الصحف الإسرائيلية الصادرة هذا الصباح (الأربعاء) انشغلت كما هو متوقع بتحليل خطاب رئيس الوزراء نتنياهو الذي ألقاه مساء أمس في الأمم المتحدة. وامتلأت الصحف الإسرائيلية بالتحليلات والتقديرات المختلفة للمعنى الحقيقي لخطاب رئيس الوزراء. وفي غالبية وسائل الإعلام هناك توافق على أنه وعلى الرغم من قوة الخطاب إلا أنه لم ينجح في خلق "الصدى" الذي كان يأمل به نتنياهو، وبشكل أساسي بسبب توقيت إلقاء الخطاب، في نهاية أعمال دورة الجمعية العامة للأمم المتحدة، فالقاعة كانت شبه فارغة والكثيرون لم يهتموا بالخطاب.

محلل صحيفة هآرتس، أري شابيط، كتب في تعليقه على خطاب رئيس الوزراء في نيويورك "أن الخطاب خال من أي إثارة أو تلاعب بالكلمات، وأن بيبي قال الحقيقة، لكن هذه المرة لم يؤمن بأن هناك من يستمع إليه". ومع ذلك أضاف شابيط: "يجب عدم الوقوع في الأوهام، فمن وراء هذا الخطاب غير الدراماتيكي الذي ألقاه نتنياهو تختفي دراما حقيقية وكبيرة، وأن نتنياهو في خطابه قال بوضوح "كل شيء أو لا شيء"، بشأن ضرورة الاختيار بين صفقة كبيرة مع الإيرانيين، أو عملية عسكرية إسرائيلية ... التهديد العسكري الإسرائيلي أحدث مراجعة كبيرة في الدوائر الأمريكية".

أما المراسل السياسي لصحيفة "هآرتس" ، باراك ربيد، فاعتبر خطاب نتنياهو مليئا بالضجر والملل. وأن نتنياهو لم يكن موفقا في الرد على الهجوم الذكي والماكر الذي نجح الرئيس الإيراني من خلاله فرض نفسه على أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة، ووصف ربيد خطاب نتنياهو بـ "الشريط المشروخ". صحيح أن نتنياهو قدم كمية كبيرة من المعطيات والمعلومات حول إيران، إلا أن الغرب لا يعاني من قلة المعلومات. وأنه بدلا من أن يحاول العمل من أجل الاتفاق على استراتيجية مشتركة ضد إيران، فإن خطاب نتنياهو قد يخلق نتائج عكسية وحالة من النفور.

وبالفعل، هذا ما عكسه مقال يمكن وصفه بالمقلق لأسرة تحرير صحيفة "نيويورك تايمز" ونشر هذا الصباح. والرسالة الرئيسية التي يحملها هذا المقال، هو أنه في حال حاول نتنياهو التخريب على مساعي أوباما للتحاور مع إيران بهدف التوصل إلى اتفاق حول الموضوع الإيراني، فإن ذلك سيكون بمثابة كارثة. وعلى الرغم من عدم اهتمام وسائل الإعلام الأمريكية بخطاب نتنياهو، في ضوء حالة الشلل الاقتصادي التي أصابت القطاعات المختلفة في الولايات المتحدة ومحاولات تمرير الميزانية، اختارت الصحيفة التي تعتبر من الصحف المهمة في الولايات المتحدة أن تطرق لخطاب نتنياهو، حيث قالت الصحيفة بأن نتنياهو يمتلك الأسباب والدوافع الشرعية التي تدفعه للتحذير من الخطوات الإيرانية. إلا أن ذلك ستكون له أثار خطيرة وكارثية في حال قرر نتنياهو ومن يدعمه في الكونغرس أن "يصابوا بالعمى المفاجئ" ويتجهون نحو تضخيم التهديد الإيراني بسبب عدم ثقتهم بالنوايا الإيرانية، وأن يحاولوا قطع الطريق أمام الرئيس أوباما ومحاولاته لاستغلال شباك فرص الدبلوماسية الجديد وإلحاق الضرر بالفرصة الجيدة المتاحة لفتح صفحة جديدة من العلاقات الأمريكية الإيرانية والتي دخلت حالة من الجمود في أعقاب الثورة الإيرانية.

