الصراع الإسرائيلي - الفلسطيني

ليونيل ميسي عند الحائط الغربي في القدس (AFP)
ليونيل ميسي عند الحائط الغربي في القدس (AFP)

الصراع من أجل جلب ميسي إلى القدس

الحكومة الإسرائيلية تنفق نحو مليون دولار من أجل استضافة المنتخب الأرجنتيني ونجمه ليونيل ميسي في القدس لمباراة ودية ضد المنتخب الوطني، كان من المقرر عقدها في حيفا، آملة ألا تكون هناك مفاجآت في الدقيقة ال90 بشأن وصول ميسي

22 مايو 2018 | 14:43

أعلن المنتخب الإسرائيلي، اليوم الثلاثاء، تشكيلة اللاعبين الذين سيواجهون منتخب الأرجنتين في المباراة الودّية التي ستعقد في ال9 من يونيو/حزيران في إسرائيل. وبعد تخبط إسرائيلي، تقرر عقد المباراة في إستاد “تيدي” الدولي في القدس بدلا من إستاد “سامي عوفر” الدولي في حيفا، ما معناه زيادة التكاليف من ناحية إسرائيل لترتيب اللقاء المثير.

يذكر أن المباراة مع المنتخب الأرجنتيني خرجت إلى حيز التنفيذ من مبادر إسرائيلي خاص وليس من الدولة. والتخطيط كان وصول المنتخب إلى حيفا، لكن وزيرة الرياضة والثقافة، ميري ريغيف، تدخلت وتعهدت بتحمل تكاليف الاستضافة في القدس وبترتيب الحراسة اللازمة لميسي ورفاقه. ويواجه قرار ريغيف في الراهن انتقادات شديدة من قبل المتدينين لأن استضافة الفريق سيكون يوم السبت.

وانتقد متابعون رياضيون الوزيرة قائلين إن الوزيرة تفضل صنع علاقات عامة لنفسها وللقدس على حساب الاستثمار بمدينة حيفا الموجود “على الأطراف”. وأضاف بعضهم أن الدولة تهدر المال العام على لعبة من أجل دعايتها لا أكثر.

ورغم الانفعال الكبير من مجيء المنتخب الأرجنتيني إلى إسرائيل، الأنظار متجهة نحو النجم الأرجنتيني، ليونيل ميسي ووصوله إلى القدس، لا سيما بعد تداول أنباء عن عدم وصول ميسي إلى القدس جرّاء الوضع الأمني. وأثارت هذه الأنباء هلعا لدى مشجعي النجم في إسرائيل قبل أن يصدر تأكيد أن ميسي في طريقه إلى إسرائيل.

وفي تأكيد على وصول النجم، نشر المنتخب الأرجنتيني اليوم تشكيلة اللاعبين الذين سيشاركون في كأس بطولة العالم في روسيا بعد شهر، وهي نفس التشكيلة التي ستصل إلى إسرائيل للمباراة الودية. وطبعا، اسم ميسي في القائمة.

ومن المتوقع أن تنفق الحكومة الإسرائيلية نحو 4 مليون دولار من أجل وصول ميسي ورفاقه إلى القدس: مليون دولار من أجل ترتيب اللقاء في القدس، ونحو 3 مليون دولار للأرجنتين لوصولهم إلى إسرائيل للمشارة في مباراة ودية.

والمخطط أن يصل المنتخب الأرجنتيني إلى إسرائيل يومين من المباراة المقررة في ال9 من يونيو/ حزيران كما ذكر آنفا. ومن المتوقع أن يجري الفريق جولة في الأماكن المقدسة في القدس تشمل الحائط الغربي. يذكر أنها ليست المرة الأولى التي يصل فيها ميسي إلى الحائط الغربي، فقد كان زار المكان مع فريق برشلونة قبل عامين. كما تداولت مواقع إسرائيلية وصول راهب من الفاتيكان خصيصا من أجل عقد قداس في القدس بحضور الفريق، ربما ليدعو لهم بالتوفيق في المونديال القريب.

وفي حين تسعد إسرائيل لاستقبال اللاعب الكبير، يعلو أصوات الجهات المناهضة لإسرائيل في العالم، والتي تنادي ميسي إلى إلغاء وصوله إلى إسرائيل، على خلفية الأحداث الأخيرة في غزة.

الإعلان الإسرائيلي عن المباراة:

اقرأوا المزيد: 370 كلمة
عرض أقل
ريبي دايموند وهدى أبو عرقوب (تصوير: المصدر)
ريبي دايموند وهدى أبو عرقوب (تصوير: المصدر)

“اخترعنا لغة جديدة”.. هكذا تصنع النساء السلام

في مقابلة خاصة، تحدثت ناشطتان إسرائيلية وفلسطينية مميزتان عن أنشطة حركة "نساء يصنعن السلام"، الصعوبات والنقد، ووعدتا: "لن نتوقف حتى نتوصل إلى اتفاق سياسي"

بعد أقل من أربع سنوات من إنشائها، يبدو أن حركة “نساء يصنعن السلام” أصبحت مشهورة. وقد أنشِئَت هذه الحركة الميدانية غير الحزبية الواسعة في صيف عام 2014، بعد عملية “الجرف الصامد”، ومنذ ذلك الحين وهي تتقدم بسرعة. تتضمن الحركة عشرات الآلاف من النساء من جميع أنحاء الطيف السياسي والاجتماعي في إسرائيل – اليهوديات والعربيات، المتدينات والعلمانيات، اليساريات واليمينيات – يطالب جميعهن بالتوصل إلى اتفاق سياسي ملائم، يكون مقبولا على كلا الطرفين، وبالتالي ينجح في إنهاء الصراع الإسرائيلي الفلسطيني شريطة مشاركة النساء في المشروع.

تتضمن الأنشطة العديدة التي بدأتها الحركة، التي يعمل فيها نحو 50 طاقم عمل ميدانيا في إسرائيل، إقامة لقاءات منزلية وعرض أفلام تتناول السلام؛ تنظيم احتفالات بالأعياد الدينية المختلفة؛ إجراء مظاهرات تناشد التوصل إلى اتفاق سياسي؛ المشاركة في لجان البرلمان الإسرائيلي وأكثر من ذلك. وبالإضافة إلى عضوات الحركة الإسرائيليات، يرافق الحركة العديد من النساء الفلسطينيات اللواتي يدعمن أنشطة الحركة ويساعدنها.

وأهم نشاطات الحركة هو “مسيرة الأمل” التي أجريت في تشرين الأول 2016، وشارك فيها 30.000 امرأة ورجل – إسرائيليون وفلسطينيون، يهود وعرب من جميع أنحاء إسرائيل – استغرقت المسيرة أسبوعين، وبدأت في شمال البلد وانتهت في القدس. وقد حظيت هذه المسيرة الفريدة بتغطية إعلامية واسعة في إسرائيل وبتأييد مثير للإعجاب في العالم، كما وحققت التغطية التي أوردتها قناة الجزيرة 8 ملايين مشاهدة، وحظيت تغطية شبكة التلفزيون الأسترالية بما معدله 28 مليون مشاهدة.

“مسيرة السلام” التي تنظمها حركة “نساء يصنعن السلام” (فسيبوك)

في الفترة الأخيرة، أجرينا مقابلات مع ناشطتين وهما ريبي دايموند وهدى أبو عرقوب – ريبي هي إسرائيلية عضوة في “نساء يصنعن السلام”، وهدى هي ناشطة سلام فلسطينية وشريكة رئيسية في الحركة.

انضمت ريبي دايموند، وهي أم لطفلين من بلدة بيت زايت بالقرب من القدس، إلى الحركة فور إنشائها في صيف عام 2014. أوضحت ريبي أنه خلال عملية “الجرف الصامد” في غزة شعرت باليأس والقلق الشديد بسبب مواجهة أهوال الحرب. “اعتقدت أنه علي العمل، لأنني شعرت بعد الحرب بشعور سيء. تعهدت أمام نفسي ألا أعود إلى ذات المسار الذي خضته قبل الحرب وألا أنسى”.

هكذا بدأت ريبي تبحث عن إطار تطوع يمكن أن تعمل فيه على حل الصراع، لهذا شاركت في لقاء تعارف لحركة “نساء يصنعن السلام”. “لقد تطورت الحركة ميدانيا، عملنا عملا مكثفا، بهدف التوصل إلى اتفاق”، قالت ريبي.

مظاهرة من أجل السلام في القدس (فسيبوك)

تعمل هدى أبو عرقوب، وهي ناشطة سلام فلسطينية من قرية دورا، وتشغل منصب مديرة قطرية لـ- ‏Allmep‏ ‏‎Alliance) for Middle East Peace‏)، وهي منظمة الأم وتضم أكثر من 100 منظمة سلام إسرائيلية وفلسطينية. هدى هي شريكة رئيسية في حركة “نساء يصنعن السلام”، وتساعد منذ تأسيسها على القيام بنشاطات مختلفة خاصة بالحركة، وتنقل رسالة المصالحة والتضامن مع النساء الفلسطينيات.

