الإسلام السياسي

هجمات ال-11 بسبتمبر 2001
هجمات ال-11 بسبتمبر 2001

الإسلام والعنف: البيانات تتحدث عن نفسها

تُظهر الدراسات أنّ الفرق بين المسلمين وغيرهم في قتل الأبرياء لا يتعلق بحجم الأعمال الإجرامية أو تأييدها، وإنما في تفسيرها

فيما يلي بعض البيانات عن المسلمين، الإسلام، والعنف من بعض الاستطلاعات الكبرى والأكثر موثوقية مما تم إجراؤها في السنوات الأخيرة.

بداية، فإنّ الغالبية العظمى من المسلمين يبغضون داعش ويعارضون إيذاء المدنيين. في الواقع، لا يميل المسلمون إلى تأييد العنف ضدّ الأبرياء أكثر من الأمريكي العادي.

ثانيا، كان معظم القتلى أثناء العمليات الإرهابية في الغرب على أيدي أفراد– متطرفين يمينيين، قوميين، مؤيّدين لتفوّق البيض وغيرهم، وليس على أيدي مسلمين.

الغالبية العظمى من المسلمبنيبغضون داعش  ويعارضون  إيذاء المدنيين

ثالثا، ليست هناك علاقة بين مستوى التديّن وبين مستوى تأييد العنف في أوساط المسلمين. يكمن الفرق الرئيسي بين المسلمين الذين يبرّرون العمليات الإرهابية وبين غيرهم في “السياسة، وليس في التديّن”، والقصد من كلمة “السياسة” هو بشكل خاصّ المفاهيم حول ما يفعله الغرب.

معظم منفّذي العمليات المسلمين هم، إذا كان الأمر كذلك، متطرفون سياسيون، “أكثر شدّة في اعتقادهم أنّ السيطرة السياسية، العسكرية، والثقافية الغربية تشكل تهديدا رئيسيا”. وهذا هو السبب الرئيسي الذي يفسّر لماذا يسود في الأراضي المحتلة الفلسطينية وفي أفغانستان الدعم الأكبر (30%-40%) للإضرار بالأبرياء “في حالات معينة”. في الواقع، فإنّ استطلاع العمليّات الانتحاريّة بين عامي 1980 و 2004 يُظهر أنّ جميعها تقريبا كانت ردّا على الاحتلال الأجنبي.

فرنسيون في مواقع الحزن في باريس (AFP)
فرنسيون في مواقع الحزن في باريس (AFP)

وما يتوقعه معظم المسلمين من مواطني الدول الغربية هو “ألا يسعوا إلى تغييرهم، وإنما أن يسعوا إلى تغيير ما يفعلونه”. وتوصلت مجموعة بحثية تابعة للإدارة الأمريكية منذ العام 2004 إلى استنتاج مشابه: “المسلمون لا “يكرهون حريّتنا”، وإنما سياستنا. تُعرب الغالبية الساحقة عن معارضتها لتأييدنا من جهة واحدة لصالح إسرائيل وضدّ الحقوق الفلسطينية، ودعمنا الطويل والمتزايد لِما يعتبره المسلمون كمجموع ديكتاتوريات، مثل مصر، السعودية، الأردن، باكستان ودول الخليج، من جهة أخرى”.

وفقا للباحثين، فإنّ تأييد المسلمين للجهاديين قد قفز بعد الغزو الأمريكي لأفغانستان والعراق. وهذا ما جعل “شبكة هامشية” [القاعدة] تصبح حركة منتشرة في جميع أنحاء العالم من المجموعات المقاتلة”. منذ ذلك الحين، بطبيعة الحال، تعزّز هذا الاستنتاج تعزيزا كبيرا.

إذا درسنا أعمال القتل الجماعي للأبرياء التي ارتُكبت بعد الحرب العالمية الثانية (وإذا لم نأخذ بالحسبان الصين في فترة الزعيم ماو، وهي حالة فريدة قُتل فيها 30-70 مليون إنسان)، فإنّ الدول ذات الغالبية المسيحية مسؤولة عن الغالبية العظمى من قتل الأبرياء.

ليست هناك علاقة  بين مستوى التديّن وبين مستوى تأييد العنف في أوساط المسلمين

كانت الولايات المتحدة مسؤولة عن موت نحو 4 ملايين إنسان في الستينيات والسبعينيات خلال الحرب في فيتنام، وكان معظمهم من الأبرياء، وربما نصف مليون طفل، وبالمجمل نحو 800 ألف شخص، وخلال فرض عقوباتها على العراق في بدايات التسعينيات، وعن موت عشرات وربما مئات الآلاف أثناء غزوها لأفغانستان والعراق، ومئات وربما آلاف في هجمات الطائرات من دون طيار في عهد أوباما.

كانت دول أمريكا اللاتينية بين عامي 1950-1980 مسؤولة عن قتل مئات آلاف البشر (ففي غواتيمالا وحدها، من أجل التوضيح، قُتل نحو 200 ألف من أبناء المايا في بدايات الثمانينيات، بدعم أمريكي وبواسطة أسلحة أمريكية وإسرائيلية). قُتل نحو مليون إنسان في التسعينيات في رواندا، وفي الكونغو قُتل مئات آلاف البشر في العقدين الأخيرين.

الشعب السوري أتعس شعوب العالم (AFP)
الشعب السوري أتعس شعوب العالم (AFP)

يتعلق الفرق بين وجهة نظر المسلمين وبين الآخرين حول قتل الأبرياء، إذا كان الأمر كذلك،، ليس بحجم أعمال القتل أو تأييدها، وإنما بكونه جزءا كبيرا من الإرهاب الذي ينفّذه مسلمون باسم الدين، في حين أنه لدى الآخرين فإنّ الأيديولوجية التي تبرّر القتل هي القومية، الشيوعية، الديمقراطية-الليبرالية وما شابه ذلك (وفي أحيان كثيرة كتغطية للصراع على الموارد الاقتصادية).

يعود سبب ذلك إلى أن الدين بقي مكون هوية رئيسيا بالنسبة لمعظم المسلمين، بخلاف الغرب على سبيل المثال، ويميل الناس إلى ربط مثل هذه الأفعال بهويّتهم. هناك أسباب كثيرة تتعلق بمركزية الدين بالنسبة للمسلمين (وهم ليسوا الوحيدين في هذا الشأن)، والتي ليست لدي الإمكانية ولا العلم الكافي لنقاشها. ومع ذلك، هناك ملاحظتان في هذا الشأن.

معظم المسلمين  لا يرى توترا جوهريا بين تمسّكهم بالدين وبين الحياة في المجتمع الحديث. معظمهم كذلك، بالمناسبة، يفضل الديمقراطية ولا يجد تناقضا بينها وبين الإسلام

بداية، يجب توخي الحذر من مثل هذه الرؤى التي ترى وكأن مركزية الدين تعني أن غالبية المسلمين يعارضون العالم الحديث. يشكل الدين في نظر معظم المسلمين، وكذلك في نظر معظم اليهود أو المسيحيين المتدينين، طريقة داخل العالم الحديث، وليس تعبيرا عن معارضته. في الواقع فإنّ معظم المسلمين لا يرى توترا جوهريا بين تمسّكهم بالدين وبين الحياة في المجتمع الحديث. معظمهم كذلك، بالمناسبة، يفضل الديمقراطية ولا يجد تناقضا بينها وبين الإسلام.‎ لا يختلف ‎الكثير جدا منهم رغم أنهم يميلون إلى القيم المناهضة لليبرالية، وخصوصا في مجال العلاقات بين الجنسين، عن مجموعات دينية مسيحية ويهودية، وكذلك عن مجموعات في دول مثل روسيا والصين.

ثانيا، وحصريا بخصوص صعود الإسلام السياسي في الشرق الأوسط، ثمة علاقة مباشرة إسرائيلية بذلك. حطّمت حرب الأيام الستة القومية العربية، العلمانية في أساسها، والتي تشكّلت في شخصية الرئيس المصري عبد الناصر. توجّه الكثير من المسلمين في الشرق الأوسط إلى الإسلام السياسي كبديل. في المقابل مثّل الاحتلال في نظر المسلمين انعدام العدالة في علاقة الغرب معهم. ثمة أسباب أخرى كثيرة لصعود الإسلام السياسي بدءًا من السبعينيات – أموال النفط من المملكة العربية السعودية والتي ترعى نسخة متطرفة من الإسلام، والثورة الإيرانية عام 1979 وغيرها. ولكن لا يمكن لهذه الأسباب أن تلغي الآثار الإقليمية للسياسات الإسرائيلية في الأراضي.

نُشرت هذه المقالة للمرة الأولى في موقع منتدى التفكير الإقليمي

اقرأوا المزيد: 784 كلمة
عرض أقل
الإحواني، الرئيس المخلوع محمد مرسي خلف القضبان (AFP)
الإحواني، الرئيس المخلوع محمد مرسي خلف القضبان (AFP)

الإخوان المسلمون الجدد: الدولة هي الحل؟

تفكُك الدولة في سوريا، السودان، اليمن، وليبيا يخرج الريح من أشرعة حركة الإخوان المسلمين ويدفعها إلى التجمع داخل حدود الدولة وإظهار المسؤولية

في الآونة الأخيرة يظهر الإسلام السياسي علامات الانزعاج الذاتي. هكذا تسير الأمور في حركة النهضة في تونس، وفي حركة الإخوان المسلمين في مصر والأردن. تبنّت حركة النهضة في مؤتمرها قبل نحو شهر، بعد تردد كبير، اقتراح زعيمها، راشد الغنوشي، وهو قبول مبدأ الفصل بين الدين والدولة. منذ ذلك الحين يدعي زعماء الحركات الإسلامية في دول مجاورة أنّ هذا الفصل قد يحدث في أقاليمهم أيضا.

فازت حركة النهضة في الانتخابات الأولى في تونس بعد الإطاحة بالرئيس بن علي. ورغم أنها دعت أحزابا علمانية للدخول في الحكومة برئاستها، فقد طمحت إلى وضع حدّ للعلمانية في تونس. عرّضَت حكومة الغنوشي نفسها أمام الكثير من النقاد في أعقاب الكشف عن الإكراه الديني، العنف وطغيان الغالبية، بل وحتى اغتيال خلايا إسلامية لزعماء سياسيين يساريين وعلمانيين. فشلت الحكومة في تهدئة الأوضاع وتعزيز الاستقرار، وبالطبع في تنفيذ الكثير من وعودها للمواطنين المتمرّدين.

زعيم حركة النهضة التونسية راشد الغنوشي (AFP)
زعيم حركة النهضة التونسية راشد الغنوشي (AFP)

جاء قرار الحركة حول فصل الدين عن الدولة بعد خسارتها في الانتخابات العامة قبل نحو عام ونصف.‎ تتميز الحكومة الجديدة في تونس في التوجه العلماني والخطاب المؤيد للفصل التام بين الدين والدولة، كما يليق بـ “دولة متحضرة” – هذا هو حال الائتلاف والأحزاب الجديدة والصغيرة التي تصارع الرموز الدينية التي أورثها حكم النهضة قصير الأمد.

فرضت تونس، ذات التاريخ العلماني، وشريحة سكان المدن القوية والطبقة الوسطى الواسعة والثرية، على حركة النهضة أن تتغير وتلائم نفسها مع الواقع الجديد. وقد رفض الشعب التونسيّ، المنظّم في أحزاب وحركات فكرية متنوعة، قبول حركة تسعى إلى إعادة التاريخ إلى الوراء وتطبيق الشريعة، حتى ولو بصيغة منفتحة ومتطورة. أعرب المواطنون عن معارضتهم العنيدة وربطوا بين الإكراه والخطاب الديني الإسلامي وبين المركزية، الفساد والقمع وكل ما سبق ثورة 2011. والآن أصبحت حركة النهضة حزبا كسائر الأحزاب. وعليها أن تقنع المواطنين ليس بقوة الله وعطفه ولا بقدرة الإسلام أن هو الحل، وإنما بقدرتها الذاتية، كلاعب سياسي يخضع للرقابة، قادر على إحداث تغيير حقيقي يلبي حاجة المواطن التونسي الماسّة.

