لنبدأ بالأرقام: 62% من الفلسطينيين يرفضون العودة إلى المفاوضات مع إسرائيل، 59% غير راضين عن أداء الرئيس عباس، 48% يطالبون باستقالة الرئيس، أكثر من 50% يؤيدون انتفاضة ثالثة، 82% يعتقدون أن ما يجري من أحداث في الأراضي الفلسطينية هي انتفاضة ثالثة أو مقدمة لانتفاضة ثالثة، 42% يؤيدون انتفاضة مسلحة، وأقل من 47% من المستطلع أراءهم يثقون بقدرة الفصائل على قيادة الانتفاضة الثالثة. هذه المعطيات المثيرة ظهرت في آخر استطلاع نشره المركز الفلسطيني لاستطلاع الرأي بإدارة الدكتور نبيل كوكالي.

يبقى استطلاع الرأي أداة واحدة من أدوات عدة لاختبار نبض الشارع، ويستطيع البعض أن يدعي دائما أن العينة لا تمثل بالضرورة التوجهات الحقيقية للجمهور، لكن لا شك أنه إذا ما قارنّا معطيات هذا الاستطلاع باستطلاعات سابقة، نلاحظ أن هناك توجها آخذا بالتبلور والتراكم لدى الشارع الفلسطيني وهو عامل عدم الثقة بقياداته وسياسات هذه القيادات.

هناك من يقول إن الفلسطينيين تجاوزوا مرحلة عدم الثقة ليصلوا إلى مرحلة اليأس من هذه القيادات، أو على الأقل من السياسات الراهنة لهذه القيادات.

حتى فترة ليست بالبعيدة، كانت هناك قناعة لدى الفلسطينيين أو على الأقل لدى النخب الفلسطينية أن نتائج الانتفاضة الثانية ما زالت راسخة في ذهن الشارع الفلسطيني، لذلك هو لا يؤيد حدوث انتفاضة ثالثة. وبالفعل دفع هذا الشعور الكثيرين، سواء كانوا في مواقع اتخاذ القرار أو في وسائل الإعلام، وفي مواقع التواصل الاجتماعي، أن لا يترددوا في مناقشة فكرة الانتفاضة وخاصة الانتفاضة المسلحة، رغم البعد المقدس لمجرد مصطلح الانتفاضة عند جزء كبير من الشعب الفلسطيني. فعبارة "لا نريد انتفاضة" كانت حاضرة في الكثير من المواقع الإعلامية ومن مواقع وصفحات التواصل الاجتماعي.

ولكن إذا ما عدنا إلى نتائج الاستطلاع نرى أن 50% يؤيدون حدوث انتفاضة ثالثة، وأن 82% يعتقدون أن ما يجري هو إما انتفاضة ثالثة (2،32%) أو حراك شعبي، هو مقدمة لانتفاضة ثالثة (4،49%). هذا يشير إلى أن الفلسطينيين بدأوا يتهيؤون لمثل هذا السيناريو رغم تابعاته التي يعرفونها من الحضور العسكري المكثف للجيش الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية، وتأثير هذا على الاقتصاد العام والخاص، بسبب منع العمال من دخول إسرائيل للعمل، وبسبب القيود الكبيرة على حرية الحركة والتنقل، وتراجع متوقع بالقدرة الشرائية لغالبية الفلسطينيين، وانعدام ما تبقى من بيئة مشجعة للاستثمار.

رغم هذه الأمور السابقة، أجاب 42% من المستطلع آراؤهم أنهم يؤيدون انتفاضة مسلحة، وهذا أمر لافت إذا ما أخذنا التابعات المتوقعة.

قد يقول البعض إن الفلسطيني يؤيد حدوث انتفاضة، لكنه لا يريد حدوثها وأن ثمة فرق بين تأييدها من الناحية المبدئية، ورفضها أو عدم تأييد وقوعها، على أرض الواقع. لكن إذا ما نظرنا إلى بنود الاستطلاع الأخرى، نلاحظ معطيات تدعم فكرة تأييد الانتفاضة. من بين هذه المعطيات: 59% غير راضين عن الرئيس الفلسطيني ونحو النصف (48%) يريدون أن يستقيل الرئيس.

