البقاع اللبناني

حسن نصرالله (AFP)
حسن نصرالله (AFP)

حكاية حسن.. النسخة الإسرائيلية

بالنسبة لإسرائيل صورة حسن نصر الله واحدة: إنه عدو لدود، يرأس منظمة إرهابية، ويتلقى دعما من إيران، وفي حال قرّر مواجهة إسرائيل سيكون الثمن باهظا

أثار الفيديو الوثائقي الذي أعدّته قناة “العربية” عن الأمين العام لحزب الله، حسن نصرالله، بعنوان “حكاية حسن”، ردود فعل كثيرة، جاء معظمها متعجّبا لركاكة الانتاج الذي قدمته القناة المحسوبة على الدول الخليجية، خاصة معالجتها “اللطيفة” لصورة نصرالله. وأيقظ مشروع “العربية”، في الدول العربية، الجدل حول صورة حسن نصرالله ودوره في المنطقة، أهو مدافع عن الأمة الإسلامية وفلسطين؟ أم أنه خادم الإيرانيين ويتلاعب بقضية فلسطين؟ وبالنسبة لإسرائيل، صورة حسن نصر الله واحدة.

إنه عدو لدود، يرأس منظمة إرهابية، ويتلقى دعما من إيران، وفي حال قرّر مواجهة إسرائيل سيكون الثمن باهظا. إليكم بروفايل أعده الموقع عن الأمين العام لحزب الله من قبل.

الأمين العام لحزب الله، حسن نصر الله (AFP)
الأمين العام لحزب الله، حسن نصر الله (AFP)

فتى يرتدي الجبة والعمامة

حسن نصر الله، المولود عام 1960 في حي برج حمود شرقي بيروت، هو الأول بين تسعة أبناء في عائلة شيعية أصلها من جنوب لبنان. ورغم أنّ عائلة نصر الله لم تكن شديدة التمسك بالدين، يُروى أنه منذ سنّ صغيرة، أبدى نصر الله الفتى إلمامًا لا يُضاهى في الكتابات الدينية والفلسفية.

فضلًا عن ذلك، تابع نصر الله الشاب بدقة وسائل الإعلام، مظهرًا اهتمامًا خاصًّا بالتلفاز. وككل الأطفال، أكثر من لعب كرة القدم مع رفاقه. لكن حتى حين كان ولدًا، كان في نصر الله شيء يشير إلى ما ينتظره. فقد روى والده أنه كان منذ طفولته يلفّ نفسه بالجبة، يعتمر عمامة، ويخطب أمام رفاقه كأنه إمام.

اضطُرّت الحرب الأهلية اللبنانية عام 1975 نصر الله الفتى وأسرته إلى الهجرة جنوبًا، حيث تقرّب من موسى الصدر وعقيدته. في وقت لاحق، كانت بلاغة الصدر الجذابة ستميز نصر الله أيضًا، وهو الذي أصبحت حركة أمل بيته السياسي حينذاك.

من لبنان إلى النجف، ثم رجوعًا

بلغ إلمام نصر الله ومواهبه مسامع الإمام الشيعي محمد باقر الصدر، الذي دعا التلميذ النجيب إلى مدينة النجف في العراق، حين كان في السادسة عشرة من عمره فقط. وبعد أن التقيا، عيّن الصدر مرشِدًا لنصر الله، كان لبنانيًّا هو الآخر: عباس الموسوي. ويبدو أنّ أحدًا لم يؤثر في نصر الله قدر ما فعل هذا “المدرّب” الذي رافقه سنوات.

بعد أن ازدادت شدّة تعامُل السلطات العراقية مع الشيعة في أواخر السبعينات (ما أدّى في نهاية المطاف إلى إصدار رجال صدّام حسين أمرًا بإعدام الصدر)، فرّ نصر الله إلى لبنان، هذه المرة كعالِم دين مثقّف. أضحى نصر الله مسؤولًا في حركة أمل، واستقرّ في منطقة بعلبك.

نشوءُ حزبِ الله

أمين عام حزب الله، حسن نصر الله (AFP)
أمين عام حزب الله، حسن نصر الله (AFP)

مع الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982، انقسم الشيعة في لبنان، ما أدّى بعد نحو عامَين إلى تأسيس “حزب الله” بشكل رسميّ. والرجل الذي يُعتبَر مؤسس التنظيم هو علي أكبر محتشمي بور، الذي كان سفيرًا لإيران في دمشق. بمبادرة من محتشمي، جرى تدريب أجيال من المقاتلين الشيعة اللبنانيين بتمويلٍ إيرانيّ.

مزج نصر الله في تلك السنوات بين العمل العسكري ودراسة الدين. في أواسط الثمانينات، خرج من لبنان وقضى فترة قصيرة في مدينة قُم الإيرانية، حيث واظب على الدراسة. لكن نحو نهاية العقد، اشتدّت الحرب بين حركة أمل وحزب الله، فدُعي نصر الله للعودة إلى لبنان ليقود قوّات الحزب. عام 1990، نُصّب نصر الله قائدًا للقوة النظامية في الحزب.

بالتوازي مع تعزيز القوات السورية في لبنان، تعزّزت أيضًا مكانة الموسوي ونصر الله لدى الإيرانيين، وعُيّن الموسوي أمينًا عامًّا لحزب الله. مذّاك، وُجّهت القوة بالأساس ضدّ إسرائيل، وأعلن الموسوي أنّ حزب الله “سيمحو كلّ ذكرٍ لإسرائيل في فلسطين”.

يعِدُ ويفي

عام 1992، اغتالت إسرائيل الموسوي، ولم يكن من دُعي لخلافته في الأمانة العامّة سوى حسن نصر الله. بقيادة نصر الله، تعزّز خطّ النضال الذي لا يقبل التسوية ضدّ إسرائيل، ما عُبّر عنه بتفجيرات خارج حُدود إسرائيل، لا سيّما ضدّ أهداف إسرائيليّة ويهوديّة في الأرجنتين عامَي 1992 و1994، ما أسفر عن مقتل أكثر من مئة شخص.

أمّا اختبار القيادة الأهم لنصر الله فأتى عام 1997، حين أعلنت مجموعة برئاسة الأمين العامّ الأول للحزب، الشيخ صبحي الطفيلي، عن انتفاضة. لكنّ إيران وسوريا دعمتا نصر الله، فجرى تجريد معارضيه، الذين تركّزوا في منطقة بعلبك، من سلاحهم واستسلموا. وتحت قيادة نصر الله، ضاعَف حزب الله قدراته العسكرية.