لم تكشف جميع حركات الإسلام السياسي في المنطقة عن عدم وجود علاقة بين الله وبين الإدارة السليمة للاقتصاد والدولة. أصبحت حركة الإخوان المسلمين في الأردن، في هذه الأيام، في قلب العاصفة وهي على شفا الانقسام إلى ثلاث حركات منفصلة. والآن تُمارس ضغوط كبيرة عليها، من الداخل والخارج، لتتماشى مع دستور النظام الهاشمي، وتعمل كحركة وطنية أردنية وأن تقطع علاقتها مع حركات الإخوان المسلمين في المنطقة، ولا سيما مع حماس. تعكس مبادرة “زمزم” ومبادرة “الشراكة والإنقاذ”، والتي يدعي البعض أن النظام الهاشمي يقف خلفهما، أيضا الضغط الداخلي الذي تُمارسه جهات ذات مناصب متوسطة ورفيعة في الحركة للاندماج في السياسة الأردنية اندماجا كاملا. تتجه الحركة نحو الحسم، ووفقا لأحد التفسيرات فستنقسم إلى ثلاث مجموعات: مجموعتان ذواتا سكان تعود جذورهم إلى عبر الأردن، والذين يقبلون قواعد اللعبة التي حدّدها النظام، والمجموعة الثالثة، المرتبطة بحركة حماس الفلسطينية، ستبقى وفية لمبدأ “الإسلام هو الحل”.

مظاهرات جماعة الإخوان في الأردن (AFP)
مظاهرات جماعة الإخوان في الأردن (AFP)

وهناك جدل صاخب أيضًا داخل الحركة الأم للإخوان المسلمين في مصر. وقد أثارت الضغوط الداخلية والخارجية توترا علنيا وكبيرا بين الدوائر التي تحاول تحويلها إلى حركة سياسية تخضع لقوانين الدولة، وبين دوائر وفية للنهج المحافظ والمتشدّد الذي ينادي بتحويل مصر إلى دولة شريعة، كخطوة أولى في الطريق نحو إقامة الخلافة الإسلامية في المنطقة. ومن الواضح أنّه لا ينبغي فصل هذه الضغوط عن حملات الملاحقة وقمع نظام السيسي لحركة الإخوان المسلمين.

أثار السعي نحو سياسة الاستبداد في مصر في سنة حكم الرئيس مرسي مجددا الشعب المصري والنخب الخائفة وأخرج نحو 25 مليون شخص للاحتجاجات في الشارع. إنّ الشعور بالخطر والذي شعر به الأردنيون على ضوء “مناورات” الإخوان المسلمين في المملكة في الأشهر الأولى من الربيع العربي شوّش قدرتها على العمل في المجال السياسي ومع السلطات. ولكن الفظائع التي ضربت المنطقة تركت أيضًا طابعها على هذه الحركة الشرق أوسطية، بعد أن أصبحت بعد الربيع العربيّ وبفضله لاعبا رئيسيا في المنطقة.

للوهلة الأولى، كان يبدو أنّ الإخوان المسلمين يلمسون النقطة الأكثر حساسية في التاريخ العربي. إن تفكُك الدولة في سوريا، السودان، اليمن وليبيا أخرج الريح من أشرعة حركة الإخوان المسلمين ودفعها إلى التجمع داخل حدود الدولة وإظهار المسؤولية. وقد خرج بقية اللاعبين أيضًا، بطبيعة الحال، للدفاع عن مصالحهم على ضوء الفظائع، مع الحرص على إطار الدولة كأساس للسياسة، مما يعارض، على الأقل، أيديولوجيا، نهج الإخوان المسلمين. أثار الظهور التهديدي للإسلام المتطرف العنيف في المنطقة في حركات الإخوان المسلمين أيضًا الحاجة إلى تمييز نفسها عنه من خلال الحوار واستعدادات مختلفة.

يعتقد خبراء عرب يتابعون الإسلام السياسي في الشرق الأوسط أنّ التغييرات في حركة الإخوان المسلمين في المنطقة قد تدلّ على تغييرات عميقة في تطوّرها. ولكن يُمكن اعتبار هذه التغييرات على أنها براغماتية ومطلوبة على ضوء التجربة العملية لتنظيمات الإخوان المسلمين في دول المنطقة. فإنّ اختبار التنظيمات السياسية ليس بكتاباتها وأفكارها وإنما بأفعالها واسقطاتها. يتضح أيضًا أن الحركة الجماهيرية التي تدعي العلاقة مع الله تتصرف كآخر التنظيمات السياسية على الأرض: بداية بالتجربة والخطأ، وأيضا سقوطها وتغييراتها بالتجربة والخطأ.

نُشرت هذه المقالة للمرة الأولى في موقع منتدى التفكير الإقليمي

اقرأوا المزيد: 749 كلمة
عرض أقل
فوضى الفتاوى: مجموعة غريبة جدا من الفتاوى (Flash90/Wissam Nassar)
فوضى الفتاوى: مجموعة غريبة جدا من الفتاوى (Flash90/Wissam Nassar)

فوضى الفتاوى: مجموعة غريبة جدا من الفتاوى

يُحظر السفر للمريخ، يُحظر على النساء المسلمات في أوروبا شراء الموز أو الخيار في الأسواق، الرجل الجائع جدا يمكنه أن يأكل زوجته: هذا جزء صغير من الفتاوى الغريبة تماما

تهدف الفتاوى في الإسلام إلى تنظيم الحياة اليومية لدى المسلمين وتقرير معايير إدارة الحياة الطبيعية، في ظلّ العناية الإلهية العليا: لتنظيم معاملة النساء، تعزيز علاقات الجوار، تعزيز العلاقات التجارية، بناء مجتمعات إسلامية داعمة والإجابة عن أسئلة كثيرة في مجال الحياة المعاصرة، والتي لم يعايشها النبي محمد (صلعم) نفسه في عهده.

يُعرف المشايخ السعوديون والمشايخ المصريون بإعطاء فتاوى مثيرة للإعجاب، وقد اعتادوا خلال عشرات السنين على اختبار مختلف الفتاوى وتقرير القوانين استنادا إلى تعاليم القرآن والسنة وهكذا يضعون أطرا دستورية لإدارة الحياة الإسلامية السليمة.

ولكن في السنوات الأخيرة بدأت تكثر القنوات التلفزيونية الدينية المختلفة ويظهر الكثير من المشايخ على البثّ ويسمحون لأنفسهم بإعطاء الفتاوى الغريبة للمؤمنين وبناء على رأيهم الخاص، دون أن يأخذوا بالحسبان آراء كبار الفقهاء ودور الفتوى الكبرى، المخوّلة بإصدار الأحكام والفتاوى باسم الإسلام.

أدّى الربيع العربيّ والهزّة السياسية والعسكرية في المنطقة إلى زيادة تطرّف الأمر، وبدأ معلّمو الدين المنتمون للتيار السلفي أو تيارات الإسلام التكفيري بإقرار أحكام وفتاوى غريبة لا يقبلها العقل السليم والرشيد.

تجولت هيئة تحرير “المصدر” في الإنترنت قليلا وحاولت أن تجمع وتفهم ما هي الفتاوى الأكثر غرابة والتي أصدرها رجال دين وكيف كان رد فعل الكثير من المسلمين على ذلك في أنحاء الشبكة.

الرجل الجائع يمكنه أن يأكل زوجته

الشيخ عبدالعزيز بن عبدالله آل الشيخ
الشيخ عبدالعزيز بن عبدالله آل الشيخ

تعرف المملكة العربية السعودية كدولة وضع المرأة فيها متدنٍّ بشكل خاصّ، ولكن حتى هناك كان هناك من رفع حاجبه إزاء فتوى مروعة: أفتى الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بأنّه إذا كان الرجل جائعا بشكل متطرف، فمن المسموح له أن يأكل زوجته أو أجزاء من جثّتها.

ونشير إلى أنّه على الرغم من ذلك، فلا تظهر الفتوى في الموقع الرسمي للمفتي – وتنفي السلطات الدينية في السعودية هذه الفتوى لابن عبد الله، المعروف كرجل دين متطرّف.

وقد أثارت هذه الفتوى المتطرّفة ضجة في مواقع التواصل الاجتماعي وردود فعل غاضبة من قبل نشطاء حقوق الإنسان في جميع أنحاء العالم، القلقين من التعامل غير الملائم على أية حال، والذي تعاني منه المرأة في السعودية.

يُحظر السفر إلى المريخ

المريخ (Wikipedia)
المريخ (Wikipedia)

نشرت منظمة إسلامية في الإمارات العربية المتحدة فتوى بحسبها يُحظر على المسلمين العيش على كوكب المريخ. نُشرت الفتوى في أعقاب بيان منظمة “المرّيخ 1″، والتي أعلنت في شباط عام 2014 عن نيّتها بمحاولة بناء مستعمرة للإنسان على سطح هذا الكوكب السيار حتى عام 2025.

وأفتت منظمة “هيئة الشؤون الإسلامية والعمل الخيري” في الإمارات العربية المتحدة أنّ محاولة توطين البشر على كوكب المريخ خطرة وموازية للانتحار، وهو أمر محرّم في الإسلام.

خدمات جنسية مقابل الجنة

https://www.youtube.com/watch?v=X528N_IgYyk

في الوقت الذي تستمر فيه الحرب بسوريا ولا تكف الفظائع عن إغراق الإنترنت، تشجّع البلدان العربية عناصر الجهاد على التوجه إلى سوريا المشتعلة ودعم جهود قتال النظام.

فتوى مثيرة للجدل أصدرها الشيخ السعودي محمد العريفي في بداية شهر حزيران عام 2013، قال فيها إنّ النساء اللواتي يرغبن بدعم الثوار في سوريا، ستكون هناك حاجة لتوفيرهنّ لحاجيات المجاهدين الجنسية خلال الاستراحات من المعارك. والقيد الوحيد في الفتوى هو أنّه فقط الفتاة التي اجتازت سنّ الرابعة عشرة يمكنها ممارسة الجنس مع الرجال السوريين.

وتكشف مقاطع الفيديو المنتشرة في مواقع التواصل الاجتماعي أنّ معظم النساء اللواتي يأتين للأراضي السورية هنّ صغيرات ومن أصل تونسي، لم يكمل جزء منهن بعد بلوغه الجنسي. وتظهر الشهادات القادمة من الفتيات اللواتي بيعت أجسادهنّ لعناصر الجهاد السوريين قصص اغتصاب قاسية، اعتداءات جنسية ضدّ القاصرات وصناعة عالمية لرجال يرسلون نساءهنّ وبناتهنّ إلى سوريا لأنّ الشيخ وعدهنّ بالجنة مقابل الخدمات الجنسية التي سيمنحنها للعناصر في سوريا.

الموز الجنسي

موز (Thinkstock)
موز (Thinkstock)

فتوى مشمولة في قائمة الفتاوى الغريبة وهي التي نشرها واعظ أوروبي، حظر على النساء والفتيات المسّ ببعض أنواع الخضار والفواكه، مثل الموز والخيار. وقد حذّر بأنّ الأمر قد يثير فيهنّ أفكارا جنسية ويؤدي إلى إغرائهنّ بالأعمال المحرّمة.

السمبوسك الكافر

سمبوسة (Wikipedia)
سمبوسة (Wikipedia)

وأصدرت “حركة المجاهدين الشباب” في الصومال خلال شهر رمضان عام 2011 فتوى حظرت تناول السمبوسك. وأوضح رجال الحركة بأنّ هذا الطعام مكون من “أضلاع مسيحية”، على غرار الثالوث المسيحي.

