لا صوت يعلو الآن في مصر فوق صوت المطالبين بالاستقرار. فلو تحدث أحد عن أي مطلب فئوي أو سياسي أو حتى حقوقي، فسيجد من يجيبه فوراً: "ليس الآن يا رجل، اصبر حتى تستقر البلاد. كفانا فوضى."

لقد مر عام تقريباً على تولي عبد الفتاح السيسي حكم مصر، وتبدو البلاد حالياً أكثر استقرارا. لكن هل هذا الاستقرار حقيقي؟ أم أنه مجرد ركود على السطح، فيما عوامل الانفجار لا تزال قائمة في الأعماق؟

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي (AFP)

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي (AFP)

يمكن القول إن الأغلبية الصامتة، أو من يطلق عليهم إعلاميا "حزب الكنبة،" لا تزال تؤيد السيسي، ومتوافقة مع معظم قراراته، إن لم يكن كلها. أضف إليهم قيادات الحركة السلفية التي تناصر الرئيس المصري عبر شاشات التلفزة، والأقباط الذين يرونه "مخلصاً" من جحيم الحكم الديني الإخواني.

لكن رغم هذا كله، هناك مجموعات أخرى تناصب الرجل العداء، مثل جماعة الإخوان المسلمين والشباب الثوري. وإن كانت لا تعد الأغلبية وغير قادرة على حسم أي انتخابات، إلا أنها الأكثر تنظيما كما في حالة الإخوان، والأشد ديناميكية كما في حالة القوى الشبابية، فضلا عن أنها المجموعات القادرة على خلق حالة من البلبلة تهدّد الاستقرار المنشود.

جماعة الإخوان المسلمين تحولت لقنبلة موقوتة. فوضع الإخوان خطير ليس لأن الجماعة على خلاف مع الدولة أو في صدام مع الأمن، فهذا شيء اعتادته على مدى السنوات الثمانين الماضية، بل المشكلة تمكن في أن الإخوان باتوا على عداء مع المجتمع. فأغلب أفراد الجماعة (800 ألف وفقًا لتقدير محمد حبيب نائب المرشد المنشق) لديهم شعور بأنهم ظلموا من قبل المجتمع، وأن الجميع تآمر عليهم، وأصبحوا لا يخفون عدائهم للمجتمع أولاً وقبل عدائهم للدولة.

محاكمة بعض أنصار الإخوان المسلمين في الإسكندرية (AFP)

محاكمة بعض أنصار الإخوان المسلمين في الإسكندرية (AFP)

ويظهر هذا جليا عندما يتم نشر فيديوهات لجنود مصريين يقتلون في سيناء أو ليبيا، حيث تمتلئ صفحات الإخوان على وسائل التواصل الاجتماعي بالتعليقات التي تعبر عن فرحهم بالأنباء. أضف إلى ذلك ظهور، ولأول مرة، دعوات داخل صفوف الجماعة تحرض على العنف، سواء المباشر أو غير المباشر. وقد ساهم غياب القيادة المركزية، ممثلة في مكتب الإرشاد القابع أغلب أعضائه في السجون، في انفلات الوضع داخل جماعة الإخوان.

القوى الثورية بدورها تعرّضت لضربات موجعة أدّت لاختفائهم تقريبا من الشارع، خاصةُ بعدما تم تشويههم من قبل الإعلام المصري، ووصموا بالعمالة وأصبحت دعواتهم للتظاهر لا تلقى ترحيبا من المجتمع. أضف إلى ذلك الاعتقالات والأحكام المشدّدة التي طالت العديد منهم، وخنقت صوت الثورة لصالح "الاستقرار."

الوضع الحالي يذكرنا بالقاهرة في العام 2010 عندما بدا أن نظام الرئيس السابق، حسني مبارك، نجح في خلق حالة من الاستقرار، وإسكات الأصوات المناوئة له. لكن ما فعله مبارك لم يكن إلا تأجيلاً للصدام، لا تفكيكاً لعناصره. فهو ضغط على المشاكل ودفعها تحت السطح متوهماً أنه يقضي عليها إلى أن انفجرت المظاهرات 25 يناير 2011.

هناك أيضاً غليان مكتوم في جامعات مصر يمتزج بالغضب لدى مشجعي "الألتراس." العديد من الجامعات قامت بفصل طلاب، واستعانت بشركات أمن خاصة بغية السيطرة على الأوضاع في حرمات الجامعات، كما قررت منع النشاط السياسي، وهو قرار أيده وزير التعليم العالي علناً.

التوتر لا يزال قائماً خاصة بعد مذبحة إستاد الدفاع الجوي الذي راح ضحيتها 21 مشجعاً من "ألتراس وايت نايتس." مجموعة الألتراس اعتبرت أن قوات الشرطة/الدولة هي من قام بقتل المشجعين.

بالرغم من هذا كله، معظم المصريين لا يزالون يؤيدون السيسي. فمذبحة ليبيا وما أعقبها من رد فعل قوي وسريع للقوات الجوية المصرية ضد معاقل تنظيم "الدولة الإسلامية في العراق والشام،" رفع أسهم السيسي عند الكثيرين. لكن لا يمكن للدولة أن تعتمد للأبد على شعبية السيسي وخطابه العاطفي. فهي بحاجة إلى تغيرات اقتصادية واجتماعية ملحوظة تساهم في خلق حالة استقرار "حقيقية،" لا ظاهرية أو "مباركية" كالتي نعيشها في الوقت الراهن.

نشر هذا المقال لأول مرة على موقع منتدى فكرة