صباح صيفي نموذجي على التلال الخضراء في اللطرون. ليت للتاريخ فم ليقص رواية هذا المكان. لو كان بإمكان الحجارة، القلعة، الكنيسة والأشجار أن تروي الحكاية الدامية لهذه القطعة الصغيرة الغنّاء، لكانت ستروي حكاية مثيرة حول الحرب والسلام، حول السكينة والتوتر، حول الحياة المفعمة في ظل التاريخ، المليئة بالتحولات والثنائية الغير ممكنة تقريبًا.

اتفقت على الالتقاء بالناطقة بلسان واحة السلام، ريتا بولس، في السابعة صباحًا، على مدخل البلدة. قد تنقطع للحظة عن ضجيج الازدحامات المرورية على طريق رقم 1 الذي يربط بين تل أبيب-يافا وأورشليم-القدس وتدخل إلى مملكة ساحرة. الطبيعة بكل وقارها تتجلى في أشجار السرو المُعتنى بها، أشجار الزيتون، الرمان والكرمة، على جانبي الطريق وهدوء واحد كبير، سكينة حقيقية وحياة مشتركة واعتيادية إلى حد كبير بين إسرائيليين وفلسطينيين.

إن البيت القصيد والمشروع الأكثر تميّزا الذي سترونه في فرية واحة السلام-نيفي شالوم هو المدرسة ثنائية اللغة التي حددت لقائي بالسيدة بولس فيها لنتحدث ونتجول في البلدة المميزة والوحيدة التي تعيش فيها معًا عائلات إسرائيلية يهودية وعائلات عربية إسرائيلية.

واحة السلام هي قرية تعاونية، تعيش فيها اليوم 60 عائلة يهودية وعربية، تحمل الجنسية الإسرائيلية، وهم يعيشون في تعايش وحياة متساوية. التوزيعة هي 30 عائلة يهودية و 30 عائلة عربية، ومن بينهم مسيحيون ومسلمون، ويعمل في البلدة جهاز تربوي ثنائي اللغة وثنائي القومية.

تروي لنا بولس ونحن نتكئ على سياج المدرسة وننتظر مجيء الصغار في يوم روتيني إضافي في المدرسة ثنائية اللغة أن البلدة تأسست عام 1969: "تمت إقامة البلدة من قبل الراهب الدومينيكاني برونو هوسار. وقد وُلد هوسار ذاته يهوديًا علمانيا في مصر. عندما بلغ سن 18 سنة هاجرت عائلته إلى فرنسا حيث اعتنق المسيحية هناك. قدِم هوسار إلى البلاد عام 1953 لإقامة دير دومينيكاني وقد أقلقه التوتر القائم بين اليهود والعرب في الدولة الفتية. وقد طرأت في باله فكرة إقامة البلدة لتأسيس مكان يعيش فيه اليهود ، المسيحيون والمسلمون معًا، من خلال الاحترام المتبادل لهوية الجميع. وقد تم أخذ اسم القرية من آية في سفر أشعيا "وَيَسْكُنُ شَعْبِي فِي مَقَرِّ ٱلسَّلَامِ،‏ وَفِي مَسَاكِنِ ٱلطُّمَأْنِينَةِ،‏ وَفِي أَمَاكِنِ ٱلرَّاحَةِ ٱلْهَادِئَةِ" (الإصحاح 32 الآية 18). وسرعان ما تمت إضافة الاسم العربي: "واحة السلام".

ريتا بولس الناطقة بلسان واحة السلام، تصوير نوعام موسكوفيتش

ريتا بولس الناطقة بلسان واحة السلام، تصوير نوعام موسكوفيتش

ثنائية القومية – ثنائية اللغة

شيئًا فشيئًا بدأ الأولاد يصلون إلى المدرسة. خليط من لغتين: أحدهم يلقي تحية "صباح الخير" على حارس المدرسة ويرد الحارس كعادته بابتسامة واسعة باللغة العربية "بوكر أور" (اي صباح النور في اللغة العبرية). قُبيل الساعة 07:45 كان معظم الأولاد منشغلين بلعبة كرة السلة المشتركة في ساحة المدرسة. سوف يقرع الجرس بعد قليل وسيضطرون إلى الدخول إلى الصفوف الدراسية. "انتبه، سوف تسمع لتوك جرس المدرسة، إنها ليست مجرد رنّة. نحن نسمعهم الموسيقى وفي كل مرة نستبدلها. نحن نسمعهم موسيقى شرقية وغربية، فمن المهم لدينا أن يعوّدوا آذانهم على الإيقاعين" تقول لي بولس.

