العميد رونين منليس، النّاطق العام بلسان جيش الدّفاع الإسرائيلي
العميد رونين منليس، النّاطق العام بلسان جيش الدّفاع الإسرائيلي

2018.. خيار اللّبنانيّين

في لبنان، لا يُخفي حزب الله محاولاته للسيطرة على الدولة اللبنانية، متمثلة بالتطورات التالية: رئيس دولة يعطي شرعيّة لمنظمة إرهابية، رئيس حكومة يستصعب العمل في ظلّ بلطجة نصر الله

عندما يُطلب منّي أن أختار صورة العام، فيما يتعلق بالجبهة اللّبنانية، تعود بي الذاكرة إلى الجولة المشتركة لقائد الجبهة الجنوبية في حزب الله، وصديقه، قائد إحدى الميليشيات الشيعيّة الموالية لإيران، قيس الخزعلي. أهميّة هذه الصورة تكمن في أنها تمثّل التدخّل الإيراني أكثر من أي شيء آخر، وتكشف حقيقة السّيطرة الإيرانية على لبنان. فلا شكّ، أن ظاهرة “سياحة الإرهاب” ستعرض دولة الأرز والمنطقة كلّها مستقبلًا لخطر محسوس – خطر سيطرة منفِّذي أوامر طهران.

فسنة 2017، على غرار السنوات الإحدى عشرة السّابقة التي تلت انتهاء حرب لبنان، امتازت بهدوئها النسبي في الجبهة اللّبنانية. ولا شك أن هذا الهدوء يخدم رفاهية السكّان من كلا الطّرفيْن. ولعل الاستقرار الأمني الذي طال الحدود وحال دون سماع دوي صافرات الإنذار من قبل الأطفال في الصّفوف السادسة شمال إسرائيل وجنوب لبنان، كان من أهم إنجازات حرب لبنان الثانية، والدليل القاطع على فعالية الرّدع الإسرائيلي، والذاكرة المؤلمة في نفس اللبنانيين بشأن كِبَر الخطأ السابق الّذي إرتكبه نصر الله.

نشطاء منظمة حزب الله اللبنانية (AFP)

تمكن جيش الدفاع الإسرائيلي العام الماضي من تعزيز جهوزيته لحرب في الجبهة الشمالية من خلال: برامج عمل، تدريبات، تزوُّد بالوسائل، وتمارين هامّة، الأبرز من بينها هو تمرين الفيلق الشمالي الذي أتى للمرّة الأولى منذ 20 عامًا، وساهم في التمرّن الفعلي على برامج جيش الدفاع التشغيلية في الجبهة الشمالية. كما استمرّت، بشكلٍ متواصل، أعمال تجميع المعلومات الاستخبارية، وقد سبق لرئيس هيئة الأركان الإسرائيلي ورئيس هيئة الاستخبارات التأكيد على أنّ أعداءنا لو أدركوا كم نعرف عنهم من معلومات، لرُدعوا من الدخول في المواجهات لسنوات طوال. ها نبدأ العام الجديد بجاهزيّة عالية، مستعدون لجميع السيناريوهات في الجبهة الشمالية رغم تأكيدنا أن وجهتنا ليس الحرب.

في المقابل تستمر منظمة حزب الله بالتدخّل في حرب ليست لها، وحتّى أنّها نجحت في توسيع قائمة القتلى والأزمة الاقتصادية الّتي تعيشها. السنة الماضية كانت دليلًا إضافيًّا في كون حزب الله ذراعَ إيران المنفِّذة. لقد اكتشفنا في جميع المناطق الّتي ساد فيها عدم استقرار، ختمًا إيرانيًا، ليكن حزب الله الحاضر فعلًا، تحريضًا وتدخلًا: لقد أرسل إلى سوريا آلاف المقاتلين، وقد وسّع المعارك في اليمن بواسطة مئات المستشارين، وحتّى أنّ نصر الله تباهى بإرسال صواريخ مضادة للدبابات خاصّة لغزّة، وهو قد قابل مندوبي كافة المنظمات الإرهابية الفلسطينية، الّذين انتقل بعضهم هذه السّنة للعيش بجواره في الضاحية ببيروت. يمرّ مليارات الدولارات من طهران عن طريق بيروت لكلّ مكان في الشّرق الأوسط حيث يتعاظم الشرّ والإرهاب.

في لبنان، لا يُخفي حزب الله محاولاته للسيطرة على الدولة اللبنانية، متمثلة بالتطورات التالية: رئيس دولة يعطي شرعيّة لمنظمة إرهابية، رئيس حكومة يستصعب العمل في ظلّ بلطجة نصر الله، إقامة شبكات إرهابية ومصانع لتصنيع الوسائل القتالية رغمًا عن الحكومة اللّبنانية، واندماج عسكري بين المواطنين دون رادع.

على طول الحدود مع إسرائيل، ورغم قرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة رقم 1701، والذي يحظر أي تواجد لنشطاء المنظمة جنوب لبنان، استمر حزب الله بتحدّيه المصلحة اللّبنانية- يستمر نشطاء حزب الله بالتجول على طول الحدود بزيّ مدنيّ خلال أعمالهم في صفوف الشّعب. وبالإضافة إلى ذلك، يحاول حزب الله تجنيد وتشغيل ضبّاط وجنود من الجيش اللّبناني لتحقيق أهدافه. وقد قام حزب الله بكامل الوقاحة بدعوة صحفيّين لجولة خاصة ليريهم كيف أنّه يهزأ بسيادة الدولة اللبنانية وقرارات مجلس الأمن.

يهمنا أن نوضح، أنّ هذه الخروقات لا ولن تهزنا، بالعكس، فالفارق بين خرق ينتهي بتقديم شكوى للأمم المتحدة وخرق ينتهي بزعزعة الأمن، هو قرار إسرائيلي بحْت.

والأخطر من كلّ شيء هو الأمور الّتي لا تراها العين، لقد أصبحت لبنان بفعل وتخاذل السلطات اللبنانية وتجاهل عدد كبير من الدول الأعضاء في المجتمع الدّولي مصنعٓ صواريخ كبير وذلك بسبب تخاذل السلطات اللّبنانية وتجاهلها للأمر. فالموضوع ليس مجرّد نقل أسلحة أو أموال، أو استشارة. بل أنّ إيران افتتحت فرعًا جديدًا، “فرع لبنان”- إيران هنا.

الحكومة اللبنانية (AFP)

يخطئ المواطن البسيط إن ظنّ أنّ هذه العملية ستحوّل لبنان إلى قلعة، فهي ليست أكثر من برميل بارود موجّه ضدّه وضدّ عائلته وأملاكه. واحدٌ من كلّ ثلاثة أو أربعة بيوت جنوب لبنان هو مقرّ، أو مخزن للسّلاح، أو مكان تحصين تابع لحزب الله. نحن نعرف هذه المنشآت، ونستطيع استهدافها بشكل دقيق إذا تطلّب الأمر ذلك. مستقبل مواطني لبنان هو لعبة بأيدي الدكتاتور الطهراني، والمذنبون في ذلك هم رؤساء القرى المدن ومؤسسات الحكم الّذين يرون هذا الوضع ويسكتون عليه.

مع افتتاح عام 2018 أظنّ أنه من الجدير تحذير سكان لبنان من اللّعبة الإيرانية بأمنهم ومستقبلهم. الحديث عن سنة صراع وامتحان بالنسبة لمستقبل الكيان اللبناني. ينبع هذا الصراع من جهة واحدة، بين الحاجة للوصول لاستقرار في الدولة، ولازدهار اقتصادي ولتطوير مواضيع مدنيّة لبنانيّة، وبين استمرار العمليات لحلّ هيمنة إيران- حزب الله. مثلًا، يقف على كفّي الميزان، من جانب واحد، تطوير مجال الغاز الّذي سيحسّن الاقتصاد في العقديْن القادميْن، ويؤدي إلى زيادة الصناعات المحلية الخام للدولة، ومساهمة كبيرة في مجال العمل والتوفير بالعملة الخارجية، ومن جانب آخر، وصول ميليشيات شيعيّة مسلّحة إضافية للبنان، والمسّ بصورة لبنان في عيون الجمهور الدولي، وعدم تطوير الاقتصاد، وتسبيب الضّرر للسياحة، وإمكانية لزعزعة خطيرة في الأمن.
الصراع يتعلّق بمتغيّريْن اثنين: هل الجمهور الدولي ولبنان سيسمحان لإيران وحزب الله باستغلال براءة رؤساء الدولة اللبنانية وإقامة مصنع صواريخ دقيقة كما يحاولان في هذه الأيّام، وهل سينجح حزب الله برعاية الانتخابات الجديدة بإسقاط الأحزاب السّنية في الانتخابات القادمة (أيّار 2018) من التمسك بالحكم وتحويل الدولة بشكل رسميّ إلى دولة برعاية إيرانية؟

جيش الدفاع جاهز لجميع السيناريوهات، وهو يتحضّر لتطوير جاهزيته أكثر خلال العام. كما أثبتنا في السنوات الأخيرة، ومن عليه أن يعرف ذلك فهو يعرفه، فالخطوط الحمراء الأمنيّة الّتي وضعناها واضحة، ونحن نثبت ذلك كلّ أسبوع. بثّ روح الفكاهة في موضوع “الرّاتب الإيراني” الّذي يتم دفعه لأمين عام حزب الله لا تترك أثرًا، ليس فينا وليس في سكّان لبنان. الذي يبقى الخيار خيارهم.