إحدى العمليات التي منحت نصر الله الكثير من الاعتبار، وآلمت إسرائيل جدًّا كانت عملية أنصارية عام 1997، حين نجح الحزب اللبناني في التقاط المعلومات التي رصدها الجيش الإسرائيلي في لبنان، ونَصْب كمين قُتل فيه 11 جنديًّا من وحدة النخبة “شييطت 13” (وحدة كوماندوس بحريّ). دُعيت العملية في إسرائيل “كارثة الشييطت”. وأُعيدت جثة أحد المقاتلين إلى إسرائيل مقابل جثة نجل نصر الله، الذي قضى في القتال مع إسرائيل.

أمين عام حزب الله، حسن نصر الله مع ابنه البكر هادي الذي قتل في مواجهات مع الجيش الاسرائيلي (AFP)
أمين عام حزب الله، حسن نصر الله مع ابنه البكر هادي الذي قتل في مواجهات مع الجيش الاسرائيلي (AFP)

عام 2000، بعد سنوات من الحرب في المنطقة الحدودية، قرّرت القيادة الإسرائيليّة سحب كافة قوّاتها من لُبنان. بدا نصر الله، الذي خطب من بنت جبيل، منتصرًا واستهزأ بإسرائيل، التي تشبه حسب قوله “بيت العنكبوت”، إذ هي ضعيفة ويمكن زلزلتُها.

بعد أشهر، نجح الحزب في قتل وخطف جثث ثلاثة جنود إسرائيليين، وضابط بارز آخر في الاحتياط، تورّط في صفقة مخدّرات. في كانون الثاني 2004، بعد مفاوضات شاقّة وضغط شعبيّ كبير في إسرائيل، جرى التوقيع على صفقة أعاد حزب الله بموجبها الجثث الثلاث والضابط الحيّ، مقابل 436 أسيرًا، معظمهم فلسطينيّون. أصبحت مكانة نصر الله كمفاوضٍ باسم العالم العربيّ أقوى من أيّ وقتٍ مضى.

التورُّط في 2006

إثر نجاح عملية الخطف عام 2000، حاول حزب الله إعادة الكرّة صيف 2006، قاتلًا وخاطفًا جنديَّين إسرائيليَّين إضافيَّيْن. لم يُحسن نصر الله تقدير ردّ إسرائيل القاسي، إذ هاجمت لبنان بكامل قوّتها الجوية، وسبّبت أضرارًا حادّة للسكّان جميعِهم.

خلال الحرب، عمد نصر الله إلى الاختباء خشية اغتياله من قِبل إسرائيل. مع ذلك، حتّى من ملجئه، واصل نقل رسائل إلى الشعب اللبناني وخوض حرب نفسية مع إسرائيل عبر خطاباتٍ متلفزة.

لكن رغم ما قاله في أيّام الحرب الأولى، فإنّ الضرر على لبنان كان بالغًا. فقد قُتل نحو 300 مدنيّ و700 مقاتِل في حزب الله خلال القتال. كما دُمّر منزل نصر الله نفسه إبّان الحرب، ولاقى انتقادًا حادًّا في لبنان لتسببه بحرب أخرى مع إسرائيل.

منذ 2006، لا يُكثر نصر الله من إطلالاته العلنية، ويبدو مشهده يقف أمام آلاف المناصرين في بنت جبيل بعيدَ المنال. حتى إنه قرّر إبعاد القتال ضد إسرائيل عن الحدود اللبنانية، وقرّر ضرب أهداف إسرائيلية في الخارج. ورغم الضرر الذي نجم عن الحرب، برّ نصر الله بوعدِه، إذ قاد صفقة تبادل مع إسرائيل أدّت إلى تحرير سمير القنطار مع أربعة أسرى آخرين و200 جثّة لمقاتلي حزب الله.

حتّى حين تكلّم نصر الله عن أكثر المواضيع جدية، لم يفُته أن يدمج النكات في كلامه. ويبدو أنّ هذا هو أحد الأمور التي جعلت منه خطيبًا موهوبًا:

خادم سيدين

بعد اندلاع “الربيع العربي”، وُضع حزب الله في وضع لا يُحسَد عليه، ليجد نفسه في الجانب المغاير للرأي العامّ العربي. فمع تصاعُد المعارك في سوريا، دُعي نصر الله إلى خدمة سيّديه، العلوي والإيراني، في الحفاظ على نظام بشار الأسد برعاية إيران. وبدأت إيران، التي درّبت وأنشأت طوال سنوات قوى حزب الله العسكرية لمواجهة إسرائيل، في استخدام خادمها الأمين نصر الله بتجنيده لقتال الثوّار السوريّين.

قرّر نصر الله أن يضع كامل ثقله لضمان نظام الأسد، مضحيًا بحياة العديد من مُقاتِليه. وفي خطاب متلفَز ألقاه هذا العام بمناسبة “عيد المقاومة والتحرير”، ذكرى الانسحاب الإسرائيلي من لبنان، وصف نصر الله صديقه السوري بصفته “العمود الفقريّ للمقاومة”، مؤكّدًا أنّ حزبه لن يسمح بإسقاط حُكم الأسد.

فاقم الوقوف إلى جانب الأسد في القتال في سوريا الغيظ الهائل على نصر الله في العالَم السني. وثمّة مَن استخدَم النكات التي رُوِيَت عنه عام 2006 لتجسيد الكره المتزايد نحوه عام 2013.

http://www.youtube.com/watch?v=LsbveWboPiM&feature=youtu.be

على هذه الخلفية، اضطُرّ نصر الله للمرة الأولى للتعايش مع شائعات عن إصابته بالسرطان ونقله إلى إيران على جناح السرعة لتلقّي العلاج. وقف نصر الله أمام الكاميرات، معلنًا بصوته أنّ ما سُمع عنه لم يكن صحيحًا.

كلّما تطوّر القتال في سوريا، يُكثر المتمرّدون السوريون من إطلاق شائعات عن إصابتهم نصر الله نفسه ونائبه، نعيم قاسم. حتّى بعد الاتّفاق بين إيران والدول الغربية في جنيف، أوضح نصر الله أنّ حزب الله لن يكبح نشاطه، وأنّ إيران وسوريا لم ولن يهجرا حلفهما مع حزب الله.

مؤخرًا، حدث تصعيد إضافي في الصراع بين الشيعة والسنة، إذ أدّى تفجير في السفارة الإيرانية في بيروت إلى مصرع الملحق الثقافي في السّفارة. ويُضاف تفجير السفارة إلى سلسلة من الهجمات على مراكز قوّة حزب الله، مثل إطلاق صواريخ كاتيوشا وتفجير عبوات ناسفة في الضاحية الجنوبية.