يجوز للزوج “معاشرة” زوجته التي توفيت للتوّ

في المغرب وخلال عام 2011 أثار رئيس الجمعية المغربية للدراسات، الشيخ عبد الباري الزمزمي، جدلا واسعا عندما نشر فتوى تسمح للزوج بمعاشرة زوجته التي توفيتْ للتوّ. وقد جاءت فتواه هذه بعد أنّ أصدر سلسلة من الفتاوى المتعلّقة بالأمور الجنسية.

يحظر معايدة المسيحيين في أعيادهم

مظاهرة للأقباط في مصر (AFP)
مظاهرة للأقباط في مصر (AFP)

وبمناسبة عيد الفصح الذي أحياه الأقباط المصريون في شهر أيار عام 2013، نشرت شخصية كبيرة في حركة الإخوان المسلمين وشخصيات كبيرة في تيارات سلفية في مصر فتاوى تحظر على المسلمين تهنئة المسيحيين في أعيادهم الدينية. ومن الجدير ذكره أن هذه الفتاوى تناقض منهج زعماء حركة الإخوان المسلمين الذين اعتادوا في الماضي على إرسال رسائل تهنئة للبطريرك ولشخصيات قبطية في أعيادهم، بما في ذلك عيد الفصح، وإرسال ممثّليهم من أجل التهنئة في الكنائس.

فتاوى غريبة من داعش

داعش تنسحب، ويمكن التدخين (لقطة شاشة)
داعش تنسحب، ويمكن التدخين (لقطة شاشة)

من أجل العيش في إطار الدولة الإسلامية، التنظيم الإرهابي الأكثر إجراما في العالم، تنشر الدولة الإسلامية من حين لآخر فتاوى لمقاتليها ورعاياها في إطار حدود الأراضي التي احتلتها في سوريا والعراق.

وتهدف هذه التعليمات بطبيعة الحال إلى توجيه عناصر الجهاد إلى الحياة الصحيحة. فيما يلي مجموعة صغيرة من هذه الفتاوى والتعليمات:

يُحظر على النساء ارتداء الجينز (Jeans)

تُحظر الحلاقة بالطريقة “الغربية”

يُحظر على النساء الجلوس على المقاعد في الأماكن العامة

يُسمح بلعب كرة قدم الطاولة فقط إذا كانت رؤوس اللاعبين البلاستيكية مقطوعة

يُحظر استخدام العطور

يُحظر على الرجال ارتداء السراويل ذات القصة المنخفضة (مع بروز الملابس الداخلية)

يُحظر على الرجال ارتداء السراويل الضيّقة

يتمّ ارتداء الساعة باليد اليمنى فقط

وهلمّ جرّا

فتوى تبيح اللواط بغية الجهاد

ونترك الفتوى الأخيرة في قائمتنا للفتوى الغريبة التالية:

عام ‏2012‏ تناولت المواقع الإخبارية تسجيل فيديو منتشر على موقع “يوتيوب”، يظهر فيه إعلامي من قناة “فدك” وهو يتحدث عن فتوى أصدرها أمير إحدى جماعات المجاهدين المسلمين، يحث بها مجاهد شاب على ان يسمح بأن يُلاط به في إطار التدريب من قِبل أحد زملائه المجاهدين، كي يتسنى له ان يحشو مؤخرته بالمتفجرات للقيام بالعمليات الانتحارية‏‎.‎‏

ويبدأ التسجيل بكلمات الإعلامي عبد الله الخلاف توجه بها الى المشاهدين بالقول ان هذه “الفتوى من أحد منتديات أسود السنة” الذي لجأ له مجاهد شاب أراد ان ينفذ عملية استشهادية، مشيراً الى انه سأل الشيخ أبو الدماء القصاب فأجابه قائلاً “اننا ابتكرنا طريقة جديدة وغير مسبوقة في العمليات الاستشهادية .. ولكي تتدرب على هذه الطريقة الجهادية يجب ان ترضى ان يُلاط بك فترة وتكون مؤخرتك قادرة على ان تحمل عبوة التفجير”.

ثم اقتبس عبد الله الخلاف سؤال الشاب المجاهد :”هل يجوز ان أبيح دبري لأحد الإخوة المجاهدين اذا كانت النية صالحة والهدف التدريب على الجهاد ؟” واسترسل الخلاف وأفاد بالرد على الشاب الذي جاء فيه “الأصل ان اللواط محرم ولا يجوز. غير ان الجهاد أولي، وهو سنام الإسلام، واذا كان سنام الإسلام لا يتحقق إلا باللواط فلا بأس فيه، فالقاعدة الفقهية تقول ان الضرورات تبيح المحظورات، وما لا يتحقق الواجب الا به فهو واجب، وليس هناك أوجب من الجهاد. وعليك بعد ان يلاط بك ان تستغفر الله وتكثر من الثناء عليه، وتأكد يا بني ان الله يبعث المجاهدين يوم القيامة حسب نياتهم، ونيتك ان شاء الله يا بني هي نصرة الاسلام، نسأل الله ان يجعلك ممن يستمعون الى القول ويتبعون أحسنه”.

اقرأوا المزيد: 1056 كلمة
عرض أقل
خالد مشعل يلتقي بالشيخ يوسف القرضاوي في قطر (AFP)
خالد مشعل يلتقي بالشيخ يوسف القرضاوي في قطر (AFP)

تسخير قوة قطر من أجل تسوية سياسية مع الفلسطينيين

تعطي موارد قطر وسياساتها الذكية قوة نادرة لها وقدرة على التأثير على الاستقرار الإقليمي. من المهم تسخيرها لتعزيز تسوية سياسية مع القيادة الفلسطينية، لأنّ الأمر سيزداد سوءًا

الثورات في العالم العربي، والتي أدت إلى إسقاط بعض الأنظمة العربية، وحركة المقاطعة العالمية ضدّ إسرائيل (BDS) هما وجهات لنفس العملة القطرية. تدير الدولة الأصغر في الشرق الأوسط منذ نحو عقد من الزمن حملة منظّمة ومنهجية لبناء نظام جديد في الشرق الأوسط يمزج بين القومية العربية والإسلام السياسي.

تحقّقَ استقرار دولة قطر الداخلي بفضل تركيبتها السكانية: نحو 300 ألف مواطن ونحو مليون من العمال الأجانب المهاجرين؛ سياسة رعاية اجتماعية سخيّة جدّا؛ تعزيز الثقافة والهوية الوطنية (من بين أمور أخرى، من خلال توفير حوافز للرجال القطريين فيما يتعلق بالزواج من النساء القطريات وحظر الزواج من الأجانب على النساء المحلّيات) وبالطبع دعم الإسلام السياسي. ولكن، يسعى حكام قطر إلى مكانة مركزية ونفوذ إقليمي، وقد قاموا بذلك من خلال علاقات خاصة نسجوها مع ثلاثة شخصيات: الشيخ يوسف القرضاوي، عزمي بشارة وخالد مشعل.

منح القرضاوي، الذي يعتبر أكبر الفقهاء الناشطين اليوم في عالم الفقه السنّي، إذنًا دينيّا لإسقاط الأنظمة الاستبدادية العربية وأُرسِل إلى ميدان التحرير في مصر من أجل دعوة الثوار المسيحيين والمسلمين إلى توحيد القوى. وكان عزمي بشارة، عضو الكنيست السابق والفيلسوف والمفكّر العربي، بوصلة للثوار الشباب في تونس، مصر، سوريا وليبيا وشجّعهم على الانتقال من خطاب الغضب إلى خطاب الثورة. انفصل خالد مشعل، رئيس المكتب السياسي لحركة حماس، عن “محور المقاومة” الذي يمتدّ بين إيران، سوريا وحزب الله، وانضم إلى قطر وأصبح أحد شركائها الرئيسيين، إلى جانب مصر، في جهود الوساطة بين حماس وإسرائيل.

المفكر العربي عزمي بشارة (AFP)
المفكر العربي عزمي بشارة (AFP)

إنّ الخطاب الفلسفي والسياسي لدى عزمي بشارة، الذي يروّج له في كتبه، مقالاته ومقابلاته الإعلامية، والخطاب السياسي الجديد الذي يقوده خالد مشعل في الساحة الفلسطينية الداخلية والساحة الدولية، والخطاب السياسي الذي يقوده أمير قطر متشابه جدّا. الصورة المتشكّلة هي سعي متكامل لتحقيق ثلاثة أهداف رئيسية: بناء جيل جديد من المثقّفين العرب الذين سيلعبون دورا رئيسيًّا في الأنظمة الجديدة وسيمزجون بين العروبة، الإسلام والليبرالية؛ نزع الشرعية عن الاحتلال الإسرائيلي للمناطق وإضفاء الشرعية على إقامة دولة فلسطينية مستقلّة؛ وتعزيز الخطاب العربي – الإسلامي الفخور والذي لا يخنع أمام الغرب.

من المفترض أن يتم تأسيس قناة الجزيرة وقناة أخرى في المستقبَل، وصحيفة باسم “العربي الجديد” ومواقع مختلفة على الإنترنت والتي هي إمبراطورية إعلامية قطرية قوية جدّا، يلعب بها عزمي بشارة دورا رئيسيا. تؤسس نشاطات عزمي بشارة الحثيثة في موضوعات التعليم والثقافة، من بين أمور أخرى، للأصالة الثقافية العربية، لقطر وقادتها، وتمكّنها من تمهيد الطريق إلى قلوب ملايين الشباب العرب الذين يتوقون لخطاب ليبرالي جديد.

ينسجم القرضاوي ومشعل جيّدا في هذه الصورة. إنّ النشاط الحثيث للقرضاوي في تعزيز نهج “الوسطية”، والذي يدعم التماسك الإسلامي الداخلي ويسمح بالانفتاح على الغرب انطلاقا من مكانة الأنداد لا التابعين، يمنح أمير قطر بنية تحتية دينية لاعتماد مسارين سياسيَين متوازيين: الاحتماء بالغرب ضدّ التهديدات الخارجية، وإظهار التعاطف والدعم للحركات الإسلامية في جميع أنحاء الشرق الأوسط.

أمير قطر مع خالد مشعل ومحمود عباس (AFP PHOTO/ PPO / THAER GHANEM)
أمير قطر مع خالد مشعل ومحمود عباس (AFP PHOTO/ PPO / THAER GHANEM)

وقد حدث تغيير على خطاب مشعل من الكفاح المسلّح إلى الكفاح السياسي، حتى لو كان حاسما وغير ممكن، والذي يهدف إلى إقناع العالم بمركزية حماس السياسية وبشرعيّتها في المنظومة الفلسطينية. بدا هذا التغيير نتيجة لوجود مشعل المستمرّ في بلاط الأمير في قطر. تشرّب زعيم حماس من القرضاوي موهبته في “المجادلة بلطف” مع إسرائيل ومع الغرب، ومن عزمي بشارة عادته أن يتحدّث بلغة تحترم حقوق الإنسان وقدسية الحياة بدلا من لغة الجهاد التي تُقدّس الموت وتثير البغض تجاه الإسلام. بشارة مقتنع منذ سنوات طويلة، وهو أمر واضح في نشاطاته العامة، أنّ إنهاء الاحتلال الإسرائيلي في الأراضي المحتلة سيأتي على أجنحة خطاب مقاومة الأبارتهايد وليس بواسطة خطاب معادٍ للسامية ومعادٍ لليهود.

