في هذه الأيام، التي تعود مدينة القدس مجدّدا لتتصدّر العناوين في أعقاب موجة شديدة من عمليات طعن ودهس المواطنين اليهود من قبل شبّان فلسطينيين، يتعالى الكثير من الأصوات التي تدعوا إلى الانفصال التامّ عن القدس الشرقية، "قدس الفلسطينيين".

تُطرح في وسائل الإعلام ادعاءات عديدة حول كون الشعارات التي تبنّاها رئيس الحكومة، بنيامين نتنياهو، منذ صعوده إلى الحكم عام 1996 "القدس موحدة لأبد الآبدين" و "بيريس سيقسّم القدس"، فارغة من مضمونها لأنّه في الواقع لم يكن شطرا القدس موحّدين (شرقي وغربي المدينة). رغم أنّ كلا هذين الشطرين قد أقاما منذ نهاية حرب الأيام الستة (1967) علاقات تجارية واختلاط سكاني بشكل أو بآخر، ولكن في الواقع فإنّ الأحياء الشرقية للمدينة بقيت بين أيدي الفلسطينيين، بينما بقيت الأحياء الغربية للمدينة بين أيدي الإسرائيليين.

إنّ مسألة توحيد أو تقسيم المدينة تُطرح مجددا على خلفية قرار حكومة نتنياهو بإقامة "تيجان التنفس" في الأيام الأخيرة عند مخارج الأحياء الفلسطينية في شرق المدينة، وذلك من أجل تقليل مخاطر خروج عمليات طعن أو دهس الى غرب المدينة. وهي عمليات قد أودت بحياة 7 إسرائيليين وعشرات الجرحى حتي الأن.

تأهب أمني في الأحياء الفلسطينية في القدس (Flash90/Hadas Parush)

تأهب أمني في الأحياء الفلسطينية في القدس (Flash90/Hadas Parush)

في مقال نقدي ثاقب في صحيفة "يديعوت أحرونوت"، كتبت المحلّلة الكبيرة سيما كدمون مقالا تحت عنوان "خطّة التقسيم". قالت في المقال إنّه "يجب أن نسمي الولد باسمه: نتنياهو يُقسّم القدس. والشعار الذي يرافق الحملات الانتخابية منذ 1996، الذي ورد تحذيرا بحسبه أن زعماء اليسار سيقسّمون القدس، أصبح هذا الأسبوع واقعا، فقط مع فارق صغير جدا: زعيم الليكود (نتنياهو) هو الذي يفعل ذلك". وأوضحت كدمون أنّ حقيقة قرار المجلس الوزاري الإسرائيلي المصغّر للشؤون السياسية والأمنية لإقامة "تيجان التنفس" شرق المدينة لفحص الداخلين والخارجين يشكل في الواقع إقامة "محطات حدودية تقسّم المدينة إلى شرق وغرب، إلى قدس الإسرائيليين وقدس الفلسطينيين".

وتتساءل كدمون في المقال "كم من الإسرائيليين رأوا ذات مرة أمام أعينهم شعفاط، قلنديا، جبل المكبر أو صور باهر، وماذا يعرفون عن هذه الأماكن سوى أنه قد خرج منها في السنوات الأخيرة منفّذي العمليات الفرديين ؟".

صحيفة "هآرتس" أيضًا منشغلة في هذه الأيام بمسألة "خدعة: القدس مدينة موحّدة". في تحليل اقتصادي عميق للنتائج التدميرية التي قد تعقب قرار المجلس الوزاري الإسرائيلي المصغّر بإقامة "حواجز بين شطري المدينة" يتبين أن شعور الطوارئ والغضب الذي حلّق في الأجواء قد ألزم رئيس البلدية، (نير بركات) والوزراء بتوفير إجابات. لقد كانت الإجابة الأولى التي طرحت على جدول الأعمال، فيما يتعلق بفرض حصار على أحياء القدس الشرقية، ربّما الإجابة الأسوأ مما يمكن إيجاده. ليس فقط أنه لا يمكن الفصل بين شطري المدينة بضربة واحدة، وبالتأكيد ليس بالشكل الذي سيمنع الفلسطينيين الذين يريدون تنفيذ عملية من الانتقال من جانب إلى آخر، وليس فقط أن هذا قبول بوهم توحيد القدس؛ وإنما ستكون آثار تدميرية على شطري المدينة لخطوة كهذه". وأضاف في تحليله أيضًا "يعمل نصف العمال في القدس الشرقية تقريبا في غرب المدينة أو في مناطق أخرى في إسرائيل. في غرب المدينة وحدها، يعمل 35 ألف فلسطيني من القدس الشرقية. أي أن 35 ألف أسرة فلسطينية تعتمد على العلاقات الاقتصادية بين شطري المدينة".

هل يمكن تقسيم القدس بين شرقها وغربها ؟ (Flash90)

هل يمكن تقسيم القدس بين شرقها وغربها ؟ (Flash90)

"إنّ اعتماد القدس الشرقية في كسب الرزق على غرب المدينة واضح، ولكنّه ليس في اتجاه واحد. إنّ النسبة التقريبية للعمال في شرق المدينة في قطاعات اقتصادية معيّنة تجعل من غير الممكن الاستغناء عنهم، وبالتأكيد ليس على الفور. إنّ موظّفي القدس الشرقية هم 75% من موظّفي الفنادق في المدينة، 65% من العمال في قطاع البناء، 52% من الموظفين في المواصلات، 29% من العمّال في قطاع الصناعة و 20% من الموظفين في قطاعات الصحة والرفاه. وقد حدث في السنوات الماضية أيضًا ارتفاع في عدد الموظّفين في المبيعات والخدمات. وهكذا سيؤدي حصار القدس الشرقية إلى أزمة اقتصادية فورية وشديدة في كل المدينة".

وتساءلت صحيفة "معاريف" أيضًا عن مستقبل "المدينة الموحّدة". كتب المحلّل شالوم يروشالمي في مقالة تحليلية تحت عنوان "موجة الإرهاب ستؤدي إلى الانفصال عن القدس الفلسطينية؟": "هذا الحصار، بالإضافة إلى أحداث أخرى، يسلّط الضوء على القدس، المدينة التي تم إهمالها من قبل الدولة والمجتمع الإسرائيلي منذ حرب الأيام الستة، حتى دخولها في طريق مسدود. فجأة نهض الجميع وكشفوا أنّه يعيش في هذه المدينة نحو 350 ألف فلسطيني، أي نحو 40% من سكان المدينة، وأدرك الجميع فجأة أنّ جدار الفصل قد دفعهم غربًا وإذا أرادوا فقط، فسوف يضعون البطاقات في صناديق الاقتراع بدلا من إلقاء الحجارة وسيأخذون رئاسة البلدية بسهولة، وكما أدرك الجميع فجأة أن هذه المدينة لم تتوحّد أبدا، وإنما خلطنا فيها فقط مجموعتين سكانيّتين، تعتمدان على بعضهما البعض ولا يمكنهما الانفصال". يقول يروشالمي إنّه ينبغي الانفصال عن بعض الأحياء الفلسطينية في شرق المدينة وليست هناك لذلك، بحسب رأيه، معارضة في أوساط الشعب الإسرائيلي، وذلك بخلاف موقف السياسيين وحكومات اليمين في السنوات الأخيرة.