"الجيش الإسرائيلي هو الجيش الأول في العالم الذي تقرر فيه التجنيد الإجباري للنساء مثل الرجال"، تقول العميدة راحيل تفت-فيزل، مستشارة رئيس الأركان لشؤون المرأة. منذ لحظة إقامة الجيش الإسرائيلي عام 1948 تُلزم النساء بالخدمة إلى جانب الرجال.

وإذا كانت الأدوار التي تولّتها النساء في الماضي محدودة جدا، ولا سيما، أنها شغلت أدوار "تقليدية" مثل التعليم والسكرتارية، فيمكن اليوم أن نجد نساء تشغل كل دور تقريبا، بما في ذلك الأدوار القتالية، التقنية، إرشاد المقاتلين، والكثير غيرها.

نساء في الجيش الإسرائيلي (IDF)

نساء في الجيش الإسرائيلي (IDF)

الاختراقة

إحدى نقاط التحوّل الأكثر أهمية وشهرة، هي قرار حكم المحكمة العليا في حادثة أليس ميلر عام 1995. كانت ميلر حاملة رخصة طيّار مدني، وحاصلة على لقب في الملاحة الجوية وكانت ذات تأهيل جسدي كامل، ولكن رغم أنّها كانت ملائمة جدّا للخدمة في منصب طيّارة، لم يوافق الجيش الإسرائيلي على تجنيدها في دورة طيران.

لذلك، توجّهت ميلر إلى المحكمة العليا، والتي قررت في نهاية المطاف ليس فقط أنّه يحقّ لها التجنّد في دورة الطيران، وإنما أمرت الجيش الإسرائيلي أيضا أن يعمل على مساواة حقوق النساء مع حقوق الرجال.

"المساواة أغلى ثمنًا، ولكنه ثمن من المفضل ويجب أن يُدفع"

عام 2012، نُشر قرار رسمي لرئيس الأركان قال فيه "كل وظيفة مفتوحة أمام كل جندي وجندية، شريطة أن تتوفر فيه ثلاثة شروط: القدرة على الصمود في المهمات العملياتية، القدرة على العمل في البيئة العملياتية والتعيين وفق ما يلائم الإطار". معنى ذلك أنّه يمكن تصنيف  كل امرأة تستطيع أداء المهمة، وفقا لحاجيات التعيين في الجيش، لتؤدي أي دور ترغب فيه.

النساء المقاتلات يشكلن مصلحة للجيش الإسرائيلي

يدل هذا القرار منذ 2012، على تقدّم فكري مهم في الجيش الإسرائيلي في كل ما يتعلق بقدرة النساء على المساهمة. وبالفعل، فالذي يحرّك الجيش هو ليس حقوق الإنسان والطموح لتحقيق المساواة، وإنما مصالحه واحتياجاته، كما تقول تفت-فيزل. إن فتح نطاق واسع للأدوار أمام النساء يسمح للجيش اختيار المرشحين الأفضل من بين جمهور أكبر من المرشّحين.

واليوم ليس فقط أنّه قد افتُتح الكثير من الأدوار أمام النساء، وحتى في مجال القتال، وإنما افتُتحت كتائب قتالية مختلطة تدمج بين خدمة النساء والرجال. في كتائب "الكاراكال"، "أسود الأردن"، و "الفهد الصياد" يخدم اليوم مقاتلون ومقاتلات في المناطق الحدودية الجنوبية والشرقية من إسرائيل.

بالإضافة إلى ذلك، فالكثير من الأدوار تمت ملاءمتها وتغييرها لتصبح ملائمة للنساء (على سبيل المثال، صُنعت سُترات خاصة ملاءمة لجسد المرأة، والتي كانت تكلفتها أعلى من السترات العادية). "المساواة أغلى ثمنًا"، كما تقول تفت-فيزل، "ولكنه ثمن من المفضل ويجب أن يُدفع".

