يبدو أن المجهود الإسرائيلي في تهدئة التوتر حول مسجد الأقصى، ولا سيما المساعي الديبلوماسية لرئيس الحكومة الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، مع الولايات المتحدة والأردن، وتصريحاته بالتوصل إلى تفاهمات بشأن الوضع القائم في الحرم القدسي، وعلى رأسها أن الوضع القائم لن يتغيّر، وقبول الاقتراح الأردني بوضع كاميرات في المكان المقدس- يبدو أنها تؤتي ثمارها. إضافة لهذا المجهود، ثمة أسباب أخرى ساهمت في تهدئة التوتر العام في القدس بالمقارنة مع المناطق الفلسطينية الأخرى، فما هي؟

لا يمكن تجاهل المجهود الأمني غير المسبوق الذي استثمرته إسرائيل في القدس بعدما توالت عمليات الطعن التي شنها الشبان المقدسيون، والذي تجسّد بداية بتكثيف قوات الشرطة وحرس الحدود في القدس، ومن ثم استمر في تطويق الأحياء الفلسطينية في المدينة، خاصة تلك التي برزت كبؤرة لخروج الشباب لعمليات الطعن في المدينة. وإضافة إلى هذه الإجراءات، حديث نتنياهو عن أنه يدرس سحب حق الإقامة من الفلسطينيين الذين يعملون ضد إسرائيل في القدس، أثر كذلك في عزيمة الفلسطينيين في مواصلة المواجهة. ويمكن القول في هذه المرحلة إن هذه الإجراءات الأمنية لا بد أنها ساهمت في إخماد "الهبة" التي أطلاقها المقدسيون.

وإن عدنا إلى السبب الأول الذي ساهم في تهدئة الأوضاع، وهو المجهود الديبلوماسي الإسرائيلي، والذي هدف في الأول إلى دحض الادعاءات القائلة إن إسرائيل تغيّر الوضع القائم في المسجد الأقصى - وتأكيد رئيس الحكومة الإسرائيلي أمام الأمريكيين وجهات عربية أن الوضع في الأٌقصى لم يتغير ولن يتغير- فيجدر الذكر أن الهدف الثاني من المجهود الديبلوماسي كان مكافحة التحريض الذي جاء من السلطة الفلسطينية في ما يتعلق بالأقصى، وهو الأمر الذي جعل رئيس السلطة الفلسطينية، يكرر القول إن السلطة غير معنية بالنضال المسلح، ويوجه قواته الأمنية إلى استئناف التنسيق الأمني مع الجانب الإسرائيلي، وقيام الفلسطينيين، بدورهم، بمنع الشبان من الوصول إلى نقاط الاحتكاك مع الجيش الإسرائيلي.

وعدا عن مجهوده الدولي، فإن رئيس الحكومة الإسرائيلي يظهر موقفا حازما أمام حكومته في ما يتعلق بالوضع القائم في المسجد الأقصى، وهو ما تجلى في رده السريع على تصريحات نائبة الوزير، والنائبة من حزبه، تسيبي حوتوبلي، والتي قالت إنها ترجو أن ترى علم إسرائيل مرفوعا في ساحات الحرم القدسي الشريف. وقام نتنياهو بتوبيخ حوتوبلي على هذه التصريحات دون تردد، معلنا أنها تمثل نفسها وليس الحكومة الإسرائيلية.

ويلاحظ أن الجانب الفلسطيني بدأ يشعر كذلك بتراجع "الهبة" حول الأقصى، إذ تطرق الإعلامي الفلسطيني، ناصر اللحام، إلى الهدوء النسبي في المناطق الفلسطينية والقدس مقترحا أن السبب الرئيس وراء تراجع الأحداث لا يعود إلى المجهود الديبلوماسي الأمريكي، بل هو يكمن في "تردد التنظيمات (الفلسطينية) في اشعالها والمساهمة فيها، والمحافظة على دور المراقب عن بعد". ونبّه الكاتب من أن الانتفاضة "لم تخمد... بل هي تخبئ نفسها في داخلها مرة أخرى.. وتنتظر حدوث تغييرات على الواقع".

ولا نستبعد أن تكون حالة الطقس في المنطقة أي العاصفة المفاجئة والمحملة بالشتاء الغزير ربما ساعدت في "تبريد" الوضع الملتهب في المدينة المقدسة.