لقد تلقت الجماهير الإسرائيلية والفلسطينية على حد سواء إعلان وزير الخارجية جون كيري، يوم الجمعة المنصرم في عمان، حول استئناف المفاوضات ببرودة ملحوظة. بعد 4 أعوام من الجمود السياسي، التي لم يلتق فيها الطرفان في مفاوضات حول مستقبلهما وبعد 20 سنة من بدء المفاوضات في أوسلو، يبدو أن شيئًا ما بقي على ما كان عليه وهو المحادثات ومحاولات إيجاد صيغ سياسية للحياة المشتركة. فيما يلي ملخص لتاريخ المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية.

الجميع يتذكرون تاريخ 13‏ أيلول ‏1993، حيث وقف ياسر عرفات وأبو مازن من جهة، ووقف من الجهة الأخرى رئيس الحكومة الإسرائيلي إسحاق رابين وشمعون بيرس الذي كان يتقلد في حينه منصب وزير الخارجية، في حديقة البيت الأبيض. وقد وقف بينهم رئيس الولايات المتحدة في حينه بيل كلينتون. وفي موقف ملزم، وقع الطرفان على ما تمت تسميته فيما بعد اتفاقية أوسلو.

ومع مرور السنوات، أدارت حكومات إسرائيل محادثات مع ‎ ‎‏الدول العربية‏‎ الجارة حول مصير أراضي ‎‏الضفة الغربية وقطاع غزة‏‎، ورفضوا التحاور مع من اعتبر نفسه ممثل الفلسطينيين‏‎، منظمة ‎‏التحرير الفلسطينية‏‎. وقد لقيت مكانة منظمة التحرير الفلسطينية تعزيزا لها في العام ‏1974‏، حيث أعلنت الجامعة العربية أن المنظمة‏‎ هي الممثل الوحيد للشعب الفلسطيني وبعد أن أعلن الأردن‏‎ في العام‎ ‎‏‏‎1988‎‏‏‎ ‎عن قطع العلاقات بينها وبين‎ ‎‏الضفة الغربية.
لقد حذت الانتفاضة الأولى التي نشبت في الضفة الغربية وغزة بالطرفين إلى التفاهم بأنه من دون حل سياسي ومفاوضات مباشرة بتشجيع من الدول العظمى، لن يكون هناك حسم وستتدهور الأمور إلى المزيد من العنف.

في أواخر الانتفاضة، التقى للمرة الأولى ممثلون إسرائيليون مع ممثلين فلسطينيين كانوا جزءا من وفد أردني فلسطيني مشترك. كان ذلك في إطار مؤتمر السلام في مدريد. وقد اتفق في المؤتمر على إجراء محادثات ثنائية الجانب في واشنطن.

وقد شمل إعلان المبادئ في اتفاقية أوسلو، من بين أمور أخرى، إقامة حكم ذاتي فلسطيني فوري في غزة وأريحا، نقل صلاحيات مسبقة للفلسطينيين في الضفة الغربية، واتفاق بشأن الحكم الذاتي وإجراء انتخابات حرة للمجلس الفلسطيني. وقد اتفق الطرفان أيضا على فترة انتقالية قوامها خمس سنوات من الحكم الذاتي الفلسطيني؛ إرجاء المناقشات في مسائل الترتيبات الدائمة مثل القدس، اللاجئين، المستوطنات، الترتيبات الأمنية والحدود وغيرها - إلى أن يتم الشروع بمفاوضات حول هذه المواضيع في وقت لا يتعدى السنة الثالثة من الفترة الانتقالية. وفي أعقاب الاتفاق، حصل رابين، بيرس وعرفات بتاريخ 12 كانون الأول من العام 1994 على جائزة نوبل للسلام.

