الماضي؟ قطعوا رؤوس أفراد أبرشيتي ولم يكتب أحدًا عن ذلك (في الصحف)”.

يعيش هناك منذ 16 عامًا، معظم الوقت داخل منطقة محصنة تضم كنيسة القديس جورج في وسط بغداد. في البداية تحت حكم صدام حسين، ومن ثم تحت الاحتلال الأمريكي ووصولاً إلى الحرب الأهلية المندلعة هناك والتي لا يبدو أن هناك نهاية قريبة لها. كان يُعتبر الكاهن صوت الجالية المسيحية في الدولة – واحدة من الجاليات المسيحية الأقدم في العالم، التي اختفت اليوم تمامًا بعد أن هاجر معظم المسيحيين من هناك.

قدّم وايت خدماته أيضًا للكثير من الجنود الأمريكيين الذين خدموا في بغداد، وأطلقت عليه وسائل الإعلام العالمية لقب “كاهن بغداد” (Vicar Of Baghdad)، وهذا لقب شرف لمن يُعتبر رسولاً هاماً للكنيسة.

واجه وايت كل المخاطر الممكنة: قُبض عليه، ضُرب وتم إصدار فتاوى بحقه من قِبل رجال دين مسلمين. رأى أصدقاء له وجماعات كاملة تُمحى عن وجه الأرض بسبب العمليات الإرهابية المتوحشة في الدولة في ذروة الصراع المسلح بين الجماعات السنية والشيعية في العراق. كان أحيانًا يخضع لحماية من قبل أكثر من 30 عنصرًا ولكن وايت استمر بخدمة أبناء طائفته ومساعدة الكثير من المسلمين الذين التجأوا إليه لسنوات طويلة. أنشأ عيادة لعلاج الأسنان وتقديم المساعدة الطبية، مدرسة للأطفال، حاول التقريب بين الطوائف من خلال عقد لقاءات كثيرة ومشحونة وعمل بالتحديد على الحفاظ على ما تبقى من أبناء الطائفة المسيحية الصغيرة والقديمة التي بقيت في بغداد. فعل كل ذلك رغم معاناته مع مرض ضمور الشرايين ورغم وجود زوجته وأولاده بعيدًا عنه، في وطنه، بريطانيا. بقي في العراق الممزق حتى هذه اللحظة، لحظة بدأ تنظيم داعش يعيث الخراب ويقطع رأس كل من لا يعتنق الإسلام.

ما رأيه بإسرائيل؟

تجمع وايت علاقة قوية بإسرائيل. درس الكهنوت هنا وأيضًا كان طالبًا في الجامعة العبرية في القدس قبل أن ينتقل إلى العراق عام 1998. وذكر في مقابلته مع صحيفة “يديعوت أحرونوت”: “السبب الوحيد الذي دفعني للذهاب إلى العراق هي أنني كنت في القدس وتم إرسالي إلى بغداد من قبل الكنيسة. بقيت هناك 16 عامًا وتجاوزت كل الصعاب”.

الكاهن آندرو وايت في الزاوية اليسرى من الصورة خلال لقاء يهدف للتقريب بين الطوائف في بغداد (AFP)
الكاهن آندرو وايت في الزاوية اليسرى من الصورة خلال لقاء يهدف للتقريب بين الطوائف في بغداد (AFP)

ينظر وايت نظرة خوف على ما يحدث في المكان الذي كان يومًا بيته “ما يحدث هناك مأساة… فوضى عارمة. هرب نصف أبناء الطائفة المسيحية الذين بقوا في شمال العراق – نتحدث عن ربع مليون إنسان؛ مليون إنسان إذا أحصينا أيضًا اليزيديين وأبناء الأقليات الأُخرى الذين يلاحقهم تنظيم داعش، من بيوتهم. خسروا كل شيء: بيوتهم، أعمالهم، عائلاتهم”.

لدى وايت انتقادات شديدة على تعامل الأنظمة والدول الغربية مع المسألة إذ يقول إنهم تذكروا في وقت متأخر جدًا أن هناك خطر إبادة يتهدد الكثير من الأشخاص في العراق. وجه كلامًا شديد اللهجة للدول الغربية على تقاعسها عن محاربة داعش وقال خلال المقابلة: “الغرب قال لا بأس، يمكننا التعامل مع داعش. سنُلقي عليهم بعض القنابل، سنلقي بعض إمدادات الطعام للاجئين، وفقط”. فقط ليقولوا إنهم فعلوا شيئًا. لا أقول إن ما يحدث في العراق اليوم هو ما حدث في الهولوكوست. كانت الكارثة شيئًا ليس استثنائيًا. ولكن بدأت الأمور هناك تشير وتُذكر بما حدث في الهولوكوست”.

لاجئون مسيحيون في العراق (AFP)
لاجئون مسيحيون في العراق (AFP)

تطرق أيضًا، كونه الآن في إسرائيل، لعملية “الجرف الصامد” ولحرب الصيف الأخير بين إسرائيل وحماس. “هذا لا يُصدّق. عندما ترى كيف تناولت وسائل الإعلام البريطانية والعالمية مسألة العملية العسكرية على غزة بينما كان المسيحيون يُذبحون في العراق”، قال وايت. إجابته على سؤال إن كان موافقًا على مقولة إن آخر عملية عسكرية شنتها إسرائيل ضد حماس كانت ضرورية كان: “بالتأكيد. أعتقد أن ما حدث في غزة كان يجب أن يحدث. لا يمكن أبدًا مهاجمة دولة ما وقتل مواطنيها، كما فعلت حماس، والاعتقاد أن الأمور ستمر بسلام. إسرائيل هي الدولة الوحيدة الديمقراطية في الشرق الأوسط ولهذا لن يفهموها”.