وتُعدّ هذه محاولة لإحراز توازُن رُعب لبناني – يبدو فيه واضحًا لحزب الله أنه سيسدّد في الجبهة الداخلية ثمن تدخّله المستمرّ في سوريا. سنعرف مستقبلًا إن كان نصر الله سيُضطرّ إلى دفع ثمن شخصيّ لمشاركته في هذه الحرب.

اقرأوا المزيد: 1264 كلمة
عرض أقل
أزمة مولدات الكهرباء في لبنان (AFP)
أزمة مولدات الكهرباء في لبنان (AFP)

مسدّسات، رشاوى وخطف: هكذا تُدار الأعمال في لبنان

تتم تسوية صراعات تجارية خطيرة في سهل البقاع اللبناني بشكل واحد: الزعماء يستأجرون خدمات مسلّحين من أجل ترتيب الأمور

25 مارس 2015 | 19:03

في مجالات الأعمال الرئيسية في القطاع غير الرسمي، مثل إنتاج الحشيش، الاختطاف لطلب الفدية وتزوير الأموال؛ لا تزال قوة المسدّس مسيطرة في هذا الحوض الزراعي الوحشي، الذي يجاور الحدود السورية، هذا ما تذكره مجلّة الإيكونوميست البريطانية. ولكن لا شيء يوضح ثقافة الأعمال القاسية التي تسيطر عليه، وعلى معظم لبنان، مثل الاشتباكات المسلّحة التي تحدث مؤخرًا بين أصحاب مولّدات كهربائية خاصة وشركة كهرباء محلّية.

ليست هناك في لبنان كهرباء متوفّرة على مدار الساعة يوميّا من قبل الدولة منذ الحرب الأهلية، التي اندلعت عام 1975، واستمرّت 15 عاما، ومهّدت الطريق لصعود نوع من المافيا من أصحاب المولّدات الكهربائية.

أعلن موظّفون في مدينة زحلة، في شهر كانون الأول عام 2014، أنّ المدينة و 18 قرية في البقاع الواقعة على سفوح الجبال المثلجة القريبة ستحصل قريبا على التيار الكهربائي على مدار الساعة من مزوّد الكهرباء. ردّا على ذلك، سدّ أصحاب المولّدات الكهربائية المحلّية – الذين يمسكون بما يعتبر تجارة رابحة جدّا – الشوارع وأحرقوا الإطارات. لقد هدّدوا بخطوات أقسى، فقد خشوا من أن يجدوا أنفسهم دون عمل. ومن ثمّ، في بداية شهر شباط عام 2015، هوجمت وأُتلفت في جوف الليل أربعة محوّلات لشركة الكهرباء Electricité de .Zahlé‎ ‎وحتى يتم إصلاحها، يمكن للعديد من السكان في المنطقة التمتع بمعدل 12 ساعة من الكهرباء من الشبكة فقط، ممّا يضطرّهم إلى الاستمرار في شراء الكهرباء من أصحاب المولّدات الكهربائية.

وقال مراسلو الإيكونوميست في المقال إنّ الصوت الأكثر شيوعا في كلّ ركن في لبنان هو ضجيج المولّدات الكهربائية. في المناطق الأكثر نأيًا في البلاد، يحصل السكان على أقل من أربع ساعات من التيار الكهربائي يوميّا من شبكة الكهرباء القطرية. في بيروت هناك سكان يتعقّبون أوقات قطع الكهرباء اليومي بمساعدة تطبيق في الهواتف الذكية.

لقد سئم المحليّون في قرية زحلة من البلطجية الذين يبالغون في الأسعار مقابل ترك الأضواء مشتعلة. “عندما ينخفض سعر النفط، يجب أيضًا أن تنخفض أسعار التيار الكهربائي من المولّدات، ولكن لا يحدث ذلك”، كما يقول السكان.

واللوم ملقى على الدولة. لم يمرّر البرلمان المنقسم تشريعًا حقيقيّا منذ سنوات، ولم ينجح في اختيار رئيس منذ أيار عام 2014. ويصل الدّيْن القومي الآن إلى 211% من الناتج المحلّي وهو مستمرّ في الصعود، وهناك منظومة راسخة من الأسر الحاكمة تؤكد أنّ حفنة من الأسر تقسّم فيما بينها ثروات لبنان.

يعكس النزاع حول الكهرباء مشكلة تواجهها البلدان التي تتعافى من الحروب الأهلية. أنشأ انهيار الدولة فراغًا، وبقيت العصابات التي ملأته في الحكم حتى بعد انتهاء الحرب. حتى في مناطق العاصمة التي تتمتع بحياة ليلية عصرية، يستخدم مزوّدو خدمات مواقف السيارات الأسلحة أحيانا من أجل الدفاع عن مساحتهم.

اقرأوا المزيد: 392 كلمة
عرض أقل
استعراض عسكري لمقاتلي حزب الله (AFP)
استعراض عسكري لمقاتلي حزب الله (AFP)

مواجهة إسرائيل لحزب الله: بين الحرب السرّية والمعلنة

المنطق الرئيسي للحرب السرية بين حزب الله وإسرائيل هو إبقاء مساحة نفي لكلا الطرفين والسماح للطرف المتضرر بألا يردّ، دون أن يُنظر إليه نظرة "ضعيف" بسبب ذلك

جرت مؤخرًا حادثتان مرتبطتان بأسرة مُغنية. أولهما كانت عملية اغتيال جهاد مُغنية وأعضاء كبار في حزب الله وإيران والتي نُسبت لإسرائيل، وكان من بينهم جنرال إيرانيّ من الحرس الثوري، وقد جرت هذه الحادثة في هضبة الجولان. والأخرى كانت إعلانا في “واشنطن بوست”، بحسبه فإنّ إسرائيل والولايات المتحدة تعاونتا في اغتيال عماد مُغنية، والد جهاد، والذي كان رئيس الجناح العسكري لحزب الله.

يناقش هذا المقال طرق مواجهة إسرائيل لحزب الله، المدعوم من قبل الإيرانيين، ويدرس تأثير اختيار الاستراتيجية الإسرائيلية في مواجهة التحدّي في الساحة الشمالية على ردود حزب الله.