اقرأوا المزيد: 860 كلمة
عرض أقل
  • ذكرى يوم عاشوراء في العراق (AFP / SAJJAD HUSSAIN)
    ذكرى يوم عاشوراء في العراق (AFP / SAJJAD HUSSAIN)
  • ذكرى يوم عاشوراء في العراق (AFP / Haidar HAMDANI)
    ذكرى يوم عاشوراء في العراق (AFP / Haidar HAMDANI)
  • ذكرى يوم عاشوراء في لبنان (AFP / PATRICK BAZ)
    ذكرى يوم عاشوراء في لبنان (AFP / PATRICK BAZ)
  • ذكرى يوم عاشوراء في لبنان (AFP / PATRICK BAZ)
    ذكرى يوم عاشوراء في لبنان (AFP / PATRICK BAZ)

لمحة رهيبة إلى إراقة الدماء في عاشوراء

مشاهد فظيعة في يوم ذكرى عاشوراء في أنحاء العالم، وما زالت عادة تعذيب النفس مستمرة

01 أكتوبر 2017 | 15:54

كما في كل عام، ترافق صوم يوم العاشر من محرم مشاهد صعبة من العنف بين أوساط المؤمنين الشيعيين. خلافا لتقاليد الغفران والكفارة اليهودية التي صادفت يوم أمس وتضمنت الصلوات والصيام لمدة 25 ساعة، فإن صيام عاشوراء أصبح لدى جزء من المؤمنين المسلمين صوما عنيفا جدا يرتكبه المؤمنون بحق أنفسهم.

ذكرى يوم عاشوراء في الهند (AFP / SAJJAD HUSSAIN)
ذكرى يوم عاشوراء في الهند (AFP / SAJJAD HUSSAIN)

رغم تصاريح رجال الدين الشيعة في السنوات الماضية الذين يناشدون الامتناع عن تعذيب النفس حتى نزف الدم، ويدعون أن ليست هناك أية مصادر دينية لعادة الجلد الذاتية ما زالت هذه العادة شائعة، لا سيما بين أوساط الأطفال والشبان أيضا لمزيد الأسف.

ذكرى يوم عاشوراء في العراق (AFP / SAJJAD HUSSAIN)
ذكرى يوم عاشوراء في العراق (AFP / SAJJAD HUSSAIN)

هذا العام أيضا، يمكن أن نشاهد والدين يذبحون أطفالهم، وتكدس مجمعات من الدم تحت أقدام الرجال الشبان الذين يعذبون أنفسهم بحماس. كلنا أمل أن تتلاشى هذه المشاهد الصعبة ويحتفل المؤمنون بيوم عاشوراء بسلام.

ذكرى يوم عاشوراء في لبنان (AFP / PATRICK BAZ)
ذكرى يوم عاشوراء في لبنان (AFP / PATRICK BAZ)
ذكرى يوم عاشوراء في العراق (AFP / Haidar HAMDANI)
ذكرى يوم عاشوراء في العراق (AFP / Haidar HAMDANI)
ذكرى يوم عاشوراء في لبنان (AFP / PATRICK BAZ)
ذكرى يوم عاشوراء في لبنان (AFP / PATRICK BAZ)
ذكرى يوم عاشوراء في العراق (AFP / SAJJAD HUSSAIN)
ذكرى يوم عاشوراء في العراق (AFP / SAJJAD HUSSAIN)
اقرأوا المزيد: 121 كلمة
عرض أقل
تقديرات إسرائيلية: بشار الأسد باق (AFP)
تقديرات إسرائيلية: بشار الأسد باق (AFP)

تقديرات إسرائيلية: الأسد سيستعيد السيطرة على سوريا في غضون سنة

تشير خطوات إقليمية ودولية إلى تقديرات استخباراتية إسرائيلية جديدة: ينجح الأسد في السيطرة على سوريا خلال سنة. لهذا على إسرائيل الاستعداد للوجود الشيعي على حدودها

تقدر المنظومة الأمنية الإسرائيلية اليوم صباحا أن الرئيس السوري، بشار الأسد، بمساعدة حليفتيه، روسيا وإيران، سيستعيد السيطرة على معظم الأراضي السورية حتى نهاية عام 2018 – هذا وفق التقارير التي وردت اليوم صباحا (الأربعاء) في صحيفة “إسرائيل اليوم”، المقرّبة من نتنياهو.

وورد في الصحيفة أيضا أن هذه التقديرات الجديدة تأتي في ظل التغييرات الإقليمية والدولية: توقفت الولايات المتحدة الأمريكية عن تمويل منظمات الثوار في سوريا ولا يهمها بعد ما يحدث في أراضيها. كما أن هناك تأثيرات لوقف دعم الدول السنية للصراع ضد الأسد. الدعم الوحيد الذي ما زال ساري المفعول هو الدعم الإيراني للنظام السوري.

وحتى وقت قصير، كانت هناك تقديرات في إسرائيل أن سوريا ستنقسم إلى مناطق مستقلة على أساس التقسيم الطائفي – الجغرافي. ولكن التقديرات الجديدة في المنظومة الأمنية، التي تتصدر عناوين وسائل الإعلام الإسرائيلية اليوم صباحا، تشير إلى أن الأسد سيسيطر مجددا على الأراضي السورية، وهذا خلافا لأقوال إيهود باراك، الذي قدر في إطار عمله وزيرا للدفاع أنه حتى نهاية عام 2011، سيسقط نظام الأسد خلال نحو نصف سنة.

ومنذ عام 2014، ركزت إدارة أوباما على الصراع ضد داعش مما أدى إلى إنقاذ نظام الأسد. كما أن الهجمات الجوية المكثّفة التي شنها سلاح الجو الروسي ضد تنظيمات الثوار الأخرى ساهمت في صمود نظام الأسد.‎ ‎

وتخشى إسرائيل من تدخل إيراني متزايد في سوريا مما يجعل سوريا في المستقبَل دولة برعاية إيرانية. فقال أفيغدور ليبرمان، وزير الدفاع الإسرائيلي، هذا الأسبوع إن إسرائيل ليست قادرة على الوقوف جانبا طالما أن إيران تبسط سيطرتها وتغيّر الموازين الجيوستراتيجية في المنطقة.

وفق تقديرات استخباراتية إسرائيلية، تحاول إيران أن تدخل إلى سوريا نحو 10.000 مقاتل من المرتزقة الشيعة، بعد إحضارهم من أماكن مختلفة مثل أفغانستان، باكستان، والعراق. الهدف هو وفق التقارير الإسرائيلية اليوم صباحا هو تعزيز سيطرة إيران في سوريا. بالإضافة إلى ذلك، يُحظر علينا أن نتجاهل أن سوريا لديها نحو 2.000 مسشار إيراني يساعدون نظام الحكم.

وفي نهاية الأسبوع الماضي، زار بنيامين نتنياهو، رئيس الحكومة الإسرائيلية، سوتشي في روسيا والتقى الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، وحذره من أن إسرائيل لن ترضى بوجود إيراني شيعي على حدودها الشمالية في جنوب لبنان وجنوب سوريا في منطقة الجولان. حتى أن نتنياهو أوضح لنظيره الروسي، بوتين، أنه في حال لاحظت إسرائيل أن الجهود الدبلوماسية لن تكون مجدية ربما تتخذ إسرائيل في الأشهر القادمة “قرارات صعبة”.

اقرأوا المزيد: 352 كلمة
عرض أقل
الزعيم الدرزي وليد جنبلاط مع عمال أكراد في لبنان (AFP)
الزعيم الدرزي وليد جنبلاط مع عمال أكراد في لبنان (AFP)

عن أصل الدروز وديانتهم

كاتب كردي يكتب لموقع "المصدر"، ردا على مقالة "أصل الدروز ليس عربيًّا": أصل الدروز من منطقة كردستان، وزعماؤهم من أصل كردي

في مقال بعنوان “أصل الدروز ليس عربيًّا“، نشر على موقع “المصدر” الإلكتروني، في تاریخ 26 نوفمبر/ تشرن الثاني 2016، لصاحبه الأستاذ عامر دکة، تحدث الكاتب عن دراسة للباحث الإسرائيلي البروفسور “عوز ألموج”، عالِم الاجتماع والمؤرخ والباحث في المجتمع الإسرائيلي من جامعة حيفا، وزمیل آخر لە هو الدکتور حایك، تخص أصل الدروز ودیانتهم. وقد توصل الباحثان إلی استناج مغایر لما هو شائع حتی الآن عن أصل الدروز. ومفاد الدراسة أن الدروز من الناحیة الإثنیة یرجعون إلی الشعوب الإیرانیة التي عاشت شمال شرقي تركيا وأرمينيا، وبین جبال زاغروس في العراق وجبل أرارات، وهو الأعلى في المنطقة الجبلية في تركيا (منطقة أرمينيا سابقًا). ودّدت هنا أن ألقي الضوء علی بعض الحقائق التاریخیة المتعلقة بالدروز.

الدیانات، وبالأخص الدیانات التي تسمی بالدیانات السماویة، بشکل عام ترتبط وتتداخل بعضها ببعض، وترجع في جذورها وتستند، وإن اختلفت بعض الشيء، إلی نمط واحد من التفكیر وتدعو الناس إلی الطریق نفسها وتبشرهم بالبشائر نفسها، واستنادا إلی ذلك، أستطیع القول إن هناك شبها کبیرا بین الدیانة الدرزیة والعدید من الدیانات الأخری المنتشرة في منطقة الشرق الأوسط، وبالأخص بعض الدیانات في منطقة کردستان، التي تضم شمال غرب إیران، شمال العراق، وسوریا والشمال الشرقي لترکیا وبعض المناط‌ق الجنوبیة من أرمینیا بما فیها جبل أرارات.