 اسحاق رابين وياسرعرفات يتصافحان (AFP)

اسحاق رابين وياسرعرفات يتصافحان (AFP)

وقد عُرفت اتفاقية القاهرة التي تم توقيعها هي أيضا في أعقاب محادثات في واشنطن في أيار 1994، باسم الاتفاقية بشأن غزة ومنطقة أريحا، ووفرت حلا وسيطرة ذاتية للسلطة الفلسطينية على هذه المناطق. وكانت اتفاقية القاهرة حالة اختبار لنوايا منظمة التحرير الفلسطينية في تنفيذ إقراراتها بشأن التخلي عن طريق العنف وكذلك لقدرة المنظمة على بسط سيطرتها الفعلية على السكان.

وكانت المرحلة التالية هي اتفاقية أوسلو، أو كما تُدعى باسم اتفاقية طابا، التي كان هدفها الأساسي توسيع صلاحيات منظمة التحرير الفلسطينية، انسحاب إسرائيل من مناطق مأهولة، التزام فلسطيني بإلغاء بنود عدم الاعتراف والدعوة إلى إبادة إسرائيل من الميثاق الوطني الفلسطيني واتفاقات لنشاطات أمنية وجولات مشتركة لترسيخ الأمن المشترك. تم التوقيع على هذه الاتفاقية في شهر أيلول من العام 1995.

عشية الانتخابات في إسرائيل في العام 1996، تنافس على منصب رئيس الحكومة كل من نتنياهو وبيرس وبعد منافسة متكافئة، فاز نتنياهو على بيرس بفارق ضئيل. كانت هذه فترة قاسية للطرفين حيث وضعتهما أمام اختبارات البقاء: زيادة العمليات والمقاومة الشعبية من قبل الفلسطينيين ونشاطات أمنية واسعة النطاق على أراضي الضفة الغربية.

وقد تم التوقيع على اتفاقية الخليل في شهر كانون الثاني 1997، وكان هدفها هو توفير حل خاص يتعلق بمدينة الخليل، بسبب تواجد سكان يهود فيها. وقد قسمت الاتفاقية مدينة الخليل إلى نوعين من المناطق - مناطق كانت تحت السيطرة الفلسطينية، ومناطق كانت إسرائيل هي المسؤولة عن الترتيبات الأمنية فيها. وقد شملت الاتفاقية أيضا مرابطة قوة مراقبين دولية لمراقبة إنجازها.

اتفاقية واي ريفر (AFP)

اتفاقية واي ريفر (AFP)

كانت المرة التالية التي التقى فيها الطرفان بتاريخ 23 تشرين الأول من العام 1998، حيث وقعت حكومة إسرائيل والسلطة الفلسطينية، في نهاية محادثات ماراثونية بوساطة كلينتون والملك حسين، في البيت الأبيض على مذكرة واي التي وافقت إسرائيل في إطارها على الانسحاب من 13 بالمائة من أراضي الضفة الغربية، على أن يتم ذلك بمراحل، مقابل زيادة مكافحة الإرهاب، زيادة التعاون الأمني بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية واعتقال المخربين.

وعند تبادل السلطة في إسرائيل وفوز إيهود باراك الساحق في الانتخابات، تم التوقيع في شهر أيلول 1999 على مذكرة شرم الشيخ التي ترسم طريقا لتطبيق الاتفاقيات الانتقالية التي تم التوقيع عليها بين إسرائيل والفلسطينيين منذ العام 1993. وتحدد المذكرة جدولا زمنيا يبلغ أربعة أشهر ونصف الشهر لنقل الأراضي لتقع تحت مسؤولية السلطة الفلسطينية الكاملة، وذكرت الانسحاب من أراضي في الضفة الغربية وأقرت للمرة الأولى آلية للشروع بمفاوضات الاتفاقية النهائية.