المشيعون يحملون نعش عماد مغنية  (AFP)
المشيعون يحملون نعش عماد مغنية (AFP)

استنادا للتقارير المعلنة، يهدف الهجوم الذي جرى في الجولان إلى الإضرار القاسي بالبنى التحتية للإرهاب، والتي أقامها حزب الله هناك بالتنسيق مع الحرس الثوري، والتي كانت في مراحل متقدّمة من التوطيد. كانت القوة المهاجَمة من منظّمي هذه البنى التحتية. نسبت مصادر أجنبية هذه العملية لإسرائيل، بل وشهد أعضاء الأمم المتحدة بأنّهم رأوا طائرات دون طيار إسرائيلية وهي تحلّق في مكان الحادثة. أدت بعض القذائف التي تمّ إطلاقها ردّا على العملية من الأراضي السورية باتجاه جبل دوف إلى ردّة فعل إسرائيلية ضدّ قوات الجيش السوري، والتي كانت لا تزال في هضبة الجولان. ولكن جاء الرد الأكثر أهمية من قبل حزب الله بعد عدّة أيام من ذلك، وكان عبارة عن إطلاق عدد من الصواريخ المضادة للدبابات. باتجاه قافلة للجيش الإسرائيلي في جبل دوف، على الحدود الإسرائيلية اللبنانية، ونتيجة لذلك قُتل جنديّان إسرائيليّان وجُرح سبعة. ورغم إصابة جنود الجيش الإسرائيلي، اختارت إسرائيل الكبح وأيضا حزب الله نقل رسائل من خلال قوات اليونيفيل، بأنّه يعتبر الحادثة منتهية.

كان اغتيال عماد مُغنية، والذي حدث في 2008، نوعا آخر من العمليات. تمّ تحميل عماد مُغنية مسؤولية عمليات إرهابية بارزة ضدّ الولايات المتحدة في لبنان (ضرب السفارة الأمريكية في بيروت وقتل جنود المارينز، اختطاف طائرات واحتجاز مواطنين كرهائن لفترة طويلة)، وضرب أهداف إسرائيلية ويهودية في الأرجنتين، بالإضافة إلى بناء قوة حزب الله بعد حرب لبنان الثانية. نُشر مؤخرًا أنّه قد تمّ تنفيذ عملية اغتياله بعد تتبّع طويل، بالتعاون بين وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (‏CIA‏) وجهاز الموساد الإسرائيلي. أعلن زعماء حزب الله أكثر من مرة، بأنّ موته سيجرّ ردّ فعل مؤلم ضدّ إسرائيل، ولكن لم يتم تنفيذ هذا التهديد، على ضوء فشل عدة محاولات للإضرار ببعثات وممثّلي إسرائيل في الخارج، باستثناء العملية التي نُفّذت في بورغاس، بلغاريا، عام 2012. إنّ الكشف عن المسؤولية المباشرة لحزب الله عن العملية كما جاء في المحكمة كلّفه إدراج الجناح العسكري للتنظيم في قائمة التنظيمات الإرهابية التابعة للاتحاد الأوروبي.‎ ‎

وتبرز طريقة قتل أسرة مُغنية، الأب والابن، استراتيجيات إسرائيلية مختلفة لمواجهة التنظيمات الإرهابية. كانت الطريقة الأولى، التي استُخدمت في هضبة الجولان، هجوم منفّذ من الجوّ، بشكل علني تقريبا. ويتم تنفيذ هذا الهجوم عندما يتم الكشف عن هجوم حقيقي ضدّ إسرائيل أو عندما ترغب إسرائيل بنقل رسالة للطرف الآخر، حتى لو لم تتحمّل مسؤولية الهجوم. الطريقة الأخرى، هي الإضرار بالبنى التحتية وضرب قادة الإرهاب بشكل سرّي دون ترك بصمات إسرائيلية. يترك العمل السري لإسرائيل وللخصم مساحة نفي، أو يمكّنهما من الامتناع عن الردّ، أو الردّ بشكل محدود، لمنع التصعيد.

جنود حزب الله قرب الحدود الإسرائيلية اللبنانية قرب مدينة متولا الإسرائيلية (AFP)
جنود حزب الله قرب الحدود الإسرائيلية اللبنانية قرب مدينة متولا الإسرائيلية (AFP)

المنطق الرئيسي للحرب السرية بين حزب الله وإسرائيل هو إبقاء مساحة نفي لكلا الطرفين والسماح للطرف المتضرر بألا يردّ، دون أن يُنظر إليه نظرة “ضعيف” بسبب ذلك. في الواقع، لقد استغلّ حزب الله، سوريا بل وإيران في السنوات الماضية مساحة النفي هذه ولم يردّوا بشكل مباشر على عمليات نُفّذت ضدّهم، والتي تمّ نسبها لإسرائيل. وقد شملت تلك الهجمات التي نُفّذت تورط إسرائيل فيها بوضوح، بشكل أساسيّ في الأراضي السورية، لمنع نقل الأسلحة المتطوّرة من سوريا لحزب الله، والتي لم يتم العثور على دليل واضح عن المسؤول عنها. في المقابل، فقد صعّبت عملية القتل المستهدف في هضبة الجولان بشكل “صاخب” على حزب الله استغلال مساحة النفي و “اضطُرّ” إلى الردّ، لاستعادة صورته الرادعة، حتى لو كان معنى الردّ المخاطرة بإشعال المنطقة. لذلك، ردّ حزب الله بطريقة “مشروعة” بالنسبة له ويمكن تفسيرها، لأنّها كانت مشابهة للهجوم الذي نُسب لإسرائيل (“صاروخ مقابل صاروخ”، “جولة مقابل جولة”) وتم تنفيذها في منطقة مريحة نسبيًّا بالنسبة له؛ حيث هناك لديه فيها مطالب إقليمية تجاه إسرائيل. سعى حزب الله من خلال ردّه نقل رسالة، بأنّه سيرد في المستقبل على استهداف إسرائيل له أيضا في الأراضي السورية، بما في ذلك استهداف نقل الأسلحة. لو اختار ردّة فعل متطرّفة أخرى، على سبيل المثال، في الخارج، فقد كان من الممكن أن يخاطر بردّة فعل قاسية بل وبعقوبات ضدّه من قبل المجتمع الدولي، وخصوصا من قبل الدول الأوروبية، والتي خفّضت من تسامحها منذ عملية بورغاس تجاه نشاطه وكل عملية إرهابية في أراضيها.

ومن الجدير ذكره، بأنّه رغم قرار حزب الله وإسرائيل، بحكم الأمر الواقع، إنهاء الصراع العنيف الذي اندلع بينهما في أعقاب الهجوم في الجولان وردّ حزب الله، فلا يمكن أن نحدّد، إذا ما كانت إيران أيضًا، مع أو دون حزب الله، ستردّ في المستقبل من أجل انتزاع ثمن باهظ من إسرائيل، كما هدّد قادة في الحرس الثوري. على أية حال، يبدو، بأنّه في المواجهة مع حزب الله وإيران في الساحة الشمالية من المناسب إعطاء الأولوية، قدر الإمكان، لأسلوب الحرب السرّية ذات أثر منخفض، يسمح بمساحة مناورة ونفي لكلا الطرفين، فتقلّص بذلك من احتمالات التصعيد واندلاع حرب لا يرغب بها كلا الطرفين.