وفي رده على سؤال إن كان متفائلاً من مستقبل العلاقة بين إسرائيل والفلسطينيين أجاب: “كنت متفائلاً. ولكنني الآن ولأول مرة صرت أرى الأمور بشكل مختلف. أخشى أن كثيرين لن يتغيّروا. انظر إلى ما يحدث في الصراع الإسرائيلي – الفلسطيني. الناس ليسوا مستعدين أبدًا للانفتاح على قصة الآخر ورؤية وجهة نظره. كل طرف من الطرفين ملتزم بوجهة نظره هو وحده، قصته وحده”، قال خاتمًا كلامه.

اقرأوا المزيد: 708 كلمة
عرض أقل
طلاب سعوديون (AFP)
طلاب سعوديون (AFP)

الدول العربيّة تتصدى لظاهرة هروب الأدمغة

الصراعات في الشرق الأوسط وقلة أماكن العمل تدفع بالكثير من المواطنين إلى الهجرة إلى دول أكثر تطورًا، إلى دول الخليج العربي أو إلى الدول التي يمكنهم فيها أن يجدوا ملاذًا آمنًا من العنف

تشير معطيات جديدة للبنك العالمي والجامعة العربية إلى نسبة هجرة مرتفعة جدًا في الشرق الأسط ومن الشرق الأوسط إلى دول متطورة. تخشى الدول العربية من ذلك الأمر وتحاول اتخاذ إجراءات من شأنها تقليص نسبة هجرة الأدمغة.

تُعتبر منطقة الشرق الأوسط منطقة انطلاق وقدوم الكثير من المهاجرين في العالم. تصل نسبة المهاجرين الذين يتركون المنطقة إلى 50%. هذه أكبر نسبة مهاجرين في العالم، وفق معطيات البنك العالمي. أشار تقرير قسم الهجرة في الجامعة العربية إلى أن هناك ثلاثة أنواع من الهجرة في المنطقة:

• هجرة جنوبية شمالية: الهجرة من الدول النامية إلى الدول المتقدمة. يظهر ذلك الأمر جليًّا في منطقة شمال أفريقيا، حيث يهاجر الكثيرون منها باتجاه أوروبا.

• هجرة جنوبية – جنوبية: هجرة بين الدول النامية. المثال الأبرز على ذلك هو الهجرة باتجاه دول الخليج العربي.

• الدمج بين أول نوعي هجرة.

 لجئة سورية (AFP)
لجئة سورية (AFP)

هناك في العالم العربي حتى عام 2013 – 30 مليون مهاجر. هناك ازدياد مضطرد في هذا العدد، وتحديدًا بسبب التدفق الدائم للمهاجرين إلى دول الخليج العربي. تستضيف المملكة العربية السعودية أكبر عدد من المهاجرين – أكثر من تسعة ملايين شخص. وبعدها – الإمارات العربية المتحدة بقدر 7.8 مليون مهاجر، الأردن بقدر 3 ملايين مهاجر والكويت وقطر بأكثر من مليون ونصف المليون مهاجر. ترتكز أكبر نسبة من المهاجرين في منطقة الخليج العربي – 74% من مجموع المهاجرين في العالم العربي.

وفقًا لموقع “العرب”، هنالك ما يقارب 20 مليون مهاجر من الشرق الأوسط يعيشون حول العالم، أي أن 5% من مجموع سكان العالم العربي قد هاجروا من الشرق الأوسط. مصر والمغرب هما الدولتان اللتان يهاجر منهما أكبر عدد من المواطنين إلى دول أُخرى حول العالم. وتليهما الأراضي الفلسطينية المحتلة، العراق، الجزائر، اليمن، سوريا، الأردن ولبنان.

ينتقل ما يقارب 40% من مهاجري الشرق الأوسط إلى دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) التي هي دول متقدمة. يهاجر 23% من المهاجرين إلى دول متقدمة أُخرى و 31.5% يهاجرون إلى دول داخل الشرق الأوسط. 1% فقط من المهاجرين ينتقلون إلى دول نامية أُخرى في العالم.

يُستَدل من معطيات الجامعة العربية أن عدد المهاجرين إلى الدول العربية أكبر من عدد المهاجرين من دول عربية إلى الخارج. يبدو أن هذه الفجوة نابعة من الازدياد المضطرد بنسبة المهاجرين إلى دول الخليج العربي، حيث هناك حاجة كبيرة للعمال في مجال صناعة النفط.

تأثيرات الربيع العربي

لقد أثرت أحداث الربيع العربي والثورات الأخيرة التي اندلعت في بعض الدول العربية تأثيرًا كبيرًا على عدد المهاجرين واللاجئين. هاجر كثيرون من سوريا ومن دول أُخرى والتي فيها صراعات دموية. كما واضطرت دول أُخرى أن تستقبل الكثير من اللاجئين السوريين، الأمر الذي يُشكل عبئًا اقتصاديًا عليها.

الدول العربيّة تتصدى لظاهرة هروب الأدمغة (AFP)
الدول العربيّة تتصدى لظاهرة هروب الأدمغة (AFP)

يُشكل، في الواقع، اللاجئون في المنطقة نسبة 65.3% من النسبة الكلية للمهاجرين في الدول العربية. لا شك أن هذه النسبة عالية جدًا، وتعكس الوضع السياسي الصعب في المنطقة. تدفع الأوضاع في الشرق الأوسط العديد من العائلات إلى محاولة الهجرة معًا إلى دول أوروبية، إلا أن تلك الدول تضع أحيانًا عراقيل.

غالبية المهاجرين ليسوا من ذوي التحصيل العلمي العالي. من الأراضي الفلسطينية المحتلة مثلاً، فقط 7% من المهاجرين هم من الحاصلين على تعليم عالٍ. بالمقابل، في دول أُخرى مثل لبنان، فإن النسبة هي نحو 40%. لذا، عبّرت بعض الدول عن خشيتها من تسرب العقول من مناطقها إلى أماكن أُخرى في العالم، الأمر الذي يؤثر على التطور والاستثمارات في الدولة على المستوى الوطني.