شيوخ دروز يُحيون عيد النبي شعيب  (Flash90/Moshe Shai)
شيوخ دروز يُحيون عيد النبي شعيب (Flash90/Moshe Shai)

ما أعنیە من هذە الدیانات، هي الیارسانیة (التي تسمی بالكاکائیة وأهل الحق أیضا) والیزيدیة. هاتان الدیانتان شائعتان في أوساط الكرد في کردستان. لا أرید الولوج في العمق التاریخي للتوصل إلی أصل هذە الدیانات ونشأتها، لكن كثيرا من الدلائل التاریخیة والطقوس التي يتبعها أتباع هذە الدیانات وأصحابها، تُقربنا من أن نقتنع بأن هذە الدیانات ما هي إلا انشعابات وتفرعات من الدین الإسلامي ومذاهبە المختلفة، بعد التوصل إلی اجتهادات وتفسیرات وقراءات أخری ومختلفة للإسلام وبعد الاختلاط والتأثر بالأدیان الأخری کالزرادشتية، والیهودیة، والمسیحیة، والنسطورية، والبوذیة، والهندوسیة، وبعض عناصر الفلسفة الیونانیة والصوفیة وغیرها، أصبحت تتحول إلی طوائف وأدیان مستقلة لذاتها، وینطبق هذا القول علی الدیانة الدرزیة أیضا.

ویٶکد الشیخ الراحل کمال جنبلاط أن العقیدة الدرزیة هي امتداد للمدارس الهرمسیة الیونانیة أو المصریة – مدارس السنة الباطنیة – التي انتقلت إلی التصوف الإسلامي وأن الديانة الدرزیة الحقیقیة هي الحكمة في العرفانیة (الغنوصیة) في الیونان ومصر وفارس والإسلام في آن واحد، وأن الدرزي هو کل توحیدي یؤمن بوحدة أدیان العالم جميعا، کائنا ما کانت طقوسها وشعائرها.

وتنسب بداية المذهب الدرزي إلى أبو عبد اللە محمد المتوفي سنة 1019م، فكان الداعي الأول للحاکم بأمراللە الفاطمي، إذ لجأ إلی لبنان وسوریا وبشر فیهما بمذهبە . ولكن معظم المصادر تؤكد أن الدیانة الدرزیة تعود في جذورها إلی الطائفة الإسماعیلیة – الشیعیة المسلمة.

وتتميز بعض الديانات بأنها تكون خاصة بقوم أو عرق معین من البشر، وتستخدم في طقوسها لغة ذلك العرق أو القوم، کالدیانة الیهودیة التي تخص الشعب الیهودي، والدیانتين الیارسانیة والیزيدیة اللتان تخصان الشعب الكردي، إلا أنني لا أؤمن بحصر دین، أو مذهب، أو فلسفة، أو تیار فکري معین بعرق أو قومیة معینة، وإعطائه هویة قومیة أو عرقیة، وتنطبق هذه الفكرة علی الديانة الدرزية أیضا، إذ من الممكن لأي فرد من أي قومیة أو عرق، استبدال دیانة بأخری، ومذهب بآخر، واعتناق ما یحلو له من أفکار وفلسفات. فالدین لیس شیئا ثابتا، بل قابل للتغییر کما الأشیاء الأخری في الحیاة.

أما من الناحیة الإثنیة، فالباحثان ألموج وحایك، حسب ما كتب الأستاذ دکة، یذکران أن الدروز یرجعون إلی الشعوب الإیرانیة التي عاشت شمال شرقي تركيا وأرمينيا، وبین جبال زاغروس في العراق وجبل أرارات. المناطق التي یذکرها الباحثان، ماهي إلا مناطق مرتبطة بعضها ببعض، وتشكل منطقة ذات طابع خاص، تسمی منطقة “کردستان”، يسكنها شعب یدعی “الشعب الكردي”. لیس الكرد وحدهم يسكنون تلك المنطقة، وإنما هم یشكلون أکثریة سکان تلك المنطقة، وهم السكان الأصلیون في تلك المنطقة.

لا الباحثان ولا السید دکة، کاتب المقال، تطرقوا أو ذکروا اسم “کردستان” أو “الكرد”، عند تحدثهم عن تلك المنطقة التي جاء منها الدروز، وعن انتمائهم الإثنيّ لشعوب تلك المنطقة.

يحرص المجتمع الدرزي على الزواج داخل الطائفة  (Flash90/Moshe Shai)
يحرص المجتمع الدرزي على الزواج داخل الطائفة (Flash90/Moshe Shai)

لست من مؤيدي فكرة النقاء العرقي والصفاء القومي الخالص، أي أن المنتمين لقومیة أو عرق واحد یرجعون إلی أصل واحد ودم واحد، کما کانت النازیة تعتقد بنقاء العرق والدم الآري الخالص، فهذە لیست إلا فکرة عنصریة ومخالفة للطبیعة والتفكیر السلیم. الأقوام والأعراق، کما الدیانات، تختلط مع بعضها وتمسح الحدود وتجعلنا بشرا وأناسا قبل أن نكون أعراقا وأقواما. الانتماء إلی عرق أو قومیة معینة ما هو إلا الإحساس بذلك الانتماء. فحين سئل زعیم الكرد، مصطفی البارزاني، مرة: من هو الكردي؟ أجاب: “من أحس بأنە کردي، ومن يعتبر نفسە کردیا فهو کردي”. ینطبق هذا القول علی کل إنسان وکل قومیة وعرق.

حسب موسوعة بريتانيكا البريطانية (Encyclopædia Britannica)، طبعة 1911، فإن الدروز خلیط من قبائل شرق- أوسطیة ولاجئون، أغلبهم عرب، یعودون أصلا إلی قوم من سكنة الجبال، ودم آرامي. من أشهر هذە القبائل: تنوخ ومعن، التي أنجبت أشهر زعیم درزي وهو فخر الدین بن معن. یٶکد الدکتور محمد الصویري أن “المعنيين هم من سلالة معن بن ربيعة الأيوبي الكردي، كان أجدادهم يعيشون في بلاد فارس ثم في الجزيرة الفراتية، ومنها انتقل جدهم معن بن ربيعة الأيوبي الكردي إلى جبل لبنان في القرن السادس عشر الميلادي”، وقد أكد صحة هذا النسب ما ذكره المؤرخ محمد أمين المحبي في كتابه “خلاصة الأثر” بقوله إن بعض أحفاد فخر الدين المعني كانوا يروون عنه أنه كان يقول: ” أصل آبائنا من الأكراد سكنوا هذه البلاد”، وأصبح أحفاد هذا الأمير من أشهر حكام جبل لبنان والشوف خلال سنوات 1516-1697م، وعرفوا بأمراء الدروز.

زعماء الدروز أصلهم كردي

أما أشهر العوائل التي قادت الطائفة الدرزیة في التاریخ عائلة عماد، التي يرجع أصلها إلی مدینة العمادیة الكردیة في جنوب کردستان، وعائلة جنبلاط (جانبولاد باللغة الكردیة وتعني الروح الفولاذیة) التي ترجع أصلها إلی شمال کردستان، وکذلك عائلة أطرش (أو هتروش) الذین ینحدرون أصلا من منطقة أتروش في جنوب کردستان. وهناك عائلة أرسلان، مع أن الاسم فارسیا وترکیا، لكنها تدعي أنها ترجع إلی ملوك الحیرة العرب. بالنسبة للعائلة الجنبلاطیة، أو “آل جنبلاط”، فهي من العائلات المشهورة في لبنان، وهم کرد في الأصل، دروز المذهب، يسكنون اليوم في الشوف بجبل لبنان، وتعد بلدة ” المختارة” قاعدة لهم.

وقد قامت هذه الأسرة بدور سياسي فاعل أيام الدولة العثمانية في شمالي الشام، وفي جبل لبنان، كما أدت دورًا مماثلاً في تاريخ لبنان الحديث. تنتسب هذه الأسرة إلى الأمير “جان بولاد بن قاسم بك بن أحمد بك بن جمال بك بن عرب بك بن مندك الأيوبي الكردي”، المنحدر من عشائر الأيوبيين الكرد، اشتهر بشجاعته وجسارته، مما حببه إلى السلطان سليمان القانوني، الأمر الذي دعا جان بولاد الطلب منه بإعادة ملك أبيه له، فلبى طلبه وأعادت الدولة ملكه بفرمان سلطاني، وهناك سار في خطة حازمة وأسس مقاطعته (حلب وكلس) بكل جدّ وثبات، وصار أمير الأمراء، عاش 90 عامًا، وتوفي سنة 1572م. ويعد الجد الأكبر والمؤسس لأسرة جان بولاد (جنبلاط)، ويذكر في كتاب “الشرفنامة” أنه ترك 70 ولدًا. وشهد التاريخ لهذه الأسرة بدورها الحافل في حلب واستانبول ولبنان، وكان لبعضهم تحالفات مع المعنيين الكرد في جبل لبنان. وقد بدأت أولى سلالتهم في لبنان سنة 1630م عندما نزل جان بولاد بن سعيد، وابنه رباح، لبنان بدعوة من الأمير فخر الدين المعني الثاني لما كان بينهما من ود وصداقة، ورحب به أكابر جبل لبنان ودعوه إلى الإقامة في بلادهم، فأقام في مزرعة الشوف، واعتمد عليه الأمير فخر الدين الثاني في مهمات أموره.

وكلمة جنبلاط أصلها من كلمة (جان بولاد) كردية التي تعني (الروح الفولاذية)، وقد لقبوا بها لشدة بأسهم، وفرط شجاعتهم، وحسن سياستهم، وقد حرفت لتصبح جنبلاط . وقد جاء في المنجد في اللغة والاعلام أن “جنبلاط، أسرة لبنانیة درزیة، کردیة الأصل، تنتسب إلی جنبلاط بن قاسم، حالفت الأمیر فخرالدین الثاني المعني. استوطنت لبنان منذ 1630 وأصبح مشایخها من زعماء الإقطاع في الشوف”.

