لا تبشّر الأيام الأخيرة بالخير فيما يتعلق بمستقبل وقف إطلاق النار في سوريا.‎ ‎سيطرت جبهة النصرة وميليشيات أخرى من الثوار يوم الجمعة على بلدة تل العيس قرب حلب. وقُتل أكثر من 30 شخصا، من مقاتلي الجيش السوري وعناصر الميليشيات، في تلك المعارك. قبل ذلك بيوم قصفت طائرات سلاح الجوّ السوري أهدافا قرب دمشق وقتلت ما لا يقلّ عن 33 مدنيا. وهاجمت ميليشيات الثوار يوم السبت مواقع للجيش السوري في محافظة اللاذقية غربي البلاد، وفي محافظة درعا في الجنوب تستمر المعارك بين الثوار والجيش السوري، بينما سيطر الجيش السوري في مدينة القريتين، قرب حمص، على معظم المناطق التي سيطر عليها تنظيم الدولة الإسلامية (داعش).

تعتبر بعض المعارك، مثل مهاجمة القريتين والاشتباك مع جبهة النصرة في تل العيس، "مشروعة"، حيث إنّ داعش وجبهة النصرة غير مشمولتين في اتفاق وقف إطلاق النار، ولكن تكمن المشكلة في أنّ قوات جبهة النصرة مختلطة أيضا بقوات من ميليشيات أخرى، مثل أحرار الشام وجيش الإسلام، والتي شاركت في الاتفاق. بحسب ما يقوله الثوار، فقد استغلّ الجيش السوري السماح بمهاجمة جبهة النصرة وداعش من أجل مهاجمة ميليشيات أخرى كذلك، بينما يدّعي ممثّلو النظام أنّ ميليشيات الثوار تحديدا هي التي تنتهك التهدئة.

وعلى خلفية هذه الاشتباكات اليومية، بدأت سوريا، بالإضافة إلى واشنطن وموسكو، بعدّ الأيام، إنْ لم يكن الساعات، حتى انهيار وقف إطلاق النار الجزئي، وأصبح الهدف الآن هو الحفاظ عليه، على الأقل، حتى الجولة القادمة من المفاوضات السياسية في جنيف والتي يُتوقّع أن تتم في التاسع من نيسان.

ولكن هناك شكّ إذا ما كان أحد الطرفين سيحبس أنفاسه حتى الاجتماع. قال الأسد، الذي من غير المؤكد أن يرسل ممثليه، في مقابلة مع وكالة أنباء روسية إنّه لا يرى أية مشكلة في إقامة سريعة لحكومة انتقالية يشارك فيها ممثّلون عن المعارضة. بل يعتقد أنّه يمكن صياغة دستور جديد خلال أسابيع معدودة. وقد تمسّكت المعارضة السياسية والعسكرية بموقفها بعدم إقامة حكومة انتقاليّة يشغل الأسد فيها منصبا رئيسيا. وأوضح الناطق باسم الهيئة العليا للمفاوضات، والتي تمثّل معظم الميليشيات الكبرى في جنيف، في نهاية الأسبوع، أنّه ليس متفائلا لأنّه "لا يرى أنّ الأطراف، ولا سيما، الولايات المتحدة، ترغب أساسا في التوصل إلى حلّ سياسي".‎ ‎

ورغم أن واشنطن تؤيد الموقف الذي يجب على الأسد بحسبه التنازل عن الحكم، ولكن ليس بالضرورة أن تكون هناك مرحلة إقامة حكومة انتقالية. وقد التقى وزير الخارجية الأمريكي كيري في الأسبوع الماضي بالرئيس الروسي بوتين لإقناعه بالضغط على الأسد. ومن غير الواضح إذا كان بوتين قد استجاب لذلك الطلب، وهذا ما يخشاه ممثّلو الثوار الذين يشتكون من غياب الشفافية وإخفاء المعلومات عنهم في كلّ ما يتعلق بالمحادثات بين روسيا والولايات المتحدة.

يتصرّف الأسد، الذي أعلن عن إقامة انتخابات برلمانية في 14 نيسان، في هذه الأثناء وكأنما هو الذي سيقرر ترتيبات الانتخابات، نتائجها، ومن ثم تشكيل الحكومة. ويبدو أنه بإمكانه الاعتماد بكل ثقة على نجاحه في طرد قوات داعش من مدينة تدمر، وهي خطوة تعتبر نجاحا عسكريا ليس فقط في نظره وإنما أيضًا في نظر واشنطن. يمكن للأسد بناء على ذلك أن يلوّح بالإثبات أنّه قائد القوة الوحيد القادر على قتال داعش. إنّ احتلال مدينة القريتين من أيدي داعش، يمكنه أيضا أن يخدم الأسد كرافعة لتعزيز موقفه، ولا سيما، بسبب غياب قوة سورية أخرى الآن يمكنها محاربة داعش بفاعلية وحيث أنّ الحكومة في العراق متورّطة بأزمة سياسية تؤخر معركة تحرير الموصل.‎ ‎

حتى تصل روسيا والولايات المتّحدة إلى تفاهمات بخصوص مستقبل الحكومة الانتقالية، يستمر مبعوث الأمم المتحدة ستافان دي ميستورا في نشر الأمل الحذر، والذي من غير الواضح ما هو مصدره. فقد نشر في الأسبوع الماضي ورقة المبادئ التي تتضمّن 12 مبدأ يجب أن تمثّل أساس الدستور السوري الجديد. جاء في الوثيقة، من يبن أمور أخرى، أنّه على الحكومة السورية أن تكون تعدّدية وعدم الاعتماد على التقسيم الطائفي، التأكيد على حقوق الإنسان ولا سيما الأقليات، يجب على البرمان أن يشمل على الأقل 30% من النساء - ومبادئ أخرى ذات أهمية. ولكن ما زال دي ميستورا نفسه غير متأكد من قدرته على جمع الطرفين في 9 نيسان. وهو يعترف أنّه لا يملك الأدوات لإلزامهما على التفاوض بل ولا يمكنه ضمان إرسال قوافل المساعدات الإنسانية للمدنيين في المناطق المحاصرة.‎  ‎

ومن دون برنامج واضح أو مسار متفق عليهما لاستمرار المفاوضات السياسية، قد يتوصل النظام السوري وقوى الثوار إلى نتيجة أنّه لم تعد هناك جدوى في استمرار وقف إطلاق نار لا يؤدي إلى حلّ سياسي. وإذا كانت هذه هي النتيجة، فمن المتوقع أن تتجدّد المعارك في جميع الجبهات، ومن هناك تكون الطريق قصيرة لتدخّل روسيا مجدّدا في سوريا وتأجيل الحرب المشتركة ضدّ داعش. في المقابل، فإنّ تجدد المعارك أيضًا لا يشكل ضمانا للحلّ السياسي. على الأكثر، يمكن للطرفين تسجيل نجاحات أو هزائم تكتيكية، وهو وضع يمكن أن يستمر لسنوات طويلة. ويشارك في هذا المشهد القاتم أيضًا مسؤولون في الإدارة الأمريكية والاتحاد الأوروبي والذين يعقلون كافة آمالهم على حلّ روسي.

تم نشر هذا المقال للمرة الأولى في صحيفة "هآرتس"