في صيف عام 2014، وبعد الحرب مباشرة، عندما عُيّنت مديرة إقليمية في منظمة Allmep، شعرت أن هناك حاجة حقيقية للتحدث مع الإسرائيليين الذين دعموا الحرب في غزة، وليس فقط مع اليسار، كما هو الحال عادة. منذ ذلك الحين، بدأت هدى تتعاون مع حركة “نساء يصنعن السلام”. “يعود القلق الأساسي لدى الطرفين إلى معرفة هل هناك شريك”، قالت هدى. “كانت البداية هامة وسريعة، التقينا مع كبار السياسيين الفلسطينيين سعيا للتوصل إلى تعاون النساء الفلسطينيات”.

تصف الناشطتان الصعوبات التي نشأت في بداية الحركة، مثلا، عندما كان لدى بعض النساء في الحركة مشكلة في استخدام كلمة “الاحتلال”. قالت هدى: “أدركنا أنه إذا أردنا أن ننجح وندفع الحركة النسائية قدما من أجل التحدث إلى الناس الذين يفتقرون إلى الإيمان بإسرائيل، علينا أن نتنازل عن أمور تتعلق باللغة، وأن نخلق لغة جديدة – لغة الأمهات والنساء”. “يجري الحديث عن جهد كبير بذلته النساء اللاتي يرغبن في تحرير أنفسهن من الخوف الرهيب من سماع الأخبار السيئة”. إن أهم شيء تتعامل معه الحركة هو عامل التعافي، لأن المجتمع الإسرائيلي جريح، كما تصفه هدى.

أعضاء الحركة في الكنيست الإسرائيلي (فسيبوك)

أهم ما يميز الحركة، وفق أقوالهما، هو النسيج الاجتماعي المتنوع الخاص بالعضوات. خلافا لمنظمات السلام الأخرى، “نساء يصنعن السلام” هي حركة واسعة غير هرمية تشمل النساء من كل الخلفيات الاجتماعية والسياسية في إسرائيل. مثلا، تتضمن الحركة ناشطات مستوطنات إضافة إلى النساء من اليسار، العربيات، النساء من مركز البلاد وضواحيها، المتديّنات والعلمانيات. قالت هدى: “يتم تحرير هؤلاء النساء من السيناريوهات القديمة التي تقيّد نشاطاتهن، وهذا أمر غير مسبوق”. وقالت ريبي: “هناك فرصة لدى كل امرأة للتعبير عن موهبتها”. وأضافت: “تتضمن الحركة محاميات، راقصات، مربيات وما إلى ذلك، وبما أنها حركة غير منظمة هرمية، فيمكن لكل النساء أن يشاركن ويشعرن بالأمان”.

وماذا بالنسبة للنقد الذي تواجهه الحركة؟ أحد الانتقادات الموجهة إلى الحركة هو أن ليس لديها برنامج عمل أو طريقة محددة لحل النزاع. وفيما يتعلق بذلك، توضح الناشطتان أن ما يمنع الجانبين من التوصل إلى حل هو عدم رغبة القادة. فهما تزعمان أن الحركة لا ترفض أي حل يتفق عليه الطرفان، وستؤيد أي اتفاق يتم التوصل إليه. وتؤكدان مجددا أن الخطاب الذي اعتمدته الحركة هو “إنهاء الصراع” بدلا من “إنهاء الاحتلال”، لأن الصراع أكبر بكثير من الاحتلال. يسمح استخدام هذه اللغة للحركة بتوسيع نشاطاتها، كما توضحان.

تتحدث الناشطتان عن العديد من الردود الشوفينية التي تواجهها النساء في الحركة من الرجال والنساء على حد سواء. ضمن اللقاءات المختلفة التي تجريها الحركة تقام لقاءات غناء، رقص، نشاطات فنية، ويدعي البعض أن الأعمال التي تمارسها النساء ليست جدية و”تحط” من شأنهن. ومع ذلك، تعتقد ريبي وهدى أن النشاطات التي يقمن بها هامة وتشكل وسيلة نسوية للتعبير عن التضامن. وتوضحان أنه على عكس العمل مع الرجال، فلا تتميز الحركة بالعقلية التي تركز على “الأنا”، ولا تتضمن نشاطاتها النسوية المنافسة.

“مسيرة السلام” التي تنظمها حركة “نساء يصنعن السلام” (فسيبوك)

تشير الناشطتان إلى أن نشاطات الحركة ممولة من تبرعات خصوصية، لا سيما من الإسرائيليين ويهود الولايات المتحدة، إذ تبعث الحركة فيهم أملا في إحداث تغيير. والسؤال المثير للاهتمام هو إذا كانت القيادات الإسرائيلية والفلسطينية تدعم نشاطات الحركة وتشجعها. وفي هذا السياق أعربت هدى أن رئيس السلطة الفلسطينية، محمود عباس، يدعم الحركة وأوضحت أنه دعا أعضاءها إلى زيارته في المقاطعة. تقول: “تأثرنا كثيرا من دعمه للنشاط الإسرائيلي”.

وفيما يتعلق بالقيادة الإسرائيلية، أوضحت ريبي أن عضوات الحركة اجتمعن مع رئيس الحكومة نتنياهو وهن مستعدات للاجتماع مع كل من يهتم بالموضوع. “نحن مستعدات للتحدث مع أية جهة تعرب عن نيتها للتشاور معنا. الحركة غير حزبية، نحن ندعم جهات ونعارض أخرى في الوقت ذاته، ونحترم رؤية الجميع ومعتقداتهم”. وفق أقوالها، فإن نساء الحركة معروفات جيدا بين أعضاء البرلمان الإسرائيلي، ويؤيد بعضهم الحركة كثيرا. وأضافت أن أحد أبرز مؤيدي الحركة وأكثرها إثارة للدهشة هو عضو الكنيست يهودا غليك من حزب الليكود اليميني.

أعضاء الحركة مع النائب يهودا غليك (فسيبوك)

ماذا سيحدث في المستقبل؟ تتعهد الناشطتان بعدم التزام الصمت والاستمرار في العمل الهام داخل الحركة التي يبدو أن عضواتها لا يهدأن أبدا. وقالت ريبي: “سينتهي الصراع بيننا وبين الفلسطينيين وستتم تسويته بعد أن نتوصل إلى اتفاق سلام ملائم يتفق عليه الجانبان فقط”. وأضافت “نعتقد أن هذا سيسمح أيضا بدفء العلاقات مع بقية الدول العربية، وربما يتحقق ذات يوم حلم العديد من الإسرائيليين الذين يريدون السفر إلى لبنان واحتساء القهوة والاستماع إلى عرض موسيقي جيد فيه”.

اقرأوا المزيد: 1038 كلمة
عرض أقل
عبد القادر الحسيني (ويكيبيديا)
عبد القادر الحسيني (ويكيبيديا)

الكاتب الإسرائيلي الذي يروي النكبة الفلسطينية للإسرائيليين

حوار خاص بالمصدر مع الصحفي والكاتب الإسرائيلي داني روبنشتاين، مؤلف الكتاب المشهور في إسرائيل "إما نحن وإما هم" عن سيرة القائد الفلسطيني عبد القادر الحسيني ومعركة القسطل المصيرية في تاريخ الصراع الإسرائيلي - العربي

20 يناير 2018 | 13:10

يقول الباحث والصحفي الإسرائيلي، داني روبنشتاين، المختص بالقضايا العربية والفلسطينية، في حوار خاص بموقع “المصدر” إن أكثر ما يهمه بالنسبة لمن سيقرأ كتابه “إما نحن وإما هم” (ترجمة حرة)، عن سيرة القائد الفلسطيني عبد القادر الحسيني، هو أن يقرأه الأحفاد والأجيال القادمة، على أمل أن يكون للكاتب دور في فهم تاريخ الجانب الآخر (الفلسطيني) وحضارته، ويساهم في التقارب وتعزيز السلام.

روبنشتاين زاول لأكثر من 40 عاما مهنة الصحافة، واختص بتغطية العالم العربي والشؤون الفلسطينية في صحف إسرائيلية مرموقة، وحصل على عمله المهني وإخلاصه على أرقى جائزة يمكن لإعلامي إسرائيلي أن يحصل عليها، وهي جائزة “سوكولوف”. وفي الحديث معه، يوضح أنه لا يعد نفسه محللا لشؤون العرب، وإنما صحافي ينقل الواقع الفلسطيني كما هو، “فالعرب ليسوا بحاجة إلى تحليلي. يمكنهم أن يحللوا وضعهم بنفسهم” حسب قوله.

والبارز في كتاب روبنشتاين الذي يقع في 373 صفحة هو المجهود الكبير الذي بذله لجمع الشهادات من عائلات فلسطينية في القدس والضفة لنسج قصة قائد جيش “الجهاد المقدس” الفلسطيني، عبد القادر الحسيني، والنتيجة هي كتاب يعالج شخصية عبد القادر بعمق وبتفاصيل واسعة.