أما آل العماد (العماديون) فهم أسرة كبيرة معروفة تقيم في جبل لبنان وذات منابت إقطاعية، تعود بنسبها إلى جدهم (عماد)، وهو كردي الأصل قدم من مدينة ( العمادية) القريبة من مدينة الموصل في كردستان العراق، إذ جاء مهاجرًا إلى لبنان وسكن قرية (مرطحون)، ثم ارتحل إلى الباروك، ومنها انتقل أحفاده إلى منطقة الشوف، فاعتنقوا المذهب الدرزي الشائع هناك وأصبحوا من كبار الملاكين، كما اعتنق بعضهم الديانة المسيحية المارونية. ومما يؤيد كرديتهم ما كتبه الدكتور سليم الهيشي بقوله: “يمتون بصلة القربى إلى عماد الدولة الديلمي الكردي الذي حكم منطقة العمادية…”.

کمال جنبلاط يلتقي الزعیم مصطفی البارزاني في العراق
کمال جنبلاط يلتقي الزعیم مصطفی البارزاني في العراق

سمعت وقرأت مرات ومرات مقابلات وتصریحات للشیخ الراحل کمال جنبلاط، والشیخ ولید جنبلاط، وهما شیوخ وسادة وزعماء الطائفة الدرزیة، أن أصلهم کردي، وأن الطائفة الدرزیة کردیة الأصل. یذکر کمال جنبلاط أن العائلة الجنبلاطیة ترجع أصلا إلی شمال سوریا، إذ أسس جدهم الکبیر الأمیر جانبولاد (الإسم الکردي للعائلة) مملکة تشمل حمص وحماە وحلب ودمشق وقسما من ترکیا الأناضولیة وبعد خلافات وعداء مع الدولة العثمانیة ومعارك معها، إضطر الجنبلاطیون إلی الهجرة إلی لبنان ومنطقة الشوف وسکنوا المختارة وأصبحوا سادة الدروز . إذا فکمال جنبلاط، من عائلة کردیة نزلت من شمال کردستان أصلا إلی غرب کردستان وبعدها إلی جبل لبنان والمختارة وقد هاجرت إلی لبنان في العهود الأیوبیة. في سنة 1973 زار کمال جنبلاط العراق وأصر علی زیارة الزعیم مصطفی البارزاني، فالتقی بە في ناوبردان مقر إقامة البارزاني آنذاك.

کما وأن الشیخ ولید جنبلاط زار أربیل، عاصمة إقلیم کردستان العراق، في تموز/ یولیو سنة 2011، والتقی الرئیس مسعود البارزاني. ولید جنبلاط، أکد مرارا أنە وعائلتە الجنبلاطیة هم کرد في الأصل. إذ عندما التقی الأمير تحسین بك جانبولاد، أمیر الإیزدیة، في معبد لالش في کردستان، أکد الاثنان أنهما يتحدّران من عائلة كردية وأصول واحدة. وفي هذا قال جنبلاط: “أزور كردستان العراق للمرة الأولى، ويسرني أن ألتقي بالأمير تحسين بك وألبي دعوته وتربطنا صلة كل على طريقته. نحن الموحدون الدروز لنا تقاليد وأعراف، لكننا نعود في مكان ما إلى الإسلام ونحن مسلمون، ولا يوجد أي فرق بين الأديان عامة، فلكل دين فلسفته، وطبائعه الدينية وشعائر المحبة”.

وأشار إلى أن والدە كمال جنبلاط عندما زار العراق العام 1973: “أصر على أن يزور المرحوم الملا مصطفى البارزاني في كردستان، ونحن نفتخر لكون أصولنا كردية وقد رحلنا في فترة معينة إلى لبنان“. وأضاف “كان والدي يردد كل الوقت أنه من أصول كردية ويبدو أنه حفظ عن ظهر قلب شجرة العائلة الجنبلاطية وأماكن دفن أجداده في بلاد الكرد” . قلَّة تعرف أصل العائلة الجنبلاطية، التي لعبت دورًا سياسيًا فاعلًا في لبنان والمنطقة، قبل تأسيس دولة لبنان الكبير في العام 1920. اعترف العثمانيون بعائلة جانبولاد، وعينوا علي باشا جانبولاد حاكمًا على حلب، حيث بقوا حكامًا، حتى ثار على العثمانيين. فقضوا على ثورته، واعدموه في العام 1511. يؤكد المؤرخون أن علي باشا جانبولاد كان كرديًا سنيًا، واعتنقت العائلة الديانة الدرزية بعد ذلك.

ولید جنبلاط يلتقي بالرئيس مسعود البارزاني في العراق
ولید جنبلاط يلتقي بالرئيس مسعود البارزاني في العراق

الدروز شأنهم شأن کل الأعراق والأقوام في العالم، فهم لیسوا شعبا خالصا ونقیا من عرق وأصل ودم واحد، لأنە لا یوجد في الكون شعب أو عرق أو قومیة صافية. هم ینتمون إلی أصول مختلفة، أما أنهم یعتبرون أنفسهم عربا في الوقت الحاضر، فلا إشكال في ذلك، لأن الانتماءات القومیة والعرقیة، قابلة للتغییر، والقومیة هي إحساس وثقافة قبل أي شيء آخر.

کاتب من کردستان العراق، مقيم في السوید منذ 1981

اقرأوا المزيد: 1667 كلمة
عرض أقل
مروحية الإسعاف في مكان الحادث المأساوي في وادي السيال (وحدة الإسعاف الجوي "عراد", ميخا بن-جيجي)
مروحية الإسعاف في مكان الحادث المأساوي في وادي السيال (وحدة الإسعاف الجوي "عراد", ميخا بن-جيجي)

الموت البطولي للباحث الإسرائيلي في شؤون لبنان

باحث قدير في شؤون السياسة اللبنانية والشيعة يقفز لإنقاذ ابنه من السقوط في الهاوية، فيتلقّى ضربات قاتلة بدلا من ابنه ويموت

توفي الدكتور عمري نير، وهو باحث إسرائيلي قدير في الإسلام الشيعي والسياسة اللبنانية، يوم الجمعة الماضي خلال رحلة في وادي السيال الواقع في برية الخليل، عندما قفز لإنقاذ ابنه البالغ من العمر 11 عاما والذي انزلق وسقط من جرف. وفقا لشهود العيان الذين تجوّلوا معهما، فقد لفّ الدكتور نير ابنه بجسده وأمسك به طوال مدة السقوط، من أجل تلقّي الضربات القاتلة التي أدت إلى موته. أنقِذت جثّة نير بعد عدة ساعات، ونُقل ابنه المصاب إلى المستشفى. ترك نير وراءه زوجة وثلاثة أبناء.

يُعتبر الدكتور نير محلّلا مطلوبا في الإعلام الإسرائيلي في القضايا اللبنانية والشيعية، واقتبسه الإعلام العربي أيضًا، وخصوصا في الإعلام اللبناني. كان محاضرا قديرا في جامعة تل أبيب، الجامعة العبريّة في القدس، جامعة بن غوريون في النقب ومؤسسات أكاديمية أخرى، وألقى دورات في مواضيع لبنان، سوريا الحديثة، القادة والقيادات في العالم العربي والإسلامي، الشيعة في الدول العربيّة والحركات الإرهابية في الإسلام.

الدكتور عمري نير والجرف الذي سقط منه في وادي السيال ((وحدة الإسعاف الجوي "عراد", ميخا بن-جيجي)
الدكتور عمري نير والجرف الذي سقط منه في وادي السيال ((وحدة الإسعاف الجوي “عراد”, ميخا بن-جيجي)

في كتابه “نبيه بري والسياسة اللبنانية” (2011)، ركّز الدكتور نير تحديدا على حركة “أمل” وليس حزب الله كما كان شائعا في أوساط الباحثين في زمنه. لقد جعلته مقالاته، التي درس فيها خصائص الشيعة اللبنانيين كطائفة سياسية، بل والتغييرات في منحنى شعبية تنظيم حزب الله، باحثًا قديرا ومعروفا في البلاد والعالم.

تحدّث البروفيسور إيال زيسر الذي كان مرشد نير في وظيفة الدكتوراة، عن “الاهتمام الحقيقي الذي أظهره نير بأبناء الطائفة الشيعية في لبنان وعن الرغبة والتوق في فهم سرّ سحرهم”.

قال البروفيسور إنّ “عمري لم يمض في الطريق السهل واختار تنظيم حزب الله أو قياداته الكرازماتيين، وعلى رأسهم حسن نصر الله، وإنما تحديدا حركة أمل وقائدها المعتدل والبراغماتي نبيه برّي، الذي يسعى إلى التغيير انطلاقا من الاستمرارية بموجب التقاليد اللبنانية، وليس وراء الثورة المعتمدة من قبل إيران”.

وأضاف أنّ قرار نير في اختيار الشيعة كموضوع لبحوثه “نابع أيضًا من الفضول، والتضامن أيضًا مع من اعتُبر دائما الحلقة الأضعف في السياسة اللبنانية، وقد نجح بخلاف كل الاحتمالات”.

مقال الدكتور نير حول الفراغ السياسي في لبنان نُشر سابقا في موقع “المصدر”.

اقرأوا المزيد: 304 كلمة
عرض أقل
صورة ترويجية لفيلم "محمد رسول الله" الإيراني
صورة ترويجية لفيلم "محمد رسول الله" الإيراني

فيلم “محمد رسول الله” الإيراني ما زال يثير ضجة

حُظِر في السعودية ومصر ولكن يتم عرضه في تركيا وترافقه ترجمه بالتركية. ما زال الفيلم الإيراني عن حياة نبي الإسلام يثير عاصفة

وجهت رئاسة الشؤون الدينية التركية انتقادات لاذعة للفيلم الإيراني المثير للجدل “محمد رسول الله”، الذي يروي السيرة النبوية بمراحلها المختلفة.

وأكدت الرئاسة في بيان نشرته وسائل الإعلام التركية، أن بعض مشاهد الفيلم “بعيدة جداً عن الواقع، وتحوي عناصر خيالية”.

