تتوحد اليوم الأمة الأمريكية لذكرى رئيسها الخامس والثلاثين، جون فيتزجيرالد كينيدي. في 22 تشرين الثاني 1963، أطلق لي هارفي أوزوالد النار على الرئيس، منهيًا أيام عهده الألف. بعد خمسين سنة على الاغتيال، يُسأل السؤال: هل نجح كينيدي في ترك أثر لا يُمحى على مجرى التاريخ الأمريكي وعلى طابع الكيان الدولي، وهل أرشد إيمانه القوي بقدرة الجنس البشري على الصعود إلى الفضاء والتغلّب على قيود فكرية، سياسية، وتكنولوجية القوة العظمى الأمريكية في سبيل التقدم والهيمنة العالمية؟ ماذا كان التفكير في إسرائيل حول الاغتيال، وممَّ خشيت القيادة السياسية الإسرائيلية آنذاك؟

غولدا مئير: "الويل إذا كان يهوديًّا متورط في قتل الرئيس"

ظنّت وزيرة خارجية إسرائيل آنذاك، غولدا مئير أنّ ثمة "زوايا مظلمة يُشكّ في أن تتّضح يومًا ما" في اغتيال الرئيس الأمريكي جون كينيدي. هكذا يتبيّن من وثائق نشرها بداية الأسبوع أرشيف دولة إسرائيل، مع مرور 50 عامًا على اغتيال كينيدي.

بعد عودتها من الولايات المتحدة، حيث مثّلت إسرائيل في تشييع كينيدي، أبلغت مئير الحكومة عن انطباعاتها. "بعد أن حدث هذا، كان ثمة شعور بأنّ هذه اللحظة قلبت عالم الأمريكيين... فضلًا عن ذلك، كان ثمة شعور حقيقي بخسارة شخصية وذاتية لكل شخص"، قالت. "يقولون في واشنطن إنه كان مليونا شخص في الشوارع. لم أرَ بعد شيئًا كهذا، صمتًا مطبقًا، لم يُسمَع أيّ صوت، كان صباحًا باردًا، وقف الناس ساعات، كان ذلك بالحقيقة حدادًا، حدادًا شخصيًّا"، قالت.

رئيسة الخارجية الإسرائيلية غولدا مئير  (AFP)

رئيسة الخارجية الإسرائيلية غولدا مئير (AFP)

وتطرّقت وزيرة الخارجية بتوسّع للشائعات التي بدأت تنتشر حول هوية القاتل. "أُصبتُ بصدمة، ولا أزال متوتّرة... حسب رأيي، في الموضوع كله (زوايا مظلمة) يُشكّ في أن تتّضح يومًا ما"، قالت. وقدّمت مئير روايتها الخاصّة لنظرية المؤامرة، حين تحدثت عن جاك روبي (يعقوب ليئون روبينستاين)، اليهودي الأمريكي الذي قتل لي أوزوالد، قاتل كينيدي، بعد يومَين من اعتقاله. "أظنّ أنّ روبي هو رسول شخص ما، وأقول: إمّا حركة سياسية سرية أو شرطة دالاس".

يُعتبَر اغتيال كينيدي أحد الأحداث الدراماتيكية في القرن العشرين ووجدت لجنة أُنشئت للتحقيق في الاغتيال أنّ الاغتيال نفّذه شخص واحد – لي هارفي أوزوالد، عمل وحده. لم يتقبل كثيرون هذه النتائج، إذ اعتقدوا أنّ كينيدي اغتيل نتيجة مؤامرة، وأنّ أكثر من شخص واحد كانوا متورّطين. يعتقد متبنّو نظرية المؤامرة أنّ مسؤولية اغتيال كينيدي تقع على أكثر من شخص واحد: وكالات الاستخبارات الأمريكية، مؤسسة الصناعة العسكرية، المافيا، وعناصر من خارج الولايات المتحدة، مثل الروس أو فيدِل كاسترو.

