تشلك نتائج الجولة الأولى من الانتخابات الإقليمية في فرنسا أمس (الأحد) الإنجاز الأهم لليمين المتطرف في هذه الدولة الأوروبية الكبيرة منذ الحرب العالمية الثانية. في الحقيقة، فقد شكّل حزب الحرية في النمسا حكومة، وفي هنغاريا، فإنّ حزب يوبيك العنصري هو ثاني أكبر حزب، ولكن كلتاهما ليستا دولتين بمستوى فرنسا.

لم تنجح الجبهة الوطنيّة أبدا في أكثر من انتخابات رؤساء بلديات المدن الصغيرة نسبيًّا، ولكن منذ يوم أمس، ليس فقط أنها تحتل المركز الأول مع أكثر من 30% من مجموع الأصوات، فإنّ ممثليها، ومن بينهم زعيمة الحزب، مارين لوبان، هم الآن المرشّحون الرائدون قبيل جولة الانتخابات الثانية، في ستّة من بين 17 إقليما.

من الصعب أن نقدّر بدقّة مدى تأثير العمليات الإرهابية في باريس قبل ثلاثة أسابيع على الانتخابات. فقد ارتفعت نسبة تأييد الرئيس فرانسوا هولاند بأكثر من 50% منذ العمليات، ولكن تقدير تعامله الآمن لم يُتَرجَم إلى دعم حزبه. وصل الاشتراكيون إلى المركز الثالث مع 22% فقط.

فرنسيون في مواقع الحزن في باريس (AFP)

فرنسيون في مواقع الحزن في باريس (AFP)

ولكن هذا زلزال كان متوقعا كثيرا قبل أن تهاجم داعش باريس. فكانت الإشارة الأهم الأولى عام 2002 عندما وصلت مؤسسة الجبهة جان ماري لوبان إلى المركز الثاني في الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية، وصعدت للجولة الثانية مقابل جان شيراك (الذي خسر حينها). عام 2005 فاجأ الشعب الفرنسي السياسيين عندما صوّت 55% ضد الدستور الأوروبي في استفتاء شعبي، وذلك في أعقاب حملة تشويه تقول إنّ "السبّاكين البولنديين" سيأتون ويأخذوا أماكن عمل الفرنسيين. في وقت لاحق من نفس العام حدثت أعمال الشغب في الضواحي وقد نُسبت إلى المهاجرين باعتبارهم المسؤولين الرئيسيين.

منذ ذلك الحين، استغلت الجبهة الوطنية، تحت القيادة الجديدة لابنة الجيل الثاني في القبيلة مارين لوبان، صورة فرنسا التي فقدت السيطرة، سواء على حدودها لصالح الاتحاد الأوروبي، وكذلك على مناطق بأكملها من مدنها لصالح المهاجرين المسلمين. لقد زادت التفجيرات، وكذلك حقيقة أن الناخبين قد ذهبوا إلى صناديق الاقتراع في حالة طوارئ وتحت حراسة أمنية مشدّدة، من حدة الرسالة فقط.

والنتيجة شبه المؤكدة، والتي بحسبها فعلى الأقل في عدة مناطق ستفوز الجبهة الوطنيّة في الجولة الثانية أيضا، تكمن فيها أيضا معضلة صعبة للجالية اليهودية. فقد نفت القيادة المؤسسية للجالية حتى الآن بشدّة أي اتصال بالقوميين، بسبب الماضي المعادي للسامية لدى الحزب (رغم محاولات لوبان الابتعاد عن والدها ناكر الهولوكوست).‎ ‎كان الاستثناء الوحيد هو في بعض البلدات الصغيرة الواقعة تحت سيطرة الجبهة، والتي توجد فيها مؤسسات يهودية، بشكل أساسي مقابر، حيث تجري هناك محادثات على أساس محلّي فقط. هناك صلاحيات واسعة للسلطة المحلية وميزانيات كبيرة جدّا وسيكون من الصعب جدا تجنّب التعاون معها.

لم يتم التوقيع بعد على إنجاز لوبان. إذ ستقام جولة ثانية من الانتخابات بعد أسبوع لأنّه لم ينجح أي مرشّح بغالبية الأصوات في أية منطقة. ولكن يبدو بشكل شبه مؤكد بأنّ الجبهة الوطنية ستسيطر على الأقل على بعض المناطق، ولا سيما، بعد أنّ أعلن الرئيس الأسبق، نيكولا ساركوزي، الذي وصل حزبه الجمهوري إلى المركز الثاني بنسبة 27% من الأصوات، أنّه لن تكون هناك تحالفات تكتيكية من أجل منع نجاح القوميين.

ومع ذلك، فالسؤال الأكبر هو إذا نجحت لوبان في القيام بما لا يُصدّق، حتى الآن، أي إعادة الإنجاز على المستوى القومي في عام 2017، في الانتخابات. ما زال ذلك يبدو غير معقول، ولكن من هذه الزاوية، عندما تهبّ الرياح السيئة للقومية، المعادية للأوروبية وكراهية المهاجرين في أوروبا، فلا يمكن استبعاد أي شيء.

نشر هذا المقال لأول مرة في‎ ‎‏صحيفة هآرتس