إحدى العمليات التي لا يتم الحديث عنها اليوم، رغم أنها تؤثّر على واقع الحياة في الشرق الأوسط بدرجة كبيرة، هي هجرة مليون مهاجر من الاتّحاد السوفياتي سابقا إلى دولة إسرائيل، وهي عملية تجري منذ أكثر من ربع قرن وذلك عندما بدأ الاتّحاد السوفياتي بالتفكّك.

أكثر من يحمل مسؤولية هذه العملية هو رئيس الاتحاد السوفياتي حينذاك، ميخائيل غورباتشوف. تنازل غورباتشوف، الذي كان حريصا على إجراء إصلاحات هيكلية تنقل الاتحاد السوفياتي إلى القرن الواحد والعشرين، عن سياسات الهجرة التي استمرت لعقود وسجنت يهود الاتّحاد السوفياتي في بلادهم. في نهاية المطاف، أدت خطوات غورباتشوف الثورية إلى تفكك الإمبراطورية السوفياتية، وإلى هجرة مليون يهودي إلى إسرائيل.

ميخائيل غورباتشوف (AFP)

ميخائيل غورباتشوف (AFP)

يُعتبر مصطلح "استيعاب الهجرة" في نظر دولة إسرائيل، الهدف الأسمى دائما. لقد كانت إسرائيل بادئ ذي بدء بيتا لجميع يهود العالم. وقد طلب الكثيرون منهم أيضًا تعزيز التوازن الديموغرافي مقابل الدول العربيّة المحيطة بها. ولكن هذا لم يكن السبب الوحيد: في كتابهما "المليون الذي غيّر الشرق الأوسط" يقول رومان برونفان وليلي جليلي إنّ شمعون بيريس دعم هجرة اليهود اعتقادا منه أنّ ذلك سيُعزز عملية السلام مع الدول العربيّة. وفي الوقت ذاته، عمل زعماء دولة إسرائيل في الولايات المتحدة من أجل أن تصعّب الأخيرة شروط قبول المهاجرين.

ولكن، لم يتم قبول الكثير من الروس الذين جاءوا إلى إسرائيل بسهولة كبيرة. أحدثت الهجرة الجماعية أزمة سكنية حادّة، وأصبحت القصة المتكررة عن أطباء وعلماء روس، هاجروا إلى إسرائيل واضطروا إلى كسب الرزق من العمل بالتنظيف، رمزا لهؤلاء السكان. سكن الكثير من المهاجرين في أحياء فقيرة بمدن بعيدة عن المركز.

وقد واجه المهاجرون الروس بعض الحواجز الأكثر صعوبة والتي وضعها المجتمع الإسرائيلي المخضرم: الحاجز الثقافي، الحاجز الاقتصادي، وأكثر من كل ذلك حاجز اللغة. كان على المهاجرين أن يعتادوا على الانتقال من مجتمع شيوعي قمعي إلى مجتمع رأسمالي، من مجتمع يقدّس الثقافة العلمانية إلى مجتمع يقدّس التقاليد اليهودية ومن اللغة الروسية إلى العبرية.

أمر آخر زاد من صعوبة حياة مهاجري الاتّحاد السوفياتي هو شكّ المؤسسة الدينية في إسرائيل أنّهم ليسوا يهودا حقيقيين. أثارت سنوات من الزواج المختلط بين اليهود والمسيحيين في الاتّحاد السوفياتي في أوساط الحاخامية الإسرائيلية هذا الشكّ، وأدى إلى علاقة عداء تجاه "اليهود الحلال".

أدى كل ذلك إلى مجموعة سكانية روسية فرعية منفصلة في إسرائيل، لديها آلياتها الخاصة، قوانينها، ووسائل إعلام خاصة بها. عندها قامت روسيا الصغيرة داخل دولة إسرائيل. معدّل التورّط في الجريمة في أوساط الشباب من الجيل الثاني من المهاجرين من الاتحاد السوفياتي سابقا أكبر نسبيًّا من نفس المعدّل لدى عموم السكان، بالإضافة إلى معدّل الأطفال المهاجرين من الاتحاد السوفياتي سابقا المرتفع ممن يتركون المدارس.

والسؤال الكبير هو هل المجتمع الإسرائيلي المخضرم استوعب داخله الهجرة الروسية. في استطلاع أجراه المعهد الإسرائيلي للديمقراطية، قبل بضع سنوات، سُئِل إسرائيليون قدامى إلى أي مدى يتفقون مع المقولة التي تقول إنه "بعد فوات الأوان، كان من الأفضل لو أن الهجرة من الاتّحاد السوفياتي لم تحدث أبدا". أجاب 68% أنّهم لا يتفقون مع هذه المقولة، مما يثبت أن معظم الإسرائيليين يتعاطفون مع الجمهور الناطق بالروسية في إسرائيل. ومع ذلك، عندما يجري الحديث عن مجموعات معينة في إسرائيل مثل المتدينين المتطرفين أو اليهود الذين تعود أصولهم إلى بلدان إسلامية، فإنّ نسبة أولئك الذين يتفقون مع هذه المقولة أكبر.

وهناك معطى آخر مثير للاهتمام يظهر من الاستطلاع، وهو السؤال إلى أي مدى ساهم المهاجرون من الاتّحاد السوفياتي من أجل دولة إسرائيل. هل ساهموا في تطوّرها أم كانوا عبئًا عليها؟ في أوساط الإسرائيليين المخضرمين، يعتقد 20% أنّ الروس قد ساهموا أكثر مما حصلوا، بينما يعتقد 28% أنّ الروس حصلوا من الدولة على أكثر مما ساهموا فيها. وذلك بالإضافة إلى أنّه في أوساط المهاجرين أنفسهم، فإنّ 61% يعتقدون أنّهم ساهموا في الدولة أكثر مما حصلوا منها، وذلك مقابل 6% فقط الذين يعتقدون أنّهم حصلوا من الدولة أكثر مما ساهموا فيها.

ولا يزال هناك الكثير من مهاجري الاتّحاد السوفياتي ممّن اندمجوا جيّدا في المجتمع المخضرَم: منهم السياسيون مثل الوزير زئيف إلكين وعضو الكنيست كسانيا سبتلوبا، ومنهم الممثّلون مثل "ملكة المسرح الإسرائيلي" يفغينيا دودينا والممثلة إنيا بوكشتاين، ومنهم الرياضيون مثل الرياضي ألكس أبربوخ، ورجال الأعمال مثل نيكول رايدمان، وآخرين كثيرين.