“ليس هناك احترام، أمن وظيفي، ومهنية”

أظهر تقرير، تم إجراؤه في المنطقة، ارتفاع نسبة المتعلمين من بين المهاجرين من الدول العربية وارتفاع بنسبة تسرب الأدمغة والأشخاص المتخصصين بمجالات معينة. الكثيرون من المهاجرين العرب هم أطباء يبحثون عن دولة يتم فيها تأمين مكان عمل لهم. يؤدي هذا الأمر إلى تناقص جودة الموارد البشرية وجودة الطب الذي تقدمه الدول العربية لمواطنيها.

طفل فلسطيني أمام مقر الأونروا في قطاع غزة (Flash90/Abed Rahim Khatib)
طفل فلسطيني أمام مقر الأونروا في قطاع غزة (Flash90/Abed Rahim Khatib)

يقول المهاجرون أنفسهم إن الدخل القليل وأماكن العمل القليلة هي من العوامل المركزية التي تدفع نحو الهجرة من المنطقة. “لا أشتاق أبدًا لسوريا، لأنه لم يكن فيها احترام أو أمن وظيفي أو مهنية”، هذا ما صرح به أحد المهاجرين السوريين، الذي يعمل مهندس حاسوب، إلى شبكة الأنباء الإنسانية IRIN. بالمقابل، هناك من يفضلون البقاء في سوريا النازفة رغم كل شيء. هذا ما قاله مهندس من مدينة حمص مثلاً: “لن أترك سوريا أبدًا لأنه لدي رؤيا خاصة بي من أجلها. نحن نعمل من أجل مستقبلها”.

تحاول الدول العربية ذاتها مواجهة ظاهرة تسرب الأدمغة من الشرق الأوسط مثلاً لأن هناك حاجة لتبادل المعلومات بين الدول ولأنه في حال كانت هناك هجرة – من المهم أن تكون بين الدول ذاتها وليس خارج الشرق الأوسط. تم التأكيد، خلال مؤتمر تم عقده بخصوص مسألة المهاجرين العرب، على أن الخبرات العربية هي موارد هامة ويجب الحفاظ عليها.

تم نشر المقالة لأول مرة في موقع ميدل نيوز

اقرأوا المزيد: 706 كلمة
عرض أقل
الجيش اللبناني يقوم بحراسة بلدة عرسال الحدودية من جماعات الدولة الإسلامية خلال شهر أغسطس (AFP)
الجيش اللبناني يقوم بحراسة بلدة عرسال الحدودية من جماعات الدولة الإسلامية خلال شهر أغسطس (AFP)

خطر تنظيم “الدولة الإسلامية” يهدد لبنان

أن زحف “الدولة الإسلامية في العراق والشام” (المعروفة حاليًا باسم “الدولة الإسلامية”) سلّط الأضواء العالمية على سوريا والعراق خاصةً بعدما استولى التنظيم على أراضٍ شاسعة في البلدين. وبالرغم من أن لبنان لا يزال بعيداً عن الأنظار، إلا أن انتشار الطائفية وغياب الاستقرار فيه يتركانه عرضة لهذا الخطر المتنامي في المنطقة.

غياب الوحدة الوطنية كان له نتائج كارثية على لبنان، فالبلد لم يتخطَّ بعد العواقب الوخيمة التي ترتبت عن الحرب الأهلية الدموية (1975 – 1990) حيث استغل بعض اللاعبين الإقليميين الانقسامات الطائفية فيه. فعلى سبيل المثال، دخل الجيش السوري لبنان تحت ذريعة مساعدة المسيحيين الموارنة في بادئ الأمر، فيما استغلت إيران ظاهرة تهميش الشيعة والاحتلال الإسرائيلي لتنشئ ميليشيا حزب الله الشيعية. وثمة احتمال كبير بأن يستغل تنظيم “الدولة الاسلامية” فشل السلطات اللبنانية في معالجة الانقسامات الطائفية العميقة تمامًا كما فعل في العراق وسوريا.

التفجيرفي لبنان (AFP)
التفجيرفي لبنان (AFP)

والجدير بالذكر هو أن الاحتجاجات السنية أخذت بالازدياد في لبنان بسبب انخراط حزب الله في الحرب السورية وايضاً بسبب السياسات المزدوجة المعايير التي تنتهجها الحكومة. فبعض السنة جاهروا مثلاً باعتراضهم على “التوقيفات العشوائية” لأبناء الطائفة السنية في مدينة طرابلس الشمالية. وقد بلغ الحد بالنائب في تيار المستقبل، محمد كبارة، إلى القول أن ” استمرار الاضطهاد الأمني للطائفة السنية سيؤدي إلى ردود فعل غير محسوبة النتائج”.

أضف إلى أن لبنان يأوي حاليًا أعداداّ ضخمة من اللاجيئين السوريين والفلسطينيين وغالبيتهم من الطائفة السنية. الفلسطينيون في لبنان عانوا طويلاً من الإذلال والتهميش، ونتيجةً لذلك ازدادوا تأثرًا بالعقيدة الإسلامية. فالاشتباكات التي وقعت في العام 2007 بين الجيش اللبناني وتنظيم “فتح الإسلام” المتفرع عن تنظيم القاعدة – في مخيم نهر البارد لللاجئين الفلسطينيين، هي دليل على قدرة الحركات الإسلامية على بسط سيطرتها في المخيمات. ناهيك عن تنامي العدائية الفلسطينية إزاء حزب الله الذي يحارب إلى جانب النظام السوري. فمن خلال محادثات خاصة أجريتها مع شبان فلسطينيين يتعرضون باستمرار للمضايقة من قبل حزب الله، تلمست شعورًا متناميًا بالكراهية تجاه الحزب الشيعي ولمست بالإجمال شعورًا بالنقمة على اللبنانيين الشيعة. ومن السذاجة أن نحسب أنّ تنظيم “الدولة الاسلامية” لم يلاحظ هذه المواقف، فهو سيستغلها حتمًا لصالحه. فبعض التقارير تفيد بأن التفجيرات التي خضّت بيروت في الأشهر الأخيرة والتي تبناها التنظيم كانت من تنفيذ الفلسطينيين المقيمين في لبنان.

