إن دعم تركيا للثوار السُنة في سوريا ومعاداتها للنظام العلوي قد فتحت صندوق باندورا في تركيا ذاتها. يشعر العلويون في الدولة بعزلة متزايدة بسبب سياسة الحكومة، ويزداد التوتر بين المجموعات.

العلويون في سوريا هم بطبيعة الحال طائفة الرئيس بشار الأسد، وهم المتكأ الرئيسي لنظامه. غير أن قلة يعرفون الأقلية العلوية الأكثر جدية - هذه الموجودة في تركيا. يشكل العلويون في سوريا نحو 10 وحتى 15 بالمائة فقط من مجموع عدد السكان (أي بين 2-3 ملايين نسمة). أما في تركيا فهم لا يشكلون فئة منفردة في تعداد السكان، ولكن هذه المجموعة، حسب التقديرات الحذرة (يطلق عليهم في تركيا اسم علاهيون ‎ - Alevi)، تضم بين عشرة ملايين وعشرين مليون نسمة. هناك من يعتقد أن العدد أكبر. على الرغم من الاسم المشابه، فإن العلويين الأتراك يختلفون عن السوريين. صحيح أنهم متصلون بشكل طفيف بالشيعة، إلا أن معتقداتهم تختلف وهم ينسبون أنفسهم إلى مؤيدي القديس المتصوّف المشهور من القرن الثالث عشر الحاج بكتاش ولي.

ويعتقد الباحثون في مجال الأديان أنه قبل القرن العشرين كانت تعيش في منطقة الأناضول والبلقان عشرات وربما مئات الطوائف المختلفة، في منطقة جغرافية تربط بين الإسلام الشبعة، الصوفيين والمسيحيين. كل طائفة من الطوائف أنشأت الارتباط الخاص بها، وسلسلة الطقوس والعادات التي تميّزها. في بداية القرن العشرين فقط، ونتيجة الضغط الخارجي وبفضل أعمال "علمية" قام بها باحثون أوروبيون، نشأت المجموعة التي تعتبر نفسها علوية في تركيا المعاصرة.

يقيم العلويون طقوسهم في دار عبادة يسمونها إوي‎ (Cem Evi)، ‎بيت اللجنة أو بيت الجمع بالتركية، خلافا للجامع ‎،cami – ‎، (وهو الاسم المتعارف عليه للمسجد في تركيا). يصلي الرجال والنساء ويرقصون معا في لقاءاتهم الدينية، وتشمل طقوسهم شرب النبيذ الممنوع في الإسلام.

على الرغم من أنهم أيدوا العلمانية الكمالية أكثر من سائر الطوائف في تركيا، إلا أن العلويين قُمعوا على مر السنوات، ولم يجرؤوا على رفع رأسهم. لقد حافظوا على بروفيل منخفض وتوخوا الحذر بكل ما يتعلق باحترام الحكومة. بدأت الأمور تتغير قبل بضع سنوات، سواء في أعقاب الديمقرطة المتزايدة في تركيا في أول فترتي تولي لأردوغان، أو في أعقاب الاعتراف بعددهم الكبير وبقوتهم الانتخابية.

غير أن التوتر بين السكان العلويين وبين السلطة أخذ يتزايد في السنتَين الماضيتَين. ينبع جزء منه من تبلّد حواس الحكومة. فعلى سبيل المثال، أعلن أردوغان قبل سنة أنه لكون العلويين مسلمين، والمسلمون يصلون في المسجد، لا حاجة إلى الاعتراف بهم كدين منفرد ولا سبب في إقامة دور عبادة خاصة من أجلهم. وقد انضم إلى ذلك، رفض رئيس البرلمان توفير غرفة صلاة خاصة بالعلويين في المبنى لنفس السبب. وقد حدثت مصادمة أعنف في أعقاب قرار الحكومة بناء جسر ثالث على مضيق البوسفور، وتسميته باسم السلطان سليم الأول (المعروف بكنيته "القاطع"). سليم الأول هو بالنسبة للعلويين رمز الشر السني. في بداية القرن السادس عشر، ارتكب السلطان مجزرة ضد العلويين والشيعة الذين تمردوا على حكمه، وقتل عشرات الآلاف منهم من دون تمييز. إن تسمية الجسر الكبير باسمه يُعتبر إهانة وعدم أخذ شعور العلويين بعين الاعتبار.

غير أن ما أدى إلى تدهور العلاقات إلى حضيض لم يسبق له مثيل كان وقوف تركيا غير المتهاون إلى جانب المعسكر الذي يعارض بشار الأسد. وصف علويون كثيرون هذه العملية على أنها سنيّة واضحة لسياسة تركيا، وقد اعتُبرت تصريحات غير حذرة من قبل وزراء وأعضاء برلمان المؤيدة للسنة وضد الشيعة والعلويين بمثابة كشف عن نوايا الحكومة الحقيقية. أحد الأقوال الأكثر مسّا كان تصريح أردوغان القائل بأنه في العملية الإرهابية الكبيرة في بلدة ريهانلي سقط 53 شهيدًا سنيًا. لم يتمكن سكان المنطقة، والعلويون في تركيا عامة، من تجاهل ما تم اعتباره محاولة من قبل رئيس الحكومة للفصل بين دم وآخر.

وقد تمت في الأشهر الأخيرة عدة محاولات للتوصل إلى مصالحة بين السنة والعلويين. من بين أمور أخرى، بدأت حركة رجل الدين المعروف فتح اللة غولن العمل على شراء منشأة مشتركة في أنقرة يتم فيها إقامة مسجد وإلى جانبه بيت صلاة علوي. غير أن الإعلان ووضع حجر الأساس أثارا غضب كبير في الطائفتين على حد سواء. فمن وجهة نظر السنة المتشددين، اعتبرت المبادرة نوعًا من الاعتراف الإسلامي بالكفر التام، وأما من وجهة كثيرين من العلويين فكانت هذه بمثابة محاولة لشراء ثقة الطائفة بسعر رخيص وتغطية الإجحاف والإهمال من قبل السلطة طيلة سنوات عديدة.

التوتر بين الطوائف، الذي كان في سبات طيلة سنوات، يكشف عن علامات مقلقة من اليقظة‎.

هذا التحليل المثير هو لأحد الكتاب الأكاديميين العاملين في موقع "Can Think"، والمختص في شؤون الشرق الأوسط. ونضيف أن الموقع "Can Think" هو مشروع مستقل، لا يمت بصلة إلى أي جهة سياسية أو اقتصادية، ويعمل بموجب نموذج اشتراكي. الكُتاب والعاملون في الصحيفة هم أكاديميون، يقدمون تحليلات موضوعية من منظور بحثي.