وتساءلت وزيرة الخارجية غولدا مئير أيضًا عن قتل قاتل الرئيس بعد يومَين على اغتيال كينيدي: "كان أوزوالد محسوبًا على كاسترو، مسجّلًا كشيوعي. حاول أن يكون في روسيا. أمور غريبة جدًّا. لكنّ الأغرب هو أمر جاك روبي... كيف دخل روبي إلى هناك؟ كيف دخل شخص غريب إلى داخل بناية الشرطة؟ إذا كان مبعوثَ كاسترو، إذا كانت ثمة حركة سرية لكاسترو، تصل حدّ اغتيال الرئيس، ويُنظَم هذا بهذه الطريقة، بحيث يُسكِتون القاتل، وإذا تكلّم رغم ذلك – فالويل إذا كان يهوديًّا متورط في قتل الرئيس "، أضافت.

برقية التعزية التي أرسلتها مئير الى وزير الخارجية الأمريكي انذاك، دين راسك (أرشيف دولة إسرائيل)

برقية التعزية التي أرسلتها مئير الى وزير الخارجية الأمريكي انذاك، دين راسك (أرشيف دولة إسرائيل)

وأطلعت مئير الحكومة أيضًا على "تنهيدة الفرج" بين يهود الولايات المتحدة، حين تبيّن أنّ القاتل ليس يهوديًّا. "إلى جانب كارثة موته، من المثير للاهتمام كيف تنفّس اليهود الصعداء، حين عُلم أنّ القاتل ليس يهوديًّا. لماذا يجب أن يُظنّ أنّ يهوديًّا تحديدًا سيغتال كينيدي – لا أعلم"، قالت.

حدث اغتيال كينيدي الساعة الثامنة والنصف من مساء السبت بتوقيت إسرائيل. بعد 25 دقيقة من إطلاق النار على الرئيس الأمريكي الأكثر شبابًا في التاريخ، وصل نبأ إصابته إلى إذاعة "صوت إسرائيل"، وتمّ بثه في نشرة أخبار التاسعة. وتلقى رئيس الحكومة، ليفي أشكول، النبأ فيما كان يمكث في تل أبيب في حفلة عيد ميلاد صديقه. بعد بضع دقائق، وصل الخبر أنّ كينيدي توفي متأثرًا بجراحه، ليغادر أشكول الحفلة إلى القدس.

برقية التعزية التي أرسلها أشكول الى الشعب الأمريكي (أرشيف دولة إسرائيل)

برقية التعزية التي أرسلها أشكول الى الشعب الأمريكي (أرشيف دولة إسرائيل)

بعد انتصاف الليل بنصف ساعة، نشر أشكول بيانًا حول وفاة الرئيس كينيدي. كتب: "وضعت يدٌ آثمة حدًّا لحياة وعمل رئيس الولايات المتحدة... كان عهده القصيرُ مفعمًا بالخير والآمال. فقد حمل في طياته أملًا بالسلام. لقد فقد العالَمُ قائدًا عظيمًا ناضَل من أجل الديموقراطية والمساواة في الحقوق في بلاده الكبيرة والعالَم كلّه".

علاقات إسرائيل بالولايات المتحدة في الستينات

كان كينيدي رئيسًا صديقًا لدولة إسرائيل، كما يقدّر محلّلون إسرائيليون، حتى إنه أجرى لقاءً تاريخيًّا برئيس حكومة إسرائيل، دافيد بن غوريون. قُبَيل انتخابه مباشرةً، اكتشف الأمريكيون عبر صُوَر الأقمار الاصطناعية بناء المفاعل النووي في مدينة ديمونة- جنوبي إسرائيل. طُلب من إسرائيل تقديم إيضاحات، لتقوم بعد فترة بتقديم كامل المعلومات للولايات المتّحدة.