فشل محادثات كامب ديفيد (AFP)

فشل محادثات كامب ديفيد (AFP)

وقد أدت كافة محاولات التفاوض والعمليات الانتقالية وفحص نجاح أوسلو في شهر تموز 2000 إلى مؤتمر كامب ديفيد. وكان الهدف هو إدارة نقاشات ماراتونية يقوم فيها رئيس الحكومة باراك وعرفات بإدارة المفاوضات للتوصل إلى اتفاقية سلام وإنهاء النزاع بشكل نهائي. ويتذكر الجميع فترة التوتر في إسرائيل على خلفية ضعف باراك في الداخل وتردد عرفات في المراهنة على كل شيء، الأمر الذي أدى إلى تكوّن صورة مربكة، يبدو فيها باراك وعرفات يدفع أحدهم الآخر على مدخل أحد المباني التي تم إجراء المفاوضات فيها. وقد تُوّج كامب ديفيد بالفشل الذريع وأدى إلى نشوب الانتفاضة الثانية - انتفاضة الأقصى.

في السنوات التي تلت ذلك، أدت ممارسات الانتفاضة إلى إلغاء معظم الاتفاقات بين دولة إسرائيل والفلسطينيين، والتي تم التوصل إليها في اتفاقيات أوسلو بمراحلها المختلفة.

في الأسابيع الأولى من الانتفاضة الثانية، وفي منتصف شهر تشرين الأول 2000، تم عقد قمة في شرم الشيخ برعاية الرئيس كلينتون، حيث أعلن فيها أنه قد تم التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار بين الطرفين، انسحاب قوات الجيش الإسرائيلي واستئناف المفاوضات بعد شهرين. وقد أدت الاتفاقية، من الناحية الفعلية، إلى هدوء مؤقت فقط في القتال.

بتاريخ 21 كانون الأول 2000، أعلن كلينتون عن خطة للترتيبات الدائمة، تقضي بأن يحصل الفلسطينيون على ما يتراوح بين 90-100 بالمائة من أراضي الضفة الغربية وغزة. تتم إقامة آلية تتيح حل قضية اللاجئين بشكل عملي، من دون أن تغير طابع إسرائيل الديموغرافي. القدس: ستكون المنطقة المأهولة بالعرب تابعة للدولة الفلسطينية، والمنطقة المأهولة باليهود ستكون تابعة لدولة إسرائيل، والتقسيم حسب المصالح في البلدة القديمة. وقد فشل هذا المخطط - مخطط كلينتون- أيضا.

مؤتمر أنابوليس في الولايات المتحدة (AFP)

مؤتمر أنابوليس في الولايات المتحدة (AFP)

كانت "خارطة الطريق" هي خطة الرئيس الأمريكي جورج بوش القادمة. وكانت الخطة تهدف إلى توفير حل لمطالب الفلسطينيين، إقامة دولة فلسطينية على مناطق الضفة الغربية وقطاع غزة حتى أواخر العام 2005، بعد أن يتم وضع حد للعنف والإرهاب الفلسطينيين ضد إسرائيل.
وقد تم التخلي عن المبادرة الأمريكية بهدف معالجة مشاكل أكبر، المعارك في العراق وأفغانستان ضد القاعدة، ولم تخرج القرارات والاتفاقات بين الطرفين إلى حيز التنفيذ.

بتاريخ 27 تشرين الثاني 2007، تم افتتاح مؤتمر أنابوليس في الولايات المتحدة، حيث شارك فيه بوش، رئيس الحكومة الإسرائيلي إيهود أولمرت وأبو مازن. كما شارك في المؤتمر وزراء خارجية ودبلوماسيين من إسرائيل، السلطة الفلسطينية، الدول العربية ودول كثيرة أخرى. في نهاية المؤتمر، تم نشر الإعلان الإسرائيلي-الفلسطيني القاضي بمواصلة المفاوضات بين الطرفين، في نهاية المؤتمر، وأن الاتفاقية الدائمة لإنهاء النزاع بين الشعبين، سيتم التوصل إليها حتى أواخر العام 2008. اتفق الطرفان أيضا على أن حل النزاع سيشمل إقامة دولة فلسطينية. لم تنضج هذه المحاولات أيضا وقد اقتلعت وهي في مهدها.