ومن جهة أخرى، ثمة حاليًا أكثر من مليون نازح سوري في لبنان، والدولة اللبنانية غافلة عن احتياجاتهم الأساسية، أو عاجزة عن تلبيتها. هؤلاء أيضًا يشكلون قاعدة تجنيد لـ”تنظيم الدولة الاسلامية”، لا سيما وأن بعض التقارير أشارت إلى أن هذا التنظيم المتطرف قرر في أوائل شهر آب/أغسطس 2014 أن يشن هجومًا على بلدة عرسال السنية الواقعة بالقرب من الحدود اللبنانية-السورية، لأنها تأوي العديد من اللاجئين. ومع أن حزب الله تعهد بدعم الجيش اللبناني، مساهمًا في دحر تقدم المسلحين المنتسبين إلى تنظيمَي “الدولة الاسلامية” و”جبهة النصرة” في البلدة الحدودية المذكورة، إلا أن هذا الأمر قد يفاقم التوتر الطائفي الذي سيصب في مصلحة المسلحين السنة. وفي هذا السياق، صرح قائد الجيش العماد جان قهوجي أنه لو خسر الجيش معركة عرسال لتعاظم التوتر السني-الشيعي واستمر تنظيم “الدولة الاسلامية” في زحفه وصولاً إلى الساحل لإعلان الدولة الإسلامية.

 تظاهرة مؤيدة للجيش اللبناني في منطقة الاشرفية ببيورت (AFP)
تظاهرة مؤيدة للجيش اللبناني في منطقة الاشرفية ببيورت (AFP)

أن الاشتباكات الخطيرة التي وقعت في عرسال بالتأكيد لن تكون المحاولة الأخيرة لـ”الدولة الاسلامية” لدخول لبنان. وفي حال نجحت خطوتها التالية، من المحتمل أن تصل إلى مأزق عسكري وطائفي مع حزب الله وتقوم بالسيطرة على بعض المعاقل السنية. وفي حال حدث ذلك، سينقسم لبنان طائفيا وستعود كل طائفة إلى مناطقها التقليدية للتصدي للهجوم. وقد يشكل ذلك نهاية لبنان كدولة.

الأرجح أن سنّة لبنان وقياداتهم لن يرضخوا لتنظيم “الدولة الاسلامية” من باب الاقتناع بأيديولوجيته، إلا أن احتياجاتهم العملية قد تطغى على هذه الأيديولوجية. فالنقص في الإمدادات والذخائر دفع العديد من الثوار السوريين إلى تغيير ولائهم فيما أقر آخرون أن إحباطهم في ساحة المعركة قد يدفعهم للانضمام إلى تنظيم “الدولة الاسلامية.” وبدافع اليأس والعنف الطائفي، من الممكن أن نشهد قريبًا منحىً مماثلاً لدى بعض السنة في لبنان. وإذا واصل لبنان تهميش السنة، فسيقوم تنظيم “الدولة الاسلامية” باستغلال غياب الدولة اللبنانية ويؤمّن الحماية المسلحة ومجموعة واسعة من الخدمات الاجتماعية لبعض السنة مقابل الخضوع لها تماماً كما فعل حزب الله تجاه شيعة لبنان.

لبنان في خطر كبير من أن يصبح الضحية المقبلة لتنظيم “الدولة الاسلامية” وما حدث في بلدة عرسال الحدودية يعتبر عيّنة عما قد ينتظر البلاد.

نشر المقال لأول مرة على موقع فكرة

اقرأوا المزيد: 655 كلمة
عرض أقل
رئيس الوزراء اللبناني السابق سعد الحريري (AFP)
رئيس الوزراء اللبناني السابق سعد الحريري (AFP)

عودة الحريري الى لبنان والتحديات المقبلة

إذا كان يعتزم الحريري تغيير مسار لبنان، فسوف يضطر إلى مواجهة المسلحين السنّة، وتوحيد الطائفة السنية، واحياء ما يسمى بتحالف 14 آذار الموالي للغرب

عاد رئيس الوزراء اللبناني السابق سعد الحريري إلى بيروت الأسبوع الماضي، وذلك بعد غياب دام حوالي ثلاث سنوات قضاها في المنفى الاختياري. ويذكر أن الحريري، الزعيم المعتدل والأكثر مصداقية بالنسبة إلى المجتمع السني اللبناني، كان قد غادر بيروت في العام 2011 وسط تهديدات بالاغتيال. لكن في غيابه، تدهورت الحالة الأمنية في البلاد وارتفعت حدة التوترات الطائفية، كما بدا أن بعض السنة اللبنانيين المعتدلين تاريخيًا بدأوا يجنحون نحو التطرف.

وصل الحريري إلى بيروت يوم الجمعة الماضي حاملًا معه هبة بقيمة مليار دولار من المملكة العربية السعودية لتمويل قوات مكافحة الإرهاب في لبنان، ووعدًا بملء الفراغ في قيادة مجتمعه السني. إلا أنه عاد وغادر بعد أقل من أسبوع إلى جدة، وقد تردد أن عودته إلى المملكة هي لمناقشة الهبة السعودية، وليس من الواضح متى سيعود مجددا. وتُشكل عودته القصيرة إلى الوطن موضع ترحيب، لكنها ليست بالدواء الشافي، كما أنه من غير المؤكد ما إذا كان سيؤدي وجود الحريري ومكانته إلى وقف الانقسام الحاصل في صفوف السنّة في لبنان والتراجع البطيء للدولة.

