قبل عدة أشهر، أعلنت الفيفا وقطر قوانين عمل جديدة في البلاد، من تلك التي ستُحسّن من ظروف العمال الأجانب الذين يعيشون في نصف عبودية، ويدفعون أحيانا حياتهم ثمنا لبناء ملاعب لكأس العالم 2022. ربّما تغيّرت القوانين، ولكنها بقيت حبر على ورق. يستمر العمال، ومعظمهم من شبه القارة الهندية وأيضًا من الشرق الأقصى، في المعاناة من الظروف الفظيعة بل ويموتون.

ويُظهر تقرير "منظمة العفو الدولية" بوضوح أنّ قوانين العمل الجديدة لم تُنفّذ. ولا يهتم القطريون بأولئك العاملين. بالنسبة لهم فهم نوع من العبيد العصريين، وقد تم استثمار معظم جهودهم في إخفاء المشكلة. فعلى سبيل المثال، اعتُقل هذا الأسبوع في قطر مارك لوبل، وهو صحفي من BBC.كانت جريمته الوحيدة هي رغبته في فحص ظروف العمال الأجانب في الدولة النفطية والكتابة عنها.

عامل بناء يبني امللاعب القطرية لاستضافة العاب كأس العالم 2022 في قطر (AFP)

عامل بناء يبني امللاعب القطرية لاستضافة العاب كأس العالم 2022 في قطر (AFP)

ويبدو أنّ ذلك أيضًا لا يهمّ الفيفا. هو نفس الاتحاد الذي سيُناقش في نهاية الأسبوع القادم في مؤتمره اقتراح قرار تعليق مشاركة إسرائيل بسبب حرمان اللاعبين الفلسطينيين من المرور الحرّ. حتى لو كانت هناك إشكالية معيّنة في النهج الإسرائيلي وانتهاك للأنظمة المعيارية، فعلى الأقل في القليل من الحالات هناك حاجة أمنية وعلى أية حال فاقتراح التعليق غير مسبوق وغير متناسب. في المقابل، لا تفعل الفيفا شيئًا عندما تقوم دولة شمولية تقمع حقوق الإنسان باستخدام البشر حتى الموت. إنّ نفاقها ونفاق رئيسها جوزيف بلاتر يصرخ إلى السماء.

"يجب أن يكون هناك عدد أيّا كان من العمال الذين يموتون في البلاد الأغنى في العالم من أجل أن يصبح كأس العالم في قطر غير أخلاقي وغير ممكن سياسيًّا، ولكن ما هو هذا العدد؟"، تساءلت هذا الأسبوع في صحيفة "الجارديان" صاحبة المدونة مريانا هايد، "كم عاملا يجب أن يموت في وقت بناء الملعب من أجل أن يُعتبر بناؤه أمرًا غير مقبول؟ شيء ما يقول لي إنّ ذلك لا يُقلق بلاتر في منامه وإنّه يستمر بالنوم نوما هادئا وهذه ميزة يملكها القليل من القادة الغربيّون".

الفيفا من جهتها تغضّ الطرف. تحدّث روف هاريس، وهو من وكالة الأنباء "إي-بي" والذي كان في قطر، مع عمال أجانب. بحسب كلامهم، لم يتمّ الإيفاء بوعود تحسين ظروفهم ويحصل بعضهم على رواتب أقل بكثير ممّا وُعدوا به. ومن بينهم أيضًا أولئك الذين يُجبرون على دفع مبلغ باهظ لمجرّد الحصول على عمل، وهو أمر مناقض تماما للقانون القطري.

رئيس فيفا جوزيف سيب بلاتر (AFP)

رئيس فيفا جوزيف سيب بلاتر (AFP)

قد يكون ذلك ليس من باب الرحمة، النبل والحرص على سلامة البؤساء والمقموعين، وإنما هو حساب تكتيكي بارد، وحرص على سمعتهم الجيّدة ومنع الدعاية السلبية: كوكا كولا، فيزا وأديداس، ثلاثة من الرعاة الرئيسيين للفيفا، أعربوا في الأيام الأخيرة عن قلقهم من حالة العمال، الذين يبنون أيضًا الفنادق، الطرق، ناطحات السحاب وغيرها.

كان بيان فيزا هو الأكثر جدّية وقد يُشير إلى التغيير: "ما زلنا نشعر بالقلق من التقارير التي ترد من قطر بخصوص ظروف تشغيل العمال الأجانب المرتبطين بكأس العالم. عبّرنا عن قلقنا الجادّ في الفيفا ونحن ندعو الاتحاد إلى اتخاذ جميع الخطوات الممكنة لتغيير الوضع وللحرص على صحة العمال". رغم أنّ هناك تهديد بإزالة الرعاية - 30 مليون دولار في العام تدفعه كل واحدة من الراعيات الكبرى وهو ليس مبلغا تافها أيضًا بالنسبة للفيفا - ولكن حقيقة الأمور تشير أخيرا إلى عدم الصبر.

نُشرت هذه المقالة للمرة الأولى في صحيفة "هآرتس"