يتفق مع هذا التوجّه عمر البرغوثي، المولود في قطر من أصول فلسطينية، والذي يترأس حركة المقاطعة العالمية (BDS) والتي تأسست عام 2005 بهدف تعزيز المقاطعة الأكاديمية، الاقتصادية والثقافية ضدّ إسرائيل. وبشكل مماثل لبشارة، لا يؤمن البرغوثي بحلّ الدولتين ويعمل على تعزيز فكرة “الدولة الواحدة” بهدف تقويض الهيمنة اليهودية القائمة من البحر إلى النهر من أسسها. ويدلّ النشاط الواسع لحركة المقاطعة حول العالم والنجاحات التي تسجّلها مؤخرا على مصادر دعم وتمويل سخية. يمكن التساؤل أيضًا: هل الإدارة الأمريكية، التي يئست من الرفض الإسرائيلي لتشجيع التوصل إلى تسوية سياسية، تقف جانبًا على ضوء خطاب المقاطعة الدولية ضدّ إسرائيل.

إنّ المحاولة المتراكمة للشعوب والدول تثبت أنّ الرفض السياسي قد جلب للجانب الأقوى تسويات كانت أكثر سوءًا بالنسبة له من اقتراحات سابقة طُرحت على الطاولة. قطر هي دولة صغيرة في الشرق الأوسط ولكن مواردها تعطيها قوة نادرة وقدرة على التأثير على الاستقرار الإقليمي. من المهم تسخيرها لتعزيز تسوية سياسية مع القيادة الفلسطينية، لأنّ الأمر سيزداد سوءًا فقط.

نُشر هذا المقال للمرة الأولى في موقع “‏Can Think‏”

اقرأوا المزيد: 690 كلمة
عرض أقل
الشيخ محمد شريف (Noam Moskowitz)
الشيخ محمد شريف (Noam Moskowitz)

“لا إكراه في الدين”

إسلام السلام والأخوة. الإسلام لا يؤمن بالسيف ويعارض الإكراه الديني. أنتم مدعوّون لتتعرّفوا على وجه آخر للإسلام والذي يُمثّل، من بين أمور أخرى، من قبل الطائفة الأحمدية. مقابلة مع رئيس الطائفة الأحمدية في إسرائيل، الشيخ محمد شريف

في أحد لقاءاتي الكثيرة مع أشخاص ونشطاء اجتماعيين في إسرائيل، التقيت مؤخرا بشيخ استثنائي يعمل في إسرائيل بلا كلل لتعزيز رسالة المحبة والسلام بين الإسرائيليين والفلسطينيين وبين مواطني إسرائيل اليهود والعرب.

في كل مقابلة يقدّمها لوسائل الإعلام تقريبا يكرّر الآية القرآنية، كشعار: “لا إكراه في الدين” (سورة البقرة، الآية 256). في زيارة التعزية الأخيرة التي أجراها في القدس، بعد المذبحة الفظيعة في الكنيس في هار نوف (والتي قُتل خلالها 4 مصلّين يهود) بدا متفائلا أكثر من أيّ وقت مضى، بأنّ السلام سيسود وبأنّ يد المحبّة أقوى من يد أولئك الذين يسعون إلى تقويضها.

الطائفة الأحمدية ليست حركة باطنية في الإسلام، وإنما يبلغ تعداد أفرادها عشرات الملايين من المؤمنين والذين يعيشون في ‏170‏ دولة

كان الحوار بين الشعوب في السنوات العشر الأخيرة عنيفا. فقد الكثير من الناس الأمل في الأخوة بين الطوائف وبين الفلسطينيين والإسرائيليين، وبطريقة أو بأخرى يبدو هذا الشيخ كما لو كان يقاتل وحيدا، مع ابتسامة عريضة امتدّت على وجهه، يقاتل من أجل محاربة التفسير المتطرف للقرآن وأحاديث النبي، يقاتل من أجل بناء الحوار بين الأديان ولا يتوقف للحظة.

خرجت للقائه في حيفا، في أعلى الجبل في حيّ الكبابير. كان هدف اللقاء مع الشيخ محمد شريف، رئيس الطائفة الأحمدية في إسرائيل، هو محاولة فهم ما يحرّكه، هل حقّا مفاهيم المحبّة والسلام موجودة في الإسلام، وما هو الخطأ الذي حدث، وكيف تعيش الطائفة الأحمدية في إسرائيل.

ما الخطأ الذي حدث في الإسلام؟

سماحة الخليفة الخامس، ميرزا مسرور أحمد (AFP)
سماحة الخليفة الخامس، ميرزا مسرور أحمد (AFP)

“أزعم أنّ الإسلام بدأ يُفسّر كدين عنيف مع تحوّله إلى عبادة أصنام. ألقي اللوم على العديد من المفسّرين المسلمين في العالم الإسلامي، والذين حوّلوا الحجر للعبادة، وقدّسوا النصوص والطقوس والأماكن الدينية أكثر من حياة الإنسان”، هكذا بدأ الشيخ شريف المحادثة بيننا. لم أفهم ماذا قصد وطلبت منه شرح كلامه. “هل تعلم على سبيل المثال أنّ كلمة سيف لا تظهر ولو مرة واحدة في القرآن؟ هل تعرف الآية “ولا تعتدوا إنّ الله لا يحبّ المعتدين”. أعارض تماما الكثير من المفسّرين الإسلاميين الذين يدفعون الشباب إلى التطرّف وتشويه المفاهيم الدينية، مفاهيم وأساسيات الإسلام، التي تحوّلت إلى مفاهيم الخوف، الإرهاب والرعب. لم يأتِ مؤسس المعتقد الأحمدي (ميرزا غلام أحمد) بدين جديد إلى العالم، فقد كان مسلما. لقد سعى إلى التأكيد على خصائص الأخوة والسلام الموجودة في القرآن والإسلام. لا يمكن تجاهل آيات قرآنية مثل “لا إكراه في الدين”. لا ينبغي أن يكون هناك إكراه ديني كما تقول الآية: “وقل الحق من ربّكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر”.

نحن الأحمديون والمسلمون عموما نؤمن بطريق السلام والمحبّة بين الشعوب. هناك اتّجاه مقزّز بين الفقهاء المسلمين الذين فقدوا الطريق واستخدموا الإسلام لأغراض سياسية إجرامية من أجل تعزيز أجندة معيّنة والتي لا تتّفق مع ما أعرفه وأحبّه في الإسلام”.

من هم الأحمديون؟

مسجد الطائفة الأحمدية  في قرية الكبابير في مدينة حيفا إسرائيل (Noam Moskowitz)
مسجد الطائفة الأحمدية في قرية الكبابير في مدينة حيفا إسرائيل (Noam Moskowitz)

الطائفة الأحمدية ليست حركة باطنية في الإسلام، وإنما يبلغ تعداد أفرادها عشرات الملايين من المؤمنين والذين يعيشون في ‏170‏ دولة، معظمهم في جنوب شرق آسيا وغرب أفريقيا. يقع المركز العالمي للطائفة في لندن.

“لم يدخل النبي محمد (صلعم) أبواب مكة بواسطة سيفه ولم يقطع رأس معارضيه الذين أهدروا دمه وقتلوا أبناء عائلته والعديد من صحابته خلال سنوات طويلة”

الطائفة الأحمدية هي حركة إصلاحية عالمية جديدة. تأسست عام ‏1889‏ في مدينة قاديان في الهند. ادعى مؤسّسها، ميرزا غلام أحمد، أنّه النبي المصحّح والموعود والذي انتظر دعاة الأديان المختلفة ظهوره تحت أسماء وألقاب عديدة‏‎.‎‏ يعتقد الأحمديون بأنّهم يمثّلون الوجه الحقيقي للإسلام، الإسلام كطريقة حياة عالمية، المتسامح، والذي يدعو إلى محبّة الناس واحترام الآخر ويرى دعاة هذا الدين أنفسهم مسلمين بكل معنى الكلمة وبأنّ الإسلام هو دين عالمي ويهدف إلى خدمة الإنسانية‎.‎

في هذا الشأن يجب أن نقول إنّ المسلمين من التيار التقليدي يتعاملون مع الأحمديين باعتبارهم “غير مسلمين”، وذلك بشكل أساسيّ بسبب إيمانهم بأنّ النبي محمد ليس آخر الأنبياء في سلسلة الأنبياء الطويلة. يؤمن المسلمون الأحمديون بأن ميرزا غلام أحمد هو الإمام المهدي والمسيح الموعود، بينما يرفض ذلك عامة المسلمين مصرحين بأن ميرزا غلام أحمد لم يكن مصداقا لنبوءات الإمام المهدي وأن لقب المسيح أعطي لعيسى وليس لأحد غيره، لذلك يعتبرونه مدعيا كاذبا للنبوة‏‎‏‏‎.‎‏ فضلا عن ذلك، فقد اجتمع عام ‏1970‏ نحو ‏140‏ من كبار علماء الدين المسلمين وقرّروا بأنّ “القاديانية أو الأحمدية: حركة تخريبية ضد الإسلام والعالم الإسلامي، والتي تدعي زورا وخداعا أنها طائفة إسلامية، والتي تختفي بستار الإسلام ومن أجل مصالح دنيوية تسعى وتخطط لتدمير أسس الإسلام‏‎ ‎‏”.

داعش، السلفية والجهاد

شيخ الطائفة الأحمدية في إسرائيل، السيد محمد شريف (Noam Moskowitz)
شيخ الطائفة الأحمدية في إسرائيل، السيد محمد شريف (Noam Moskowitz)

أنت تعلم أن العالم ينظر اليوم إلى الإسلام ويخاف ويكره ما يمثّله. ما رأيك بذلك؟

لم تردع كلماتي الشيخ وابتسم مجدّدا بابتسامته وبدأ يشرح لي تعاليمه وما جاء في القرآن. “خذ داعش كمثال، أولئك الذين يدمّرون الكنُس والكنائس باسم الإسلام. أولئك الذين يقتلون المسيحيين واليزيديين الذين لا يدخلون الإسلام. هل برأيك هم يعملون وفقا لهذه الآية التي قرأتها لك؟ “لا إكراه في الدين”. سأعطيك مثالا آخر. يكتب العديد من المفسّرين اليوم بأنّه في الدول الإسلامية “لا يجوز بناء الكنُس أو الكنائس أو الحفاظ عليها”. هل تعتقد أنّ هؤلاء الفقهاء يعملون وفقا للقرآن؟ هذا ما يقوله القرآن في هذا الموضوع: “الذين أُخرجوا من ديارهم إلا أن يقولوا ربنا الله ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهُدّمت صوامع وبيع ومساجد يُذكر فيها اسم الله كثيرًا”. أنت تدرك أنه يوجد هنا استخدام للأقوال المقدّسة لصالح الصراعات السياسية الظلامية”.

تفسير فريضة الصلاة في كتب أطفال الصف السادس في المدارس الإسرائيلية (Noam Moskowitz)
تفسير فريضة الصلاة في كتب أطفال الصف السادس في المدارس الإسرائيلية (Noam Moskowitz)

تذكّر الشيخ خلال حديثنا بمثال حيّ عن تفسير قاصر للآيات القرآنية والذي يزيّن كتب تعليم الدين، تحديدا في نظام التعليم العربي في إسرائيل. توجّه إلى المكتبة وسحب كتابا لتعليم الإسلام للصف السادس وأظهر لي كيف يتم تفسير أوامر الصلاة وأي تعامل قد يتلقّاه أولئك الذين لا يعتادون على إقامتها. “انظر مكتوب هنا بشكل واضح “فتارك الصلاة جحودًا وإنكارًا لفريضتها كافر يُقتل شرعًا”. تدرك فجأة أن الطفل في الصف السادس الذي يحرص على إقامة تعاليم الدين، قد ينهض في يوم من الأيام ليقوم بعمل فظيع لصديقه أو لشقيقه أو لابن عمه الذي لا يصلّي. ألقي اللوم على المفسّرين والعديد من علماء الدين المسلمين الذين يعطون تفسيرات متطرّفة لكل آية محتملة”.