في حال لم يعد الحريري إلى بيروت، ستكون الفائدة الملموسة لزيارته القصيرة إلى لبنان محدودة. أما إن عاد، فستكون أمامه قائمة طويلة من الأعمال الواجب تأديتها، إذ يبدو أن الكثير من المؤسسات الحكومية اللبنانية في تراجع. فمنذ شهر أيار/ مايو و لبنان من دون رئيس (مسيحي) للجمهورية كما بات البرلمان يفتقر إلى الشرعية ، وفي أيار/ مايو من العام 2013 تم تمديد ولاية البرلمان لسبعة عشر شهرًا إضافيًا، وليس واضحا ما إذا كان سيتم إجراء الانتخابات البرلمانية في خريف هذا العام.

نساء لبنانيات يتظاهرن من أجل الجيش اللبناني في حربه ضد جماعات الدولة الإسلامية في عرسال (AFP)
نساء لبنانيات يتظاهرن من أجل الجيش اللبناني في حربه ضد جماعات الدولة الإسلامية في عرسال (AFP)

ولا بد من الإشارة إلى أن الوضع الأمني يشكل أيضًا مصدر قلق . ففي وقت سابق من هذا الشهر، قامت “الدولة الإسلامية في العراق والشام” – المعروفة حاليًا باسم “الدولة الإسلامية” – و”جبهة النصرة” بالسيطرة على بلدة عرسال السنية المحاذية للحدود اللبنانية – السورية، ما أسفر عن مقتل أحد عشر عنصرًا وخطف تسعة عشر من الجيش اللبناني وعشرين عنصرًا من قوى الأمن الداخلي. وفي هذا السياق، أدى الهجوم الذي شنه الجيش اللبناني لاستعادة عرسال إلى تدمير مساحات واسعة من البلدة.

في الوقت عينه، لا تزال ميليشيات حزب الله اللبناني الشيعية تحارب الشعب السنّي في سوريا – نيابةً عن نظام بشار الأسد العلوي – من دون حسيب أو رقيب، وهذا ما أثار غضب السنّة في لبنان. والأسوأ من ذلك هو أن الجيش اللبناني كان يتعاون مع حزب الله بشكل غير رسمي لمحاربة المسلحين السنّة في لبنان، ما أضعف من صورة الجيش “الحيادية” ومكانته كمؤسسة “وطنية” غير طائفية.

الجناح العسكري لحزب الله (AFP)
الجناح العسكري لحزب الله (AFP)

وتبرز إلى جانب ذلك قضية اللاجئين السوريين في لبنان. فعلى مدى السنوات الثلاثة الماضية، دخل حوالي 1.5 مليون لاجئ سوري، معظمهم من السنّة، إلى لبنان ما أدى إلى إخلال التوازن الديمغرافي بين السنّة والشيعة والمسيحيين والدروز، ناهيك عن تكبيد الاقتصاد اللبناني خسائر كبيرة.

إذا كان يعتزم الحريري تغيير مسار لبنان، فسوف يضطر إلى مواجهة المسلحين السنّة، وتوحيد الطائفة السنية، واحياء ما يسمى بتحالف 14 آذار الموالي للغرب والذي تراجعت قوته كثيراً في السنوات الاخيرة. وفي الوقت نفسه على الحريري معارضة التدخل العسكري لـحزب الله في سوريا، ولا بد من الإشارة إلى أن مثل هذا الموقف من شأنه أن يؤدي إلى مقتل الحريري.

الحريري تعهد بتقديم مبلغ 15 مليون دولار لإعادة بناء عرسال، وهي مساهمة ينبغي أن تولد بعض المواقف الإيجابية تجاهه. ويمكن لسخاء مماثل، ربما يكون ممولاً من السعودية، أن يساعد أيضًا على إعادة نفوذه في المناطق السنية مثل طرابلس وعكار وصيدا، والتي يمكن أن تصل اليها موجة التشدد الإسلامي.

الجيش اللبناني يقوم بحراسة بلدة عرسال الحدودية من جماعات الدولة الإسلامية (AFP)
الجيش اللبناني يقوم بحراسة بلدة عرسال الحدودية من جماعات الدولة الإسلامية (AFP)

أما على الجبهة السياسية، فان وجود الحريري ضروري لأنه سيساعد تحالف 14 آذار على التوصل إلى مرشح رئاسي توافقي وقانون انتخابي جديد. بالطبع، سوف يضطر تحالف 14 آذار إلى التفاوض مع حزب الله الذي يرأس تحالف 8 آذار، ولكن مما لا شك فيه هو أن توحيد الصفوف داخل تحالف 14 آذار سيعزز موقف هذا الفريق خلال المحادثات.

لكن الأهم من ذلك، وبغية تجنب الانزلاق نحو مزيد من الحروب الطائفية، سيترتب على الحريري إيجاد وسيلة للحد من تعاون الجيش اللبناني مع حزب الله في مواجهة المسلحين السنّة. من المألوف في الغرب، وحتى في لبنان، اعتبار أن الجهاديين السنّة يشكلون تهديدًا أكبر من الجهاديين الشيعة على غرار حزب الله، لكن هذا الرأي قصير النظر وسيؤدي مع مرور الوقت إلى تطرف السنّة في الدولة اللبنانية وتراجع الدعم للجيش.

مجلس النواب اللبناني (AFP)
مجلس النواب اللبناني (AFP)

في ظل غياب أي فرد أو مؤسسة في لبنان قادرة في الوقت الحالي على مواجهة وهزيمة حزب الله، فإن تعاون الدولة الضمني معه، خصوصًا فيما يتعلق بالتطورات في سوريا، سيؤثر سلبًا على المجتمع اللبناني. وفي حال أراد الحريري انقاذ لبنان ، سيتوجب عليه الامتناع عن الخضوع لسلطة حزب الله. نظرًا إلى التحديات الحالية في لبنان، من الواضح أن مواجهة حزب الله ليست بالحل المناسب، لكن هذا لا يعني بأن التعاون مع حزب الله سيؤدي إلى ارساء الاستقرار في لبنان.