وفي حين يركز روبنشتاين على شخصية عبد القادر، يتطرق كتابه إلى شخصيات فلسطينية مؤثرة برزت في الفترة ما قبل 1948، مثل حديثه عن الحاج أمين الحسيني، عم عبد القادر، وذكره لشخصيات من “المعارضة الفلسطينية”، أي المعسكر الذي عارض نهج آل الحسيني، آل النشاشيبي، مثل: راغب النشاشيبي، رجل الأعمال المقدسي.

ويسرد الكتاب ثلاثة أحداث وقعت خلال 48 ساعة من عام 1948 وأدت إلى حسم المعركة بين اليهود والفلسطينيين حسب روبنشتاين وهي: معركة القسطل، ومجزرة دير ياسين، وهزيمة جيش الإنقاذ في شمال إسرائيل، تحديدا في معركة “مشمار هعميك”.

وبالنسبة للقارئ الإسرائيلي، لن يكون أمرا مبالغا الجزم أن كتاب روبنشتاين بمثابة موسوعة مصغرة للأحداث الفلسطينية والشخصيات البارزة منذ ثورة عام 1936 إلى نكبة 1948. فالكاتب يمر على أحداث وشخصيات عديدة أصبحت منسية منها مثلا معركة “الخضر” عام 1936، التي نشبت بين المجاهدين الفلسطينيين وبين قوات تابعة للجيش البريطاني وقُتل فيها القائد السوري سعيد العاص، الذي جاء إلى البلاد ليساند الثوار الفلسطينيين. وفي نفس الواقعة برز اسم عبد القادر الحسيني فذاع صيته كبطل فلسطيني.

وكذلك يكشف الكتاب التوتر الذي ساد بين القيادة العربية والقيادة الفلسطينية إبان عام 1948، فيكتب: وصل عبد القادر إلى دمشق قبل أسبوع من سقوطه في القسطل، هناك طلب من قيادة جيش الإنقاذ أسلحة وذخيرة، إلا أنه لقي من مندوبي الدول العربية معاملة مستهترة. ففي حين رأى عبد القادر أن العرب سكان فلسطين هم الأولى في الدفاع عنها، قلل مندوبو الدول العربية من قدرته وقدرة قواته على القتال.

ويقول روبنشتاين إن همه في الكتابة هو الجانب الإنساني، أي سرد قصة عبد القادر الحسيني الإنسان، ونقل تفاصيل حياته دون الحكم عليه أو الكتابة عنه من باب “اعرف العدو”. فالكتاب الذي يبدأ من نهاية نضال عبد القادر، وسقوطه في معركة القسطل بالقرب من القدس، يكشف في الفصول القادمة سيرة القائد وفي نفس الوقت يتطرق إلى الأحداث الدراماتيكية التي أدت إلى النكبة الفلسطينية بنظر العرب والفلسطينيين.

إليكم الحوار الذي دار مع روبنشتاين وتطرق إلى المجتمع الفلسطيني في الراهن..

غلاف الكاتب “إما نحن وإما هم” للكاتب داني روبنشتاين

ماذا الذي يشدك إلى بحث المتجمع الفلسطيني؟

منذ طفولتي تحدثت اللغة العربية. في نظري اللغة هي الأداة الأهم لمعرفة الآخر. ومن ثم درست أدب اللغة العربية ودراسات الشرق الأوسط في الجامعة. يهمني جدا التعرف إلى جيراننا، هذا الشعب الذي يعيش معنا في هذه البلاد. لا أعد نفسي محللا للشؤون العربية، العرب ليسوا بحاجة إلي لتحليل أوضاعهم. أنا صحفي، يهمني نقل الواقع كما هو.

التعامل الإسرائيلي مع قضايا العرب يتسم بالتعميم. يتحدثون عن العرب ككتلة واحدة. أنا أفضل النظرة الإنسانية، والتعامل مع الأفراد بدل التعميم. بالنسبة لي قصة الفرد أهم.

أنت تكتب كاتبا عن النكبة في عيون العرب..

نعم. كتابي موجه للقارئ الإسرائيلي. أشعر أن مسؤولتي هي نقل الرواية الفلسطينية للأحداث التي أدت إلى النكبة كي يعرفها لإسرائيليين. حاولت عبر الكتاب أن أساهم في إرساء التفاهم بين الشعبين. ما يهمني هو عرض الجانب الإنساني في القصة وليس كشف العدو.

للأسف، حتى اليوم معظم التعليقات التي وصلتني عن الكتاب كانت من قراء طاعنين بالعمر، ولم أسمع بعد من قرّاء شباب في الثلاثين والأربعين من العمر.

الكتاب يتناول معركة القسطل وسقوط القدس العربية عام 1948.. واليوم يبدو أن هنالك معركة حول القدس بعد اعتراف ترامب. ما رأيك؟

القدس بالنسبة للفلسطينيين خط أحمر ومطلق، مثل أن “حق العودة” هو خط أحمر بالنسبة للإسرائيليين. مثلما لن يقبل الإسرائيليون عودة الفلسطينيين إلى القرى والمدن التي خرجوا منها لأن ذلك يهدد وجود إسرائيل، لن يقبل الفلسطينيون التنازل عن الأقصى. بالنسبة لهم، لن يقدروا على إنجاز أي شيء من دون سيادة في القدس ومن دون الأٌقصى. أذكر أن رئيس السلطة، أبو مازن، يتحدث دائما عن شرقي القدس، وهذا مهم.

أنت تركز في حديثك على البعد الديني في النضال الفلسطيني في الراهن..

نعم. والسبب أن المجتمع الفلسطيني يقترب أكثر فأكثر من الدين. أذكر أن الفلسطينيين لم ينتفضوا بنفس القوة حين أقدم متطرف أسترالي على حرق المسجد الأٌقصى. لم تنشب يومها حرب كونية. كانت ردود الفعل حينها أكثر اعتدالا من جانب الفلسطينيين، وهذا ليس لأن الفاعل كان مجنونا، بل لأن العلمانيين كانوا أقوى في المتجمع الفلسطيني. هذا الاتجاه لا يقتصر على الفلسطينيين فقط، إنها ظاهرة عالمية. تنطبق كذلك على الإسرائيليين. المجتمع الإسرائيلي يتمسك بالدين أكثر من السابق.

أذكر أنني حين بدأت العمل في الصحافة عام 1967، ووصلت إلى القدس الشرقية، كانت كتب ماركس ولينين تملأ المكاتب. كان الفلسطينيون يقصدون المتاجر لشراء كتاب “معذبون في الأرض”. لم يكن الجو مشحونا بالتطرف الديني مثل اليوم، وإنما بقيم الاشتراكية والماركسية.

هل بوسع أبو مازن أن ينفصل اقتصاديا عن الولايات المتحدة وإسرائيل بعد قرار القدس؟

الاقتصاد الفلسطيني والاقتصاد الإسرائيلي اقتصاد واحد. لا يمكن الفصل بينهما. قوانين الاقتصاد أقوى من كل التهديدات ومن كل التحريض. الفلسطينيون والإسرائيليون بحاجة إلى بعضهم بعضا. للعلم، إسرائيل بحاجة إلى العون المالي الأمريكي للفلسطينيين أكثر من الفلسطينيين أنفسهم، لأن هذا العون يمكّن استمرار عمل التنسيق الأمني، والتنسيق يعني أمن إسرائيل.

الباحث والصحفي داني روبنشتاين

عنوان الكتاب هو اقتباس لعبد القادر الحسيني حين قال: “إما نحن وإما هم”.. هناك من يقول في الجانب الإسرائيلي أن الفلسطينيين لم يتغيروا وما زالوا يحملون نفس العقلية؟ هل توافق؟

كلا لا أوافق. في كتابي هناك فصل كامل عن “المعارضة الفلسطينية” للخط الذي انتهجه آل الحسيني.. على رأس هذه المعارضة آل نشاشيبي وملك الأردن عبد الله. جزء كبير من الشعب الفلسطيني وافق على خطة التقسيم آنذاك. في الحقيقة، بالنسبة للعالم العربي الممتد من “المحيط الهادر إلى الخليج الثائر” مسألة التنازل عن أراضٍ فلسطينية ليست مسألة كبرى، أما بالنسبة للفلسطينيين التنازل عن رقعة الأرض الصغيرة هذه تعد مسألة مصيرية.

لماذا يختار الفلسطينيون الخروج إلى أيام غضب بدل صنع انتفاضة قوية.. هل يعاني المتجمع الفلسطيني من أزمة فيما يتعلق بالنضال القومي؟

أعتقد أن المجتمع الفلسطيني والمتجمع العربي بشكل عام يحتوي على مكونات قبائلية قوية جدا. المقصود هو الولاء للعائلة والقرية والعشيرة في المجتمع الفلسطيني. وهذا المبنى يجعل فصل المتجمع وتقسيمه إلى مجموعات أسهل، وهذا ما تقوم به إسرائيل. السادات انتقد مرة الدول العربية قائلا: “مصر هي الدولة العربية الوحيدة أما البقية فهم عبارة عن قبائل ترفع أعلاما”.