وما رأيك بداعش؟

المجتمع الأحمدي في قرية الكبابير، حيفا (Noam Moskowitz)
المجتمع الأحمدي في قرية الكبابير، حيفا (Noam Moskowitz)

“إنّهم أشخاص مساكين. في نهاية المطاف هم يتعلّمون في الجامعات والكليات الدينية وهناك مفسّرون سلفيّون ووهابيّون متطرّفون يُدخلون إلى رؤوسهم رؤى متطرّفة من الكراهية والتمرّد، مثل “دار الحرب ودار الإسلام”، والجهاد بواسطة السيف. لا يوجد في الإسلام إكراه ديني أبدأ، وكل من يفسّره بشكل آخر مخطئ ومُضلِّل. لم يدخل محمد أبواب مكة بواسطة سيفه ولم يقطع رأس معارضيه الذين أهدروا دمه وقتلوا أبناء عائلته والعديد من صحابته خلال سنوات طويلة”.

“لن يستطيع الإسرائيليون أن يسكنوا في سلام طالما لم يسكن جيرانهم الفلسطينيون بسلام”

يقف العالم اليوم على قدميه عندما يسمع كلمة جهاد. الدلالة المباشرة هي الإضرار بالأبرياء وقتلهم، حافلات تتفجّر، إطلاق الرصاص على هيئات تحرير الصحف وقطع الرؤوس في الميادين أمام أنظار الجميع. “المفاهيم المُقررة في القرآن وحديث النبي بخصوص الجهاد محدّدة جدّا، وهي جهد أعلى. ليس هناك في القرآن استخدام واحد لكلمة جهاد تأتي في حالة حرب أو قتال. جاء في القرآن “وجاهدهم به جهادًا كبيرًا”. وكيف يتم هذا الجهاد؟ بالشكل التالي: “ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ”. هذه الآيات واضحة جدا. يطلب منّا الله أن نجادل أولئك الذين يقفون ضدّنا وأن نبيّن لهم خطأهم بنيّة صادقة”.

حرصت الجماعة الأحمدية على ترجمة القرآن الكريم الى 70 لغة (Noam Moskowitz)
حرصت الجماعة الأحمدية على ترجمة القرآن الكريم الى 70 لغة (Noam Moskowitz)

لم تتوقف كلمات الشيخ اللائمة عن الخروج من فمه “الصيغة التي يجب أن تقود الحوار المتجدّد حول الإسلام برأيي هي وفقًا للآية “ولا تستوي الحسنة ولا السيّئة”. يوجد هنا كلمات عتاب بأنّ الأعمال الجيدة لا تساوي أبدا الأعمال السيئة وأن الإنسان بينه وبين نفسه وبينه وبين الآخر الذي يقف أمامه، سواء كان مسيحيا، يهوديا أو بوذيا، يعرف ما هو العمل الإجرامي وما هو العمل الجيّد”.

حياة المجتمع الأحمدي في الكبابير

استهلكت المحادثة بيني وبين الشيخ عدّة ساعات، وطوال الوقت كان ظاهرا عليّ الرغبة في التعرف أكثر فأكثر على وجهة نظر الأحمديين. بعد صلاة الظهر خرجنا أنا والشيخ بجولة قصيرة في حيّ الكبابير، وهو مقرّ 2000 من أبناء الطائفة الأحمدية في أعلى الجبل بحيفا.

المجتمع الأحمدي في قرية الكبابير، حيفا (Noam Moskowitz)
المجتمع الأحمدي في قرية الكبابير، حيفا (Noam Moskowitz)

يظهر في الأسفل المنظر الرائع للبحر المتوسّط وفي الأعلى منازل أبناء الطائفة. شرح لي الشيخ قليلا عن حياة المجتمع، وأراني المقبرة المحلّية التي دُفن فيها جدّه وأسلافه. صعدنا والتقينا بشبان خلال يوم عملهم في منجرة. فرح الجميع في رؤية الأمير محمد شريف، رئيس طائفتهم، ولوّح الجميع له بأيديهم من بعيد ورحّبوا بنا بتحيّة السلام عليكم.

“أبناء الطائفة هنا في الكبابير يعتنون بأنفسهم. قمنا بأنفسنا بتمويل بناء المسجد الجديد. بنينا قربه مركز ضيافة وبيت دعوة، وحرصنا على تجنيد وزارة التربية الإسرائيلية لإقامة مدرسة لأطفال الطائفة. يتبرّع أبناء الطائفة بين 6.25% إلى 10% من دخلهم الشهري”.

المجتمع الأحمدي في قرية الكبابير، حيفا (Noam Moskowitz)
المجتمع الأحمدي في قرية الكبابير، حيفا (Noam Moskowitz)

ذهبنا في زيارة قصيرة إلى المدرسة. لم أزر أبدا مدرسة هادئة جدا ونظيفة مثل المدرسة التي يتعلم فيها أبناء الطائفة. صعدنا إلى أحد الصفوف لأخذ انطباع. “السلام عليكم”، رحّب بنا الأطفال. كانوا متفاجئين من الزيارة غير المتوقعة ومن المصوّر الذي رافقنا، والذي بدأ بتصوير مجرى الدرس. “نحن حريصون على منح أطفالنا قيم التسامُح والإنسانية ليس بينهم وبين أنفسهم فقط أو بينهم وبين الآخرين. نحن حريصون أيضًا على إكسابهم قيم الحفاظ على البيئة الخضراء. الله هو ربّ العالمين ليس فقط ربّ البشر، ولذلك فنحن حريصون على رعاية البيئة الخضراء حول منازلنا وحول المدرسة”.

في نهاية الجولة، وصلنا إلى منزل الشيخ المتواضع. تظهر من غرفة الجلوس في منزله إطلالة خلّابة لخليج حيفا. أشار إلى الأراضي في أسفل الجبل وقال “كانت تلك جميعا في يوم من الأيام أراضي الطائفة الأحمدية في حيفا. تمّت مصادرة أجزاء واسعة منها من قبل البريطانيين ومن قبل إسرائيل لإقامة ثكنات والمقبرة التي تراها في الأسفل”. سألته فورًا “أنت تفهم أن نهجك في السلام والأخوة يمكنه أن يُخادِع. ألا يوجد في نفسك قطرة غضب أو حقد على مصادرة تلك الأراضي؟”. لم تتأخر إجابته وقال “وإذا غضبت، ماذا يفيد ذلك؟ هل يجب أن يكون البديل قتاليّا؟ على ماذا حصّل أولئك الذين أهدروا الدماء غير التطرّف وترسيخ جذور الكراهية. لا أقول إنّه لا ينبغي الحرص على أبناء الطائفة وإنه يجب التنازل عن النضال من أجل المساواة في الحقوق مع المجتمع اليهودي في إسرائيل. ولكنّني فقط أؤمن أنّ هناك طرقًا أخرى للقيام بذلك. هذا تماما ما أعتقده بالمناسبة حول الصراع الإسرائيلي الفلسطيني أيضًا. لن يستطيع الإسرائيليون أن يسكنوا في سلام طالما لم يسكن جيرانهم الفلسطينيون بسلام”.

سيكون ذلك مبتَذَلا إذا قلت إنّه في هذا اليوم شعرت في قرية الكبابير وبمرافقة الشيخ محمد شريف، بأنّني وجدتُ علاجا وإجابات على أسئلة عديدة تخبّطتُ فيها على مدى فترة طويلة حول الإسلام، الجهاد، داعش والتعايش بين الشعوب. ولكن يمكن أن أقول إنّه خلال بضعة ساعات قليلة، في مكان ما في أعلى الجبل بحيفا، انكشفت لي وجهات نظر تصالحية ومُرضية، والتي منحتني القليل من راحة البال والتفاؤل بأنّ هناك طريقة مختلفة في الحياة وزاوية مختلفة للنظر إلى ما يحدث هنا في الشرق الأوسط.

اقرأوا المزيد: 1625 كلمة
عرض أقل
محاضرة ضمن برنامج كرسي العلماء في قناة اقرأ - الشيخ صالح المغامسي (Youtube)
محاضرة ضمن برنامج كرسي العلماء في قناة اقرأ - الشيخ صالح المغامسي (Youtube)

القنوات الدينية تؤجّج الصراع في الشرق الأوسط

الدول العربيّة هي الدول الأكثر استثمارا للموارد في العالم على قنوات التلفزيون الدينية. نحو 100 قناة دينية تنشط في أنحاء الشرق الأوسط وتلعب دورا فاعلا في تأجيج التحريض بين المجموعات السياسية والطائفية المختلفة

مع بداية الربيع العربيّ في نهاية عام 2011، لم تتغيّر البيئة السياسية في الشرق الأوسط فحسب، بل أيضًا الواقع الإعلامي. وصل عدد القنوات الفضائية العربية إلى نحو 1,400، وارتدى جزء كبير من تلك القنوات الطابع الديني ولعب دورا في الصراعات الطائفية في المنطقة العربية.

قال رئيس معهد دراسات الإعلام الأردني، الدكتور باسم الطويسي، للمجلة العربية “رصيف 22” إنّ الدول العربيّة هي الدول الأكثر استثمارا في الأموال في مجال القنوات التلفزيونية العربية. بحسب كلامه، فليس الحديث تحديدًا عن الاستثمار الاقتصادي، وإنما الاستثمار السياسي والأيديولوجي. فقد أشار إلى أنّ نطاق الاستثمار الاقتصادي في هذا القطاع يصل إلى مليارات الدولارات، في الوقت التي لا يزيد فيه الدخل المعلن عن مليارين.

صراع طائفي تليفزيوني

يخدم جزء كبير من القنوات الدينية في الشرق الأوسط أجندة لدول أو حركات دينية حصرية، وأحصى عريب الرنتاوي، الذي يرأس مركز القدس للدراسات السياسية في الأردن، الجهات الأربع الرئيسة التي تموّل القنوات الدينية في الشرق الأوسط: السعودية، الإمارات العربية المتحدة، قطر وإيران، إلى جانب أحزاب من العراق والأردن، حركات دينية مثل الإخوان المسلمين وحركات سلفية وشيعية. وأوضح الرنتاوي بأنّ الدول الغربية لا تلعب دورا في دعم وتمويل تلك القنوات.

ويعتقد الباحث الأردني أنّ كثرة القنوات الدينية في الشرق الأوسط هو جزء من الصراع الطائفي المستعر في المنطقة العربية، والذي يرغب فيه عدد غير قليل من الدول والأحزاب بزيادة عمليات القتل وتكريس الاستقطاب الطائفي. بحسب كلامه، فالخطر الكامن في ذلك هو أنّ هذه القنوات تحرّض على العنف والإرهاب، وكل محاولة لمكافحة التطرّف ستفشل دون مكافحة موازية لتلك القنوات التلفزيونية.

وقال رئيس نقابة الصحافيين في الأردن، طارق المومني، إنّ من يشاهد القنوات التلفزيونية الدينية يمكن أن يرى كيف ينعكس واقع القتل الطائفي في الشرق الأوسط في برامجها. على حد تعبيره، فإنّ رسالة هذه القنوات تستند إلى تنمية المشاعر الدينية وتكريس التطرّف، الإرهاب والصراع العرقي. وتشارك التنظيمات الإرهابية والتكفيرية في الشرق الأوسط بهذه الحفلة وتستخدم قنواتها كسلاح رئيسي، من خلال التحريض ونشر المعلومات المكذوبة.

دين أكثر من الأخبار

https://www.youtube.com/watch?v=I3k5hRdSTvI

وقد توصّلت دراسة أجريتْ عام 2014 إلى أنّ البرامج الدينية، سواء كانت شيعية، سنّية أو مسيحية، تشكّل نحو 28% من البرامج التي تُبثّ في قنوات التلفزيون في العالم العربي. وهذا، وفقا لباحثين، نتيجة لاستخدام السياسة للدين في صالحها. حتى التسعينيات من القرن العشرين، تراوح عدد القنوات الدينية بين 20 إلى 30 في العالم العربي، ولكن منذ التسعينيات حدث ارتفاع ملحوظ في عددها، ومن بين أسباب ذلك الثورة التكنولوجية الرقمية.

