تفرض التغييرات المهمّة التي تهزّ العالم العربي في السنوات الأخيرة إلى حدّ كبير توازن القوى الداخلي الفلسطيني، وكذلك الطبيعة المتشكّلة لوقف إطلاق النار المتوقع في نهاية الجولة الحالية من الصراع. لن تكرر ذاتها التفاهمات التي تم تحقيقها عند نهاية عملية "عمود السحاب"، حين كان محمد مرسي يجلس على كرسي الرئيس، والتي منحت حماس فوائد هائلة في الرأي العام المحلّي.

إنّ صعود عبد الفتّاح السيسي مقابل العلاقات الوثيقة لإيران بتنظيم الجهاد الإسلاميّ ينشئان حالة جديدة ومختلفة في أهدافها من الديناميكية التي ميّزت جهود الوساطة في الماضي.

يتصاعد الاحتكاك بين حماس ومصر كلّما كُثّفت جهود الوساطة المصرية. لم تتردّد حماس في أن تصرّح الأسبوع الماضي بأنّ المقترح المصري لوقف إطلاق النار لا يلبّي الحدّ الأدنى الضروري من متطلباتها.

تعلّقت حماس، التي تحاول الهروب من الضغوط المصرية، بكلّ قوّتها بالمحور التركي - القطري. قطر متحمّسة لأخذ دور مصر كوسيط رئيسي بين غزة وإسرائيل، ولكن حتّى الآن يبدو أنّ التحالف الأمني بين إسرائيل ومصر سيحبط كلّ مبادرة لا تمنح القاهرة مسؤولية تطبيق وقف إطلاق النار. عادت الولايات المتحدة، التي تردّدت في البداية ومالت لقبول المبادرة القطرية، ووقفت بجانب مصر.

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ووزير الخارجية الأمريكي جون كيري (AFP)

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ووزير الخارجية الأمريكي جون كيري (AFP)

ضعفت مكانة حماس في صفوف الشعب الفلسطيني بعد سبع سنوات حكم منهار اقتصاديّا. بالتباين، في كلّ تلك الفترة حافظ الجهاد الإسلاميّ على موقفه، ولا يعتبر حاليًّا كمسؤول عن معاناة سكّان غزة. أيضًا، بالنسبة لمصر فإنّ مكانة الجهاد الإسلامي تزداد، حيث أنّه بخلاف حماس لا يُنظر إليه على أنّه جزء من "الإخوان المسلمين" وليس عدوّا للشعب.

يسمح هذا الموقف للجهاد الإسلامي بأنْ يُنظر إليه باعتباره صوت القيادة في غزة. فمن جهة هو معقول ومعتدل تجاه مصر، ومن جهة أخرى فهو يحظى بدعم هائل من إيران. وفقًا للمحلّلين في إسرائيل، فإنّ الجهاد الإسلاميّ هو مقبض إيران في أزمة غزة، وقد يتحوّل دور إيران في هذا السياق إلى أن يكون أكثر أهمية.

الأمين العام لحركة الجهاد الإسلامي في فلسطين رمضان عبد الله شلح مع رئيس المكتب السياسي لحركة حماس خالد مشعل  (AFP / MOHAMMED ABED)

الأمين العام لحركة الجهاد الإسلامي في فلسطين رمضان عبد الله شلح مع رئيس المكتب السياسي لحركة حماس خالد مشعل (AFP / MOHAMMED ABED)

كتب محلّل صحيفة "هآرتس" تسفي بارئيل هذا الأسبوع بأنّ "تصريحات قادة الجهاد توضّح أنّ وحدة الصفّ بينه وبين حماس قوية وكلّ قرار سيتّخذ سيكون بالتعاون. ولكن الزعماء في طهران، الذين يرفضون مجرّد النقاش مع زعيم حماس خالد مشعل، قد يشغّلون ضغوطا على الأمين العام للجهاد، رمضان عبد الله شلّح، ليوضّح لحماس أنّه من المفضّل الحصول على مقترح مصري مرن. وهكذا تجد إيران لنفسها مقبضًا داخل الأزمة في غزة، وبفضل الجهاد الإسلامي فقد تكون صاحبة دور مهمّ في إنهاء الأزمة".

إنّ الرغبة الإيرانية بالاستفادة من القيادة الجديدة في مصر هي كما يبدو مفتاح الحلّ. سيتّضح في الأيام القريبة إذا كان الجهاد الإسلاميّ هو الذي سيحلّ الفوضى التي نشأت بين مصر، قطر، حماس، إيران وإسرائيل.