صحيفة يديعوت أحرونوت، المعروفة بانتقاداتها الدائمة لنتنياهو، وصفت خطاب رئيس الوزراء بأنه خطاب صادق، وأنه خطاب جيد ومليء بالتفسيرات. وترى الصحيفة أنه وعلى الرغم من اللهجة الحادة التي اتبعها نتنياهو في خطابه، إلا أنه في نفس الوقت لم يُسقط الخيارات الدبلوماسية، وإنما حاول أن يترافق هذا الخيار الدبلوماسي مع مواصلة الضغوط الاقتصادية على إيران. وجاء في المقالة التي نشرتها الصحيفة أن صدق الخطاب أوصل الرسالة إلى الإسرائيليين فقط، ومن المستبعد أن يكون نتنياهو قد تمكن من خلال خطابه في إقناع العالم.

المحلل السياسي المعروف، رون بن يشاي، قال أيضا في موقع "ynet" أن نتنياهو أدرك أن توقيت خطابه كان توقيتا سيئا، وقد يكون التوقيت الأسوأ، ولهذا السبب قرر إلقاء "خطاب مهني موجه لمن هم على دراية بهذه المسألة ولأصحاب القرار"، وأنه قام بشرح ما يؤمن به بصورة تدريجية وقدم "الوصفة" التي يجب على المجتمع الدولي وبصورة خاصة العالم الغربي أن يتبعها في تعامله مع إيران. وحاول بن يشاي الإشارة إلى أهمية المطلب الجديد الذي طرحه نتنياهو في خطابه بالإضافة إلى المطالب التي حرص على الإشارة إليها لأكثر من مرة في الأسابيع الأخيرة. وهذا المطلب هو ضرورة وقف أجهزة الطرد المركزي المتقدمة من نوع "IR-2 " في موقع التخصيب في "نتانز". ويرى بن يشاي، أن هذا المطلب هو الأهم، لأن بنية أجهزة الطرد المركزي التي قامت إيران بإقامتها حتى الآن تسمح لها بأن تتحول بعد حوالي شهرين وبشكل عملي إلى دولة على "حافة" القدرة النووية.

ويضيف بن يشاي، أن نتنياهو أوضح أيضا في خطابه، بأنه في حال لم يتم وقف برنامج إيران النووي، فإن إسرائيل لن تكون الوحيدة التي تواجه الخطر الإيراني وإنما أيضا دول الخليج العربي التي تزود الطاقة إلى شرق أسيا وإلى أوروبا. ويرى بن يشاي أن خطاب نتنياهو موجه بشكل أساسي إلى أصحاب القرار، وأن التفسيرات و "الوصفات" التي عرضها نتنياهو سيكون لها صدى خارج قاعات الأمم المتحدة وستجد مكانا لها على طاولة العديد من الحكومات في أنحاء العالم.

وهناك تحليل آخر ملفت لخطاب نتنياهو، حاول صاحبه النظر أبعد من اللهجة الحادة التي أطلقها نتنياهو في خطابه، وأشار هذا التحليل إلى "ابتعاد الخط الأحمر" الذي وضعه نتنياهو وإلى حدوث حالة من التقارب مع الموقف الأمريكي. أحد قادة الأجهزة الاستخبارية في إسرائيل، وعلى معرفة بالسياسة الإسرائيلية المتبعة في مواجهة النووي الإيراني، قال بالأمس وبعد خطاب نتنياهو أن هناك أهمية كبيرة لأقوال نتنياهو وذلك أن إسرائيل لن تسمح بوجود سلاح نووي في أيدي أنظمة متشددة تسعى إلى القضاء على إسرائيل. وأن ذلك يشير إلى تراجع نتنياهو عن السياسة التي اتبعها حتى الآن، وعن الخط الأحمر الذي رسمه لنفسه، والذي كان ينص على أن إسرائيل ستكون مضطرة إلى العمل والتحرك في المرحلة التي يخصب فيها الإيرانيون الكمية الكافية من اليورانيوم لإنتاج قنبلة نووية. وهذا التراجع من جانب نتنياهو يعني أن هناك تقارب بين إسرائيل والموقف الأمريكي الذي يرى بأن القدرة على تصنيع قنبلة نووية ليس مبررا كافيا للقيام بهجوم عسكري، وإنما امتلاك القنبلة النووية هو الخط الأحمر كما تراه الولايات المتحدة.