ماذا عن التضامن الفلسطيني.. كيف تراه في ظل الانقسام بين غزة والضفة؟

في الحقيقة لا يوجد اليوم تضامن فلسطيني. انظر إلى الوضع في غزة. اليهود يقدمون أكثر مما يقدم الفلسطينيون لأهل غزة الذي يعانون ظروفا حياتية قاسية للغاية.

لو افترضنا أن حل الدولتين سيتحقق يوما.. هل تعتقد أن الدولة الفلسطينية قادرة على أن تكون مستقلة وقوية؟

الفرصة الوحيدة لضمان دولة فلسطينية قوية ونجاح فكرة الدولتين هي تطبيق حل في إطار فدرالي مناسب، يضمن تنازل ثنائي. يوجد نماذج مشابه للنموذج الفدرالي: مثل بلجيكيا. طبعا هذا النموذج ليس خاليا من المشاكل وليس مثاليا، لكن على الأٌقل بالإمكان العيش جنبا إلى جنب بدل إطلاق النار والقتال كل الوقت.

اقرأوا المزيد: 1161 كلمة
عرض أقل
محمود عباس (Flash90)
محمود عباس (Flash90)

“كيف تخسر الأصدقاء وتبعد عنك الناس”

يلائم عنوان الكتاب المشهور "كيف تخسر الأصدقاء وتبعد عنك الناس" لوصف سلوكيات أبو مازن في السنة الماضية، كما ظهر في خطابه أمس، إذ نجح في التشاجر مع كل العالم تقريبا

سنتذكر خطاب الرئيس الفلسطيني، أبو مازن، أمس الاثنين، أمام اللجنة المركزية لمنظمة التحرير الفلسطينية الذي دام “ساعتين ونصف وكان درسا في التاريخ”، كما وصفه أحد المشاركين في المؤتمر، بفضل جملة “يخرب بيتك” التي وجهها الرئيس الفلسطيني لرئيس الولايات المتحدة “يخرب بيتك”- وهي جملة تعكس قمة الوقاحة والاحتقار من جهة رئيس شعب صغير وضعيف ومنقسم، ويحتاج إلى دعم كثير من القوة العظمى في العالم، بغض النظر عن رأينا فيها.

ولم يكف عباس بمهاجمة الرئيس الأمريكي، بل انتقد العرب عندما قال لهم، بشكل لاذع، أنه يُحظر عليهم التدخل في القضية الفلسطينية (“اتركونا وشأننا”)، وكان يقصد ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، المقرّب من حكومة ترامب والرئيس المصري، السيسي. كما وانتقد حماس، والبريطانيين بسبب وعد بلفور، وبالطبع الصهيونية على مر العصور. هناك حاجة إلى الكثير من الموهبة للاختلاف في إطار خطاب واحد مع نيكي هايلي ومحمود الزهار.

للإجمال يمكن القول إنه يتضح من الخطاب أن: الكل مذنب. الشعب الفلسطيني محاط بالأعداء الداخليين والخارجيين. حدث هذا في الماضي ويحدث الآن أيضا. كان ينقص هذا الخطاب أمر واحد وهو: النظر إلى الداخل، وطرح السؤال إن كان الفلسطينيون قد قاموا بخطوات غير صحيحة على مر السنوات أو حتى في السنة الماضية منذ أن أصبح ترامب رئيسا؟ بالطبع، ليس هناك ما يمكن قوله حول النقد الذاتي فيما يتعلق بأداء الرئيس الفلسطيني والخطوات التي أدت إلى أن يتعرض شعبه للوضع الحالي.

يمثل الخطاب ذروة عملية يمكن تسميتها بعملية فطم طويل وعسير للفلسطينيين من تصدر مركز جذب الاهتمام العالميّ. فمنذ الربيع العربي (الذي يصفه عباس بالمؤامرة الأمريكية)، وأكثر من ذلك، منذ بدء الحرب الأهلية في سوريا، أصبحت تحتل القضية الفلسطينية المكان المناسب في جدول الأعمال الدولي وباتت تشهد اهتماما أقل مع مرور الوقت. يصعب على الفلسطينيين التخلص من جذب الاهتمام والتأقلم مع التغييرات. النقطة الأصعب هي تخلي العرب بالتأكيد. لم تتخلَ الأنظمة العربية عن الشأن الفلسطيني فحسب، بل الرأي العام العربي، وأصبحت القضية الفلسطينية بعد أن حظيت بإجماع وأولية في جدول الأعمال، في كل دولة تقريبا قضية، مهمشة ومثيرة للجدل أحيانا.

يجدر قول الحقيقة، فقد بدا خطاب أبو مازن خطابا لزعيم خسر كل شيء. لقد أدرك أنه بقي وحده، بعد أن خسر الدعم الأمريكي، ودعم الدول العربيّة، والأهم أنه خسر دعم شعبه، الذي تضاءل منذ سنوات بعد منع تقديم المساعدة لأبناء شعبه اليائس في غزة.

إن الدعم الوحيد الذي يحظى به أبو مازن هو لحسن الحظ الأهم أيضا – دعم الجهة التي تسمح في الواقع باستمرار سيطرته على الأراضي وهي المنظومة الأمنية الإسرائيلية. ثمة مصدر دعم آخر وهو الأوروبيون، ولكنهم باتوا متعبين أيضا من الوضع الذي لا يتقدم ومن التحديات الكبرى الأخرى في الشرق الأوسط، وأهمها اللاجئون السوريون، بطبيعة الحال.

في اليوم التالي للخطاب المحرج بشكل كبير، بات ينتظر الجميع الإجابة عن السؤال: ماذا سيحدث الآن؟ هل سيستجيب رئيس السلطة الفلسطينية للنداءات لتفكيك السلطة الفلسطينية؟ هل سيتخذ خطوات عملية ليست رمزية فحسب؟ هل سيتخذ خطوات قد تشكل خطرا على مستقبله، سلامته، ومستقبل كل المقربين من السلطة؟ في حال لم يحدث ذلك، علينا أن نعيش مع درس تاريخي طويل مليء بالأخطاء. كل هذا كلام فاضي.

اقرأوا المزيد: 469 كلمة
عرض أقل
جنود الجيش الإسرائيلي في تدريب عسكري (Flickr IDF)
جنود الجيش الإسرائيلي في تدريب عسكري (Flickr IDF)

بالأرقام.. الجيش الإسرائيلي يُلخص عام 2017

كم موقعا لحماس هاجم الجيش الإسرائيلي في السنة الماضية؟ وكم مواطنا إسرائيليا أصيب في الأعمال الإرهابية الفلسطينية؟

07 يناير 2018 | 12:38

نشر الناطق باسم الجيش الإسرائيلي، صباح اليوم (الأحد)، تلخيصا لمعطيات العمليات التي شارك فيها في السنة الماضية. يتضح منها أن عدد الهجمات التي كان مصدرها من الضفة الغربية كان أقل، وفي المقابل، استثمر الجيش الإسرائيلي المزيد من الجهود لاحتجاز الفلسطينيين المشتبه بهم بالتخطيط لارتكاب عمليات إرهابية أو المشاركة في أنشطة كهذه. في عام 2017، اعتُقِل 500 فلسطيني بتهمة المشارَكة في عمليات إرهابية، وكان هذا العدد أكبر من عدد المعتقلين في عام 2016. كما أن الجيش عثر على مبلغ نحو 3 ملايين دولار لدفع العمليات الإرهابية قدما، أغلق 42 مختبرا لتصنيع الوسائل القتالية، وأمسك بـ 455 سلاحا غير قانوني.

حدثت 99 عملية إرهابية أو محاولة لتنفيذ عمليات كهذه خلال السنة الماضية في الضفة الغربية. كان هذا العدد أقل مما شهده عام 2016، إذ حدثت 269 عملية ومحاولة لتنفيذ عمليات في عام 2015، الذي حدثت فيه 226 عملية شبيهة.

كما وانخفض عدد المصابين الإسرائيليين. ففي عام 2017 أصيب 169 إسرائيليّا أثناء العمليات الإرهابية وقُتِل 20 مواطنا، أما في عام 2016 فقد أصيب 263 إسرائيليّا وقتل 17 مواطنا إثر العلميات الإرهابية. في العام الماضي، شكل هذا العدد انخفاضا في عدد المصابين الإسرائيليين.

في المقابل، كانت الجبهة الإسرائيلية ضد حماس مستعرة في الأشهر الأخيرة من عام 2017. خلال عام 2017، أطلقت 35 قذيفة من قطاع غزة باتجاه إسرائيل، وسقط معظمها في مناطق مفتوحة. ولكن سقط نحو عشر قذائف في مناطق سكنية أو نجحت منظومة القبة الحديدية في اعتراضها. وأطلق ضعف هذه الكمية من الصواريخ من قطاع غزة، لكن سقط معظمها داخل قطاع غزة نفسه ولم يصل إلى الأراضي الإسرائيلية. تجدر الإشارة إلى أن معظم الصواريخ قد أطلقت في شهري تشرين الثاني وكانون الأول من عام 2017.

