فاجأ التعيين الخاطف للملك عبد الله، نجل الملك حسين، وريثا للعرش قبل أيام قليلة من وفاة الملك في 7 شباط 1999 الكثيرين، بعد سنوات طويلة كان فيها شقيق الملك، حسن، وليّ العهد. لم يكن معروفا الكثير عن الأمير الشاب عبد الله، الذي أصبح خلال أيام معدودة ملكا، وتندّر الكثيرون وقالوا إنّ الملك الجديد للأردن هو أمريكي أكثر من كونه عربيا.

بعد نحو عام من ذلك، في صيف 2000، توفي حافظ الأسد، رئيس سوريا وهي الدولة الشمالية الجارة للمملكة الأردنية. خلال زمن قصير، أصبح طبيب العيون الشاب بشّار الأسد حاكما في سوريا. واليوم، بعد 17 عاما على وفاة الملك حسين، يبدو أنّه في حين أنّ وريث الحسين يُبلي بلاءً حسنا في المملكة الهاشمية، فإنّ وريث حافظ الأسد غارق كثيرا في حمام من الدماء.

لقد وصلت مظاهرات الربيع العربي عام 2011 بعد عقد من تولي كلا الحاكمين الشابين زمام الأمور في الحكم. كيف، إذن، نجح الملك عبد الله في الحفاظ على مملكته، في الوقت الذي تورّط فيه بشّار الأسد من الشمال بمجازر دموية؟. يعدّد الخبراء بالشأن الأردني خمسة أسباب لذلك:

1. الاعتدال. في الوقت الذي جرّت فيه مظاهرات الربيع العربي عام 2011، مصر وسوريا إلى العنف، بل إلى حرب أهلية حقيقية في سوريا، فقد بذل رجال الشرطة الأردنيون كل ما في وسعهم كي لا يسكبوا الزيت على النار. تجنّبت القوى الأمنية الأردنية استخدام الأسلحة النارية، بل وفي حالات عديدة قدّمت للمتظاهرين المنهكين مياه الشرب، بشكل هدأ من احتجاجهم.

لقاء بين الملك عبد الله والرئيس السوري بشار الأسد، عام 2000 (AFP)

لقاء بين الملك عبد الله والرئيس السوري بشار الأسد، عام 2000 (AFP)

2. الاستجابة للاحتجاجات. يوضح الخبير بالشؤون الأردنية يوآف ألون أنّ الاستجابة السريعة للنظام الأردني للمظاهرات الأولى في الربيع العربي، وأخذ زمام المبادرة تفسّر نجاحه في احتواء الاحتجاجات وتهدئة النفوس. عرض النظام حوافز اقتصادية وإصلاحات دستورية نجحت في تهدئة النفوس. نجح الملك في أن يُظهر للمواطنين أنّه مهتمّ بقضيتهم، وذلك مقارنة بالمستبدين من دول الجوار والذين أظهروا تجاه المواطنين الاحتقار الذي زاد من غضبهم.

3. ضعف الإخوان. مكّن انقسام حركة الإخوان المسلمين، الأسرة المالكة من إضعاف التهديد المحتمل الكامن في هذه الحركة. في هذا السياق لعب الحظّ لصالح النظام، حيث ساعد الانقلاب العسكري في مصر في صيف 2013 كثيرا في إضعاف حركة الإخوان، التي لم تنجح في التعافي حتى اليوم.

مظاهرة الإخوان المسلمون في الأردن ضد إسرائيل (AFP)

مظاهرة الإخوان المسلمون في الأردن ضد إسرائيل (AFP)

4. تحييد السكان الفلسطينيين. يضيف ألون ويوضح أنّ أحد إنجازات النظام، والذي سمح له بالحفاظ على استقراره هو تحييد السكان الفلسطينيين في الأردن، وإبعادهم عن دائرة الاحتجاج. طالما بقي الفلسطينيون في الأردن خارج موجة احتجاجات الربيع العربي، فلن تجد المملكة صعوبة في التعامل مع حجمها المحدود. ولكن لو طالب الفلسطينيون بحقوقهم في جميع شوارع الأردن، فلا يمكن أن نعلم إذا كانت الاحتجاجات ستمر من دون ضحايا.

5. استقرار اقتصادي على مدى كل سنوات الاحتجاج. نجح الاقتصاد الأردني في الحفاظ على مؤشرات مناسبة، ولم يدخل في أزمة اقتصادية حقيقية حتى عندما دخل تيار كبير من اللاجئين إليه من سوريا. استمر الاقتصاد في النموّ، فبقي معدّل الدين العام منخفضا، بل ولم ترتفع معدلات البطالة بشكل كبير. ولكن عام 2015 بدأت الصورة بالتغير، عندما انخفض معدّل نموّ الناتج المحلّي الإجمالي، في الوقت الذي استمر فيه معدّل البطالة بالارتفاع. واليوم، حيث لا نرى نهاية للحرب المستعرة في سوريا، من الصعب التنبؤ إذا ما كانت المملكة ستستطيع الحفاظ على اقتصاد قومي مستقر ترافقه احتياجات أمنية آخذة في الازدياد، وتيار لاجئين لا يمكن إيقافه.