ومعروف عن الرئيس عباس موقفه الرافض لفكرة الانتفاضة، وبالتالي يمكن تفسير هذه المعطيات فيما يتعلق بتأييد الرئيس، على أنها تدل على رفض لخيارات وحسابات الرئيس، ودعم سيناريو الانتفاضة الذي يعارضه الرئيس حتى وإن تطورت الانتفاضة إلى انتفاضة مسلحة.

كذلك الأمر بالنسبة لمفاوضات السلام مع إسرائيل. حتى زمن قريب، كان الرئيس الفلسطيني يؤكد أن المفاوضات هي السبيل الوحيد لحل النزاع الإسرائيلي- الفلسطيني. رفض نسبة عالية من الفلسطينيين (3،62%) لهذه المفاوضات يعني أنهم لا يثقون بسياسات الرئيس وحتى بمساعيه لتدويل الصراع، وإعلانه عدم العودة لمفاوضات مع الجانب الإسرائيلي.

وبما أن حلولا ومعادلات سياسية أخرى غير مطروحة على الطاولة، يبقى أمام الفلسطينيين خياريين: إما الوضع الراهن، وإما انتفاضة ثالثة؛ ونراهم يميلون أكثر فأكثر نحو الخيار الثاني رغم إدراكهم للثمن المحتمل ورغم أن آثار الانتفاضة الثانية لم تختفِ تماما من حياة الفلسطينيين اليومية، وهي ما زالت ممثلة بالتراجع الاقتصادي العام، بآلاف الأسرى والجرحى بالإضافة بطبيعة الحال لفقدان الآلاف ممن قضوا في الانتفاضة الثانية. صحيح أن الغالبية العظمى من الفلسطينيين تعتبر أن إسرائيل هي المسؤولة عن فشل المفاوضات، وعن وضع الفلسطينيين، لكنهم يتوقعون من قيادتهم نهجا مختلفا في تعاطيه مع السياسات الإسرائيلية.

وإحدى أكثر المعطيات إثارة تتعلق بنسبة تأييد فكرة أن تقود الفصائل للانتفاضة الثالثة. لم تتجاوز هذه النسبة 6،46%، ما يعني أن أكثر من نصف الفلسطينيين لا يثقون بالفصائل وبقدرتها على التغلب على حساباتها الضيقة، وعلى وجهات نظرها المختلفة وأنها تستطيع أن تقود بشكل صحيح هذه الانتفاضة. هنا نشير إلى البديل – فقد أجاب 5،30% من المستطلع آراؤهم أن الطلاب الجامعيين هم الأفضل لقيادة الانتفاضة، إذ يعتبر الطلاب أنهم خالون من حسابات سياسية وفصائلية، هم يمثلون المستقبل فليقودوا هم نضال الشعب الفلسطيني.

عدم الخبرة السياسية والقيادية للطلاب لا تزعج مشاركي الاستطلاع، واعتبر جزء كبير منهم أن الطلاب هم الأفضل لقيادة الانتفاضة. المثير أن مشاركي الاستطلاع الذين يدعمون منح زمام القيادة للطلاب لا يكترثون بعدم خبرة الطلاب بربط الانتفاضة بالسياسة، وبكيفية استثمارها سياسيا، وكأنهم يقولون "أي وضع هو أفضل من الوضع الحالي"، ويقولون أيضا "جربنا المجربين ولم يوصلونا إلى وضع أفضل"، وهذه بلا شك إشارة اضافية إلى عدم الثقة، وحتى على اليأس من القيادة والقيادات الحالية للشعب الفلسطيني.

هذه الأجواء تفسر الإعجاب الكبير الذي حظي به بعض الشبان الفلسطينيين ممن نفذوا العمليات الأخيرة، حينما طالبوا الفصائل بعدم تبني العمليات التي قاموا بها مؤخرا، مشددين على أنهم قاموا بها نيابة عن الشعب الفلسطيني، وليس كأعضاء بفصيل أو بآخر، لذلك هم يرفضون استغلال تضحياتهم في أهداف ومناكفات فصائلية. وهذا يفسر تراجع الثقة بقدرة الفصائل التعالي على فصائليتها لصالح فلسطينيتها.

طبعا يبقى استطلاع الرأي استطلاعا للرأي، والماضي أظهر أنه يتم نشر استطلاعات لا علاقة لها بالواقع، ولكن نتائج هذا الاستطلاع هي شهادة فشل للطبقة السياسية الفلسطينية، وإنذار ربما أخير للقوى السياسية ولنهجها.