على خلفية الوضع الاقتصادي الصعب في إسرائيل وارتفاع غلاء المعيشة، ينشغل في الآونة الأخيرة محللون اقتصاديون بالمقارنة بين مستوى غلاء المعيشة في إسرائيل وبين دول أخرى في العالم. النتيجة هي قاطعة: العيش في إسرائيل غالِ جدا. كما أن وسائل الإعلام الإسرائيلية تناقش الموضوع يوميا: في الآونة الأخيرة عرضت القناة العاشرة الإسرائيلية سلسلة تقارير عن عائلات إسرائيلية تفضل ترك البلاد والبحث عن دول يكون فيها مستوى المعيشة منخفضا.

لقد أغضبت سلسلة التقارير المذكورة أعلاه وزير المالية، لبيد، الذي توجه مباشرة إلى صفحته على الفيس بوك ووضع عليها في الأيام الأخيرة تعليقا غاضبا جدا حول الظاهرة. حيث كتب: كلمة لكل أُولئك الذين "أصبحوا لا يحتملون" و"يهاجرون إلى أوروبا". لقد وجدتموني صدفة في بودابست. لقد جئت إلى هنا لأُلقي خطابا في البرلمان ضد اللاسامية ولتذكيرهم كيف حاولوا هنا قتل والدي، لأنه لم يكن لليهود دولة خاصة بهم فقط، وكيف قتلوا جدي في معسكر الاعتقال، وكيف جوَعوا أعمامي، وكيف نجت جدتي في اللحظة الأخيرة من مسيرة الموت. لذلك اسمحوا لي إذا كنت ضيّق الصدر قليلاً تجاه أولئك الذين لديهم الاستعداد لإلقاء دولة اليهود الوحيدة إلى سلة النفايات بسبب كون الوضع في برلين أكثر مريحا".

تعليق وزير المالية لبيد على الفيس بوك (Yair Lapid Facebook Page)

تعليق وزير المالية لبيد على الفيس بوك (Yair Lapid Facebook Page)

استقطبت أقوال لبيد الكثير من ردود الفعل، أشخاص ادعوا أن وزير المالية، المسؤول عن السياسات الاقتصادية للدولة، لا يشعر بالضائقة التي يعانيها المواطنون الذين قرروا ترك الدولة بسبب صعوبات اقتصادية – حيث تشكل سياسات الحكومة أحد أسبابها. وقد كتب أحد المتصفحين "دعني أعرف الطريقة التي تتيح لي أنا وزوجتي في يوم من الأيام شراء شقة حتى لو بذلنا أقصى جهدنا، عندها سيكون لدي سبب للبقاء".

ادعى العديد من النقاد الأدبيين والمعلقين الصحفيين أن لبيد يستخدم الكارثة (الهولوكوست) باستخفاف ولا يعترف بأن السياسات الاقتصادية لحكومته إشكالية، وقد كتب أحد النقّاد الإسرائيليين الذين تركوا البلاد للعيش في برلين عاصمة ألمانيا "يستغل لبيد الكارثة بصورة تهكمية لمهاجمة إسرائيليين مثلي هاجروا إلى أوروبا، بدلا من الاعتراف بأن إسرائيل هي والد يكره أبناءه. وبدلا من إدخال الولد إلى البيت والاعتناء به، قام بتحذيره- إن الخطر في الخارج يتربص لك. يا سيادة الوزير، أُنظر في المرآة الحقيقية، وليس في تلك الموجودة في بيتك".

تراكمت آلاف الردود الغاضبة على التعليق (مما يزيد عن 3000 رد). وقد كتب أحد المتصفحين وهو وكيل تأمين واسمه إيلان فايس، والذي يسكن في برلين أيضاَ، إلى لبيد: " يوجد للإنسان العادي احتياجات بسيطة مثل: الأكل، السكن، والأمن بأن يستمر ذلك مستقبلا. هذه الاحتياجات ليس بوسع دولة إسرائيل أن توفرها إلى متبقي الـ 90% منها، وليس ذلك لأن الدولة فقيرة وتفتقد إلى الموارد. ولكن يعود السبب إلى أن العشرة في المائة الموجودون في الأعلى (الأغنياء) يقطفون لأنفسهم أغلب الثمار التي تنتجها الدولة ولا يبقى ما يكفي للبقية".

على الرغم من الردود الغاضبة والنقاش النشط الجاري في المجتمع الإسرائيلي حول مسألة ترك البلاد أو كما يسميها العديد من الإسرائيليين "النزول من البلاد" ، يتضح أن إسرائيل لا تعاني من مَيلٍ متسارع للهجرة السلبية، ولكن العكس هو الصحيح. يتبين من أحدث بيانات المكتب المركزي للإحصاء لسنة 2011، أن الهجرة المعاكسة في العقد الأخير تتقلّص. صحيح أن عدد المهاجرين من إسرائيل يفوق عدد القادمين إليها- ولكن الفرق بين عدد المغادرين لفترة سنة وبين عدد القادمين إليها بعد غياب سنة هو 6700 شخص- ولكن ميزان الهجرة السلبي آخذٌ في التقلص.

لقد حدث انخفاض مستمر في العقد الأخير في عدد المغادرين، من 27.2 آلف في العام 2001 إلى 16.2 آلف في العام 2011، ومن ناحية أخرى حصل ارتفاع في عدد القادمين من 8000 شخص في العام 2001 إلى 9500 شخص في العام 2011، وذلك من دون حساب المهاجرين الجدد. إذا أضفنا المهاجرين الجدد إلى التعداد، تصبح المعادلة إيجابية وليست سلبية: 16600 شخص في العام 2011 و 19800 شخص في العام 2012.