وجاءت هذه الانتقادات بعد أيام قليلة من عرض الفيلم في صالات العرض التركية، بعدما حصل مخرجه الإيراني، مجيد مجيدي، على موافقة السلطات التركية، لعرضه ودبلجته إلى اللغة التركية.

ونفت رئاسة الشؤون الدينية التركية مشاركتها في إنتاج الفيلم، مشيرة في الوقت ذاته إلى أن عدداً من ممثليها التقى مع مخرج الفيلم في مرحلة كتابة السيناريو، وأشاروا إلى الأجزاء الخاطئة في النص.

المخرج الإيراني مجيد مجيدي (AFP)
المخرج الإيراني مجيد مجيدي (AFP)

ما زال الفيلم الأكثر تكلفة الذي تم إطلاقه ذات مرة يثير جدلا بعد العرض الأول له في إيران (كانون الثاني 2015). صحيح أن منتجي فيلم “محمد رسول الله” الذي يتناول حياة النبي، قد حاولوا بذل كل جهدهم لتجنب الجدالات، إلا أن هناك جهات في العالم الإسلامي تطالب بعدم عرض الفيلم.

“نطالب إيران بمنع نشر الفيلم لئلا تنخرط صورة النبي المزيّفة في وعي المسلمين”، هذا ما جاء في التصريح الذي نشرته جامعة الأزهر في القاهرة في عام 2012. ” ندعو كل منتجي الأفلام إلى التعامل باحترام مع الأديان والأنبياء”.

رغم ذلك، أعلنت قطر نيتها عرض فيلم منافس عن حياة النبي، تصل تكلفته إلى مليار دولار، وهو مشروع لم يخرج حيز التنفيذ بعد.

الفيلم الإيراني الذين من المفترض أن يكون الجزء الأول من ثلاثية الأفلام، هو من إخراج المُخرج مجيد مجيدي، واستغرق العمل عليه خمس سنوات وتم تحت غطاء من السرية. يرتكز الفيلم على طفولة النبي محمد، وتكلفته التي تقدر بنحو 30 مليون دولار، تجعله الإنتاج السينمائي الإيراني الأكثر ثمنا للأفلام التي تم إنتاجها حتى الآن.

العرض الترويحي للفيلم الإيراني “محمد رسول الله”:

 

اقرأوا المزيد: 262 كلمة
عرض أقل
طقوس عاشوراء في العراق (AFP)
طقوس عاشوراء في العراق (AFP)

عاشوراء تكشف عن انتشار الفكر الشيعي في غزة

في يوم عاشوراء برزت عبر فيس بوك منشورات لأشخاص من قطاع غزة تحدثوا بلغة الفكر الشيعي عن مقتل الحسين واحياء ذكرى مقتله

16 أكتوبر 2016 | 10:50

صادف الثلاثاء الماضي (10.11.2016) يوم عاشوراء ، الذي يعرف لدى اليهود بأنه عيد الغفران ، ولدى المسلمين اليوم الذي نجا فيه الله نبيه موسى من فرعون ، ولدى الشيعة يوم مقتل الحسين بن علي في معركة كربلاء.

في السنوات الأخيرة صدرت اتهامات من جهاديين في قطاع غزة لحركة حماس أنها تمنح غطاء لمجموعات تتبنى الفكر الشيعي وأن تلك المجموعات تنتشر بشكل أكبر من السابق، حين كانت حالات فردية جداً لتنتقل وتصبح عبارة عن مجموعات ناشطة لها فعاليات وحضور علني.

هذه الاتهامات دفعت جهاديين لمحاولة قتل بعض الأشخاص المعروف عنهم أنهم يقودون الخط الشيعي في غزة منهم أمين عام حركة الصابرين، هشام سالم، الذي تعرض لإصابة طعنا على يد مجهول يعتقد أنه جهادي، ومرةً أخرى تم تفجير عبوة ناسفة أمام منزله دون أن يصاب.

حركة الصابرين تفاخر بعلاقاتها الواضحة مع إيران وتطلق مشاريع تحمل إسم الخميني وهي مشاريع خدماتية تقدم من خلالها دعم مالي للفلسطينيين وتصدر بيانات تؤيد أفعال إيران وحزب الله في المنطقة كالحرب في سوريا والعراق واليمن.

عاشوراء في غزة
عاشوراء في غزة

ولمع مؤخرا اسم محمود جودة رجل دين يحمل الفكر الشيعي ويعمل على نشره في غزة، وظهر قبل أشهر يرتدي العمامة الخمينية وملابس كتلك التي يفضل ارتدائها رجال الدين الإيرانيين ما أثار جدلا في غزة قبل أن يثير جدلا اخرا بعد ظهوره في مقطع فيديو، اعتبره جهاديون أنه طعن في الصحابة، ما دفع حماس لاعتقاله لعدة أسابيع.

في يوم عاشوراء الثلاثاء الماضي ظهر عبر فيس بوك عن انتشار سريع في الفكر الشيعي داخل غزة، وبرزت منشورات لأشخاص من القطاع تحدثوا بلغة الفكر الشيعي عن مقتل الحسين واحياء ذكرى مقتله.

المفاجأة تمثلت في نشر مدير البرامج في اذاعة الأقصى، محمد مشمش عبر صفحته على فيس بوك “عاشوراء هذا يوم أظلمت فيه الدنيا، وبدأت مسيرة انحطاط الامة بتركها وصية الرسول بالتمسك بعترته، وسيقت الامة بأذناب البقر بمقتل سبط رسول الله وسيد شباب أهل الجنة الامام الشهيد الثائر الحسين الرضيّ. سيدي الحسين سلام عليك يوم ولدت ويوم قتلت ويوم تبعث حيا ولعن الله الفاسق يزيد بن معاوية ما أعظم جرمه #الحسين_الشهيد_ الثائر “.

وقد حذف مشمش منشوره بعد يوم واحد من نشره في ظل التفاعل الكبير من نشطاء حماس وغيرهم ضد ما كتبه، وعلق المذيع في إذاعة الأقصى وائل جروان على منشور مشمش قائلا “ليتك كفيت نفسك عن هذا السجال يا عزيزي،، فليس كل من هنا أهلا لمناقشة مثل هذه القضايا،، وقلت سابقا: “ليس من الصواب البوح بكل ما نؤمن به…” ما دفع، عمار حامد، لاعتبار تعليق جروان بأنه “تقية” – وهو مصطلح يطلق على محاولة الشيعة إخفاء حقدهم الباطني تجاه الصحابة وغيرها من المواضيع.

محمد حرب أحد أبرز الأشخاص الذين ينشرون الفكر الشيعي في قطاع غزة ويستغل الفيس بوك لذلك وينشر أفكارهم باستمرار ولا يخفي فكره ويعتبره فخرا له، كتب في يوم عاشوراء “يا يزيد خاب جهدك و أحبط سعيك و انهزم كيدك فها هو ذكر ال محمد قد ملأ ما بين الارض و السماء و ها هي رسالتهم الالهية تمخر عباب التاريخ لتتمدد وتطهر الارض من دنس جنودك المجرمين امثال ابن زياد و عمر بن سعد و شمر و حرملة و خولي و غيرهم من رؤوس الكفر والضلال ، و ها هو الامام الحسين الحي يقود كل المعارك ضد خلفائك المجرمين اعداء الله و الدين من الامريكان و الصهاينة و ال سعود و الدواعش الوهابية وكل من تحالف معهم من الناكصين و القاسطين و الناكثين و المجرمين و النفعيين و الجاهليين”.

يا يزيد خاب جهدك و أحبط سعيك و انهزم كيدك فها هو ذكر ال محمد قد ملأ ما بين الارض و السماء و ها هي رسالتهم الالهية تمخر…

Posted by ‎محمد حرب‎ on Wednesday, 12 October 2016

اقرأوا المزيد: 519 كلمة
عرض أقل
حلب- 5 سنوات على الحرب الأهلية في سوريا (AFP)
حلب- 5 سنوات على الحرب الأهلية في سوريا (AFP)

أزمة الهُوية في المجتمعات العربية

بالرغم من أن اتفاق سايكس ـ بيكو بُني على أنقاض الخلافة العثمانية، إلا أنه لم يلتفت إلى واحدة من أهم أخطاء تلك الخلافة، وهو تجاهل الأقليات العرقية والدينية الموجودة في المنطقة العربية

في ظل الأزمات والصراعات التي تطيح بما باتت تعرف منذ زمن بعيد بالمنطقة العربية من المحيط إلى الخليج، هناك حاجة إلى التفكير المتأني، والتحليل العميق في أسباب ظهور هذه الصراعات والنزاعات ودوافعها. إذ هذه في قسوتها وأحداثها الحربين العالميتين، الأولى والثانية، لاسيما بعد أن امتد تأثير تلك الأحداث إلى قارات أخرى خارج النطاق الإقليمي لها. وفي هذا الإطار الذى يتوافق مع مئوية سايكس ــــ بيكو، يكون السؤال الأبرز هو: لماذا انهارت الدول التي ظهرت نتيجة الاتفاقية؟

قد تتعدد الإجابات وتختلف، لكن، في النهاية، سوف تؤدى إلى نتيجة حتمية لا مفر منها، وهى أن ما يحدث في المنطقة سببه صراع “الهوية”، ذلك الصراع الذى لم تنجح التغيّرات العديدة، والمحاولات المريرة التي مرت على تاريخ المنطقة في تغييره، فمع تغيّر الهوية الدينية واللغوية لشعوب ما بات يعرف اليوم بالعالم العربي، نرى أن الدين الواحد أو اللغة الواحدة لم يفلحا في تحقيق نوع من التوازن والثبات في المنطقة هذه لفترات طويلة تذكر.