مقاتلات في الجيش الإسرائيلي (IDF)

مقاتلات في الجيش الإسرائيلي (IDF)

ومع ذلك، لا تزال هناك عدة أدوار عسكرية مغلقة أمام النساء، وبالدرجة الأولى المغاوير، وهي وحدات النخبة في الجيش. يعود سبب ذلك، كما تقول لنا تفت-فيزل، إلى الحاجة لرفع الأوزان. "يمكن تدريب المرأة على الركض سريعًا كالرجل، وتطوير قوة تحمّلها كالرجل، ولكن لا يمكن تغيير الجسد الأنثوي بحيث يستطيع تحمّل وزن مثل الوزن الذي يستطيع الرجل تحمله على مدى الوقت. ففي المهامّ الطويلة في عمق العدوّ هذا ما يبرز كل الفرق، وهذا هو السبب الوحيد الذي يجعل النساء ليست قادرات على الانضمام إلى وحدات النخبة".

نساء خلف خطوط العدوّ

ولكن رغم أن هذه الأدوار لا تزال مغلقة أمامهنّ، فهناك أهمية كبيرة للأسباب والتفسيرات لذلك. ففي الماضي كانت هناك قاعدة لا يمكن اجتيازها وهي تحدد: "أنّ النساء لا يجتزنَ خطوط العدوّ". كانت الشائعات تقول إنّ هذا الأمر ينبع من كونهنّ ينكسرنَ بسهولة أكبر في التحقيقات، في حال وقعنَ في الأسر، وأنّ هناك خطر أنّ يتعرّضن إلى انتهاكات أكبر إذا تم اغتصابهنّ.

واليوم لم تعد هذه القاعدة صالحة، فأصبحت تظهر النساء في كل مكان. على سبيل المثال، كما تقول تفت-فيزل، في الحرب الأخيرة في غزة رغم أنّه لم تدخل المقاتلات، ولكنْ دخلتْ مسعفات قتاليّات مع المقاتلين إلى الميدان وقدمن لهم علاجا، ودخلت ضابطات فرق مع جنودهنّ. وكما دخلت ضابطة حامل إلى داخل غزة تماما.

"الجيش الإسرائيلي هو الجيش الأول في العالم الذي تقرر فيه التجنيد الإجباري للنساء مثل الرجال"

بشكل مماثل، أجريتْ في الماضي نقاشات حول إمكانية تجنيد النساء في سلاح المدفعية. في البداية طُرح في النقاش السؤال إذا ما كان مناسبا أنّ يقضي الرجال والنساء معًا في آلة صغيرة جدا ومغلقة، من دون "رقابة"، كما يُفترض. ولكن سرعان ما ألغيَ هذا النقاش. إنّ الادعاء القائل اليوم إنّ النساء لا يمكنهنّ الخدمة في دبابة يعود فقط إلى أنّهن لا يستطعن العمل كـ "مُحمّل" يعبئ القذائف في فوهة المدفع، بسبب وزنها الثقيل (كان بإمكانهنّ أن يعملن كسائقات للدبابة، على سبيل المثال، ولكن على كلّ جندي من العاملين في فريق الدبابة أن يعلم كيفية تنفيذ جميع مهام بقية أعضاء الفريق).

المهنة الوحيدة اليوم التي لا تستطيع النساء أداءها، ولا يوجد لذلك تفسير مبرّر، هي الخدمة في الغواصات. ومع ذلك، فالغواصات الجديدة التي تُبنى اليوم بُنيت بطريقة حصرية للخدمة المشتركة للرجال والنساء، وتأمل تفت-فيزل أنّه عندما تدخل للعمل العسكري، تتغير هذه القاعدة، وستستطيع النساء الخدمة في الغواصات.

مهارات خاصة بالنساء

وعندم طرحنا السؤال إذا ما كانت هناك أدوار في الجيش يمكن للنساء أداؤها بخلاف الرجال، أجابت بأنّه لا يوجد أي دور مغلق أمام الرجال، ولكن في الواقع هناك عدة أدوار تؤديها النساء، ببساطة لأنّهن ذوات مهارات أفضل لذلك. على سبيل المثال، المراقبات اللواتي يجلسن أمام الرادار، ويتتبّعنَ بالتزامن القوات في المنطقة، من خلال التواصل معها، اتخاذ الأوامر وتوزيع المهام. "إنها مهمة تحتاج إلى تركيز عالٍ جدّا، وهي سمة أنثوية". وكذلك فإن وظيفة مثل ضابطة "ظروف الخدمة"، والتي تحرص على الظروف الاجتماعية للجنود وتعالج الحالات الإشكالية والصعبة، يشغلنها النساء تقريبا فقط، حيث إنّها مهمة تحتاج إلى حساسية عالية وتعاطف.