لقد أدى تبادل السلطة في إسرائيل إلى تسلم نتنياهو منصب رئيس حكومة إسرائيل مرة أخرى في بداية العام 2009. لم يكن موقف نتنياهو، حتى الآن وخلال السنوات التالية، واضحا فيما يتعلق بحل دولتين لشعبين، ولكن في شهر حزيران من العام ذاته ألقى نتنياهو "خطاب بار إيلان"، حيث قال فيه "سنكون مستعدين للموافقة على دولة فلسطينية منزوعة السلاح إلى جانب الدولة اليهودية"، وأبدى أملا في رؤية "شعبين حرين يعيشان جنبا إلى جنب، لكل منهما علمه، نشيده الوطني وحكمه الخاص". غير أن نتنياهو شدد على أن هذه التنازلات لن تأتي مجانًا وأنه سيطلب من الفلسطينيين الاعتراف بإسرائيل كدولة يهودية، وأن القدس ستبقى موحدة وأن قضية اللاجئين سوف تُحل خارج حدود دولة إسرائيل. ابتداء من ذلك الوقت، بدأت فترة جمود سياسي عميق حيال الإنهاك من نتائج الانتفاضة الثانية، وريبة متبادلة التي كنّها كل طرف للطرف الآخر وظهور ربيع الشعوب العربية الذي أدخل الشرق الأوسط في دوامة عميقة.

لم يتوقف تدخل الأمريكيين على الرغم من أن توجه الرئيس أوباما إلى معالجة المشاكل الداخلية كان واضحا. يتذكر الجميع التوبيخ الذي "حظي" به الزعيمان نتنياهو وأبو مازن من أوباما (أيلول 2009) في نيويورك، على خلفية إصرارهما على التشبث وعدم استغلال اللحظة الأمنية المواتية الهادئة لاستئناف المفاوضات، إذ قال أوباما "هذا هو الوقت لوقف التحدث عن الشروع بمفاوضات، وبدء الاتصالات بأسرع وقت ممكن حول الترتيبات النهائية - هذا أمر ملحّ بالنسبة للعالم بأسره".

بتاريخ ‏29‏ كانون الأول ‏2012‏، بعد ‏65‏ سنة بالضبط من الثاني من تشرين الثاني ‏1947‏، صادقت الجمعية العامة في الأمم المتحدة، بأغلبية ساحقة من ‏138‏ مؤيدا مقابل ‏9‏ معارضين و 41‏ ممتنعًا على قبول فلسطين كدولة مراقبة. في خطاب هجومي جدا قال أبو مازن أن "هذه فرصة أخيرة للسلام".

جون كيري مع بيريس وعباس ( FLASH90)

جون كيري مع بيريس وعباس ( FLASH90)

وبعد انتخاب أوباما للفترة الثانية، حيث يواجه انتقادات داخلية حادة جدا بسبب تصرفه المتردد في مسألة القتال في سوريا، تدهور العلاقات مع مصر والحرب في ليبيا، عيّن وزير الخارجية كيري في منصب مبعوثه الخاص لشؤون المفاوضات بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية. ثمة من يقول أن أوباما قد فهم أن الظروف لم تزل غير مواتية لإحلال السلام بين الطرفين، ولذلك تراجع وأرسل كيري، الذي بدا متحمسًا حقيقيًا ومعنيًا بدفع الطرفين باتجاه طاولة المفاوضات.

لم تتقدم المفاوضات بين الطرفين، وبعد الانتخابات في إسرائيل والولايات المتحدة تم إرسال وزير الخارجية الأمريكي، جون كيري، إلى المنطقة مرة أخرى. كما زار المنطقة الرئيس أوباما في شهر آذار والتقى نتنياهو وأبا مازن. بتاريخ ‏19‏ تموز ‏2013‏ أعلن كيري عن استئناف المفاوضات السياسية بين الطرفين.