فمنذ اللحظات الأولى ظهر قتال ما بين المسلمين وبعضهم البعض على أساس طائفي (سني/شيعي)، اختلط فيه ما هو ديني بما هو سياسي، وحتى ظهور الأنظمة السياسية المختلفة بداية بعصر الخلفاء، مرورًا بالدولة الأموية، والعباسية، والمماليك، انتهاءً بآخِر الخلافات وهي الخلافة العثمانية التي شهدت سقوطا مدويا، بدأ من 1908- 1922. فالسقوط هنا للكيانات الكبيرة المبنية على أساس طائفي لا يكون مرة واحدة أو دفعة واحدة، بل يكون على فترات تطول أو تقصر على حساب الظروف والمسببات.

وبالرغم من أن اتفاق سايكس ــــ بيكو بُني على أنقاض الخلافة العثمانية، إلا أنه لم يلتفت إلى واحدة من أهم أخطاء تلك الخلافة، وهو تجاهل الأقليات العرقية والدينية الموجودة داخل أراضي تلك الخلافة المنهارة، فأخذت كل من القوى الاستعمارية الفرنسية والبريطانية، متمثلة في شخص سايكس ــــ بيكو، بتشكيل دول جديدة غير متجانسة، على أسس غير منصفة.

واستمرار هذه الدول والحدود التي نشأت عن الاتفاق لقرابة 100 عام، لا يعنى أنها كانت دولا ناجحة أو مستقرة، على العكس تمامًا، لأن هذه الدول محكوم عليها بالفشل والانتهاء منذ البداية، ولكن التشكيلات والقوى العالمية التي كانت سائدة في الفترات السابقة هي التي كانت تمنح تلك الدول، ولكى نكون أكثر دقة الأنظمة التي كانت موجودة في هيئة دول، شرعية الاستمرار، نتيجة الحاجة لها كمحاور ومحطات كان يدار من خلالها، وعلى أرضها، وعبر حدودها، صراعات تحديد القوى والنفوذ بين القطبين الكبار إبّان فترة الحرب الباردة.

ولهذا كان يتم التغاضي عن وجود أنظمة ديكتاتورية تضطهد وتبيد الأقليات العرقية والدينية، وتقمع الحريات الشخصية والفردية، فارضة نوعا من العزلة على شعوبها، حتى لا يتأثر بحركة الحرية والتحرر التي بدأت تجتاح المجتمعات الغربية بعد سقوط النازية والفاشية، وفي الوقت الذى كانت فيه أوروبا تعيد بناء نفسها على أسس ليبرالية بمساعدة الولايات المتحدة، كانت أغلب تلك المجتمعات تدخل تحت عباءة الاتحاد السوفيتي الذى كان لا يؤمن بحرية الفرد.

وطوال تلك الفترة، كان هناك على الطرف الآخر التيارات الدينية الراديكالية، تنشط وتنمو في هذه المجتمعات، وتقدم نفسها كتيار بديل عن التجربة السوفيتية أو الغربية الليبرالية العلمانية، التي كان ينظر لكلاهما نظرة ريبة وشك من أتباع هذه التيارات، وبدأت التيارات الدينية الراديكالية تنمو وتجد لها كل يوم مزيدا من الأتباع والمريدين، وبدأت الأنظمة الحاكمة تارة تستخدم العنف ضد تلك التيارات، وتارة تستخدم تلك التيارات لضرب تيارات أخرى.

ووسط كل هذه الحالة من عدم الاستقرار الفعلي لهذه الدول ذات الهياكل الهشة، كان هناك العديد من الفِرق والتيارات الأخرى التي وجدت نفسها داخل دول لا تعرف كيف تكونت، ولا كيف ذهب الحكم فيها لجماعات معينة دون أخرى، لا تجد لها أي فائدة من تلك الدول بصيغتها الحالية، لأن تلك الدول كانت لا تعترف بحقوق أقلياتها العرقية أو الدينية، وصراع السلطة بداخلها دائمًا ما ينحصر بين السلطات العسكرية والتيارات الدينية التي تحتكر الحق الإلهي لنفسها في التعامل مع الآخرين.

ومن هنا أصبحت الخريطة الحالية، بتكويناتها وتركيبتها، لا تخدم مصالح الجميع، ونشأت الصراعات الدامية التي متوقع لها أن تمتد أكثر من ذلك لتشمل كل المنطقة من المحيط إلى الخليج، لأن أسباب قيام تلك الصراعات متوفرة في كل ربوع المنطقة.

وما زال استخدام الدين والبعد الطائفي السلاح الأقوى، فنجد تنظيم الدولة الإسلامية، “داعش”، يمثل القوى السنية، يقابله قوى شيعية متمثلة في المليشيات والقوى الشيعية من حزب الله، وميليشيات الحوثي والحشد الشعبي في مواجهات مستمرة ممتدة من اليمن إلى سوريا والعراق ولبنان والبحرين.

كلاهما يبحث عن التمدد على حساب الآخر، غير عابئين بالمكونات الأخرى للمجتمعات محل الصراع الدائر بينهم، وسط استخدام الدين كهوية للدولة، وفي استمرار مريع لهدم فكرة الدولة والمواطنة واحترام التعددية والهويات المختلفة لمكونات تلك المجتمعات.

وفي النهاية، نجد أن محاولة توحيد مجتمعات ذات أصول ثقافية وتاريخية مختلفة، باستخدام الدين واللغة لإيجاد ما يعرف (بالمجتمعات العربية)، هي فكرة مصيرها الفشل من اللحظة الأولى، إذ نشأ عنها الصراع السني/ الشيعي الذى لم يتوقف حتى الآن، وبناء على ذلك الأساس في كل مآسي هذه المنطقة هو صراع الهوية، ومحاولة ضم مجموعات غير متجانسة داخل حدود دولة واحدة.

اقرأوا المزيد: 742 كلمة
عرض أقل
مؤمنون شيعة في البحرين يجلدون أنفسهم لوفاة الإمام (AFP)
مؤمنون شيعة في البحرين يجلدون أنفسهم لوفاة الإمام (AFP)

السنة والشيعة: النضال من أجل استعادة التعقّل

في العقد الأخير يؤكد فقهاء وسطيون على أن الشيعة هم مذهب شرعي في الدين الإسلامي بل ويجيزون الزواج بين السنة والشيعة

أدت وفاة النبي محمد عام 632 للميلاد والصراع العنيف على خلافة الزعامة إلى تأسيس الطائفة الشيعية في الدين الإسلامي عام 680 للميلاد. حتى بعد مرور مئات السنين استمر فقهاء السنة بإخراج الشيعة من الإسلام بسبب اختلافات في العقيدة الدينية، فالتيار الشيعي لا يعترف بالخلفاء الثلاثة الأوائل ويعتبر الخليفة الرابع، علي بن أبي طالب، ابن عم النبي محمد، خليفه الحصري. بل وأضاف الشيعة مبدأ اعتقاديا ليس واردا في السنة، وهو الولاية، والذي يقضي أنّه يجب على الإمام أن يكون من ذرية علي. هناك لكل جيل إمام خاص به يكون وسيطا بين الله والمؤمنين، ولكن في الجيل الحالي فالإمام غائب.

تسود بين السنة والشيعة علاقات متوترة حتى اليوم. يعتبر الخطاب السني المحافظ الشيعة خونة بل وكفرة، من بين أسباب أخرى، لأن الشيعة يتهمون عائشة، زوجة النبي، بخيانة علي وينسبون إلى الأئمة صفات فوق بشرية ترفعهم إلى مستوى واحد مع النبي. يستند المحافظون إلى فتوى تقليدية للفقيه السني تقي الدين ابن تيمية، الذي عاش في القرن الثالث عشر، والتي قرر فيها أنّ الشيعة أكفر من اليهود، المسيحيين، والوثنيين، وهم أعداء الإسلام تماما كالصليبيين والمغول حينذاك.

مسلمون يصلون صلاة العيد في المسجد الأقصى (Flash90/Muath Al Khatib)
مسلمون يصلون صلاة العيد في المسجد الأقصى (Flash90/Muath Al Khatib)

تؤثر الأسباب غير العقدية في علاقات السنة والشيعة في أيامنا أيضا. جلب صعود الإسلام الشيعي في الثورة الإسلامية في إيران عام 1979 معه سياسة “تصدير الثورة”، والتي هددت مكانة الدول السنية الرئيسية في الشرق الأوسط. دعمت إيران احتجاجات السكان الشيعة في العراق، البحرين، والمملكة العربية السعودية بدعوى حق تقرير المصير والمساواة في الحقوق، وموّلت من أجل ذلك مراكز دينية ومنظمات خيرية.

في المقابل، يدعي فقهاء من التيار “الوسطي” في الإسلام أنّ تعامل الإسلام السني مع الآخرين، بما في ذلك الشيعة، يجب أن يكون مؤسسا على التفاهم المتبادل وعلى السلام. إنهم يخشون إذا تعزز التوتر السني-الشيعي فلن يُحتمل الثمن الذي سيدفعه المسلمون. يعمل الوسطيون على جَسْر الفجوات السياسية والدينية بين التيارين وهناك من يقترح إنشاء إطار موحد، بما يشبه الاتحاد الأوروبي. ويذكرون أيضًا أنّه على مدى التاريخ عاش الشيعة والسنة إلى جانب بعضهما البعض، بل وفي بعض المدن صلّوا معا في نفس المساجد.

يعتمد الكثير من الفقهاء على كلام حسن البنا، الزعيم الروحي للإخوان المسلمين، الذي أكد أنّه فيما عدا البهائيين تحظى جميع الطوائف في الإسلام بمكانة متساوية، وعلى فتوى محمد شلتوت عام 1959 والتي أعلن فيها أنّ الشيعة يعتبرون المذهب الخامس في الإسلام وأنّ فقط من ينكر رسالة النبي فهو كافر.