نشر المقال لأول مرة على موقع منتدى فكرة

اقرأوا المزيد: 737 كلمة
عرض أقل
زواج عربي في إسرائيل (Flash90Hamad almkt)
زواج عربي في إسرائيل (Flash90Hamad almkt)

هل تتيح إسرائيل الزواج بين مسلمين ويهود؟

على خلفية الضجة الإعلامية والاجتماعية التي أحدثها زواج محمد (مسلم) ومورال (يهودية) من يافا أمس، يُطرح السؤال عن مكانة الزواج بين الطوائف في إسرائيل

23 أغسطس 2014 | 09:32

في الأسبوع الأخير شغل زواج شاب عربي من يافا من فتاة يهودية التي اختارها قلبه، والتي هو على علاقة حب وحياة مشتركة منذ خمس سنوات، الإعلام الإسرائيلي ونسيج المجتمع الإسرائيلي كله.

إن منظمة “لهفاه” (شعلة)، وهي منظمة أخذت على عاتقها منع العلاقات الرومانسية بين اليهود وغيرهم، هي التي أشعلت نيران الاحتجاج الاجتماعي التي اندلعت بعد الدعوة التي نُشرت في الشبكات الاجتماعية إلى زواج العروسين.

اتخذ النقد الاجتماعي العارم الذي ألقي على منظمي المظاهرة المعارضة لزواج العروسين مساحة كبيرة في الإعلام. منظمة “لهفاه” تعد اليوم منظمة مؤقتة في الجمهور الإسرائيلي. وهي منظمة صغيرة جدًا حملت على كاهلها عبء مواجهة ظاهرة غير منتشرة في إسرائيل، علاقات رومانسية بين اليهود وغير اليهود.

يُطرح السؤال ما هي مكانة الزواج بين الأديان أو الطوائف في إسرائيل بعد ذلك الحدث الفرديّ؟

من المهم التوقف قليلا عند معنى مراسم الزواج حسب اليهودية والإسلام من أجل أن نفهم بُعد الدلالة للحدث الفردي لمحمود ومورال من يافا في الفترة ما بعد الحرب على غزة.

مظاهرة لهفاه الأمس (Flash90)
مظاهرة لهفاه الأمس (Flash90)

حسب اليهودية فإن الزواج بين اليهود وغيرهم ممنوع منعًا باتًا، ويعد سببًا رئيسيًّا في الانخراط. مع ذلك، في حال تزوجت امرأة يهودية من رجل غير يهودي، فإن ذريتها تعتبر حسب اليهودية من اليهود.

حسب الإسلام يمكن للرجل أن يتزوج امرأة غير مسلمة سواء أكانت تعد من كلا الديانتين الموحدتين: اليهودية أو النصرانية. يقرر فقهاء الدين أن هذا الزواج غير محبذ حين يعيش الزوجان في دولة غير مسلمة. في حال تزوج رجل مسلم من غير مسلمة، تعد ذريتهما مسلمة حسب الإسلام.

يصبح الموضوع أكثر تعقيدًا في إسرائيل تحديدًا حين تصبح مكانة الزواج دينية. يُسجَّل الزوجان متزوجَيْن فقط إذا ما أتما زواجهما حسب الشريعة الإسلامية أو دور العبادة اليهودية.

حالة محمود ومورال هي حالة فردية لا تدل على ظاهرة. نعم، تتم اللقاءات الرومانسية في إسرائيل بين عرب ويهود لكن نادرًا ما ينتهي ذلك بإقامة عائلة مشتركة. والندرة أمر نسبي، نسبي للواقع القائل إن هناك شعبين كبيرين يعيشان لفترة طويلة في نطاق بلاد مكتظة. فقط عشرات من اليهود يعلنون كل سنة إسلامهم أو تنصّرهم، ويبدو أن ذلك من أجل الزواج الذي يتجاوز القوميات، وكذلك مسلمون يتحولون ليهود أو مسيحيين. تضيق الورقة عن وصف الأسباب، ولكن هنالك الخلاف العربي اليهودي وهنالك الواقع الذي يتحدث دائمًا عن جماعات محافظة وتقليدية أشد المحافظة، ونشأت لديهم أيضًا مخاوف متبادلة ترتكز على العنصر، الدين والقومية.

الزوجان مورال ومحمد مع الوزيرة ياعيل غارمن
الزوجان مورال ومحمد مع الوزيرة ياعيل غارمن

لكن تحديدًا في السنوات الأخيرة، يمكن لإسرائيل أن تفتخر، أو أن تخجل من ظاهرة آخذة في الازدياد. إنها متعلقة بفئة يفوق عددها ثلث مليون مواطن يعرفون كـ “لا دين لهم”. قدم أناس كثيرون إلى إسرائيل في إطار “قانون العودة” (وهو قانون يعطي الحق لكل يهودي في العالم، أبدى رغبته في الاستقرار في إسرائيل، في أن يكون مواطنًا إسرائيليًّا) لكنهم غير يهود حسب الأحكام اليهودية. لا تتيح دولة إسرائيل لهذه المجموعة الكبيرة الزواج في إسرائيل. بالمقابل، عملية التهويد (تحول غير اليهود إلى يهود) ليست خيارًا لأغلبهم، إذ أن الإجراءات طويلة، تدار بتشديد كبير من دور العبادة اليهودية في إسرائيل التي تعسّر على الكثيرين اتخاذ اليهودية دينًا لهم. هذه المشكلة، لسبب ما، أقل عناءً، لأنها لا تعتمد على الخلاف القومي، ولا تمتطي الأمواج العكرة لحملة “الجرف الصامد” والحرب الأخيرة بين إسرائيل وحماس، والتي جرّت عدد غير قليل من موجات العنصرية بين المجموعتين المدنيتين في إسرائيل.