موكب الرئيس كينيدي لحظات قبل إغتياله (Wikipedia)

موكب الرئيس كينيدي لحظات قبل إغتياله (Wikipedia)

في 21 كانون الأول 1960، أعلن دافيد بن غوريون في الكنيست أنّ إسرائيل تبني مفاعلًا نوويًّا، لكنه سُيستخدَم لأغراض سلميّة. يبدو أنّ كينيدي، الذي استهلّ عهده بعد أيّام، قبل الإيضاحات، ولم يطلب أمورًا أخرى لمنع تطوير إسرائيل قنبلة نووية. في لقائه مع بن غوريون في نيويورك في 30 أيار 1961، نال الرئيس الأمريكي موافقة إسرائيل المبدئية العلنية لزيارة علماء من دُوَل محايدة إلى المُفاعِل.

كانت علاقة اليهود الأمريكيين بكينيدي واضحة. فقد صوّت له معظم اليهود، رغم أنه متحدر من أسرة لاسامية، إذ إنّ والده كارهٌ لليهود. وادّعى مؤخرًا الصحفي الإسرائيلي يغآل ربيد، الذي درس سيرة كينيدي وعلاقته بإسرائيل، أنّ كراهية الأب كينيدي، الذي كان سفير الولايات المتحدة في لندن في بداية الحرب العالمية الثانية، لليهود كانت كبيرة إلى درجة هيّجت عددًا من الحاخامات ضدّه. وفقًا لنظريات المؤامرة من تلك الفترة، أصدرت مجموعة من الربانيين في إنجلترا بحقّ الأب لعنة من نوع "بولسة دنورا" (طقس لعنة في القابالاه، معناه العمليّ صلاة ليموت الملعون بسرعة). طبعًا، لا توثيق تأريخيًّا لهذه الأنباء، رغم أنّ أسرة كينيدي معروفة تاريخية كـ"أسرة ملعونة" لكثرة المصائب التي حلّت بها. فالأخ الأكبر للرئيس كان طيّارًا وقُتل، قُتلت شقيقة الرئيس في حادث طائرة، كانت للرئيس شقيقة أخرى نُقلت إلى مشفى أمراض نفسيّة وماتت، الرئيس نفسه قُتل، والأمر الأخطر والأخير هو أنّ شقيق الرئيس، عضو مجلس الشيوخ بوبي كينيدي، قتله فلسطينيّ في الذكرى السنوية الأولى لحرب 1967.

عائلة كينيدي (Wikipedia)

عائلة كينيدي (Wikipedia)

خلال عهد كينيدي، بنت إسرائيل قوتّها العسكرية، التي أظهرتها بعد سنوات في حرب حزيران 1967. ورغم أنّ الحليف الرئيسي ومصدر السلاح المركزي كان فرنسا، فقد أبدت الولايات المتحدة تعاطفًا، وساعدت الجيش الإسرائيلي، ولو بتردُّد خشية إشعال سباق تسلُّح، بتزويد أسلحة متطوّرة، بينها صواريخ حديثة مضادّة للطائرات من طراز "هوك"، طلبها بدايةً رئيس الحكومة دافيد بن غوريون في لقائه الرئيس كينيدي في نيويورك. جرى تزويد الصواريخ صيف 1962، بضغط من أعضاء كونغرس ديموقراطيين في ذروة انتخابات الكونغرس.

"حين ارتقى كينيدي السلطة، كانت النظرة من إسرائيل إليه مختلَطة – الأمل من جهة وبعض الشك من جهة أخرى. كانت هذه علاقات محبة وبُغض، فهو دعم إسرائيل من جهة، ربما بسبب مشاعر الذنب. ولكنه من جهة أخرى، عارض بشدّة المفاعل النووي في ديمونة. وفقًا للتحقيقات التي توصّلنا إليها، شعرت إدارة كينيدي أنّ إسرائيل تُخاتلها. لذا، أرسلت وكالة المخابرات المركزية (CIA) والأقمار الاصطناعية الأمريكية لفحص ما يجري هناك"، ادّعى الصحفي ربيد.