ويعمل يوسف القرضاوي، الفقيه الوسطي الأبرز اليوم، كثيرا على الوساطة بين مختلف الطوائف في الإسلام. وهو يعتقد أنّه يجب إدانة الآراء المتطرفة ضدّ جميع الطوائف، وفي فتوى نشرها على خلفية العنف في العراق عام 2004 دعا السنة والشيعة إلى البدء بمحادثات الوساطة فورا. ويؤكد القرضاوي على أنّ هناك عامل مشترك بين الطوائف، مثل الإيمان بإله واحد وبرسوله واحترام الواجبات الخمسة في الدين، ويوصي لها باعتماد النموذج الأوروبي (الاتحاد الأوروبي) أو الأمريكي (الفدرالية). وفي فتوى أخرى وُجّهت لكلا الجنسين أجاز القرضاوي الزواج بين الشيعة والسنة، وإن كان قد قضى أنّه من المفضل تجنّب ذلك.

الشيخ يوسف القرضاوي (AFP)
الشيخ يوسف القرضاوي (AFP)

ورغم أن القرضاوي يؤيد العلاقات الجيدة بين الشيعة والسنة (التقريب، تقريب القلوب)، إلا أنه يعارض نشر المذهب الشيعي في أوساط السنة. في فتوى نشرت عام 2010 أكد على أنّ الشيعة هم “مبتدعة”، أي إنهم أضافوا ممارسات غير مقبولة في الإسلام السني، مثل الحج إلى القبور المقدسة لدى الشيعة وإحياء ذكرى الحداد في شهر عاشوراء. ومع ذلك، إذا شنّت الولايات المتحدة حربا على إيران فسيضطر السنة إلى الوقوف بجانب الأخيرة من أجل الدفاع عن بلاد الإسلام. دفعت الحرب الأهلية السورية القرضاوي إلى تغيير رأيه، وفي عام 2013 دعا السوريين السنة ذوي الخبرة العسكرية إلى “النهوض لقتال العلويين والشيعة”. وقد اتّهمه فقهاء وسطيون آخرون بأنّه بذلك يلهب الحرب بين الإخوة أي يثير فتنة.

ورغم أن الصراع بين السنة والشيعة أصبح عنيفا في مناطق معينة في الشرق الأوسط، فإنّ الفقهاء الوسطيين لم يستسلموا. عام 2005، على سبيل المثال، وقّع 170 فقيها، من بينهم سعوديون وهابيون، على “إعلان عمان”، الذي حظي بتأييد كبير في العالم الإسلامي، وقرر أنّ المذاهب الفقهية الثمانية هي جزء من الإسلام، ولا يمكن أن يعتبر التابعون لها كفارا وأن يعتبر دمهم وأموالهم حراما. دعا الإعلان إلى وضع حدّ لكل مظاهر التمييز والعنف بين الطوائف.

بعد عقد من ذلك ادعى رئيس جامعة الأزهر، محمد الطيب، أنّه يجوز للمسلم تبني التشيّع، والذي سماه المذهب الخامس في الإسلام. بل إنّ الطيب لم يعرب عن معارضته للزواج بين كلا التيارين. وقد ذهب إلى أبعد من ذلك عندما أوضح أنّ تقلّبات العصر الذهبي في الإسلام، والتي ولّدت الصراع بين السنة والشيعة وجعلت الخليفين أبو بكر وعمر زعيمَي الأمة الإسلامية، لا تتعلق بمبادئ الإيمان وأسسه.

نشر هذا المقال للمرة الأولى في موقع منتدى التفكير الإقليمي

اقرأوا المزيد: 706 كلمة
عرض أقل
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (AFP)
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (AFP)

لعبة بوتين في الشرق الأوسط

من جهة، لا يتخلّى بوتين عن سوريا، الأسد، وإيران. ومن جهة أخرى، فإنّ المحور السني -السعودي -المصري يعتبر روسيا ضمانا لأمنه. وداخل هذه العلاقات المتشابكة، تقف إسرائيل أمام تحدّ صعب

من الممكن أن نقول بالتأكيد إنّ الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، يقرأ جيّدا الخارطة الجيو-سياسية في الشرق الأوسط. قبل لحظة من تعمّق الحرب في سوريا، وعودتها لتحصد الكثير من الضحايا ولحظة قبل أن تصبح تكلفتها الاقتصادية غير محتملة بالنسبة للروس – يسحب بوتين (ظاهريًّا) قواته من سوريا، وهكذا يخرج وهو “منتصر”. وبهذا يعزّز مكانته في الشرق الأوسط، وفي المقابل يبني جسورا مع العالم السني والشيعي. يخرج من سوريا، جزئيا فحسب، تاركا فيها الإيرانيين والسعوديين يتصارعون فيما بينهم. في نفس الوقت تماما، فإنّ كل من الشيعة والسعوديين أيضًا يعتبرونه ضمانا لأمنهم. رويدا رويدا، وكلما انسحب الأمريكيون، يتضح أنّه ليس هناك أي صراع آخر في الشرق الأوسط يمكن التوصل فيه إلى حل من دون التدخّل الروسي.

بفضل الدمج بين عدة عوامل في الساحة الجيو-سياسية وبفضل صفاته الشخصية، فإنّ بوتين ملزم بتحقيق انتصارات. كان هناك من ادعى أنّه لم يقرأ جيّدا الخارطة القبلية السورية، وتدخّل انطلاقا من الأمل أن يقود نحو تسوية سياسية محكوم عليها بالفشل. ومن جهته، لم ترد مثل هذه النتائج في الحسبان. لن يعترف بوتين أبدا بخطئه: لن يُعلن عن الاعتراف بـ “الخطأ السوري” في وسائل الإعلام الروسية، والتي تستمر في مدحه وعرض انتصاراته في الميدان، مثل تحرير نحو 400 مدينة وبلدة من داعش، وتحرير مدينة تدمر.

رويدا رويدا، وكلما انسحب الأمريكيون، يتضح أنّه ليس هناك أي صراع آخر في الشرق الأوسط يمكن التوصل فيه إلى حل من دون التدخّل الروسي

والآن، عندما يتحدّى الأتراك وقف إطلاق النار الهشّ، ينقل بوتين مركز ثقل العمليات في سوريا إلى أردوغان. فهو يلمح للمجتمع الدولي أنّه “الرجل الطيب” في القصة، ويجعل من أردوغان “الرجل الشرير”. سيستمر أردوغان في مهاجمة الأكراد في شمال سوريا ودعم التنظيمات المتطرّفة في الدولة السورية، وكما سيستمر في الضغط على الروس من خلال دعمه لأذربيجان. أدرك بوتين أنّ وقف إطلاق النار لن يخدم أهدافه، لأنّ من شأنه أن يؤدي إلى تغيير نظام الأسد بطرق سلمية. ولذلك فقد خرج من سوريا، كي لا يُعتبر مسؤولا عن فشل وقف إطلاق النار. على أية حال، إذا “استدعاه” الأسد، فسيسطع نجم بوتين مجدّدا وسيتم تتويجه بطلا. في وسط الجسور الجديدة التي يبنيها في الشرق الأوسط، يمكنه توجيه الصراع السوري من بلاده – ولكن بشكل يخدم مصالحه.

جسور جديدة

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يلتقي بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين (AFP)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يلتقي بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين (AFP)

ليست فقط الجسور المجازية الجديدة هي التي تُبنى في منطقة الشرق الأوسط. أعلن الرئيس المصري عبد الفتّاح السيسي والملك السعودي سلمان في الأسبوع الماضي، بعد لقاء بينهما في القاهرة، أنّهما قد وقّعا على إقامة جسر سيمرّ فوق البحر الأحمر ويصل بين كلا البلدين. تكلفة الصفقة: نحو 4 مليارات دولار. بناء الجسر هو واحد من مشاريع عديدة تبلغ تكلفتها نحو 20 مليار دولار، والتي تم توقيعها بين الزعيمين. رغم أن الحدث لم يحظَ باهتمام كبير في الإعلام الإسرائيلي، يجب أن نعرف أنّ هذه هي خطوة تاريخية: فمن جهة، يشكل هذا وصْلا بين كلا القارّتين، إفريقيا وآسيا، ومن جهة أخرى، ستزيد هذه الخطوة من التعاون الاقتصادي بينهما. إنها أيضًا خطوة سياسية مهمة في طريق إنشاء كتلة سنية، والتي ستقاوم صعود إيران.

بالإضافة إلى بناء الجسور، تتغيّر الحدود أيضًا في الشرق الأوسط. خلال عدة عقود بقي وضع جزيرتي صنافير وتيران غير معرّف. في العدوان الثلاثي عام 1956 وأيضا في حرب الأيام الستة عام 1967، سيطر سلاح البحريّة الإسرائيلي على كلا الجزيرتين. تم تعريف الحدود البحرية بين السعودية ومصر فقط في عام 2010، بعد عدة جولات من المفاوضات. اعترف المصريون بالحدود البحرية الجديدة، في الوقت الذي وعد السعوديون بنزع السلاح من الجزيرتين. ومنذ ذلك الحين، التقى الطرفان عدة مرات من أجل تعريف الحدود البحرية، وفقط قبل عدة أشهر تم التوصل إلى الاتفاقات النهائية المطلوبة لذلك. قرّر أعضاء في اللجنة المشتركة نقل السيطرة إلى السعوديين. للوهلة الأولى، يحاول السعوديون والمصريون تقليل نقاط الاحتكاك بين كلا القوتين، وتعزيز التعاون الاقتصادي. هناك من يدعي أنّ السعودية قد وضعت السيسي ببساطة أمام حقيقة، عندما أعلمته بضمّ جزيرتي صنافير وتيران. بحسب رأيهم، فإنّه لا مناص للرئيس المصري، الذي حصل على أموال من السعوديين وسمح لهم باستثمارات كثيرة في بلاده، ومن ثمّ فقد خضع لهم.