ردا على إطلاق النيران من قطاع غزة هاجم الجيش الإسرائيلي 59 هدفا تابعا لحماس، ومن بينها مواقع لإطلاق القذائف، مواقع عسكرية ومعسكرات تدريب، مواقع لتصنيع الوسائل القتالية، ونقاط مراقبة.

اقرأوا المزيد: 287 كلمة
عرض أقل
ترامب يعترف بالقدس عاصمة لإسرائيل (AFP)
ترامب يعترف بالقدس عاصمة لإسرائيل (AFP)

ترامب يحطم وهم القضايا الجوهرية والصورة المنطقية للنزاع

إن الاعتراف بالقدس يحطم الوهم الذي يشير إلى أنه إذا اتُفِق على حل القضايا الجوهرية فقط، عندها سينتهي الصراع. لكن حل هذه القضايا يعتمد أولا على مَن يرأس الحكومة الإسرائيلية ودوافعه

كيف عشنا (نحن الإسرائيليون) حتى الآن دون عاصمة مُعتَرَف بها؟ كيف ستتغيّر حياتنا بعد أن أصبحت لدينا أخيرا عاصمة حظيت بالاعتراف الأمريكي؟ ظل أمامنا الآن أن نأمل أن تعترف الولايات المتحدة والعالم بأن إسرائيل هي “دولة يهودية” وأنه سيكون من الممكن أن تبدأ هذه الدولة حياتها من جديد.

علنيا الاعتراف أنه لم تحظَ أية دولة غيرنا بهذه الفرصة. رغم هذا يُسمح التساؤل ما هو الأهم، هل الاعتراف بالقدس عاصمة دولة إسرائيل أم نقل السفارة الأمريكية إلى القدس؟ على أية حال، حتى يوم أمس لم يُعترف بمدينة تل أبيب أو القدس أو الخضيرة كعاصمة إسرائيل، لهذا لم تكن ستتغيّر مكانة القدس لو أن السفارة الأمريكية نُقِلت إليها قبل ذلك. ما هي أهمية اعتراف أمريكا بالقدس، فقد أوضح لنا ترامب أن اختيار مدينة العاصمة هي خطوة سيادية تقوم بها الدولة المستقلة، لهذا ربما حكومة إسرائيل هي التي لا تعترف بصلاحيتها للإعلان عن عاصمتها؟

لم يُقدّم الرئيس ترامب أمس لمواطني إسرائيل “شهادة شرعية” حول اختيارهم القدس بصفتها حجر أساس وجودهم. فهم ليسوا بحاجة إلى هذه الشهادة. إنما الهدية التي قدمها كانت لنتنياهو الذي حصل على هدية عيد الميلاد التي لا داعي لها. إن الاعتراف بمدينة ليست لها حدود مُتفق عليها، ستظل تتصدر طاولة المفاوضات ومستقبلها مرهون بكلا الجانبين، يكون شبيها بالاعتراف بمدينة مصنوعة من مادة “البلاستيسين” عاصمة لإسرائيل.

لا داعي أيضا للتأثر أكثر من اللزوم بالتهديدات والتحذيرات التي تشنها الدول العربية، الفلسطينيون، والدول الأوروبية. لم تكن عملية السلام يوما مرتبطة بمكانة القدس ولن ترتبط بها. في حال كانت هناك حكومة إسرائيلية توافق على إدارة المفاوضات مع الفلسطينيين، والانسحاب من الأراضي، وترسيم الحدود وتقسيم القدس، عندها لن يفشل اعتراف ترامب. كما أثبتت إسرائيل، لا سيما فيما يتعلق بالقدس فهي مستعدة للتنازل عن مناطق مكتظة بالعرب وبناء بلدة منفردة لهم.

ولا داعي أيضا للخوف من أن المقدسيين الفلسطينيين سيتدفقون وسيطالبون بالجنسيّة الإسرائيلية. ستجد آلية التشريع الإسرائيلي حلا لهذا أيضا. مثلا، تطبيق طلب الاعتراف بإسرائيل كدولة يهودية. يكمن الخوف كالمعتاد من اندلاع انتفاضة، ولكنه خوف وهمي، أولا لأن الاعتراف بالقدس، رغم كل الاحتجاجات، لا يشكل النقطة الأساسية التي تشغل اليوم الفلسطينيين والدول العربية. ثانيا، وهذا السبب الأساسي لأننا نعرف كيف نخمد الانتفاضات.

يعني الاعتراف بالقدس تحطيم الوهم الرسمي الذي يشير إلى أنه إذا اتُفِق على حل القضايا الجوهرية مع الفلسطينيين فقط، من ضمنها حقّ العودة للاجئين، وترسيم الحدود، ومكانة المستوطنات، وتقسيم القدس – عندها سينتهي الصراع.

إن الجدل حول القضايا الجوهرية يمنح العملية السياسية صورة نزاع منطقي بين شريكين بينهما مصالح تجارية. وفقا لهذا المفهوم، فإن كل تغيير أحادي الجانب بالوضع الراهن لأحد هذه المواضيع يعني تحطيم عملية السلام. ولكن حل هذه القضايا الجوهرية يعتمد أولا على مَن يرأس الحكومة الإسرائيلية وما الذي يُحفزه. وعند عدم القدرة على تبديل الحكومة وإرساء المفاوضات الحقيقية، يلجأ الأفراد إلى القضايا الجوهرية. اليمين واليسار في إسرائيل ينافسان منذ عشرات السنوات على هذا الوهم، فهما يفضلان إدارة مفاوضات خيالية فيما بينهما ومع الولايات المتحدة، ولكن لا يديرانها مع الفلسطينيين. الخوف لدى اليسار من أنه لن يكون هناك ما يمكن التحدث عنه مع الفلسطينيين منذ الآن وابتهاج اليمين لأن ترامب قد دفن عملية السلام ينبعان من الوهم ذاته.

ترامب، علينا أن نعترف، لم يقتل أمس عملية السلام. لقد وقف على قبر عملية السلام متفاخرا بأنه هو الوحيد الذي قد جرأ على الإعلان وفاتها، عبر الاعتراف بالقدس، في حين أن سابقيه “تسلّوا” بمحاولة إنعاش عملية اسلام. على الأقل لدينا الآن عاصمة وللفلسطينيين لا توجد.

ترجمة عن موقع “هآرتس” الإسرائيلي

اقرأوا المزيد: 528 كلمة
عرض أقل
جنازة الشابة هودياه أسولين (Hadas Parush/FLASH90)
جنازة الشابة هودياه أسولين (Hadas Parush/FLASH90)

وفاة شابة إسرائيلية أصيبت بعملية فلسطينية قبل 6 سنوات

بعد سنوات من تنفيذ عملية عند مدخل القدس، كانت قد أسفرت عن إصابة عشرات الأشخاص، توفيت اليوم صباحا شابة تبلغ من العمر 20 عاما، متأثرة بجراحها بعد أن كانت فاقدة للوعي منذ إصابتها

22 نوفمبر 2017 | 16:31

على مدى ست سنوات، صارعت الشابة هودياه أسولين من أجل الحياة، بعد أن أصيبت بجروح بالغة في سن 14 عاما في هجوم وقع قبل ست سنوات ونصف السنة في القدس، رغم ذلك توفيت اليوم في سن 20 عاما.

في نهاية آذار 2011، أصيبت هودياه بسبب انفجار عبوة ناسفة كانت مخبأة في شارع رئيسي في القدس. في تلك الحادثة، قُتِلت سائحة بريطانية وأصيب 68 آخرون. منذ تلك الحادثة، كانت هودياه تتلقى تخديرا وتنفسا اصطناعيا لأنها كانت فاقدة للوعي لمدة تزيد عن ست سنوات، حتى توفيت اليوم صباحا.

وضع منفّذ العملية، حسين علي حسن القواسمي، عبوة ناسفة في محطة حافلات بالقرب من إحدى محطات الحافلات الأكثر اكتظاظا في القدس. لهذا حُكِم عليه بالسجن المؤبد إضافة إلى 60 عاما.

الشابة هودياه أسولين قبل إصابتها

منذ تلك العملية وحتى يومنا هذا تعطلت حياة أسولين وعائلتها. لقد كانت هودياه فاقدة للوعي، وتلقت عناية مكثّفة على مدار الساعة. في الأسبوعين الماضيَين، تفاقمت حالتها لهذا توفيت اليوم صباحا في مستشفى هداسا عين كارم، في القدس.