وتقع القنوات الدينية الفضائية اليوم في المركز الخامس من بين أنواع القنوات الموجودة في الشرق الأوسط (بعد قنوات الرياضة، المسلسلات، الأفلام والموسيقى)، ويصل عددها إلى 95 قناة. عدد القنوات الإخبارية أقل ويصل إلى نحو 65 قناة.

تتدفّق الكثير من الأموال لتلك القنوات الدينية، وذلك بشكل أساسيّ بسبب الصراع القائم بين الأجندة السياسية في الشرق الأوسط. يدير جيل جديد من رجال الأعمال الاستثمارات في القنوات التلفزيونية، ويمثّل معظمهم في الواقع تيارات سياسية. في مصر، على سبيل المثال، هناك رجال أعمال ينقسمون إلى تيّارين: التيّار الأول مقرّب من النظام الحالي وقد أسس قنوات تدعم هذا النظام. في المقابل، يحاول التيار الثاني الدفاع عن الإخوان المسلمين وقد أطلق فعلا مجموعة من القنوات التي تعمل من تركيا.

https://www.youtube.com/watch?v=o3gCNQiThx4

وجرّاء الاستخدام المتزايد للقنوات التلفزيونية الدينية لأهداف سياسية، فإنّ جزءًا من الدول العربيّة، وخصوصا تونس، الجزائر ومصر، بدأت بتنفيذ لوائح من شأنها تغيير هذا الواقع. فقد قرّر الدستور المصري الجديد إقامة لجنة مستقلّة تنظّم شؤون الإعلام المرئي والمسموع. وقد فرضت تونس قيودا على الحصول على تراخيص البثّ.

نُشر هذا المقال لأول مرة في موقع “ميدل نيوز”

اقرأوا المزيد: 532 كلمة
عرض أقل
مسلم يؤدي فرائض ومناسك الحج (AFP)
مسلم يؤدي فرائض ومناسك الحج (AFP)

المصالحة في خضم الصراع

شهد العقد المنصرم تصعيدًا في الراديكالية السياسية والتطرف الديني، ويبدو لأسباب عديدة أن الخطاب الراديكالي اكتسب شعبية بين العامة، فهو يخدّر عقولهم ويأخذهم بعيدًا عن واقعهم البائس إلى حلم

حين كنت ألقي المحاضرات حول مفهوم الوسطية، كان جمهوري الفلسطيني يطرح عليّ سؤالين متكررين، الأول: “لماذا يجب أن يكون الإسلام معتدلاً لإرضاء الغرب والولايات المتحدة؟” أما السؤال الثاني فهو: “كيف سيُنهي الاعتدال الاحتلال؟” وهذان سؤالان مهمان على المرء الإجابة عنهما بدقة وإقناع.

للإجابة عن السؤال الأول، كنت أستعين بالقرآن الكريم الذي يحث المؤمنين في آيات عدة على الاعتدال في كل شيء، وبسنّة الرسول محمد (ص) – أفعاله وأقواله – التي تشكل مثالاً على الاعتدال والتسامح والمغفرة.

الاعتدال ليس مفهومًا إسلاميًا بحت، وإنما قيمة مشتركة بين كل الديانات الأخرى

أما السؤال الثاني، فينطوي على تعقيدات أكثر. كيف يمكن الإجابة عن مثل هذا السؤال الشائك في زمنٍ يعيش فيه الفلسطينيون نزاعًا مطولاً ويعانون يوميًا من الاحتلال العسكري الصارم، ومن اليأس لانعدام الاستقرار السياسي، ومن الحكم الرديء، والاضطرابات الاجتماعية، والأحوال الاقتصادية المتردية، ناهيك عن الأخبار اليومية عن مصادرة الإسرائيليين للأراضي الفلسطينية، وعن السجن العشوائي، وتقييد الحركة للمواطنين، وانتهاكات حقوق الإنسان. كيف أتعامل مع هذا السؤال دون أن أبدو منفصلاً عن الواقع أو مفرطًا في المثالية؟

شهد العقد المنصرم تصعيدًا في الراديكالية السياسية والتطرف الديني، ويبدو لأسباب عديدة أن الخطاب الراديكالي اكتسب شعبية بين العامة. فهو يخدّر عقولهم ويأخذهم بعيدًا عن واقعهم البائس إلى حلم، مما يعني أن اعتماد خطاب العقلانية والمنطق والموضوعية معهم لن يجدي ولن يكون لديهم الاستعداد لتقبل فكرة الحوار معك أو الاستماع إليك. وقد قال لي إمام فلسطيني لأحد مساجد رام الله: “حين أتحدث في خطبة الجمعة عن الأخلاق والقيم الدينية، أكتشف لاحقًا أن المصلّين انسحبوا إلى مسجد آخر يلقي إمامه خطابًا سياسيًا محتدمًا في خطبة الجمعة ويتهجم فيه على إسرائيل وعلى حليفها الأمريكي ويصف المسيحيين واليهود بالكفار الذين لا يجدر بالمسلم أن يسلّم عليهم أو يرحب بهم في منزله. فماذا أفعل؟ أخطب لنفسي؟ أخطب لمسجدٍ فارغ؟”

لكن الوصول إلى أذهان الجماهير يتطلب زيادة جاذبية الاعتدال بالنسبة إليهم، وذلك من خلال التكلم بلغة يجلّونها ويحترمونها، وهي لغة القرآن الكريم. فهي لغة تجتاح الحواجز وتخترق الآذان الصمّاء. لذلك، وللوصول إلى الجماهير، يجب أن تُعتبر الوسطية – بصفتها دربًا متوسطًا – بمثابة إيعازٍ من الله للمؤمنين، وهذا الأمر يتم بدراسة القرآن وتعليم رسالته السمحة والمسالمة والإنسانية.

من الناحية الدينية، تعني كلمة “وسط” العدل والتوازن والتسامح والاعتدال والحل الوسط والتوسطية

الاعتدال ليس مفهومًا إسلاميًا بحت، وإنما قيمة مشتركة بين كل الديانات الأخرى. وبالتالي، يتألف هدف الوسطية من شقين: توحيد المجتمع وبناء جسور التفاهم مع الآخر. فالاعتدال يؤدي إلى المصالحة في خضم النزاع، مما يؤدي بدوره إلى حياة من التعاون والازدهار ممهدا الطريق أمام المفاوضات بشكل تعاوني لحل النزاع.
تشتق كلمة وسطية من الجذر “وسط.” من الناحية اللغوية، تعني هذه الكلمة المنتصف – مثل منتصف الدائرة أو منتصف الطريق. ولكن من الناحية الدينية، تعني كلمة “وسط” العدل والتوازن والتسامح والاعتدال والحل الوسط والتوسطية. والواقع أن كلمة “وسط” نفسها مذكورة في القرآن أكثر من مرة، إذ نجدها في الآية 143 من سورة البقرة “وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً” أي أمة عادلة ومتسامحة.

كما أن المبادئ الجوهرية المتعلقة بالحرية والمساواة والإخوة والاعتدال والعدالة الاجتماعية هي قيم دينية تأسيسية تحمل دلالاتٍ اجتماعية وسياسية مهمة. وتشمل بعض القيم الاجتماعية المنبثقة عن هذه المبادئ الأساسية في الإسلام تلك التي تشدّد على التعارف (معرفة أحدنا الآخر)، والتعاون (التآزر والمساعدة المتبادلة في الصفقات) والتكامل (الإكمال والتتمة).

في ما يخص السؤال: “كيف يؤدي الاعتدال إلى إنهاء الاحتلال؟”، فجوابي بسيط: إذا نظر إسرائيليٌّ قلق على أمنه الشخصي والعائلي والقومي إلى مجتمع فلسطيني مجاور ورآه يتبنى ثقافة مسالمة ومعتدلة ورأى أن الأولوية الكبرى في ذهن الفلسطيني هي السعي لتأمين حياةٍ أفضل له ولعائلته، وإذا في المقابل نظر الفلسطيني إلى المجتمع الإسرائيلي المجاور ورآه يسعى إلى السلام والأمن من أجل ضمان مستقبل مزدهر للأطفال الإسرائليين، تنمو الثقة وتتلاشى عند ذلك علة وجود الاحتلال.

التقاليد الإسلامية واليهودية تدعم مفهوم المصالحة؛ وهناك مبررات لعملية السلام في نصوص كلتا الديانتين

التقاليد الإسلامية واليهودية تدعم مفهوم المصالحة؛ وهناك مبررات لعملية السلام في نصوص كلتا الديانتين. ومن هذا المنطلق، ينبغي علينا أن نعمل مع بعضنا البعض وليس ضد بعضنا؛ يجب على كل طرف أن يعتبر الآخر شريكًا في السلام لا عدوًا في النزاع. ربما يكون الاعتراف بأحدنا الآخر نقطة بداية جيدة، فتعترف إسرائيل بدولة فلسطين كعضو في الأمم المتحدة، وتعترف دولة فلسطين بإسرائيل ضمن حدود 1967 كوطنٍ للشعب اليهودي وتطلق أسرائيل سراح الأسرى الفلسطينيين ويتوقف الفلسطينيون عن التحريض لعدم التطبيع.

يجب أن نسأل أنفسنا عن الاتفاق الأكثر قانونية ودوامًا واستدامة واعترافًا من قبل المجتمع الدولي: اتفاق مع السلطة الفلسطينية أو اتفاق مع دولة فلسطين؟ من الناحية الإستراتيجية، تتمثل المصلحة الفضلى لكل من إسرائيل والولايات المتحدة بدعم اعتراف أعضاء الأمم المتحدة بدولة فلسطين لتصبح عضوًا في الأمم المتحدة. والجدير بالذكر أن الاعتراف بدولة فلسطين لا يعني دعم “حماس” أو تأييد “فتح،” بل هو اعتراف بحق الشعب الفلسطيني أن يكون عضوًا فعالا في المجتمع الدولي. وهذه خطوة كبيرة في جهود إضعاف الراديكالية والتطرف لأنها تقول، وبصوت مرتفع، إن الدبلوماسية تؤتي ثمارها والعنف ليس الوسيلة الصحيحة لحل الصراع.

أنني كمسلم أشعر بالخجل مما يرتكبه بعض الأفراد أو الحركات باسم ديني، ولكنني أشعر بفخر بالغ حين أقرأ، على سبيل المثال، عن تسامح وغفران عمر بن الخطاب، ثاني الخلفاء الراشدين، الذي رأى رجلاً يهوديًا مسنًا يتسول فمنحه أجرًا شهريًا، أو عن صلاح الدين الأيوبي الذي أرسل طبيبه الخاص لمعالجة خصمه المريض ريتشارد الأول ملك إنجلترا، أو حين أقرأ عن تاريخ الأندلس المنور حيث تعايشت الديانات الثلاثة في سلام وتناغم. وهذا هو جوهر الوسطية: ترك إرثٍ من السلام والتعايش والمصالحة والرأفة والتعاطف والاحترام، وهذا هو الإرث الذي نودّ أن يرثه أولادنا. قد يبدو الأمر الآن أشبه بالحلم، ولكنني أشعر في صميم قلبي أنه سيصبح يومًا ما حقيقة واقعة.

لا بد من أن تعلو أصوات الحكمة والاعتدال حتى تصبح مسموعة. ولا يجدر بالأغلبية المعتدلة أن تقف صامتة ومكتوفة الأيدي فيما يلوح شبح الدمار والفوضى في الأفق. علينا أن نتخطى خوفنا من الفشل ونستثمر طاقاتنا الخلاقة في المستقبل. المصالحة هي نقطة البداية، ويجب أن تبدأ اليوم قبل الغد حتى يعمّ السلام.

محمد سليمان الدجاني الداودي هو مؤسس حركة الوسطية للإسلام المعتدل، وأستاذ العلوم السياسية.