نُشرت هذه المقالة للمرة الأولى في موقع INSS

اقرأوا المزيد: 805 كلمة
عرض أقل
حقول المريجوانا في البقاع اللبناني (AFP)
حقول المريجوانا في البقاع اللبناني (AFP)

تحت غطاء الحرب الأهلية السورية تزدهر صناعة الماريجوانا في لبنان

حزب الله أيضًا يشارك بتهريب الحشيش عن طريق الحدود بين لبنان وإسرائيل. الهدف: تدمير المجتمع الإسرائيلي بواسطة المخدرات

بينما تدور رحى الحرب الأهلية السورية على بعد خمسين كيلومترًا عن منطقة البقاع اللبناني، تُفضل قوات الأمن اللبنانية التركيز بمشاكل أخرى غير المواجهة السنوية التي تخوضها ضدّ مزارعي الحشيش في المنطقة. “إن أرادوا المواجهة، لا مشكلة لدينا، موسم الحصاد صار وشيكًا”، يقول مزارعو الحشيش.

حقول المريجوانا في البقاع اللبناني (AFP)
حقول المريجوانا في البقاع اللبناني (AFP)

تُرسل قوات الأمن اللبنانية في السنوات الأخيرة جرارات، بلدوزورات وعربات مدرّعة لإتلاف تلك المحاصيل، الأمر الذي أدى إلى مواجهات مع المزارعين المسلحين ببنادق هجومية وقذائف RPG. لا يهم كم هي دراماتيكية، استعراضات القوة التي تقوم بها السلطات اللبنانية فقد سُجلت انتصارات جزئية في تلك المنطقة، التي سلطة قوات الأمن التابعة للدولة اللبنانية فيها هي محدودة، وحتى أفراد حزب الله يبتعدون عن مواجهة العائلات المحلية.

وليد جنبلاط، الذي أكد بحزم أنه لم يدخن الماريجوانا يومًا، الشهر الماضي، إنه يدعم زراعة الحشيش لغايات صحيّة، مدعيًّا أن من شأن زراعة الحشيش بشكل قانوني وتحت الإشراف أن تحسّن الأوضاع المعيشية للمناطق الفقيرة في البقاع

منذ العام 2012، تم إهمال عملية مواجهة الحشيش. قام، قبل عامين، مزارعون بسد الطرقات عندما بدأت القوات اللبنانية عملية إحراق الحشيش. تراجعت الحكومة ووعدت وزارة الداخلية أن تفحص إمكانية تعويض المزارعين عن إتلاف محاصيلهم وإيجاد مصدر رزق آخر لهم. إلا أنه، حسب تصريحات المزارعين، تلك الوعود لم تُنفّذ.

خلال العام المنصرم، عندما اجتاح العنف المنتشر في سوريا الأراضي اللبنانية، من خلال التفجيرات وتبادل إطلاق النيران داخل المدن الساحلية وسقوط قذائف بين الحين والآخر على بلدات البقاع، أوقفت السلطات المواجهات التي خاضتها ضدّ المزارعين منذ الحرب الأهلية اللبنانية، التي استمرت بين عامي 1975 و 1990. خلال تلك الحرب، كانت تُنتج منطقة البقاع ما يقارب 1000 طن سنويًا من الحشيش.

نوع الحشيش الذي يزرعه المزارعون اللبنانيون هو نوع نبات قوي، والذي يمكنه أن يصمد في فترة الشتاء الجافة كفصل الشتاء الذي ساد لبنان هذا العام، دون الحاجة للري الكثير والمكلف. تتراوح تكلفة تجهيز دونم حشيش واحد على المزارع اللبناني بين 100 وحتى 150 دولارًا وهذه الكلفة أقل بكثير من كلفة تجهيز دونم لزراعة القمح. في فترة الحصاد، في أواخر الصيف، يمكن أن يكسب المزارع 3000 دولار من كل دونم. “لا خسارة بزراعة الحشيش”، يقول المزارعون المحليّون.

تتراوح تكلفة تجهيز دونم حشيش واحد على المزارع اللبناني بين 100 وحتى 150 دولارًا وهذه الكلفة أقل بكثير من كلفة تجهيز دونم لزراعة القمح

صنّفت الوكالة الأممية التي تُعنى بالقضايا المتعلقة بالمخدرات والجريمة لبنان في عام 2011 على أنها إحدى أكبر 5 دول منتجة للحشيش. عام 2005، عام مربك في تاريخ لبنان، حيث أنهى الجيش السوري 29 عامًا من التواجد في الدولة، وتمت زراعة 64 ألف دونم. عام 2010، على هامش الصراع مع المزارعين، انخفض العدد إلى 11 ألفًا.

أدت الحملة الطويلة والحرب التي لم تُحسم بعد ضدّ زارعي الحشيش، ترافقًتا مع الخطوات التي خطتها مؤخرًا ولايتان من الولايات المتحدة الأمريكية اللتان اختارتا إجازة الماريجوانا قانونيًا، ببعض الشخصيات اللبنانية البارزة للانضمام إلى المزارعين المطالبين بجعل زراعة الحشيش زراعة قانونية.

الشرطة اللبنانية تعرض المخدرات المضبوطة قبل تهريبها الى إسرائيل (AFP)
الشرطة اللبنانية تعرض المخدرات المضبوطة قبل تهريبها الى إسرائيل (AFP)

قال السياسي الدرزي المخضرم وليد جنبلاط، الذي أكد بحزم أنه لم يدخن الماريجوانا يومًا، الشهر الماضي، إنه يدعم زراعة الحشيش لغايات صحيّة، مدعيًّا أن من شأن زراعة الحشيش بشكل قانوني وتحت الإشراف أن تحسّن الأوضاع المعيشية للمناطق الفقيرة في البقاع.

حزب الله والمخدرات

بدأ حزب الله مؤخرًا بإنشاء بنية تحتية خاصة لترويج المخدرات والقيام بأعمال تخريبية في إسرائيل – هذا ما تُصرح به جهات مخابرات هامة في الشرق الأوسط بين الحين والآخر. تُدار مجموعة مهربي المخدرات، التي بدأت العمل على طرفي الحدود اللبنانية – الإسرائيلية، بتعليمات من أعلى المستويات في جهاز العمليات التابع لحزب الله من قبل وحدة خاصة تابع للمنظمة، ويُفترض أن تُستخدم كقناة قتالية “هادئة”.