تطرق رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو إلى وفاتها المأساوية قائلا: “أرسل تعازيّ من أعماق قلبي إلى عائلة هودياه أسولين، التي أصيبت في عملية في القدس عام 2011، والتي لاقت حتفها اليوم صباحا. يشد الجمهور الإسرائيلي على أيادي العائلة التي حضنت هودياه وأخلصت لها منذ تنفيذ العملية الفظيعة. ليكن ذكرها مباركا وخالدا في قلبنا إلى الأبد

اقرأوا المزيد: 203 كلمة
عرض أقل
الكوفية.. فولكلور وأزياء وأداة للمقارعة السياسية
الكوفية.. فولكلور وأزياء وأداة للمقارعة السياسية

الكوفية.. فولكلور وأزياء وأداة للمقارعة السياسية

كان يستخدمها القادة اليهود، وقد سطع نجمها في شبكات الأزياء الشعبية في العالم وأصبحت علامة مميّزة للزعيم ياسر عرفات. هل ما زال الإسرائيليون يخافون من الكوفية؟

اليوم صباحا (الإثنين)، صُدِم إسرائيليون كثيرون عندما شاهدوا عناوين الصحف ونشرات الأخبار التلفزيونية في ساعات الصباح الباكرة. نُشِرت في التلفزيون والصحف الرائدة صورة رئيس دولة إسرائيل، رؤوفين ريفلين، وهو يعتمر الكوفية بالأبيض والأسود.

تحريض سياسي: رابين يعتمر الكوفية

وكتُبت عناوين لافتة بشكل خاصة: “صورة الرئيس ريفلين مع الكوفية – والشرطة تفتح تحقيقا”، “ريفلين يعتمر الكوفية – التحريض آخذ بالازدياد”. في المجتمَع الإسرائيلي تُنسب الكوفية مباشرة إلى النزاع الإسرائيلي الفلسطيني والتحريض على العنف. مَن يُشتبه بأنه يساري أو يدعم تطبيع العلاقات مع الفلسطينيين يُعرض في العادة في المجال العام الإسرائيلي باعتباره يعتمر الكوفية. هكذا كان الحال، قبل أسابيع قليلة من اغتيال رابين. رسم جمهور متحمس رئيس الحكومة الإسرائيلي الراحل، إسحاق رابين، وهو يعتمر الكوفية السوداء (المعروفة بـ “كوفية عرفات” حينذاك) وحرض على إلحاق ضرر بأية محاولة له أو لشريكه في عملية السلام، ياسر عرفات، للتوصل إلى اتفاق سلام وتطبيع العلاقات مقابل إعادة الأراضي.

وتشير الكوفية السوداء والبيضاء إلى دلالات سلبية في المجتمع الإسرائيلي، في المقابل، ترمز في المجتمع الفلسطيني إلى النضال، الهوية والفخر الوطني. لهذا كان من الصعب اليوم صباحا (الإثنين) على الإعلام الفلسطيني أن يفهم لماذا تثير صورة ريفلين وهو يعتمر الكوفية رسالة تحريضية وتشجع على العنف.

الكوفية – رمز الهوية الوطنية الفلسطينية

الرئيس الفلسطيني الراحل، ياسر عرفات وهو يعتمر الكوفية (AFP)

أصل الكوفية ليس معروفا بشكل واضح. ومع ذلك، كان من المتبع استخدامها في شبه الجزيرة العربية قبل ظهور الإسلام، فضلا عن أنها كانت معدّة لحماية الرأس والوجه من الرمل والغبار في صحاري المنطقة. لهذا فإن طريقة ارتدائها الفريدة من نوعها، تسمح بتغطية الوجه بسهولة عند الحاجة، عن طريق تحريك القماش من جانب إلى آخر. وقد استخدمها المزارعون الفلسطينيون لحماية أنفسهم من الشمس الحارة في الصيف ومن البرد في الشتاء.

اليوم، عندما أصبح يُصنّع معظمها في الصين وأصبحت تستورد إلى فلسطين، يمكن العثور على الكوفية ذات أنواع أقمشة مختلفة. كانت الكوفية الأصلية مصنوعة من القطن، وفي بعض الحالات مزيج من القطن والصوف.

ولكن ما زال تصميمها يتميز بثلاثة أنماط رئيسية: البيضاء وهي الأكثر شيوعا اليوم، لا سيّما في دول الخليج، المزينة باللونين الأحمر والأبيض، والمستخدمة بشكل أساسيّ في الأردن حاليا، وذات اللونين الأبيض والأسود والمعروفة جدا لدى الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة وبين المواطنين العرب في إسرائيل.

لم تثر الكوفية بالأبيض والأسود قلقا لدى الشرطة الإسرائيلية والمنظمات اليسارية وبعض الشخصيات السياسية والقانونية الرائدة في إسرائيل بعد نشر صورة ريفلين وهو يعتمرها، بل ما أثار قلقها هو أهميتها السياسية والتحريضية من قبل من يسعون إلى زعزعة مكانة ريفلين. إن مَن عمل على إعداد الصورة ونشرها بهدف نعت ريفلين بصفته “خائن” أو “مؤيد النضال الفلسطيني”. أصبحت الكوفية، لا سيّما ذات اللونين الأبيض والأسود، منذ فترة طويلة أهم وأبرز رموز الهوية الفلسطينية.

ليلى خالد (Wikipedia/Sebastian Baryli)

اعتمد ياسر عرفات الكوفية في أوائل الستينيات كرمز للهوية الفلسطينية والنضال من أجل التحرير. وجعلت الناشطة في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطيني، ليلى خالد، التي اشتهرت بمحاولاتها لاختطاف الطائرات الإسرائيلية في السبعينيات، الكوفية رمزا جندريا، بعد أن استخدمتها كحجاب يرمز إلى نضال النساء الفلسطينيات.

بدءا من زي وطني وصولا إلى ملابس عصرية

 

I AM IN LOVE N’ 2 @belmodotiany ❤❤

A post shared by @dodobaror on

إن الكوفية التي أصبحت بسرعة رمزا للنضال من أجل حقوق الإنسان، أضحت جزءا من الموضة العصرية. منذ السنوات الأولى من الألفية الثانية بدأ العديد من المشاهير في العالم بارتدائها كقطعة في الموضة مثل قطع الملابس الأخرى. في وقت لاحق استُخدِمت في تصاميم شبكات الأزياء الكبيرة في العالم: مثل شركة “زارا” وحتى شركة الملابس الإسرائيلية “كاسترو”.

وبطبيعة الحال، فإن العديد من النشطاء الفلسطينيين لا يحبون فكرة استخدام الكوفية كقطعة أزياء عصرية، لأنها حينها لا تعبّر عن النضال الفلسطيني الذي يرون أنها ترمز إليه. يضع الشباب في أنحاء العالم الكوفية على رقبتهم، دون أن يعرفوا أنها غطاء الرأس الذي أصبح رمزا للنضال من أجل التحرر الوطني الفلسطيني.

Exclusive capsule for NET-A-PORTER now available only at @netaporter

A post shared by @dodobaror on

وفي النهاية نقدّم لكم مفاجأة صغيرة: على الرغم من أن الكوفية كانت رمزا للنضال الفلسطيني والهوية الفلسطينية طيلة سنوات، إلا أن القادة اليهود استخدموها قبل نحو مئة عام وحتى يومنا هذا. وكان الزعيم اليهودي، حاييم وايزمان، رئيس الوفد الصهيوني إلى فلسطين حينذاك، يعتمر الكوفية خلال لقائه مع الأمير فيصل في عام 1918. كذلك هناك صورة لديفيد بن غوريون، أول رئيس حكومة إسرائيلي، وهو يضع الكوفية على رقبته. وبالطبع هناك صور للجنرال الإسرائيلي إيغال آلون وهو يرتدي الكوفية.

سواء كان الحديث يجري عن نضال سياسي أو وطني أو مجرد قطعة في الموضة، فإن الكوفية ستظل قيد الاستخدام ونفترض أن رموزها المختلفة ستتغير مع مرور الوقت.

اقرأوا المزيد: 691 كلمة
عرض أقل
مواطنة عربية في دولة إسرائيل (Flash90/Hadas Parush)
مواطنة عربية في دولة إسرائيل (Flash90/Hadas Parush)

مسلم، عربي أم فلسطيني؟

فحص استطلاع جديد كيف يعرّف العرب في إسرائيل أنفسهم، وما إذا كانوا يفضّلون العيش مع اليهود أو بشكل منفصل، ووجد نتائج مفاجئة

أجرى المعهد الإسرائيلي للديمقراطية مؤخرا بحثا مستفيضا حول العلاقة بين المواطنين اليهود والعرب في إسرائيل. ووفقا لمعدّي البحث، ومن بينهم باحثون يهود وعرب، فإن هدف البحث هو معرفة ما هو رأي المواطنين الإسرائيليين في حياتهم وفي العلاقة بين المجموعتين. وفحص الباحثون كيف يعرّف المواطنون العرب في إسرائيل أنفسهم، ومدى استعداد المجموعتين لإنشاء تقارب بينهما.