"في جيوش أخرى"، كما تقول تفت-فيزل، "ليس هناك تقسيم شامل وفقا للأجناس. ففي الجيش الأمريكي على سبيل المثال، يُحكم على كل امرأة وفقا لقدراتها. إذا أثبتت امرأة أنّها قادرة على الخدمة في المارينز (مشاة البحرية) واجتازت كل التدريبات والتأهيلات، فستكون في وحدة المارينز. ولكن في إسرائيل لا تسير الأمور هكذا، إذ إن كل النظرة مختلفة تماما. ومع ذلك ففي إسرائيل هناك نساء مقاتلات أكثر ممّا في الولايات المتحدة.

العميدة راحيل تفت-فيزل

العميدة راحيل تفت-فيزل

الكثير من العقبات

التقينا براحيل في مكتبها بوزارة الدفاع. لدى دخولنا إلى مكتبها استقبلتنا ثلاث جنديات، بطبيعة الحال. تفت-فيزل بنفسها مسؤولة عن كل ما يتعلق بالنهوض بالمرأة في الجيش، وخصوصا بالحفاظ على حقوقهنّ، ويبدو أنها تؤدي عملا جيدا. إنها تتجول في مختلف الثكنات، تتحدث مع الجنديات أنفسهنّ، تحرص على أن يشعرن بأنّه يتم احترامهنّ وتتم تلبية حاجاتهنّ. في المقابل، فهي تحرص على أنّ يدرك الرجال في الجيش بأنّ عليهم التعامل مع النساء تماما كما كانوا يتعاملون معهنّ لو كنّ جنودا ذكورا.

راحيل حاصلة على رتبة عميد، وهي الرتبة الأعلى اليوم لامرأة في الجيش. في الماضي كانت هناك امرأة واحدة وصلت إلى رتبة لواء، وكانت رئيسة قسم الموارد البشرية، ولكنها سُرّحت قبل نحو عام ونصف.

وفعلا، رغم أنّه في مناصب صغار الضباط هناك تقريبا عدد مساوٍ من النساء والرجال، فكلما تقدمنا في الرتب نرى عددا أقل من النساء، وهناك عدة أسباب لذلك. في البداية، تقول تفت-فيزل، رغم أنّ الظروف جيّدة، يُفضّل الكثير من النساء عدم المضيّ بسيرة مهنية عسكرية لسنوات طويلة، من بين أمور أخرى، لأنّه جهاز ذكوري، وأوقاته صارمة.

بالإضافة إلى ذلك، يفضل الجيش ترقية الضباط الذين جاؤوا من مجال القتال، مكافأة لهم على مخاطرتهم بحياتهم. فعلى سبيل المثال، فإنّ فيلق التعليم هو أنثوي جدا، ومعظم الأدوار فيه، بما في ذلك الكبيرة، تشغلها النساء. ومع ذلك، فإنّ قائد الفيلق هو رجل كان مقاتلا، ولكن لم يكن تابعا للفيلق.

رئيس الأركان امرأة؟

على ضوء جميع هذه الأمور، وبشكل أساسي بسبب أن النساء غير قادرات على الخدمة في مغاوير النخبة، فمن الواضح أنه في المستقبل المنظور لن تستطيع المرأة الوصول إلى منصب رئيس الأركان.

توافق تفت-فيزل على هذا القول، ولكنها تصرّح بأنّه ليس هناك سبب بألا نرى قريبا المزيد والمزيد من النساء برتبة لواء. "في سلاح الجو هناك طيّارات وضابطات طيران، وليس هناك سبب ألا تترأس امرأة سلاح الجوّ، وكذلك شعبة الاستخبارات، السايبر، الشعبة التقنية وغيرها. لقد كان هناك فعلا امرأة برتبة لواء، وأتوقع أن يكون لدينا المزيد قريبا".