الحرب التي تتطور أمام أعيننا في الشرق الأوسط تتشكل كعلاقات متشابكة بين (1) الكتلة الشيعية برئاسة إيران، (2) الكتلة السنية السعودية-المصرية، وفي رأس الهرم (3) روسيا فحسب

أثار هذا الخضوع استياءً كبيرا في مصر في أوساط دوائر معينة. بقي أن نأمل فقط أنّ السيسي قد عمل حساباته، وأنّ التقرب من السعوديين لن يقوّض الاستقرار في مصر. في صحيفة “إسرائيل اليوم” حلّل السفير الإسرائيلي الأسبق في القاهرة، يتسحاق ليفانون، الواقع الجديد، وأوصى صنّاع القرار في إسرائيل بطلب تصريح علني من السعوديين بإبقاء حرية الملاحة للجميع في الممرّ المائيّ الدولي. ورغم التقارب بين إسرائيل والسعودية والذي بدأ في الآونة الأخيرة من خلف الكواليس، يجب أن نذكر أنّه بالنسبة للسعودية لا تزال إسرائيل دولة عدوّة. ويجب أيضًا أن يؤخذ بالحسبان، أنّه رغم أن وزير الخارجية السعودي عادل الجبير قد صرّح أنّ بلاده ملتزمة بالاتفاقات التي وُقّعت بين مصر وإسرائيل، فإنّ السعودية لم تصرّح بعد رسميا بهذا الالتزام. إنّ الصفقة السعودية-المصرية، على ضوء التقارب بين البلدين وروسيا، تضع أمام إسرائيل سؤالا هاما: كيف ستستمر في إدارة العلاقات الدبلوماسية مع روسيا، والآخذة بالتشكّل كحليف للسعوديين والمصريين من جهة والإيرانيين من جهة أخرى.

إذا كان الأمر كذلك فإنّ الحرب التي تتطور أمام أعيننا في الشرق الأوسط تتشكل كعلاقات متشابكة بين (1) الكتلة الشيعية برئاسة إيران، (2) الكتلة السنية السعودية-المصرية، وفي رأس الهرم (3) روسيا فحسب. من المثير للاهتمام أن نذكر أنّه مقابل هذا الحدث المهم، اتفق الرئيس الروسي بوتين مع الرئيس المصري السيسي على إعادة إقامة الرحلات الجوية المنتظمة بين روسيا ومصر. ولكن هذا هو طرف جبل الجليد فحسب. من المعتاد التأكيد فقط على العلاقة بين روسيا وإيران، ولكن تشهد سلسلة من الأحداث أنّ بوتين في الواقع يعمل في حلبتين في آنٍ واحد.

الوُجهة نحو روسيا

العاهل السعودي الملك سلمان بن عبد العزيز يلتقي بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين (AFP)
العاهل السعودي الملك سلمان بن عبد العزيز يلتقي بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين (AFP)

إنّ مصر، بعد أن اقتنعت نهائيا أنّه ليس لديها ما تبحث عنه في واشنطن، وخصوصا بعد أن اعتذر الرئيس أوباما في الأسبوع الماضي عن “الخطأ في ليبيا”، تستمر في الابتعاد عن الولايات المتحدة وتوثيق العلاقات مع روسيا.

وكان بوتين قد حظي باستقبال ملكي في القاهرة في بداية عام 2015، ومنذ وقت ليس بعيد كان ضيف الشرف في افتتاح قناة السويس الجديدة، وقد وقّع أيضًا على عقد لإقامة منشأة نووية جديدة في مصر. تم توقيع صفقة السلاح، بقيمة 3 مليار دولار، بين الروس ومصر، وبعد أن مُوّلت من قبل الإمارات، فقد ضخّت أموالا كثيرة إلى الاقتصاد الروسي المنهار عقب العقوبات الاقتصادية من قبل الغرب، وذلك إلى جانب أسعار النفط المنخفضة. وقد وقّع الروس والمصريون أيضًا على اتفاقات لتعزيز الصفقات المتبادلة في مجال الغاز الطبيعي، واتُفق أيضًا على بناء منطقة صناعية روسية على طول قناة السويس. وصلت دورة التجارة التي قامت في السنة الماضية بين كلا البلدين إلى 5.5 مليار دولار: أكثر بـ 86% مما كانت في العام 2013. ومع ذلك، فمن الجدير بالذكر أنّه عقب انخفاض الأسعار في الأسواق العالمية والتغيرات في أسعار الصرف، ففي النصف الأول من العام 2015 انخفض التبادل التجاري بنسبة 16%.

على خلفية ابتعاد القاهرة عن واشنطن، يبدو أن السبب الأهم لتلاقي المصالح هو داعش: العدو المكروه الواضح بالنسبة للسيسي وبوتين

وإلى جانب حقيقة أن هناك لكلا الجانبين (روسيا ومصر) مصلحة اقتصادية واضحة في التقرب من بعضهما البعض على خلفية ابتعاد القاهرة عن واشنطن، يبدو أن السبب الأهم لتلاقي المصالح هو داعش: العدو المكروه الواضح بالنسبة للسيسي وبوتين. داعش آخذة بالسيطرة على سيناء، وتتسبب بانعدام الاستقرار في تونس وليبيا المجاورتين. وفي المقابل، بالنسبة للروس، تشكّل داعش خطرا استراتيجيا. إلا أن بوتين، بخلاف الرئيس المصري، يملك القدرة على عرض “فواتير” للتقدّم في الحرب على داعش. يهم الروس أن يسدد المصريون دفعاتهم، بينما الجسر الذي يقرّب بينهم وبين السعوديين يمثّل أخبارا جيّدة بالنسبة للروس. سيكون الاقتصاد المصري، بعد ضخّ الأموال الكثيف من قبل السعوديين، قويّا بما فيه الكفاية لتسديد الدفعات.

ومن الجهة الأخرى من المضائق، يعتبر السعوديون أيضًا روسيا شريكًا استراتيجيا، رغم المشاحنات المتعلقة بالحرب في سوريا. ففي السنة الماضية أعربوا عن اهتمامهم بصواريخ “إسكندر” (‪9K720 Iskander‬)‎ الروسية، رغم أنّ أساس اهتمامهم كان محاولتهم، مرارا وتكرارا، إقناع بوتين بالتوقف عن دعم نظام الأسد. إنّ احتمال ذلك لا يزال ضئيلا، إذا أخذنا بالحسبان حقيقة أن روسيا كانت تدعم دائما وأبدا النظام السوري، بسبب مزيج من الدوافع السياسية والاقتصادية. الطلبيات الصناعية الكيميائية الروسية، الدعم العسكري والأيديولوجي منذ أيام الاتحاد السوفياتي، التصويت لصالح سوريا في الأمم المتحدة، قاعدة إمداد وصيانة لأسطول البحر الأسود الروسي الموجود في طرطوس السورية: هذه كلها مجرّد جزء من قصة الحبّ. منذ العام 2010، أرسلت روسيا إلى سوريا صواريخ “ياخونت (P-800 Oniks)” متطوّرة ضدّ السفن، ومؤخرا أرسلت صواريخ أخرى من النوع المحسّن أكثر: وهو طراز مزوّد برادار يحسّن من كفاءتها بشكل كبير. إنّ قرار روسيا، في الصيف الماضي، بإلغاء الحظر المفروض على بيع صواريخ أرض-جوّ من نوع S-300 إلى إيران، والتدخّل في الحرب الأهلية السورية في أيلول عام 2015، يؤكد إلى حدّ بعيد الالتزام الروسي تجاه النظام السوري في السنوات الأخيرة.‬

لقاء بوتين وبشار الأسد في موسكو (AFP)
لقاء بوتين وبشار الأسد في موسكو (AFP)

وتقريبًا منذ بداية طريق التحالف الدولي ضدّ داعش، وجّهت روسيا انتقادات بخصوص كفاءة القصف الجوي بقيادة السعوديين، في اليمن وسوريا. ازدادت هذه الانتقادات في أعقاب رفض تركيا والسعودية بناء تحالف بديل ضدّ “الدولة الإسلامية”، بقيادة بوتين، وهو تحالف سيشمل الأسد أيضًا. لن يتنازل بوتين عن الأسد في الطريق إلى تسوية ما في الشرق الأوسط. ورغم أن روسيا تعتبر داعش تهديدا حقيقيا على أمنها، وتنظيما غير قانوني: فقد حرص بوتين على أن يخرج من القانون تجنّد مواطنين روس في تنظيمات ذات أهداف “تعارض مصالح الاتحاد الروسي”، وذلك على ضوء قدرة داعش على تقويض نظام بوتين من الداخل، وهذا في ظلّ الوضع في القوقاز، حيث أقسم بعض قادة إمارة القوقاز في الشيشان وداغستان يمين الولاء لزعيم تنظيم “الدولة الإسلامية”، أبو بكر البغدادي.

ورغم الانتصارات النسبية في الحرب ضد داعش، تشعر روسيا بعدم وجود الثقة الكافية بخصوص دعم العالم السني. في أكثر من مرة اتهمت الأتراك والسعوديين بدعم المتطرّفين في الحرب بسوريا. ومن جهته، يحاول العالم السني الاتحاد ضدّ الإيرانيين ويعتبر روسيا ضمانا لأمانه. يدرك بوتين ذلك جيّدا، ونتيجة لذلك فهو يرحب ببناء الجسر بين القارتين – وهو الأمر الذي سيسمح له بإقامة جسور سياسية داخل العالم السني والعالم الشيعي في آنٍ واحد.

نُشرت هذه المقالة للمرة الأولى في موقع ميدا

اقرأوا المزيد: 1552 كلمة
عرض أقل