77%‏ من العرب عارضوا الفصل بينهم وبين اليهود حتى لو كان بهدف الحفاظ على هويتهم العربية

وقد أجري الاستطلاع في شهري كانون الثاني وشباط من هذا العام، 2017. وكانت العينة تمثيلية تضمنت 1000 مشارك في سن 18 عاما وأكثر من كلا الشريحتين السكانيتين، من بينهم 500 يهودي و 500 عربي. كان كل المشترِكين في الاستطلاع مواطنين إسرائيليين، لهذا فإن نتائج الاستطلاع ليست ذات صلة بالفلسطينيين الذين يعيشون في الضفة الغربية وقطاع غزة.

في المقابلات عُرِض على المشاركين العرب الهويات الرئيسية التالية: عربي، دين (مسلم، مسيحي، أو درزي)، فلسطيني، وإسرائيلي. في استطلاع سابق أجري في عام 2008، أجاب 24% من العرب في إسرائيل بأن الهوية الفلسطينية هي هويتهم الرئيسية، في حين قال %14 فقط ذلك في استطلاع حديث. وقال %10 ‏ فقط، إن هويتهم الرئيسية هي الهوية الإسرائيلية. وأجاب معظم العرب، ‏39%‏، موضحين أن الهوية العربية هي هويتهم الرئيسية. كانت النتيجة التي خلصت إلى أن معظم العرب الذين أجريت معهم مقابلات لم يؤكدوا على الهوية الفلسطينية باعتبارها العنصر الرئيسي في هويتهم مثيرة للدهشة نظرا لأن السياسيين والمفكّرين العرب في إسرائيل يؤكدون على أنها الأهم في هويتهم الجماعية.

بالإضافة إلى ذلك، قال %54 من المواطنين العرب إنهم يشعرون بأنهم جزء من المجتمع الإسرائيلي إلى حد كبير أو كبير جدا، وقال %13 فقط إنهم لا يشعرون بأنهم جزء من المجتمع الإسرائيلي أبدا. 65%‏ من العرب قالوا إنهم يشعرون بالفخر عندما تحقق إسرائيل إنجازا هاما، مثل الرياضة أو العلم.

يفضل العرب العيش مع اليهود دون التخلي عن هويتهم الخاصة

77%‏ من العرب عارضوا الفصل بينهم وبين اليهود حتى لو كان بهدف الحفاظ على هويتهم العربية (Flash90/Chen Leopold)

من أكثر الفوارق المثيرة للدهشة بين المستطلعة آراؤهم اليهود والعرب هو السؤال إذا كان من الأفضل أن يعيش اليهود والعرب في الدولة بشكل منفصل من أجل الحفاظ على الهوية الخاصة بكل مجموعة. 77%‏ من العرب عارضوا الفصل بينهم وبين اليهود حتى لو كان بهدف الحفاظ على هويتهم العربية.

81%‏ من العرب قالوا أيضا إنهم يدعمون انضام الأحزاب العربية إلى الحكومة، وتعيين العرب الإسرائيليين في مناصب وزارية. وافق معظم الجمهور العربي واليهودي على أن على جميع المدارس في إسرائيل أن تدرّس وجهات نظر كل من اليهود والعرب حول تاريخ الصراع بينهما.

على الرغم من الخلافات حول القضايا السياسية، ففي الواقع، تسير الحياة المشتركة بشكل جيد إلى حد ما، وفقا لنتائج الاستطلاع. قال أكثر من %95 من العرب الذين يعملون في أماكن عمل مختلطة مع اليهود إن هناك علاقة جيدة بين اليهود والعرب في مكان عملهم. 90%‏ من اليهود الذين يعملون في أماكن عمل مختلطة مع العرب وافقوا على أن هناك علاقات جيدة مع العمال العرب في مكان عملهم. بالإضافة إلى ذلك، قال %75 من العرب أنه يجوز لهم الدخول إلى البلدات اليهودية، مقابل %40 من اليهود الذين قالوا إنه يحظر عليهم دخول البلدات العربية، وتحاول النساء اليهوديات تحديدا تجنب ذلك. 70%‏ من العرب قالوا إنه عندما يكونون في مكان عام بالقرب من اليهود، يشعرون بالراحة عند التحدث باللغة العربية.

هل من الممكن أن يكون المواطن فلسطينيا ومخلصا في دولة إسرائيل؟

%54 من المواطنين العرب يشعرون بأنهم جزء من المجتمع الإسرائيلي (Flash90/Nati Shohat)

سأل مجرو الاستطلاع الاسرائيليين: “هل تعتقد أنه من الممكن أن يكون المواطن العربي الإسرائيلي الذي يشعر بأنه جزء من الشعب الفلسطيني مواطنا مخلصا لدولة إسرائيل أيضا أم لا؟”. 68%‏ من الإسرائيليين أجابوا بأنهم يعتقدون أن هذا الدمج غير ممكن.

اعتقدت نسبة عالية (‏34%‏) من الإسرائيليين الذين خدموا في الجيش، أن المواطن العربي الإسرائيلي الذي يعرّف نفسه كفلسطيني يمكن أن يكون مخلصا لدولة إسرائيل أيضا. في المُقابل، يعتقد عدد أقل من الإسرائيليين الذين لم يخدموا في الجيش أن هذا ممكن. هذه المعطيات مثيرة للاهتمام، لأنه غالبا هناك ادعاء أن الخدمة العسكرية تشكل عاملا عسکريا هاما وتمثل عدم صبر المواطنين اليهود تجاه الأقلية العربية. ينسب مجرو الاستطلاع هذه النتيجة إلى أن معظم اليهود الذين يخدمون في الجيش هم علمانيون، وأن معظم العلمانيين الإسرائيليين لديهم آراء سياسية يسارية تدعم المفاوضات واتفاق السلام.

اقرأوا المزيد: 626 كلمة
عرض أقل
وزير الطاقة الإسرائيلي، يوفال شتاينتس، ورئيس الوزراء الفلسطيني، رامي الحمدالله، يدشنان محطة توليد كهرباء فلسطينية ( Miriam Alster/Flash90)
وزير الطاقة الإسرائيلي، يوفال شتاينتس، ورئيس الوزراء الفلسطيني، رامي الحمدالله، يدشنان محطة توليد كهرباء فلسطينية ( Miriam Alster/Flash90)

الصعود الهادئ للسلام الاقتصادي

منذ أيام المعارضة، لم نسمع عن خطة السلام الاقتصادي لنتنياهو، ولكن يبدو أن خطته يجري تنفيذها على الأرض في ظل السيطرة الأمنية الإسرائيلية في المناطق الفلسطينية

في مؤتمر هرتسليا قبل 8 سنوات تقريبا، عرض زعيم المعارضة آنذاك، عضو الكنيست بنيامين نتنياهو رؤيته السياسية – الاقتصادية للصراع الإسرائيلي الفلسطيني في إطار برنامج أطلق عليه “السلام الاقتصادي”. وقال نتنياهو في المؤتمر “يشكل السلام الاقتصادي فرصة لصنع السلام السياسي في وقت لاحق”، مشيرا إلى أنه لا يحل مشكلة التطلعات الوطنية، ولكنه من المفترض أن يسمح بالتوصل إلى حوار حول التطلعات الوطنية بشكل أفضل”. كان هدف خطة نتنياهو بسيطا: كلما كانت جودة حياة الفلسطينيين أفضل، تنخفض احتمالات تصعيد النزاع أكثر، وبالتالي ينشأ تقارب بين الإسرائيليين والفلسطينيين ويتطور مستقبل أفضل قد يتم فيه التوصل إلى الحل الحقيقي للصراع – وهو حل يمكن تحقيقه ميدانيا. يجري الحديث عن توجه يسعى إلى السماح للحلول بالتطور ميدانيا، وعادة يرفض الحلول التي تُفرض من الأعلى، حتى في المجالات السياسة الأخرى.

وفي وقت قصير، أعلن العديد من الخبراء أنه لا فرصة للخطة لأنها لم تأخذ بعين الاعتبار الأيديولوجية الفلسطينية الضرورية لتحقيق هدفها. وقد حدد منتقدو نتنياهو أن الاعتقاد بأن القضايا الاقتصادية يمكن أن تؤثر في تطور المفاوضات التي كانت نقاط الخلاف فيها عميقة جدا، ساذج. بالإضافة إلى ذلك، ادعى بعض الخبراء أنه إذا كان هناك تأثير اقتصادي على الإرهاب، فقد يكون عكسيا – يمكن أن تؤدي الفترة الاقتصادية الجيدة تحديدا إلى زيادة تطلعات الاستقلال والقدرات الاقتصادية التي تشكل البنية التحتية الضرورية لتنفيذ الهجمات الإرهابية والكفاح ضد إسرائيل.

