"[...] الجهاد في أيامنا هو التزام شخصي [...] قال الله سبحانه للمسلمين أن يمضوا في طريقه"، هذا ما قاله أبو تراب، شاب أمريكي يبلغ من العمر 26 عامًا، يقاتل في حلب بسوريا مع قوات "الدولة الإسلامية" (داعش سابقًا)، في محادثة مع نداف نويمان، مراسل "غلوبوس" (صحيفة اقتصادية إسرائيلية) والذي تظاهر بأنه شاب عمره 26 عامًا من باريس واسمه عبد السلام عفيفي يرغب بالانضمام إلى خدمة "الدولة الإسلامية". تمّ نشر هذه الكلمات قبل أيام معدودة في صحيفة "غلوبوس" تحت عنوان "مقاتل داعش في سوريا لـ "غلوبوس": اليهود وحزب الله جاء وقتهم، قريبًا؛ أنا الأكثر اشتياقًا لماكدونالز".

سألني المراسل قبل نشر المقال ما هي دوافع أولئك الشباب وإلى أي مدى تتفق أفعالهم مع التعاليم الإسلامية ذات الصلة. أنكرت في إجابتي العلاقة بين وحشية عناصر "الدولة الإسلامية" وبين تعاليم التيار الرئيسي للإسلام في كلّ العصور.

وكإجابة على كلامي وُجّه إلي أمس سؤال في البريد الإلكتروني: هل أفعال "الدولة الإسلامية" لا تعتمد على تعاليم وممارسة النبي محمد؟ هل وحشية عناصر داعش ليست امتدادًا طبيعيًّا لما حدث مع رجال القبيلة اليهودية بني قريظة في المدينة في عهد محمد؟ بالنسبة له: "بعد أن رفضت هذه القبيلة قبول الإسلام تم قطع رؤوس 700 من أبناء القبيلة بينما بيع النساء والأطفال في سوق العبيد، وبعد قتل رئيس القبيلة أُخذت زوجته صفية لتكون زوجة أخرى لمحمد، تمامًا مثل ما يقوم به تنظيم داعش الإجرامي اليوم".

جماعات داعش في العراق (AFP)

جماعات داعش في العراق (AFP)

ليس لديّ أي نيّة هنا لمناقشة علاقة النبي محمد مع قبيلة بني قريظة، سواء بسبب عدم وجود مساحة كافية وأيضًا لأنّ الموضع حظيَ باهتمام واسع من قبل الباحثين لفترة صدر الإسلام. تجدر الإشارة، مع ذلك، إلى أنّ الموضوع مثير للجدل بين الباحثين أنفسهم. يناقض العديد من الأفكار المختلفة التي طُرحت كمحاولة لفهم قضية تاريخية حجة السائل والتي طُرحت أعلاه. في جميع الأحوال، لا يمكن أن نقتطع من هذه الحادثة تعاليم الإسلام في الحرب، والتي تغيّرت كثيرًا خلال تاريخ الإسلام. إن اطلاعًا سريعًا على هذه التعاليم، وخصوصًا أحكام الحرب، تدلّ بشكل قاطع أنّه ليست هناك أية علاقة بين وحشية "الدولة الإسلامية" وبين أحكام الحرب في الإسلام. الفكرة الأساسية في هذه التعاليم هي قدسية حياة الإنسان، والتي تحوّلت مع السنين إلى هدف رئيسي لقواعد الحرب في الإسلام. إنّ قطع الرؤوس أو إيذاء الأقليات مثل اليزيديين أو المسيحيين، كما يفعل عناصر "الدولة الإسلامية"؛ يناقض ليس فقط تعاليم الحرب التي تنصّ على حرمة التعرّض بالأذى لحياة الإنسان كحكم شرعي، بل يناقض أيضًا الرسالة الأساسية للإسلام، استنادًا إلى الآية القرآنية "وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ" (الأنبياء: 107). الرسالة الأساسية لمحمد هي بالتالي جلب الرحمة لكلّ البشرية ("للعالمين"، كما تقول الآية)، وهذه الرسالة لا تنتقل بواسطة قطع الرؤوس ولكن بطرق سلمية، كما تقول آية أخرى: "ادْعُ إلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ" (النحل: 125).

تمّ استيعاب هذه الرسالة من التسامح في الفقه الإسلامي الحديث بشكل أساسيّ، بفروعه المتعلقة بحياة الإنسان وحقوقه، وبذلك فإن أفعال الدولة الإسلامية تتناقض بشكل تامّ مع روح الإسلام وتعاليمه.

وينعكس هذا بوضوح في رد فعل فقهاء الشريعة والمؤسسات بفتاوى فقهية معاصرة. فقد أعلن هؤلاء أنّ داعش بأفعالها قد أخرجت نفسها من الإسلام، كما يظهر على سبيل المثال في كلام الشيخ عبد العزيز آل الشيخ حول تنظيم داعش والقاعدة باعتبارهما فرق خارجة عن الإسلام. بالنسبة له، فإنّ الأيديولوجية المتطرّفة والأعمال الإرهابية التي ترتكبها هذه التنظيمات تحوّلها إلى "العدوّ الرئيسي للإسلام"، ومن هنا فهو يخلُص إلى أنّ كلا التنظيمين لا يعتبران من الإسلام بعد.

جيش الدولة الإسلامية في العراق والشام (AFP)

جيش الدولة الإسلامية في العراق والشام (AFP)

تعبّر هذه الحجة عن موقف المجموعة الأوسع من فقهاء الشريعة الذين يمثّلون جميع أطياف الفقه الإسلامي المعاصر. يشير العديد من الفتاوى التي نشرت في هذا الموضوع إلى وجود إجماع نادر بخصوص إنكار الصلة بين داعش ودولتها، وبين الإسلام. جميع محاولاتي في العثور على استجابة فقهية واحدة على الأقل متعاطفة مع "الدولة الإسلامية"، بما في ذلك بين رجال الدين المحسوبين على الإسلام المتطرف؛ باءت بالفشل.

ومن هناك فمن الواضح بالنسبة لي أنّ التنظيم الذي يسمي نفسه "الدولة الإسلامية" يعاني من فقدان كامل للشرعية وأنّ رجال الدين الإسلامي بتياراتهم المختلفة يستنكرون نظرة التنظيم وعنفه. إنّهم لا ينظرون إلى التنظيم والدولة التي أقامها كهيئات إسلامية، ومن المرجّح أنّ مصير التنظيم ودولته لن يكون مختلفًا عن الطوائف المختلفة التي ظهرت واختفت خلال التاريخ الإسلامي، مثل الأزارقة، الغرابية، الميمونية، المفوضة وغيرهم. بكلمات أخرى، إذا أردنا محاكمة "الدولة الإسلامية" وفقًا لظواهر تاريخية مشبهة، فيبدو أنّه يمكننا أن نقرّر بأنّها ليست سوى حلقة عابرة سيتمّ توثيقها وبحثها في المستقبل كطائفة أخرى خرجت عن الإسلام.

نشر هذا المقال اولاً على موقع Can Think