ثمة ثلاثة أهداف لتلك البنية التحتية: تدمير المجتمع الإسرائيلي بواسطة المخدرات؛ تحقيق أرباح مالية من تهريب الحشيش؛ ووضع بنية تحتية لوجستية واستخباراتية لتنفيذ عمليات تخريبية داخل إسرائيل عندما تقرر قيادة حزب الله ذلك – ولكن ترك بصمة المنظمة عليها.

تهريب المخدرات: قناة قتالية جديدة ضدّ إسرائيل يحاول حزب الله تأسيسها وتطويرها، ولكن دون التورّط حاليًا بصراع فعلي مع إسرائيل

استخدام حزب الله لتجار المخدرات والمخدرات ليس بالأمر الجديد. تقوم المنظمة منذ بدايات التسعينات بجمع المعلومات المتعلقة بأهداف بعمليات تخريبية محتملة في شمال إسرائيل من خلال تجار مخدرات إسرائيليين. الطريقة بسيطة: يتلقى تاجر المخدرات الإسرائيلي عرضًا مغريًا من تاجر مخدرات لبناني ومقابل ذلك يوفر له خرائط وصول لأهداف داخل الأراضي الإسرائيلية. تم جزء كبير من صفقات المعلومات الاستخباراتية مقابل المخدرات من خلال قرية الغجر التي تقطعها الحدود. يعمل عدد كبير من سكان الجزء الشمالي من القرية، الموجود في الجزء اللبناني، على تهريب المخدرات مع ودون علاقة بحزب الله.

في الواقع، نتحدث هنا قناة قتالية جديدة ضدّ إسرائيل يحاول حزب الله تأسيسها وتطويرها، ولكن دون التورّط حاليًا بصراع فعلي مع إسرائيل. تحمل تلك القناة حاليًا طابعًا جنائيًا فقط، إنما من خلال ذلك سيدخلون متفجرات ومعدّات قتالية إلى داخل إسرائيل وعندما يقرر حزب الله – بضوء أخضر من إيران وبتوجيه منها – بالطبع.

حقول المريجوانا في البقاع اللبناني (AFP)
حقول المريجوانا في البقاع اللبناني (AFP)

تسير وتتشكل البنية التحتية الجديدة للمخدرات والإرهاب بتوجيه مباشر من مصطفى بدر الدين، القائد الأعلى للعمليات العسكرية في حزب الله. بدر الدين هو وريث عماد مغنية، الذي كان يُعتبر قائد الأركان في حزب الله وحسب ادعاء المنظمة تم اغتياله من قبل إسرائيل في دمشق في شباط 2008. ألقيَّ إنشاء البنية التحتية وتفعيلها على عاتق الوحدة 1800 التابعة لحزب الله، المسؤولة عن تجنيد أموال وتنفيذ عمليات ضدّ إسرائيليين، ليس فقط في إسرائيل بل أيضًا في دول عربية محاذية لإسرائيل مثل مصر والأردن.

يتعلق أحد التفاصيل الملفتة للاهتمام والمتعلقة بإنشاء هذه الشبكة بمصدر المخدرات التي يحاول حزب الله تصديرها إلى إسرائيل. يتضح أن غالبية الحشيش الجيد يأتي من سوريا.

بعد اندلاع الحرب الأهلية في سوريا، تم قطع أو تشويش طرق تسويق وتهريب المخدرات إلى أوروبا وأماكن أخرى في الشرق الأوسط، إنما زراعته لم تتوقف والمخزون يتكدس في مخازن المزارعين السوريين ولا يجد من يطلبه. إلا أن وجود حزب الله وتورطه بالحرب في سوريا يوفر حلاً ما.

يتمتع مقاتلو الحزب الناشطين في سوريا بإمكانية غير محدودة بالوصول إلى مزارعي الحشيش السوريين ويمكنهم أخذ كمية وفي أي وقت إلى المناطق اللبنانية، وتسويقها من هناك من خلال مسارات تسويق المخدرات اللبنانية التي بات الشيعة في البقاء مختصين بها. إلا أن هذا أدى إلى وجود كمية حشيش زائدة في لبنان والتي قرر حزب الله تحويلها من عبء إلى ثروة استراتيجية واقتصادية. بدل خفض الأسعار – أن يتم بيعها لتجار مخدرات إسرائيليين بأسعار مغرية مقابل المال والتعاون الإرهابي.

اقرأوا المزيد: 966 كلمة
عرض أقل

إصابة عنصرين من حزب الله بانفجار سيارة مفخخة في صبوبة في البقاع

اصيب عنصران من حزب الله فجر اليوم، الثلاثاء، بانفجار سيارة مفخخة يقودها انتحاري على ما يبدو في بلدة صبوبة قرب اللبوة، شمال مدينة بعلبك

17 ديسمبر 2013 | 07:08
أمين عام حزب الله، حسن نصر الله (RAMZI HAIDAR / AFP)
أمين عام حزب الله، حسن نصر الله (RAMZI HAIDAR / AFP)

ساعة امتحان حسن نصر الله

الرجل الذي كان بطل العالَم العربي عام 2000 أضحى في السنوات الأخيرة عدوّ الإسلام السُّني

في 26 أيار، بعد يومٍ من مغادرة آخر جندي إسرائيلي أراضي جنوب لبنان، تسمّرت أعين الشرق الأوسط بأسره نحو بلدة بنت جبيل، المجاورة لحدود إسرائيل الشماليّة. وقف على المنصّة الأمين العامّ لحزب الله، السيّد حسن نصر الله، رجلٌ لم يكُن قد أتمّ الأربعين من عُمره. في السن التي يبدأ فيها السياسيون في العالَم بحجز مكانة مرتفعة لهم، كان نصر الله بطل الأمة الإسلامية:

“اليوم نحن هنا في أرضنا بفضل دماء شهدائنا”، أوضح نصر الله، “بفضل شعبنا، بفضل الصمود والمقاومة. ليس منّة من أحد… ليس منّة من مجلس الأمن الدولي. وليس منّة من الحَكَم غير النـزيه الولايات المتحدة الأميركية، ليس منّة من المفاوضات. وأيضًا بالتأكيد، ليس منّة ولا فضلاً من حكومة باراك، الذي خرج من هذه الأرض لأنه لم يكن أمامه سوى خيار واحد، وهو الخروج من هذه الأرض”.

