استقر اليهود، طوال نحو 2600 سنة، بين أنهر بابل، وشكلوا هناك أقدم وأعرق جالية يهودية على الإطلاق، وهي جالية ذات جذور عميقة. ولكن التغييرات التاريخية التي حدثت في القرن الـ 20 أدت بهذه الجالية القديمة إلى الاندثار التام، تقريبًا.

اقتلعت الحروب التي مزقت العراق، بين السنة والشيعة، بين الأكراد والفرس والعرب، والحرب بين الفلسطينيين وإسرائيل، الجالية من مكانها. بقي من الجالية اليهودية الكبيرة في العالم، والتي كان تعدادها 120 ألف نسمة، بعض اليهود فقط.  كان بالإمكان، في فترة حرب الخليج الأولى، أن نجد في بغداد بضع عشرات من العائلات، وفي حرب الخليج الثانية هاجر عشرات من اليهود منها. تُشير التقديرات الجديدة أنه لم يتبقَ في تلك البلاد إلا سبعة أو ثمانية يهود.

قبر البي حزقيال (ذو الكفل) في العراق، أقيم مكانه مسجد (AFP)

قبر البي حزقيال (ذو الكفل) في العراق، أقيم مكانه مسجد (AFP)

لغة  يهود العراق لم تكن العبرية، ولكنها لم تكن أيضًا شبيهة جدًا باللهجة العراقية العربية. كانت لليهود لغتهم الخاصة، كما في كل دولة، هكذا كانت اليهودية العراقية لغة الحياة العادية، اللغة التجارية والثقافية ليهود العراق. إنما اليوم، ما من أحد، تقريبًا، يتحدث هذه اللغة، ومحت الحرب أي أثر لهذه الثقافة.

تحدث الممثل والكاتب الإسرائيلي يوسي آلفي، المولود في البصرة، خلال لقاء له على قناة 23 الإسرائيلية وقال: "الدولة التي أتينا منها لم تعد موجودة. ليس هناك مكان نعود إليه، الشارع اليهودي لم يعد موجودًا. فعل الأمريكيون الذين ألقوا قنابلهم على مستودعات صدام حسين ذلك بشكل جيد، حيث دُفنت اليهودية هناك".

"تلك ليست مجرد لغة، إنها قصة. فقدنا قصة، وأن نفقد قصتنا معناه أن نفقد الروح". وأضاف آلفي: "ما حدث للطائفة اليهودية في العراق لم يحدث لأية جالية أخرى في أي مكان، لأننا فقدنا قصتنا بشكل تام... لقد اختفت اللغة، واختفت القصة وهذه كارثة ثقافية من الدرجة الأولى".

مجموعة في الفيس بوك تُدعى "نحافظ على اللغة العراقية"

مجموعة في الفيس بوك تُدعى "نحافظ على اللغة العراقية"

هناك أكثر من 10,000  يهودي من مواليد العراق الذين توحدوا في مجموعة في الفيس بوك تُدعى "نحافظ على اللغة العراقية"، ويتشاركون من خلالها القصص، الأغاني والثقافة العراقية التي تركوها. كتبت عضوة في المجموعة، زهافا بركه: "حققت المجموعة لي حلم طفولتي. منذ أن كنت في جيل 15 عاما كان يهمني الحفاظ على اللغة العراقية جدا. تعالوا لنثري كل منا الآخر، وندفع قدما الفنانين، المغنين، الممثلين، الأفلام والقصص، وكل ما يخطر على البال وقد يدفع اللغة العراقية قدما".

 

إضافة إلى هذا، تستخدم المجموعة لأبناء الجيل القادم من الجالية العراقية في إسرائيل، والمعنيين بتعلم ومعرفة معنى كلمات خاصة باللهجة العراقية اليهودية.

على سبيل المثال، يتعلم الجيل الجديد ماذا تقصد الجدة عندما تقول: "الوقاية أحسن من ألف علاج"، وبأي سياق يجب قول "أنا غنية وتعجبني الهدية"، ولماذا عندما نتمنى أمرا جيدا ويحدث عكس ذلك، يمكن القول: "ردنانو بلبل طلع بقيع".

وتُواجه ابنة آلفي، شيري، مع هذا الضياع الثقافي من خلال الغناء. تكتب شيري، التي تتحدث العبرية في حياتها اليومية، وتُغني باللهجة العراقية اليهودية، وتحظى بردود فعل إيجابية من سكان العراق الذين يُبدون اشتياقهم ليهود العراق.