منذ صعود عبد الفتّاح السيسي سدة الحكم ظهرت عملية دفء ملحوظة في العلاقات بين مصر وإسرائيل، والتي تتضمن أيضًا محادثات منتظمة بين قادة البلدين وتنسيق سياسي وعسكري واسع بشأن حماس، وما يحدث في سيناء والتطوّرات الإقليمية. في الأيام الماضية استبشرنا في القناة العاشرة الإسرائيلية بخطوة مفرحة أخرى: السفير الإسرائيلي في القاهرة، الدكتور حاييم كورين، يتلقى دعوة رسمية لتناول وجبة عشاء مع عضو البرلمان والمعلق التلفزيوني توفيق عكاشة. لم يكن هذا النوع من المقابلات شائعا حتى الآن في علاقة السلام البارد بين إسرائيل ومصر، وبطبيعة الحال فقد استجاب لها السفير.

وقد أثارت هذه الدعوة في البرلمان المصري ضجّة كبيرة. غضب أعضاء البرلمان من عكاشة بل خلع أحدهم حذاءه وألقاه صوبه، كرمز واضح لاحتقاره وإهانته. في نشرات الأخبار في القناة العاشرة وفي الموقع الإخباري الأكثر مشاهدة في إسرائيل ynet تمت تغطية شخصية عكاشة الاستفزازية. وفُسرت هذه الدعوة، وكذلك رفضه لإلغاء لقاء آخر مع السفير لاحقا، كخطوة شجاعة.‎ ‎وقد صرّح السفير كورين أيضًا بأنّه مستعد لعقد لقاء آخر.

ربما كانت ستبدو تلك الدعوة خطوة جميلة لو كانت فعلا خطوة شجاعة من قبل شخص استثنائي، مكافح من أجل السلام ومستعد للتضحية بمكانته الشخصية وربما أيضا المهنية من أجل تعزيز هدف يؤمن به.‎ ‎كان الكاتب المسرحي المصري المعروف علي سالم شخصية كهذه؛ فقد زار إسرائيل رغم معارضة زملائه الشديدة فدفع ثمنا باهظا على ذلك.

ولكن توفيق عكاشة يختلف عن علي سالم. نشر الأنثروبولوجي والباحث بالشأن المصري المعروف من جامعة أوكسفورد، الدكتور وولتر أرمبراست (Armbrust)، مؤخرا ‏‎ ‎‏تحليلا مميزا‏‎ ‎‏حول الرجل ونشاطه. حتى انتفاضة كانون الثاني 2011 كان عكاشة مذيعا في برنامج استضافة ثانوي وسياسي صغير في الحزب الحاكم. ولقد دخل الإعلام المصري بفضل الفراغ الاجتماعي - الإعلامي الذي نشأ بعد الثورة، ويصف أرمبراست عملية تشكّله كمحتال (Trickster)، شخصية متعدّدة الأوجه تعكس القوة ولكنها في الوقت ذاته سخيفة وخطيرة.

حصل عكاشة على مركز رئيسي في الإعلام المصري كشخصية مثّلت "إصلاحا" بل معاداة الثورات في فترة الانتفاضة ضدّ حكم مبارك. وقد تم تحديده كمقرّب من الجيش المصري أيضا في الفترة التي بقي فيها الجيش من وراء الكواليس، وظهر أنّ هذا كان سرّ قوّته. أثار ظهوره التلفزيوني الدراماتيكي إلى درجة السخرية (والذي اشتمل على ضرب بالشبشب على الطاولة في الأستوديو من أجل توضيح ما يجب فعله لأعداء مصر من الداخل والخارج) تحفّظا شديدا في أوساط الطبقات المثقّفة في مصر، بل واعتُبر كلام عكاشة خطيرا بسبب ميزة تأثيره على الجمهور العريض وربما أيضا على متخذي القرارات في قيادة الجيش.

ومن ثم فإنّ عكاشة: شخصية غريبة ومثيرة للسخرية. حتى لو كانت لديه تحرّكات بين النخبة العسكرية الحاكمة اليوم في مصر فهو بالتأكيد ليس ممثّلا لها أو ناطقا باسمها؛ في أفضل الأحوال هو بمثابة بالون اختبار أو كيس ملاكمة يهدف إلى قياس المزاج العام لدى الشعب. ما هي الفائدة التي ستحصل عليها دولة إسرائيل من التعاوُن مع شخص كهذا؟

تجري الدول علاقات معقّدة مع جيرانها بشكل رسمي، ليس مع كل جار غير رسمي، وليس مع كل جار في منطقتنا.‎ فتولي الحكومة الإسرائيلية أهمية للحوار والتعاون مع الحكومة المصرية، حتى لو كان هناك جدال حول المصالح التي تعزّزها كلتا الدولتين. ولكن يعرّض اللقاء أو اللقاءات بين كورين وعكاشة معاهدة السلام بين إسرائيل ومصر إلى انتقادات مجدّدة في الخطاب المصري العام. وذلك تحديدا في فترة يزداد فيها العنف السلطوي في مصر ويتجلّى الموقف القمعي لنظام السيسي بقوة كبيرة.

إنّ اللقاء بين السفير كورين وبين المحتال عكاشة لا يساهم في دفء العلاقات بين إسرائيل ومصر. إنه يرمز، تحديدا، إلى انحطاط جديد في نظر الجمهور العريض في مصر إلى معاهدة السلام، وذلك من دون تعزيز ولو مصلحة إسرائيلية واحدة ظاهرة للعيان. لا يمكن لهذه السياسة أن تكون دبلوماسيّة صحيحة.

نُشر هذا المقال لأول مرة في موقع منتدى التفكير الإقليمي