ظهرت إسرائيل العظمى كمنحنية أمام الميليشيا الشيعية التي يترأسها. كان مصدر فخره ما دعاه “كيفية فرض الانسحاب على العدو”: “أنتم فرضتم عليه التوقيت.. أنتم فرضتم عليه التكتيك.. أنتم فرضتم عليه الكيفية… وأنتم أثبتم، بعد الانسحاب، أنكم شعبٌ لائق بالنصر”. بعد سنوات من الهزائم العسكرية والمفاوضات، أعاد نصر الله للعرب كرامتهم وصورتهم كمقاتلين لإسرائيل.

أمين عام حزب الله، حسن نصر الله يجاطب في قرية بنت جبيل (AFP)
أمين عام حزب الله، حسن نصر الله يجاطب في قرية بنت جبيل (AFP)

فكيف وصل هذا الشاب إلى هذه المكانة المرتفعة، إذ بدا للحظةٍ زعيمًا للأمة الإسلامية بأسرها؟ وكيف تدهور مذّاك حتى اليوم ليصبح إحدى الشخصيات الكريهة والذميمة لدى السنة؟ في السراء والضراء، يدين نصر الله بمكانته إلى الجمهوريّة الإسلامية الإيرانية. فهي التي وضعته على خط المواجهة الشيعية الأول ضدّ إسرائيل، وهي التي جنّدته وقت الحاجة ليشارك في حرب بشار الأسد في سوريا.

فتى يرتدي الجبة والعمامة

حسن نصر الله، المولود عام 1960 في حي برج حمود شرقي بيروت، هو الأول بين تسعة أبناء في عائلة شيعية أصلها من جنوب لبنان. ورغم أنّ عائلة نصر الله لم تكن شديدة التمسك بالدين، يُروى أنه منذ سنّ صغيرة، أبدى نصر الله الفتى إلمامًا لا يُضاهى في الكتابات الدينية والفلسفية.

فضلًا عن ذلك، تابع نصر الله الشاب بدقة وسائل الإعلام، مظهرًا اهتمامًا خاصًّا بالتلفاز. وككل الأطفال، أكثر من لعب كرة القدم مع رفاقه. لكن حتى حين كان ولدًا، كان في نصر الله شيء يشير إلى ما ينتظره. فقد روى والده أنه كان منذ طفولته يلفّ نفسه بالجبة، يعتمر عمامة، ويخطب أمام رفاقه كأنه إمام.

اضطُرّت الحرب الأهلية اللبنانية عام 1975 نصر الله الفتى وأسرته إلى الهجرة جنوبًا، حيث تقرّب من موسى الصدر وعقيدته. في وقت لاحق، كانت بلاغة الصدر الجذابة ستميز نصر الله أيضًا، وهو الذي أصبحت حركة أمل بيته السياسي حينذاك.

من لبنان إلى النجف، ثم رجوعًا

بلغ إلمام نصر الله ومواهبه مسامع الإمام الشيعي محمد باقر الصدر، الذي دعا التلميذ النجيب إلى مدينة النجف في العراق، حين كان في السادسة عشرة من عمره فقط. وبعد أن التقيا، عيّن الصدر مرشِدًا لنصر الله، كان لبنانيًّا هو الآخر: عباس الموسوي. ويبدو أنّ أحدًا لم يؤثر في نصر الله قدر ما فعل هذا “المدرّب” الذي رافقه سنوات.

بعد أن ازدادت شدّة تعامُل السلطات العراقية مع الشيعة في أواخر السبعينات (ما أدّى في نهاية المطاف إلى إصدار رجال صدّام حسين أمرًا بإعدام الصدر)، فرّ نصر الله إلى لبنان، هذه المرة كعالِم دين مثقّف. أضحى نصر الله مسؤولًا في حركة أمل، واستقرّ في منطقة بعلبك.

نشوءُ حزبِ الله

أمين عام حزب الله، حسن نصر الله (AFP)
أمين عام حزب الله، حسن نصر الله (AFP)

مع الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982، انقسم الشيعة في لبنان، ما أدّى بعد نحو عامَين إلى تأسيس “حزب الله” بشكل رسميّ. والرجل الذي يُعتبَر مؤسس التنظيم هو علي أكبر محتشمي بور، الذي كان سفيرًا لإيران في دمشق. بمبادرة من محتشمي، جرى تدريب أجيال من المقاتلين الشيعة اللبنانيين بتمويلٍ إيرانيّ.

مزج نصر الله في تلك السنوات بين العمل العسكري ودراسة الدين. في أواسط الثمانينات، خرج من لبنان وقضى فترة قصيرة في مدينة قُم الإيرانية، حيث واظب على الدراسة. لكن نحو نهاية العقد، اشتدّت الحرب بين حركة أمل وحزب الله، فدُعي نصر الله للعودة إلى لبنان ليقود قوّات الحزب. عام 1990، نُصّب نصر الله قائدًا للقوة النظامية في الحزب.

بالتوازي مع تعزيز القوات السورية في لبنان، تعزّزت أيضًا مكانة الموسوي ونصر الله لدى الإيرانيين، وعُيّن الموسوي أمينًا عامًّا لحزب الله. مذّاك، وُجّهت القوة بالأساس ضدّ إسرائيل، وأعلن الموسوي أنّ حزب الله “سيمحو كلّ ذكرٍ لإسرائيل في فلسطين”.

يعِدُ ويفي

عام 1992، اغتالت إسرائيل الموسوي، ولم يكن من دُعي لخلافته في الأمانة العامّة سوى حسن نصر الله. بقيادة نصر الله، تعزّز خطّ النضال الذي لا يقبل التسوية ضدّ إسرائيل، ما عُبّر عنه بتفجيرات خارج حُدود إسرائيل، لا سيّما ضدّ أهداف إسرائيليّة ويهوديّة في الأرجنتين عامَي 1992 و1994، ما أسفر عن مقتل أكثر من مئة شخص.

أمّا اختبار القيادة الأهم لنصر الله فأتى عام 1997، حين أعلنت مجموعة برئاسة الأمين العامّ الأول للحزب، الشيخ صبحي الطفيلي، عن انتفاضة. لكنّ إيران وسوريا دعمتا نصر الله، فجرى تجريد معارضيه، الذين تركّزوا في منطقة بعلبك، من سلاحهم واستسلموا. وتحت قيادة نصر الله، ضاعَف حزب الله قدراته العسكرية.

إحدى العمليات التي منحت نصر الله الكثير من الاعتبار، وآلمت إسرائيل جدًّا كانت عملية أنصارية عام 1997، حين نجح الحزب اللبناني في التقاط المعلومات التي رصدها الجيش الإسرائيلي في لبنان، ونَصْب كمين قُتل فيه 11 جنديًّا من وحدة النخبة “شييطت 13” (وحدة كوماندوس بحريّ). دُعيت العملية في إسرائيل “كارثة الشييطت”. وأُعيدت جثة أحد المقاتلين إلى إسرائيل مقابل جثة نجل نصر الله، الذي قضى في القتال مع إسرائيل.