نشر هذا المقال لأول مرة على موقع “منتدى فكرة”

اقرأوا المزيد: 927 كلمة
عرض أقل
الى أي مدى تخشى مصر ظاهرة الإلحاد ؟ (AFP)
الى أي مدى تخشى مصر ظاهرة الإلحاد ؟ (AFP)

الدول الإسلامية تخشى من الإلحاد

المجتمعات الشرقية في مصر والدول العربية متأثرة جدّا من الإسلام. ورغم ذلك، يعتبر الكثيرون أنفسهم ملحدين، أو "كفارا"، كما يتم وصفهم من قبل إخوانهم المسلمين. تعتبر الحكومات والمؤسسات الدينية ظاهرة الإلحاد تهديدا يجب القضاء عليه

لا يعلم أحد في مصر ما هو عدد سكان القاهرة، ناهيك عن النسبة الدقيقة بين عدد المسلمين وعدد المسيحيين. ومع ذلك، فإنّ كبار رجال الدين في الحكومة واثقون من حقيقة واحدة: إنّ عدد الملحدين في مصر كلّها هو 866 بالضبط؛ أي 0.001% من مجموع السكان تقريبا.

معنى هذا المعطى، الذي تمّ تحديده بشكل مثير للشبهات، أنّ في مصر هناك العدد الأكبر من الملحدين في العالم العربي كله، كما تقول دار الإفتاء – الجناح الرسمي للحكومة المصرية والذي ينشر الأوامر الدينية – استنادا إلى استطلاع تم نشره في شهر كانون الأول عام 2014 من قبل معهد استطلاع إقليمي. وفقا للاستطلاع، فقد وصلت المغرب، التي يصل عدد الملحدين فيها إلى 325، إلى المركز الثاني، وتم تحديد 32 ملحدا في اليمن فحسب.

عدد المؤمنين بالله في مصر كبير بشكل خاصّ، بشكل مماثل لجميع بلدان العالم العربي. ولكن التقدير العددي المنخفض أثار ردود فعل مبتهجة من قبل الملحدين والعلمانيين في مصر، الذين يقولون إنّ معدّل الملحدين قد ازداد بشكل تدريجي في البلاد. حتى تعريف الإلحاد وفق دار الإفتاء هو استثنائي وكوميدي جدّا. وفقا لرجال الدين في ذلك الجناح، فإنّ التعريف لا يشمل فقط من لا يؤمنون، وإنما أيضًا أولئك الذين يؤيّدون الدولة العلمانية والمسلمين الذين تحوّلوا إلى ديانات أخرى.

ظاهرة الإلحاد تتوسع وتعرض البرامج التلفزيونية في الدول العربية شرائح كاملة من النقاشات والجدليات بين الملحدين ورجال الدين، مثل الشاب أحمد حرقان.

ويقف هذا المعطى المشكوك فيه يتيما ومهتزّا على ضوء الدراسات التي تقوم بها جامعة الأزهر في مصر، وهي الهيئة الفقهية السنّية الأكثر إثارة للإعجاب في العالم العربي. ففي استطلاع أجرته الجامعة عام 2014 جاء بأنّه وفقا لتقديرات الباحثين، تبلغ نسبة الملحدين في مصر نحو 12.3% من مجموع السكان العامّ في البلاد. ووفقا لحسابات رياضية بسيطة فالحديث عن أكثر من 10 ملايين مصري (يبلغ عدد سكان مصر: 87 مليون فرد). حتى في هذه الحالات يجب أخذ تلك البيانات بضمان محدود. ففي الشرق الأوسط، لا يجرؤ الكثير من اليهود، المسيحيين أو المسلمين على القول علنًا إنّهم ملحدون ناهيك عن إعطاء معلوماتهم في استطلاع حكومي أو عام.

الملحدون في فيس بوك وتويتر

إذا أردنا أن نحكم وفقا للنشاط في مواقع التواصل الاجتماعي فقط فهي ظاهرة آخذة بالاتساع.

لعل المدوّن الريادي الأشهر في الخليج العربي هو الملحد الإماراتي أحمد بن كريشان. بعد انقطاعه عامَين عن التدوين، استأنف من جديد استخدام وسائل التواصل الاجتماعي في تشرين الثاني/نوفمبر ‏2012‏ عبر الطلب من الناس أن “يفتحوا عيونهم”، مضيفاً أن “كل الأديان تكذب”، وأن “العلمانية يمكن أن تحرّر الأشخاص”.

في الخليج العربي، غالباً ما يخلطون بين الإلحاد والعلمانية. كلاهما غير مقبولَين في المجتمع بدرجات مختلفة، إلا أن العلمانية، خلافاً للإلحاد، لا يعاقب عليها القانون. قبل بضعة عقود، لم تكن الأكثرية في الخليج قد سمعت بالعلمانية، فما بالكم بالإلحاد. وقد منح ظهور النفط حكومات الخليج فرصة مأسسة الممارسة الدينية في المجتمع وتوحيد معاييرها. فضلاً عن ذلك، ونظراً إلى تاريخ الإسلام في المنطقة، يربط كثرٌ في الخليج بقوّة بين الدين والهوية الوطنية. فأي ابتعاد عن الدين أو انتقاد له هو بمثابة ابتعاد عن الهوية الوطنية، وهذا ما تحرص الحكومات على التشديد عليه. وقد دفع انتشار الإسلام السياسي في أجزاء من العالم العربي ببعض الشبّان في تلك البلدان إلى النأي بأنفسهم عن الدين.

تتوسّع هذه الظاهرة ولم يعد هذا سرّا. تعرض البرامج التلفزيونية في مصر شرائح كاملة من النقاشات والجدليات بين الملحدين ورجال الدين، مثل الشاب أحمد حرقان.

ما الذي يدفع الشبان المسلمين باتجاه الإلحاد؟

جامع الأزهر في القاهرة (AFP)
جامع الأزهر في القاهرة (AFP)

ارتفع عدد الملحدين في العالم الإسلامي بلا حدود في أعقاب الربيع العربيّ عام 2011.تأسس العديد من صفحات الفيس بوك وحصل على تأييد كبير ومفاجئ. حصلت مجموعة تُسمي نفسها “الملحدين التونسيين” حتى الآن على 7400 إعجاب بينما حصلت مجموعة تُسمي نفسها “الملحدون السودانيون” على 3300 إعجاب. الحجة الرئيسية أنّ هناك عدد ضئيل بالنظر إلى عدد المسلمين في الشرق الأوسط، صحيحة ومتماسكة. ولكن مع ذلك فهي ظاهرة لم يشاهَد لها نظير: أشخاص يعرّفون أنفسهم كملحدين بشكل علنيّ، يرفعون محتويات إلحادية إلى الشبكة ولا يتردّدون في الجدل مع رؤساء المؤسسات الدينية. سمح الربيع العربيّ بشكل ما باختراق الانسداد الفكري وبالحرية في مشاركة المعتقدات المختلفة. تضغط هذه الظاهرة كثيرا على الحكومة المصرية، السعودية، الأردن والإمارات، ممّا يتطلّب منها مكافحة هذه الظاهرة وإرسال الأئمة ورجال الدين لتعليم الإيمان بالله والتوحيد.

وهناك أيضًا ميزة أخرى تُبعد الكثير من الشباب عن الدراسات المقدّسة والإسلام وهي: داعش. تجذب الدولة الإسلامية بشكل واضح مسلمين من جميع أنحاء العالم لتنظيمها العنيف بهدف إقامة الخلافة في العراق وسوريا. ولكن هنا أيضًا هناك شيء أكثر وضوحا: وهو معارضة الدولة الإسلامية في الإنترنت من قبل شبان مسلمين يصرّحون بمعارضتهم للحكم وفق قوانين الشريعة بل ويعلنون بفخر بأنّهم ملحدون.

السعودية: “إنّ الدعوة للإلحاد بأي شكل أو التشكيك بأحد مبادئ الإسلام التي تقوم عليها الدولة تمثّل عملا من أعمال الإرهاب”

تقول نادية عويدات، وهي عضو كبير في مؤسسة أمريكية الجديدة، والتي تتابع نشاط شبان عرب في الإنترنت، في مقابلة مع شبكة BBC إنّ الظاهرة تزداد توسّعا. “إنّ وحشية داعش تُفاقم من المشكلة بل وتدفع بعض الشبان المسلمين بعيدا عن الإسلام”.

في شهر تشرين الثاني عام 2014، نشرت شبكة BBC مقالا حصل على شعبية كبيرة في أوساط العرب. تم افتتاح المقال بهذه الفقرة: “لاقى هاشتاغ يدعو لرفض تطبيق الشريعة الإسلامية رواجا في أوساط مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي في مصر والسعودية”. هذا موضوع حسّاس في العديد من الدول الإسلامية، ولكن تم استخدام هاشتاغ “لماذا نرفض تطبيق الشريعة” في تويتر 5,000 مرة في 24 ساعة. كان النقاش حول السؤال إذا ما كانت قوانين الشريعة ملائمة لحاجات الدول العربية وللنظم القضائية الحديثة. بدأت طبيبة مصرية تعيش في سويسرا بهذا النقاش. ” لا أحمل شيئًا ضدّ الدين”، كما قالت لـ BBC، ولكنها أضافت بأنّها تعارض “استخدامها كنظام سياسي”.

هناك صوت آخر يحظى باهتمام كبير وهو الأخ رشيد، وهو مغربي أسّس شبكة خاصة به في يوتيوب من أجل الكشف عن نماذج انعدام التسامح في المجتمعات الإسلامية، التي كان جزءًا منها.‎ ‎توجّه الأخ رشيد في مقطع فيديو رفعه إلى اليوتيوب، والذي حظي بأكثر من نصف مليون مشاهدة، إلى الرئيس أوباما قائلا: “أيها الرئيس العزيز، عليّ أن أقول لك إنّك مخطئ بخصوص داعش. قلتَ بأنّ داعش لا تتحدّث باسم أيّ دين. أنا مسلم سابق. والدي إمام. تعلّمت الإسلام خلال أكثر من 20 عاما. وأستطيع أن أقول لك بثقة بأنّ داعش تتحدّث باسم الإسلام. إنّ الأعضاء الـ 10,000 في داعش جميعهم مسلمين. إنّهم قادمون من دول مختلفة ولديهم شيء واحد مشترك وهو: الإسلام”.

إنّ مقاطع داعش المصوّرة باسم الإسلام، حروبها المستمرّة في سوريا والعراق، رسائلها والطريقة التي تريد من خلالها إدارة الخلافة الإسلامية؛ تنفّر العديد من الشبان المسلمين، الذين يقرّرون التخلّي عن دينهم من أجل الإلحاد.

في ربيع عام 2014 (نيسان)، حدّدت المملكة العربية السعودية قائمة تعرّف بأعداء المملكة، وهي قائمة سوداء للتنظيمات الإرهابية. وقد تضمّنت القائمة كما هو معروف تنظيمات مثل داعش، الإخوان المسلمين والقاعدة، ولكن أيضًا هيئات تدعو وتنشط من أجل الإلحاد. وفقا لأحد بنود الأوامر الملكية: “إنّ الدعوة للإلحاد بأي شكل أو التشكيك بأحد مبادئ الإسلام التي تقوم عليها الدولة تمثّل عملا من أعمال الإرهاب”.