طبعًا، لا يتيح القانون الإسرائيلي نفسه الزواج في إسرائيل بين الأديان المختلفة، ولهذا لو لم تُسلم مورال، لم يكن الاثنان ليتزوجا في إسرائيل التي يخضع الزواج فيها للأحكام الدينية التي تمنع الزواج بين اليهود والعرب.

معدل عمر الزواج للنساء في أسرائيل هو 25  (Flash90/Serge Attal)
معدل عمر الزواج للنساء في أسرائيل هو 25 (Flash90/Serge Attal)

لكن، هذين الزوجين يمكنهما التزوج خارج البلاد والتسجيل في إسرائيل كمتزوجين، أو أن يعيشا معلنين زواجهما بين الجمهور، أو من المفضل التذكر أن منع الزواج بين اليهود والعرب هو، للأسف الشديد، القانون السائد. منع الزواج بين الأديان المختلفة يخدم المفهوم الذي بحسبه يجب “حماية” النساء اليهوديات من “التهديد العربي”.

نعم، إن منظمة “لهفاه” معروفة ويدور الحديث عنها أكثر من أي وقت مضى، لكن المنظمة المتطرفة، من غير أن تنتبه، أضرت بالموضوع المعلن الذي أرادت عرضه- منع الانخراط، على الأقل كقناع لكره العرب. لقد حوّلت المنظمة العروس مورال إلى بطلة اليوم. وُصف المعترضون على الزواج الشخصي كمتعصبين خارج جدار الشرعية. لا دليل على ذلك أفضل من رد الرئيس الإسرائيلي، رؤوفين ريفلين، الذي على ضوء الحملة التي قادتها “لهفاه”، تمنى كل خير للزوجين الغضّيْن.

اقرأوا المزيد: 650 كلمة
عرض أقل
جيش الدولة الإسلامية (AFP)
جيش الدولة الإسلامية (AFP)

نشوء وتطور داعش

عشرات النشطاء من المنظمة المتطرفة قُتلوا في معارك في عرسال، وهي المعارك التي يصفها الجيش اللبناني بأنها "الأخطر من نوعها". قُتل 11 جنديًا بينما تم اختطاف 15 آخرين. يقف حزب الله إلى جانب الجيش في صراعه

ها قد أصبح ذلك قريبًا وعلى الحدود، التنظيم الجهادي الذي وصلت أصداؤه إلى العراق، سوريا، وبدأت بوادر قوته وتقدمه الأولى تظهر في لبنان، الأردن وغزة.

عنف وعمليات تفجير سيارات مفخخة في تكريت (AFP)
عنف وعمليات تفجير سيارات مفخخة في تكريت (AFP)

الأخبار السارة هي أن الجيش اللبناني يشن منذ عدة أيام عملية عسكرية لم يشهد لها لبنان مثيلاً خلال السنوات الأخيرة بمحاولة من الجيش لصد التيار الجهادي الجديد، الذي يدق على أبواب الدول القومية الجديدة في أرجاء الشرق الأوسط، على أمل إقامة أنظمة حكم إسلامية بديلة.

يُستدل من فحص عميق أن التنظيم هو عبارة عن رمز جديد – قديم للجهاد، والذي يحاول أن يفرض من جديد الشروط السياسية، العسكرية والاستراتيجية في الشرق الأوسط بعد حرب أفغانستان، العراق، ثورات الربيع العربي وسقوط الأنظمة الإسلامية لاحقًا.

عندما نتوجه الى مصادر إعلامية ما ونطلب أن نعرف أكثر عن التنظيم الذي بات يهدد الهلال الخصيب نحصل على انطباع خاطئ بأننا نتحدث عن جهة قوية جديدة نسبيًا، شقيق صغير لتنظيم “القاعدة”، الذي نمى في الخواء السلطوي الذي تكوّن في تخوم الشرق.

عجّل البروز السريع للتنظيم من تفكك الدول القديمة مثل سوريا والعراق، وترك دول أخرى، مثل الأردن، إيران والسعودية في وضع انتظار. إلا أن نظرة فاحصة على مصادر التنظيم القديمة وطريقة نشاطه تكشف لنا صورة مختلفة قليلاً.

يمكن تمييز براعم التنظيم في العمليات السابقة لقائد التنظيم الأول – أبو مصعب الزرقاوي. جمع الزرقاوي، الذي ترعرع في الأردن وانتسب إلى التيار السلفي السني، خبرة كبيرة بما يخص مجال الإرهاب وحرب العصابات من خلال التنظيمات الجهادية العالمية، بداية من أيامه في أفغانستان تحت الاحتلال السوفيتي، وصولاً إلى محاولاته في أواخر القرن الماضي لإضعاف المملكة الأردنية الهامشية.

أبو مصعب الزرقاوي (Wikipedia)
أبو مصعب الزرقاوي (Wikipedia)

أنشأ لهذه الغاية في العام 2000 تنظيم “جماعة التوحيد والجهاد” بالتعاون مع نشطاء سلفيين أردنيين آخرين. بعد عام من ذلك، وبالتوازي مع بدء الاحتلال الأمريكي لأفغانستان، نقل الزرقاوي مركز ثقل عملياته إلى العراق، حيث بدأ هناك بنسج شبكة من العلاقات مع جهات في السلطة وفي أذرع أجهزة المخابرات العراقية ومع ميليشيات متطرفة في الشمال – شرق الدولة، أمثال “أنصار الإسلام”. كانت علاقة التنظيم الرسمية بنظام الحكم، بالمقابل، مختلفة في ماهيتها، وقبل الاجتياح العراقي دارت بين نظام حكم صدام والزرقاوي لعبة أشبه بلعبة القط والفأر.

