أحد الأمور الذي يميّز تلك الأيام الصعبة التي تلت انهيار اتفاقات أوسلو هو ما يمكن تسميته "لعبة تبادل الاتهامات": الإسرائيليون يتهمون الفلسطينيين بالهجمات الإرهابية التي أدت إلى انهيار اتفاقية السلام، والفلسطينيون يتهمون الإسرائيليين بعدم احترام تلك الاتفاقيات.

كان الادعاء الإسرائيلي الأساسي أن ياسر عرفات قد قام بتطوير نهج سياسي كامل مبني على تمرير رسائل متناقضة: رسالة باللغة الإنجليزية فيها روح المصالحة والتي تعترف بحق الشعبين بالعيش للجمهور الإسرائيلي والدولي، ورسالة أخرى باللغة العربية فيها روح حربية، والتي تكرس الالتزام بالنضال المسلح لتحرير فلسطين.

الرئيس الفلسطيني السابق ياسر عرفات (FLASH 90)

الرئيس الفلسطيني السابق ياسر عرفات (FLASH 90)

الادعاء الإسرائيلي هو أنه على الرغم من التوقيع الرسمي على الاتفاقيات، لم يتم فعل أي شيء لتحضير المجتمع الفلسطيني لواقع السلام والتعايش، بل على العكس: تم تمرير رسالة دائمًا جاء فيها أن الاتفاقات مع إسرائيل هي فقط مرحلة واحدة من خطة كبيرة لتحرير فلسطين بأكملها. حظي النشطاء، من التنظيمات المختلفة، الذين نفذوا عمليات إرهابية داخل الحدود الإسرائيلية بتبجيل من قبل السلطة الفلسطينية ونقل جهاز التربية الفلسطيني مفاهيم مشابهة للجيل الصغير.

انتهت الظاهرة التي تسببت للفلسطينيين بالمعاناة الكبيرة، وأدت في الواقع، إلى عزلتهم سياسيًّا،  وقد جاء هذا الادعاء، مع انتخاب محمد عباس رئيسًا للسلطة الفلسطينية. وقد  صرح عباس بوضوح، بالعربية والإنجليزية على حد سواء (في الواقع، تحديدًا بالعربية، لميله لعدم التحدث بأي لغة أخرى)، بأنه يرفض استخدام العنف لتحقيق الاستقلال الفلسطيني، وأنه مقتنع بأن الطريق للدولة الفلسطينية تمر فقط من خلال استخدام أدوات سياسية، وتحديدًا المفاوضات مع الجانب الإسرائيلي، بوساطة دولية.

لهذه الأسباب تمامًا، يؤجج ما حدث في الأسبوع الفائت في طهران، القلق الإسرائيلي مجددًا.

خلال زيارة رسمية إلى طهران، التقى الرجوب أيضًا مع وزير خارجية الجمهورية الإسلامية، جواد ظريف، وتحمس ليمتدح مضيفيه الذين هم، كما هو معروف، كانوا جهة التمويل الأساسية لحركة حماس إلى وقت ليس ببعيد، والمسؤولين بشكل كبير، كما هو معروف، عن بقاء بشار الأسد في الحكم: تشكّل إيران جزءًا من الجبهة العربية الإسلامية في المنطقة... إنها عنصر أساسي لتحقيق الاستقرار الإقليمي والمساهمة بتحقيق السلم العالمي"

"ربما تكون تلك محاولة لأخذ دور حماس بمسألة أخذ الشيكات من طهران كجزء من عملية التصالح بين حماس وفتح"،  قال الرجوب (والذي بالمناسبة، يعتبر المتحدث الأكثر اتقانًا للغة العبرية بين الفلسطينيين و"المسؤول" عن التواصل مع الجمهور الإسرائيلي، من خلال اللقاءات في وسائل الإعلام الإسرائيلية) وأن هناك "بلورة صيغة مشتركة كأرضية لمواجهة الاحتلال على الأرض.. وهناك إجماعًا وطنيًا فلسطينيًا على... المقاومة الشعبية كخيار في هذه المرحلة على الأراضي الفلسطينية لمقاومة وإنهاء الاحتلال وإقامة الدولة الفلسطينية". وأوضح الرجوب لمن كان لديه شك بأن "خيار المقاومة لا زال خيارًا استراتيجيًا وخيار المقاومة المسلحة لا زال مطروحًا على الطاولة".

وهناك سؤالان مطروحان: الأول، ما الفرق تحديدًا بين فتح وحماس في هذه الأيام، إن كانوا مستعدين في الحركتين للسماح باستمرار قتل المدنيين في سوريا مقابل المال الإيراني وتدعم الحركتان استخدام الإرهاب من أجل تحقيق أهداف سياسية. السؤال الثاني هو، لمن علينا أن نصغي، كإسرائيليين موجودين على حافة الحسم بما يخص اتفاقية السلام والانسحاب من معظم المناطق الفلسطينية، هل لرسائل المصالحة التي يطلقها عباس أم للرسائل ذات النكهة الإيرانية التي يطلقها رفيقه في الحركة، جبريل الرجوب.