اقرأوا المزيد: 1066 كلمة
عرض أقل
طفل يؤدي صلاة العيد في المسجد الأقصى (AFP)
طفل يؤدي صلاة العيد في المسجد الأقصى (AFP)

دعوة إلى الإسلام المعتدل

كيف يمكن إصلاح الدين؟ كيف يمكن تطهير الإسلام، لا بل جميع الديانات، من المتطرفين والمتشددين الذين يحرضون على الكراهية والتعصب والعنف باسم الله

ألقى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خطاباً حماسياً في جامعة الأزهر بمناسبة ذكرى المولد النبوي الشريف، دعا فيه إلى إصلاح الدين وتطهير الإسلام من الأفكار المتطرفة. بالرغم من أنه لا يجوز التغاضي عن هذه المناشدة، لا سيما إثر السلسلة المأساوية من الهجمات الإرهابية التي شهدتها باريس، إلا أنها تفرض عدة تساؤلات معقّدة: كيف يمكن إصلاح الدين؟ كيف يمكن تطهير الإسلام، لا بل جميع الديانات، من الراديكاليين والمتطرفين والمتشددين الذين يحرضون على الكراهية والتعصب والعنف باسم الله. هل بإمكان الدولة أن تفرض إصلاحا دينياً من دون أن تحظى بدعم السلطات الدينية الرسمية؟ وهل يمكن القيام بمراجعة صادقة لتفسيرات القرآن لتجنب الغلو من دون التسبب باندلاع ثورة مضادة؟

تتشارك النصوص الدينية، سواء لدى الإسلام أو اليهودية أو المسيحية، بقيم مماثلة قائمة على السلام والعدالة والرحمة والتسامح والمصالحة والاعتدال، حتى أن القرآن يحذّر من التطرف الديني بقوله تعالى في سورة النساء: “لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ”. كذلك أوصى النبي محمد (ص) أتباعه بتبني الاعتدال في قوله: “خير الأمور أواسطها”. وبالرغم من ذلك، يبشر العديد من الدعاة عن تفوق دينهم على الديانات الأخرى، ولا يبدون اهتماماً بالحوار البنّاء القائم على الاحترام المتبادل والاعتدال والتفاهم بين الأديان.

صدق السيسي عندما قال بأن صلب المشكلة يكمن في “نصوص وأفكار تم تقديسها على مئات السنين،” إلا أن هذه الخطوة من قبل الرئيس المصري، والمرحب بها، ليست سوى البداية. فالمسلمون المتطرفون يعمدون منذ فترة طويلة إلى تفسير آيات القرآن بحيث تخدم أجنداتهم السياسية الخاصة، ولم يتحلّ سوى قلة من المعتدلين بالشجاعة لمواجهتهم.

على سبيل المثال، هناك تفسير خاطئ للآيتين السادسة والسابعة من سورة الفاتحة التي جاء فيها ما يلي: “اهدِنَــــا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ.” فتفسير المتطرفون الإسلاميون لهاتين الآيتين هو أن الذين أنعم الله عليهم هم المسلمون والمغضوب عليهم هم اليهود والضالّين هم المسيحيون. إلا أن التفسير الأدق والمنسجم أكثر مع ما ورد في القرآن لهاتين الآيتين فهو أن المؤمنين مباركون، سواء أكانوا مسلمين أو يهود أو مسيحيين، والكافرين ملعونون والضالين هم المنافقون. فالإسلام رسالة سماوية موجهة للبشرية جمعاء.

وهناك الآية التاسعة عشرة من سورة آل عمران: “إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ”. بالنسبة للمتطرفين المسلمين فإن هذه الآية تعني أن الله فرّق بين الإسلام والمسيحية واليهودية، ولكن في الواقع تشير كلمة “الإسلام” في هذا السياق إلى أولئك الذين يعبدون الله، بمن فيهم اليهود والمسيحيون والمسلمون. وهذا ما تبيّنه سورة آل عمران: “قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَىٰ وَعِيسَىٰ وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ.”

علاوة على ذلك، تبنّى المتطرفون حديث منسوب للرسول الكريم محمد (ص) ورد في صحيح مسلم يتعلّق بتنبؤ النبي (ص) نشوب معركة فاصلة في يوم القيامة ما بين اليهود والمسلمين، والتي ستكون نتيجتها هزيمة اليهود وإبادتهم. ويصف الحديث كيف أن الأشجار والحجارة ستدعو المسلمين إلى قتل اليهود المختبئين خلفها. غير أن هذا الحديث يناقض تعاليم الإسلام ونص القرآن و السنة النبوية. فنجد في سورة آل عمران الآية التالية: ” نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ.” وفي سورة العنكبوت، نجد الآية التالية: “وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ.” هناك العديد من النصوص الأخرى في القرآن والحديث بما فيها السير الذاتية للرسول الكريم المسجلة في مجموعة أحاديث صحيح البخاري، التي تعارض القراءة المتطرفة التي تم ذكرها آنفاً. فالبخاري يروي حادثة وقف فيها النبي محمد (ص) احتراماً لجنازة صودف مرورها بجانبه، وعلّق الصحابة قائلين: “إنها جنازة يهودي،” فأجاب النبي: “أليست نفساً؟”

لا يجوز أن يبقى المسلمون المعتدلون مكتوفي الأيدي، إذ علينا أن نوحد جهودنا ونقر بأن ديانتنا يتم استغلالها من قبل أقلية صغرى لغايات سياسية. ولا بد من أن نرفع أصواتنا عالياً، نحن الأغلبية المعتدلة الصامتة، ومهما كانت المخاطر المحدقة بنا لكي ندافع عما نؤمن به. فأصواتنا الموحدة قادرة على كبح جماح الإسلام المتطرف، وعلينا أن ننطلق من قدرتنا على الإبداع والابتكار لتعزيز الاعتدال في الدين والسياسة والحياة، ونسعى إلى تشكيل عالم تسوده المساواة والعدالة والديمقراطية والازدهار. فهذا هو الطريق الصواب.

نشر هذا المقال لأول مرة على موقع “منتدى فكرة”

اقرأوا المزيد: 641 كلمة
عرض أقل
فرنسي يمسك بنسخة من مجلة "شارلي ايبدو" (Flickr Gerry Lauzon)
فرنسي يمسك بنسخة من مجلة "شارلي ايبدو" (Flickr Gerry Lauzon)

الأسئلة المطروحة داخل الإسلام بعد عمليات باريس

الهجوم في باريس ينضم إلى أعمال إرهابية صادمة أخرى تم تنفيذها باسم الإسلام. هذه الأفعال تثير جدلا حادا بين المسلمين بخصوص السؤال لماذا يتم الاستشهاد بدينهم في أحيان كثيرة كسبب للعنف وسفك الدماء

تنضم الأعمال الإرهابية التي حدثت في باريس في الأيام الماضية إلى مجموعة متنوعة من الفظائع التي تم تنفيذها في السنة الماضية من قبل إسلاميين متطرفين، بدءًا بقطع رؤوس الصحفيين الغربيين في سوريا وصولا إلى قتل 132 تلميذًا باكستانيًّا. تثير هذه الأفعال الإرهابية التي تُنفّذ باسم الإسلام جدلا حادا بين المسلمين بخصوص السؤال لماذا يتم الاستشهاد بدينهم في أحيان كثيرة كسبب للعنف وسفك الدماء.

يقول معظم رجال الدين في الإسلام إن دينهم ليس عنيفا أكثر من سائر الأديان الأخرى. ولكن بعض المسلمين – مثل رئيس مصر – يزعمون أنّ الفهم الحالي لدينهم متعلق بتبرير العنف، مما يُلزم الأنظمة ورجال الدين إلى إصلاح طريقة تعليم الإسلام. دعا عبد الفتّاح السيسي قبل عدة أيام إلى ما لا يقلّ عن “ثورة” في التصور الديني في الإسلام.

وبالتباين، يعتقد آخرون أن مصادر العنف هي الاغتراب والضغينة، وليس المعتقد. يقولون إنّ الحكام المستبدين في الدول العربية – الذين حاولوا خلال عقود كاملة السيطرة على تعليم الإسلام وتطبيق الشريعة الإسلامية – أدوا إلى خطاب ديني عنيف. يتم الترويج لهذا الخطاب عن طريق تنظيمات مثل داعش والقاعدة من خلال المجتمعات الإسلامية في كل العالم.

“الأشخاص الذين يشعرون أنهم محطمون أو مغتربون سيتجهون إلى نحو التطرف، وسيستخدمون الدين لأنّ هذا ما لديهم”، هذا ما قاله سيد فرغاني، وهو سياسي إسلامي من تونس، لصحيفة “نيويورك تايمز”. “إذا كنت مهاجَما وكان معك شوكة في يدك، سترد بالحرب بواسطة الشوكة”. يعتقد الكثير من المسلمين أن الدين هو فقط غطاء للغضب، الاستياء والإحباط في العالم العربي.

هناك القليل جدا من المسلمين مِمَن يعلّقون التهمة بالدين نفسه مباشرة. “ماذا فعلت داعش ولم يفعله محمد؟”، تساءل مؤخرا مصري اسمه أحمد حرقان في برنامج تلفزيوني شهير. لقد زعم أنّ مشكلة العنف كامنة في الإسلام. أثارت تصريحاته عاصفة في مصر، وسارع رجل دين كبير من المؤسسة الدينية الأزهر إلى نثر مقتبسات من القرآن والتي تتحدث عن التسامح، السلام والحرية.

أجرى ستيفن فيش، وهو خبير في العلوم السياسية من جامعة كاليفورنيا في بيركلي، دراسة حاول من خلالها تحديد الارتباط بين الإسلام والعنف. لقد وجد أنّ معدلات القتل كانت أقل بشكل ملحوظ في الدول ذات الغالبية المسلمة وكانت نماذج العنف السياسي أكثر ندرة هي أيضًا. “هل الإسلام دين عنيف؟ أود أن أقول إطلاقًا لا”، هذا ما قاله فيش لصحيفة نيويورك تايمز. “هناك القليل جدا من الأدلة العملية على أنّ الإسلام عنيف”.

ولكن في أماكن أخرى في العالم الغربي، فإنّ النقاش حول علاقة الإسلام بالعنف يلقى نتائج متجددة على ضوء الأحداث الأخيرة، وخصوصا الانقلاب في مصر وصعود داعش في العراق وسوريا. “يعاني التفكير الديني أو الخطاب الديني من التخلف. نحن نعيش الآن في عصر التخلف”، كما قال مؤخرا وزير الثقافة المصري جابر عصفور. ويرى مؤيدو النظام في مصر في شعبية الإخوان المسلمين تعبيرا عن هذا التخلف ويزعمون أنّ جميع الحركات الإسلامية السياسية هي حركات عنيفة بطبيعتها وتحاول إقامة عالم جديد يعود فيه الدين الإسلامي ليُسيطر على كل شيء.

ويزعم آخرون أنّ السيطرة التي تفرضها المؤسسات الدينية الإسلامية – سواء في دول علمانية نسبيًّا كمصر والإمارات العربية المتحدة أو في دول دينية مثل السعودية – تعزّز من هذه المشاكل. تحقن محاولات السيطرة هذه السياسة داخل الدراسات الدينية. تخلط المؤسسات الدينية بين السياسة والدين في محاولة لمنح شرعية للقانون الإسلامي. وفي نهاية الأمر، يتفق رجال الدين وعناصر الجهاد على شيء واحد: أن الإسلام هو مصدر السلطات الحكومية وأنه يجب للشريعة الإسلامية أن تحكم.

يحاول العديد من الباحثين في الغرب أحيانا الزعم بأنّ دين الإسلام هو بطبيعته أكثر عنفا من سائر الأديان من خلال تسليط الضوء على بعض الآيات القرآنية. ظهر أيضا من خلال استطلاع رأي تم إجراؤه مؤخرا في الولايات المتحدة أنّ غالبية المواطنين يعتقدون أنّ الإسلام هو دين عنيف أكثر من اليهودية والمسيحية. ولكن في نصوص دينية أخرى أيضًا هناك إشارات إلى العنف. ويؤكد رجال الدين المسلمين من التيار الرئيسي في العالم العربي والغرب على أنّ النبي محمد قد أمر بالتصرف برحمة ومغفرة، ونهى عن الإكراه الديني، ودعا إلى ضبط النفس حتى في حالة الدفاع عن النفس.

نُشرت هذه المقالة للمرة الأولى في موقع ميدل نيوز

اقرأوا المزيد: 616 كلمة
عرض أقل