أسقطت الولايات المتحدة في العام 2003 حكم صدام حسين تمامًا وبما في ذلك النظام المخابراتي – العسكري الذي قاد بواسطته البلاد خلال فترة حكمه. أدى تفكك مؤسسات السلطة والفراغ الذي حدث جراء ذلك لنشوء بيئة مناسبة للزرقاوي وتنظيمه للقيام بعمليات جهادية. استقطب تنظيم الزرقاوي آلاف الناشطين من كل أنحاء العالم الإسلامي، وحتى أنه ضم بعض “التنظيمات الصغيرة” إليه.

بدأ التنظيم في النصف الثاني من العقد الماضي في السعي نحو تحقيق ثلاثة أهداف وضعها أمامه. الهدف الأول، طبعًا، كان القتال ضدّ تحالف الاحتلال الغربي والعراقيين المتواطئين مع ذلك الاحتلال. الهدف الثاني كان إحداث شرخ بين الطائفة السنية والشيعية (اللتان تشكلان غالبية نسبة السكان في البلاد”. أما آخر هدف فكان (في تلك السنوات) يسعى إلى إقامة دولة خلافة في العراق.

محاولات وزير الخارجية الأمريكي، جون كيري،  بإقناع رئيس الحكومة العراقية نوري المالكي بتوسيع حكومته وضم جهات أخرى إليها لا تنجح حاليًا (AFP)
محاولات وزير الخارجية الأمريكي، جون كيري، بإقناع رئيس الحكومة العراقية نوري المالكي بتوسيع حكومته وضم جهات أخرى إليها لا تنجح حاليًا (AFP)

“منحت” الطرق التي استخدمها التنظيم في عملياته سمعة التنظيم الأخطر والأكثر وحشية. وهذا بسبب استخدام التنظيم لعبوات ناسفة مبتكرة في داخل الأحياء السكنية. مهاجمة أشخاص لا دخل لهم ونشطاء إنسانيين وأيضًا عُرف عن التنظيم قيامه بقطع رؤوس أعدائه. جاءت عمليات الزرقاوي منذ البداية لكي تترك أصداءً مجلجلة وشحن طائفي.

كان الصراع الذي خاضه الزرقاوي سلاحًا ذا حدين وجذب إليه الكثير من النار وفي عام 2006 شنت الولايات المتحدة ثانية حربًا ضدّ قيادة الفصيل التابع لتنظيم “القاعدة” في العراق ونتج عن تلك الحرب وفاة الزرقاوي ونائبه ومعلمه الروحي.

تسلم قيادة التنظيم، بعد اغتيال الزرقاوي، أبو أيوب المصري، الذي كان يُعتبر اليد اليمنى للزرقاوي والذي أنشأ خلايا جهادية كثيرة في جنوب العراق وفي بغداد. مر الحزب في ذلك العام بالكثير من التحولات، وفي نهاية الأمر ارتدى بذلة جديدة: “دولة العراق الإسلامية” والتي كان هدفها الأساسي صراع سني أصولي وصولاً إلى إقامة دولة الخلافة.

ظهر جليًا في ذلك العام تراجع قوة التنظيم على إثر تراجع الدعم له من قبل سكان الطائفة السنية الذين ضاقوا ذرعًا بالأساليب المتوحشة التي انتهجها التنظيم في مناطق نفوذه وبالطرق العنيفة التي كان ينتهجها. نجحت، بفضل ذلك، قوات من الجيش الأمريكي عام 2008؛ بالتعاون مع الحكومة العراقية، بتجنيد العائلات السنية لمواجهة واستهداف الحركات الأصولية التي تتبع “القاعدة” من مناطق محافظة ديالى والأنبار ومن العاصمة بغداد، الموصل وشمال الدولة.

جيش الدولة الإسلامية في العراق والشام (AFP)
جيش الدولة الإسلامية في العراق والشام (AFP)

حلّ العام 2009 وجاء معه تحوّل جديد. بدأت القوات الأمريكية، على إثر تراجع قوة القاعدة، بالانسحاب من المدن المركزية وبتسليم الحكم للحلفاء المحليين، أي للجيش العراقي الذي دعمته ولحكومة المالكي الشيعي. استغل المقاتلون السنة انسحاب القوات الأمريكية ومن خلال التعاون مع قيادات سابقة في حزب البعث، الذي تم حله، وقاموا بشن موجة عمليات عنيفة جدًا والتي اعتبرت أشرس هجمة يتعرض إليها نظام الحكم الجديد منذ تأسيسه.

بقي، رغم ذلك، النظام ثابتًا نوعًا ما حتى نهاية عام 2012. قُتل في نيسان من العام 2010 المصري، قائد التنظيم، وقادة آخرين على إثر هجوم جوي أمريكي على منطقة تكريت الأمر الذي فسح المجال أمام تربع القائد الجديد للتنظيم، أبو بكر البغدادي، على رأس الهرم.

أبو بكر البغدادي (AFP)
أبو بكر البغدادي (AFP)

جاءت إنجازات داعش الأخيرة نتيجة امتعاض الأقلية السنية في العراق نتيجة الظلم والقمع والتمييز ضدّهم من قبل حكومة المالكي. يدعي السنة أنه يتم التعامل معهم كمواطنين من الدرجة الثانية وبشكل غير عادل، وأنهم دائمًا على مرمى هدف قوات الأمن العراقية.

إن البغدادي، الذي تحوّل؛ منذ زمن إلى شخص ملاحق وإلى عدو همجي وهو الذي لا يتوانى أبدًا عن استخدام أساليب عنيفة جدًا ووحشية من أجل تنفيذ مخططاته بالسيطرة من جديد على العراق ومن ثم بقية دول الهلال الخصيب، قد أعطت تلك الشخصيةـ ولأول مرة الوجه الحقيقي لأخطر تنظيم في المنطقة اليوم، تمامًا كما كان بن لادن وجه القاعدة طوال سنوات التسعين وما بعد ذلك لحين اغتياله في عام 2011.

اقرأوا المزيد: 858 كلمة
عرض أقل