وسعى السلام الاقتصادي المقترح إلى إقامة تجارة حرة بين إسرائيل والفلسطينيين في الضفة الغربية، فضلا عن تحقيق الازدهار الاقتصادي المتبادل من خلال الليبرالية الاقتصادية الفلسطينية ودفع الاقتصاد نحو السوق الحر، مع الحد من البيروقراطية والفساد. تشكل السيطرة الأمنية الإسرائيلية في عمق المنطقة وعلى المعابر التي تمكّن مرور البضائع والعمال في كلا جانبي الخط الأخضر مفتاحا لكل هذه الأهداف.

الدرع الاقتصادي يتطور مع مرور الوقت

يشكل الوقت عاملا هاما في السلام الاقتصادي. يرفض هذا التصوّر الذي يسعى إلى إقامة علاقات طبيعية بين الجيران، بطبيعة الحال، خططا عظيمة مثل خطة “الشرق الأوسط الجديد” من وجهة نظر شمعون بيريس. تمثل خطة السلام الاقتصادي في الواقع الجانب الآخر من “إدارة الصراع”، وهي تسعى إلى إدارة السلام بدقة، وبعناية مع مرور الوقت. إن السلام المنشود في المرحلة الأولى يهدف بشكل أساسي إلى انعدام الحرب ومنع التدهور الأمني. ويمكن أن تؤدي هذه الفترة المستمرة إلى تحسن متتال في جودة حياة كل السكان الذين يعيشون بين الأردن والبحر. ومنذ طرح خطة السلام الاقتصادية للمرة الأولى، لم نسمع سوى القليل جدا عنها، ويبدو أنها تتقدم ببطء، إن كانت تتقدم أصلا. الآن، حان الوقت لطرح السؤال – ماذا كان مصير الخطة وهل نُفذَت ميدانيا؟

إن العلاقة الاقتصادية الأهم بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية هي في مجال التشغيل – يعمل حاليا أكثر من 100 ألف عامل فلسطيني في الاقتصاد الإسرائيلي. يعمل زهاء 73 ألف من بينهم داخل منطقة الخط الأخضر و 32 ألف آخرين في الضفة الغربية. هذا العدد ضخم، ويقترب من عدد العمال الفلسطينيين الذين عملوا في إسرائيل عشية الانتفاضة الأولى (نحو 109 ألف). يكسب الفلسطينيون الذين يعملون في إسرائيل ما يعادل مرتين ونصف الأجر مقارنة براتب العامل الذي يعمل العمل ذاته في السلطة الفلسطينية. لهذا يمكن أن نفهم لماذا تشهد المعابر الحدودية طوابير طويلة في الساعة الرابعة صباحا في منطقة الضفة الغربية. إن حجم تصاريح العمل للفلسطينيين في إسرائيل يتزايد باطراد منذ عام 2009، وذلك في أعقاب الضغط الأمريكي أيضا. ومع ذلك، إضافة إلى الفلسطينيين الذين يدخلون إلى إسرائيل بموجب تصاريح، هناك ظاهرة واسعة الانتشار للفلسطينيين غير الشرعيين الذين يدخلون إلى إسرائيل، وهي تشكل تحديا بشأن نجاعة الجدار الأمني والسيطرة الإسرائيلية على المنطقة.

كذلك تأثر المفهوم الأمني الإسرائيلي بنموذج السلام الاقتصادي، وقد أصبح اليوم يستخدم العقاب الجماعي أقل في أعقاب الحوادث الأمنية. ويعمل الجيش الإسرائيلي على السماح بممارسة حياة طبيعية في البلدات والقرى الفلسطينية قدر المستطاع، ويبذل قصارى جهده للتعرّف إلى الإرهابيين ومنع الهجوم مسبقا باستخدام معلومات استخباراتية دقيقة. في الماضي، كان الرد على الهجوم يرد من قرية معينة، فرض حصار عشوائي، ولكن في يومنا هذا هناك حاجة إلى التضييق على حلقة أصغر وهو يقتصر على الأسرة ودائرة الدعم المحدودة. الرسالة إلى السكان الفلسطينيين واضحة – إذا كنتم تريدون العيش بسلام، ستحصلون على كل الظروف الممكنة من أجل التقدم، دون أن تعاقبوا بسبب أعمال الآخرين. ومع ذلك، إذا حاولتم إلحاق الضرر بعلاقات الجيرة الطبيعية والإضرار بأية طريقة، سواء كان ذلك عمليا أو دعما مباشرا لهذه الأعمال، فلن يتم التسامح بهذه الأعمال.

وينبع هذا التوجه من التصوّر الاستراتيجي الخاص بالجيش الإسرائيلي وهو أن السيطرة على المنطقة أفضل من الحصار التام. يسيطر الجيش الإسرائيلي وقوات الأمن جيدا على ما يحدث في الضفة الغربية. لا تأتي هذه السيطرة على حساب الحرية النسبية والازدهار اللذين يتمتع بهما سكان السلطة الفلسطينية، في إطار القيود الأمنية الضرورية. وتبين من التجارب أنه عندما يسيطر الجيش الإسرائيلي على حدود منطقة معيّنة، فإن قدرات الاستخبارات والمناورة في المنطقة تتضرر بشدة. وفي مثل هذه الحالات، لا يسيطر الجيش الإسرائيلي على ما يحدث داخل المنطقة المحاصرة، وبالتالي تصبح المنطقة أرضا خصبة للإرهاب.

دراسة الحالة – غزة مقارنة بالضفة الغربية

إن إدارة هذه العلاقة الاقتصادية – الأمنية معقدة، وهناك العديد من الصعوبات التي تهدد الإنجازات التي تحققت بعد بذل جهود كثيرة. ومع ذلك، يمكن رؤية النتائج الإيجابية بسهولة بالمقارنة مع السكان من ذات المجموعة الذين اختاروا إقامة علاقات معاكسة مع دولة إسرائيل – الفلسطينيون الذين يعيشون في الضفة الغربية مقابل أولئك الذين يعيشون في غزة.

ومنذ فك الارتباط في عام 2005، انقطعت العلاقات الاقتصادية بين غزة وإسرائيل، وكل ما تبقى هو الدعم الإنساني الإسرائيلي لقطاع غزة. وكما ذُكر آنفًا، من أجل إقامة علاقات اقتصادية سليمة بين إسرائيل والفلسطينيين، هناك حاجة واضحة إلى السيطرة الأمنية الإسرائيلية ميدانيا. وهذا هو السبب وراء اختفاء مبادرة العلاقات التجارية والاقتصادية بين غزة وإسرائيل فورا تقريبا بعد محاولة إقامتها.

اقتصاديا، فإن الوضع في قطاع غزة صعب جدا – فهو يشهد زيادة في الكثافة السكانية، الفساد في أنظمة الحكم، وبطالة تزيد عن %40. إن هذا الوضع الاقتصادي الهش وغير المستقر يتماشى مع أيديولوجية حماس الضارة، مما يجعلها شعبية بين الشباب العاطلين عن العمل في غزة. إن المجال الاقتصادي الوحيد الذي يقف أمام شبان غزة (غير المقربين من هنية) هو النجاح في شن هجوم من أجل الحصول على راتب شهري طيلة حياتهم من حكومة حماس. وكما هو معلوم، فإن السلطة الفلسطينية تقدم أيضا مخصصات كهذه لعائلات الشهداء، ولكن يختار هذه الطريقة شبان أقل مقارنة بشبان غزة. وهنا يمكن أن نرى بوضوح تأثير السلام الاقتصادي وتحسن جودة الحياة السائدة في السنوات الأخيرة في الضفة الغربية.

في الواقع، لا يزال هناك شبان متأثرون سلبا من التحريض لهذا يشنون هجمات دون أية صلة بوضعهم الاقتصادي أو وضع عائلتهم. غير أن جزءا كبيرا من العنف لم يعد منتشرا في أعقاب التحسن المتزايد في أوساط الفلسطينيين العاديين الذين يعيشون في الضفة الغربية. ووفقا لخبراء الأمن، فإن أحد الأسباب الرئيسية لقدرة الجيش الإسرائيلي على التعامل مع موجات الإرهاب ومنع موجة كبيرة أخرى يعود إلى تحسن الوضع الاقتصادي للسكان الفلسطينيين في الضفة الغربية. ببساطة، قد يخسرون كثيرا.

وماذا سيكون مصير غزة؟ هل هناك مخرج من هذه الأوضاع الاقتصادية – الأمنية الرديئة فيها؟ وفق رأي وزير النقل ووزير شؤون الاستخبارات الإسرائيلية، فالإجابة نعم. فقد عرض الوزير في شهر أيار الماضي خطة لتحسين العلاقات الاقتصادية مع غزة من أجل إخراج قطاع غزة من الأزمة الاقتصادية ومحاولة إقامة علاقات أمنية ودبلوماسية أفضل. وهكذا، إذا كان هناك شيء واحد يمكن أن نكون متأكدين بكونه شرطا مسبقا لنجاح هذه الخطة فهو: السيطرة الأمنية الإسرائيلية أولا.

هذه المقالة مترجمة من موقع “ميدا” حيث ظهرت لأول مرة

اقرأوا المزيد: 1141 كلمة
عرض أقل