في الأيام التي تجري في الضفة الغربية عملية "عودة الإخوة"، يُطرح السؤال إذا كانت ستتوسع العملية أيضًا باتجاه قطاع غزة. ويبدو أنّ الإجابة على ذلك إيجابية.

الأهداف المعلنة للعملية هي إعادة الشبان الثلاثة الذين اختطفوا في منطقة الخليل. ولكنّ، تعتقل إسرائيل خلالها المئات من عناصر حماس وتضرب بنيتها التحتية في الضفة الغربية.

بالمقابل، وبعيدًا عن العناوين، فإنّ الحالة الأمنية في قطاع غزة تتدهور: كل يوم يتمّ إطلاق صواريخ من القطاع باتجاه بلدات إسرائيلية، بينما يردّ سلاح الجو الإسرائيلي بقصف على أهداف مختلفة. بل وقد وضعت إسرائيل عددًا من بطاريات "القبة الحديدية" الإضافية حول القطاع.

منظومة الدفاع الإسرائيلية المضادة للصورايخ "قبة حديدية" (IDF)

منظومة الدفاع الإسرائيلية المضادة للصورايخ "قبة حديدية" (IDF)

وتقع مسؤولية إطلاق الصواريخ على الجهاد الإسلاميّ، ولجان المقاومة الشعبية وتنظيمات أخرى. ولا تشترك حماس في ذلك الإطلاق أبدًا، ولكنها لا تعمل على إيقافه. وتقع الحركة، كما ذكرنا، تحت هجوم إسرائيلي شرس، وسيكون من الصعب تخيّل عناصر الأجهزة الأمنية في الحركة، الذين ينتظرون أيضًا رواتبهم منذ عدّة أشهر، وهم يخرجون للحقول المختلفة لاعتقال العناصر الفلسطينية لمنعها من إطلاق الصواريخ على إسرائيل.

كذلك، يبدو أنّ حماس لا ترغب بإيقاف التدهور. فوصلت الحالة في قطاع غزة إلى انخفاض غير مسبوق: أكثر من 40,000 من عمال حماس لم يتلقوا رواتبهم منذ عدة أشهر، وقبل عدة أيام فقط أعلنت وزارة الصحة في القطاع أنّ العمليات غير المستعجلة ستؤجل إلى موعد غير معروف بسبب نقص الأدوية وكذلك الوقود المستخدمة للكهرباء في المستشفيات.

وفقًا للتقديرات المختلفة، فسينتهي الوقود في قطاع غزة حتى نهاية الأسبوع، مما سيؤدي إلى أزمة كهربائية خطيرة. وبدءًا  بهذه الأيام، يمكننا أن نرى طوابير طويلة في محطّات الوقود، ووفقًا للتقارير فهناك قلق كبير لدى الغزّيّين من عملية عسكرية إسرائيلية أخرى، على نمط "الرصاص المصبوب" في عامي 2008و 2009 أو "عمود السحاب" عام 2012.

صورة أرشيفية:  قطاع غزة بعد قصف إسرائيلي (Gili Yaari/ Flash90)

صورة أرشيفية: قطاع غزة بعد قصف إسرائيلي (Gili Yaari/ Flash90)

رغم أن تلك العمليات لم تضر بالحياة في قطاع غزة كثيرًا، إلا أنها انتهت بتسوية وقف إطلاق النار بوساطة مصرية. فخففت تلك التسويات، التي تضمّنت من بين أمور أخرى فتح معبر رفح (المغلق منذ زمن طويل) تخفيفًا نسبيًّا عن الحياة في قطاع غزة مقارنة بالواقع الذي كان قبل العمليات.

بالإضافة إلى هذا الاعتبار، فإنّ شعبية حماس آخذة بالانخفاض. ويرى الكثيرون فيها مسؤولة عن الأوضاع الصعبة في القطاع ويعتبرونها بأنها لم تنجح في تحسين جودة الحياة فيه. ستعزز عملية عسكرية كبيرة ضدّ حماس روح التضامن الداخلي الفلسطيني لصالح حماس، وأيضًا ستضع دول الغرب في حالة تكون فيها ملتزمة بإدانة إسرائيل ودعم حماس.

المصلحة الإسرائيلية في العملية العسكرية بغزة

ومن ناحية أخرى يُطرح السؤال: ما هي المصلحة الإسرائيلية؟ وحين نفحص الأوضاع، يمكن الاستنتاج أنّ هناك مصالح إسرائيلية في تنفيذ عملية عسكرية واسعة في قطاع غزة.

فهناك إحباط كبير في إسرائيل من عدم قدرة الجيش الإسرائيلي وأجهزة المخابرات الإسرائيلية على العثور على المختطفين. لذلك، يثير هذا الإحباط رغبة الاستمرار في ضرب حماس، ويبدو أنّه سيتمّ تحقيق ذلك من خلال عملية عسكرية واسعة.

الفتش عن ثلاثة المخطوفين (Issam Rimawi/Flash 90)

الفتش عن ثلاثة المخطوفين (Issam Rimawi/Flash 90)

بالإضافة إلى ذلك، لا يمكن تجاهل الحالة السياسية في إسرائيل. فحكومة نتنياهو ليست حكومة مستقرة، واعتاد فيها وزراء ورؤساء أحزاب على مهاجمة بعضهم بعضًا علنيًّا، ليلا ونهارًا، بالإضافة إلى ذلك فهي تعاني من انتقادات كثيرة من الداخل لكونها لا تعمل عملا كافيًّا لتخفيض غلاء المعيشة.

يحظى حدث على مستوى وطني، مثل اختطاف الشبان أو عملية عسكرية واسعة، بأسبقية في جميع النقاشات الاجتماعيّة في إسرائيل ويتصدر دومًا جدول الأعمال العام. وهناك مصلحة للحكومة في استمرار الحفاظ، قدر الإمكان، على عناوين الصحف في العلاقات المتعلقة بالصراع الإسرائيلي - الفلسطيني. وكذلك نما دعم للحكومة الإسرائيلية ورئيسها، في الفترة التي تواجه فيها تهديدات خارجية.

ويبدو أنّ لإسرائيل عددًا من المصالح بتصعيد الأوضاع والخروج بعملية عسكرية واسعة في قطاع غزة. ومقابل هذه المصالح، يقف سؤال ردّة فعل العالم بشكل عام، والعالم العربي بشكل خاص. فلا يحبّ العالم أن يرى عمليات عسكرية واسعة لإسرائيل، والتي يُنظر فيها إلى إسرائيل بشكل عامّ كمسؤولة عنها. وغالبًا،  فإنّ مكانة إسرائيل في العالم تضعف خلال العمليات العسكرية، وتتزايد الدعوات لمقاطعات مختلفة ضدّها.

وكذلك، لقد "افتتحت" إسرائيل اتصالاتها مع الرئيس المصري المنتخب، عبد الفتاح السيسي، ولديها مصالح في الحفاظ على العلاقات مع مصر. فعملية عسكرية في غزة ستضع السيسي في حالة يكون فيها ملزمًا بإدانة إسرائيل كلاميًّا، وربما فعليًّا، وفقًا لمطالب الجمهور.