أمين عام حزب الله، حسن نصر الله مع ابنه البكر هادي الذي قتل في مواجهات مع الجيش الاسرائيلي (AFP)
أمين عام حزب الله، حسن نصر الله مع ابنه البكر هادي الذي قتل في مواجهات مع الجيش الاسرائيلي (AFP)

عام 2000، بعد سنوات من الحرب في المنطقة الحدودية، قرّرت القيادة الإسرائيليّة سحب كافة قوّاتها من لُبنان. بدا نصر الله، الذي خطب من بنت جبيل، منتصرًا واستهزأ بإسرائيل، التي تشبه حسب قوله “بيت العنكبوت”، إذ هي ضعيفة ويمكن زلزلتُها.

بعد أشهر، نجح الحزب في قتل وخطف جثث ثلاثة جنود إسرائيليين، وضابط بارز آخر في الاحتياط، تورّط في صفقة مخدّرات. في كانون الثاني 2004، بعد مفاوضات شاقّة وضغط شعبيّ كبير في إسرائيل، جرى التوقيع على صفقة أعاد حزب الله بموجبها الجثث الثلاث والضابط الحيّ، مقابل 436 أسيرًا، معظمهم فلسطينيّون. أصبحت مكانة نصر الله كمفاوضٍ باسم العالم العربيّ أقوى من أيّ وقتٍ مضى.

التورُّط في 2006

إثر نجاح عملية الخطف عام 2000، حاول حزب الله إعادة الكرّة صيف 2006، قاتلًا وخاطفًا جنديَّين إسرائيليَّين إضافيَّيْن. لم يُحسن نصر الله تقدير ردّ إسرائيل القاسي، إذ هاجمت لبنان بكامل قوّتها الجوية، وسبّبت أضرارًا حادّة للسكّان جميعِهم.

خلال الحرب، عمد نصر الله إلى الاختباء خشية اغتياله من قِبل إسرائيل. مع ذلك، حتّى من ملجئه، واصل نقل رسائل إلى الشعب اللبناني وخوض حرب نفسية مع إسرائيل عبر خطاباتٍ متلفزة.

لكن رغم ما قاله في أيّام الحرب الأولى، فإنّ الضرر على لبنان كان بالغًا. فقد قُتل نحو 300 مدنيّ و700 مقاتِل في حزب الله خلال القتال. كما دُمّر منزل نصر الله نفسه إبّان الحرب، ولاقى انتقادًا حادًّا في لبنان لتسببه بحرب أخرى مع إسرائيل.

منذ 2006، لا يُكثر نصر الله من إطلالاته العلنية، ويبدو مشهده يقف أمام آلاف المناصرين في بنت جبيل بعيدَ المنال. حتى إنه قرّر إبعاد القتال ضد إسرائيل عن الحدود اللبنانية، وقرّر ضرب أهداف إسرائيلية في الخارج. ورغم الضرر الذي نجم عن الحرب، برّ نصر الله بوعدِه، إذ قاد صفقة تبادل مع إسرائيل أدّت إلى تحرير سمير القنطار مع أربعة أسرى آخرين و200 جثّة لمقاتلي حزب الله.

حتّى حين تكلّم نصر الله عن أكثر المواضيع جدية، لم يفُته أن يدمج النكات في كلامه. ويبدو أنّ هذا هو أحد الأمور التي جعلت منه خطيبًا موهوبًا:

خادم سيدين

بعد اندلاع “الربيع العربي”، وُضع حزب الله في وضع لا يُحسَد عليه، ليجد نفسه في الجانب المغاير للرأي العامّ العربي. فمع تصاعُد المعارك في سوريا، دُعي نصر الله إلى خدمة سيّديه، العلوي والإيراني، في الحفاظ على نظام بشار الأسد برعاية إيران. وبدأت إيران، التي درّبت وأنشأت طوال سنوات قوى حزب الله العسكرية لمواجهة إسرائيل، في استخدام خادمها الأمين نصر الله بتجنيده لقتال الثوّار السوريّين.

قرّر نصر الله أن يضع كامل ثقله لضمان نظام الأسد، مضحيًا بحياة العديد من مُقاتِليه. وفي خطاب متلفَز ألقاه هذا العام بمناسبة “عيد المقاومة والتحرير”، ذكرى الانسحاب الإسرائيلي من لبنان، وصف نصر الله صديقه السوري بصفته “العمود الفقريّ للمقاومة”، مؤكّدًا أنّ حزبه لن يسمح بإسقاط حُكم الأسد.

فاقم الوقوف إلى جانب الأسد في القتال في سوريا الغيظ الهائل على نصر الله في العالَم السني. وثمّة مَن استخدَم النكات التي رُوِيَت عنه عام 2006 لتجسيد الكره المتزايد نحوه عام 2013.

http://www.youtube.com/watch?v=LsbveWboPiM&feature=youtu.be

على هذه الخلفية، اضطُرّ نصر الله للمرة الأولى للتعايش مع شائعات عن إصابته بالسرطان ونقله إلى إيران على جناح السرعة لتلقّي العلاج. وقف نصر الله أمام الكاميرات، معلنًا بصوته أنّ ما سُمع عنه لم يكن صحيحًا.

كلّما تطوّر القتال في سوريا، يُكثر المتمرّدون السوريون من إطلاق شائعات عن إصابتهم نصر الله نفسه ونائبه، نعيم قاسم. حتّى بعد الاتّفاق بين إيران والدول الغربية في جنيف، أوضح نصر الله أنّ حزب الله لن يكبح نشاطه، وأنّ إيران وسوريا لم ولن يهجرا حلفهما مع حزب الله.

مؤخرًا، حدث تصعيد إضافي في الصراع بين الشيعة والسنة، إذ أدّى تفجير في السفارة الإيرانية في بيروت إلى مصرع الملحق الثقافي في السّفارة. ويُضاف تفجير السفارة إلى سلسلة من الهجمات على مراكز قوّة حزب الله، مثل إطلاق صواريخ كاتيوشا وتفجير عبوات ناسفة في الضاحية الجنوبية.

وتُعدّ هذه محاولة لإحراز توازُن رُعب لبناني – يبدو فيه واضحًا لحزب الله أنه سيسدّد في الجبهة الداخلية ثمن تدخّله المستمرّ في سوريا. سنعرف مستقبلًا إن كان نصر الله سيُضطرّ إلى دفع ثمن شخصيّ لمشاركته في هذه الحرب.

اقرأوا المزيد: 1403 كلمة
عرض أقل