وبالفعل، في الساعة 08:00 بدأت تصدر أنغام موسيقى شرقية من السماعات الموجودة في المدرسة وبدأ الأولاد يجتمعون في الساحة الصغيرة لإنجاز رياضة صباحية قصيرة ومشتركة. يقف المعلمون والمدير جانبًا، وخريجو المدرسة يوجهون النشاط. بعد ذلك يتوزع الطلاب في الصفوف الدراسية للحصول على وجبة إفطار خفيفة وحديث مع المعلمين حول شؤون اليوم.

وفي حديث مع مدير المدرسة يروي لي أنور داوود عن وتيرة حياة الطلاب اليومية: "مدرستنا هي مدرسة ثنائية اللغة. إنها مميزة من هذه الناحية لأن الجهاز التربوي الرسمي في إسرائيل هو جهاز منقسم. ففي المدارس العربية يعلمون وفق منهاج يختلف عن المنهاج الذي يعلمونه في الجهاز التربوي الإسرائيلي اليهودي. لقد تحولت مدرستنا، مع مرور الزمن، إلى نموذج يُحتذى به وتوجد اليوم 3 مدارس من هذا النوع في مختلف أنحاء البلاد. تمت إقامة مدرستنا لتلبي احتياجات سكان البلدة التربوية والثقافية للحياة المشتركة".

مدير المدرسة أنور داوود، (تصوير نوعام موسكوفيتش)

مدير المدرسة أنور داوود، (تصوير نوعام موسكوفيتش)

منذ بضع سنوات يتم استخدام الروضة والمدرسة كأطر تربوية إقليمية للأولاد من الجوار. الجهاز التربوي يحاول عقد لقاءات بين أولاد من مجموعتين قوميتين، ذات هويات متعارضة، لكي يتعلموا العيش مع الآخر على الرغم من الصراع. يشمل الجهاز ما مجموعه نحو 210 طلاب، منهم نحو 190 طالبًا من البلدات المجاورة. هذا هو البيت التربوي للطلاب ولطاقم المعلمين والمدراء من القدس وحتى اللد، نصفهم من العرب ونصفهم من اليهود.

يبدأ التوجه التربوي ابتداء من الحضانة ورياض الأطفال. توجد معلمتا روضة، واحدة يهودية وواحدة عربية، تتحدثان مع جميع الأولاد، كلُ بلغتها الأم. بعد ذلك، ومن الصف الأول يكتسب الطلاب اللغتين، العبرية والعربية، يتعلمون عن ثقافتي الشعبين القوميتين وحكايات الأديان الثلاثة، ويحتفلون بأعياد اليهود، المسلمين والمسحيين. "من المهم لنا أن نُكسب الأولاد قيمًا مشتركة من الاحترام والتبادلية. نحن نتحدث عن كل شيء حتى في الفترات الصعبة. في الحرب التي دارت رحاها في غزة في العام الماضي، واجهنا واقعًا كان فيه أولاد في المدرسة من عائلات خاضت الحرب داخل غزة وبالمقابل أولاد يهود إسرائيليين شارك أخوتهم في المعارك التي خاضها الجيش الإسرائيلي أو أنهم كانوا تحت النار في بلدات التفافي غزة. إن توجهنا هو التحدث عن كل شيء وعدم التمويه، الكشف عن التعقيدات في الحياة المشتركة، وأنه لا حاجة دائمة إلى أن نتفق على الأمور" يقول داوود.

عند انتهاء الحديث مع داوود، أدخلتني بولس إلى أحد الصفوف لدرس حول اللغة العبرية لأعرف الأسلوب التدريسي المميز وبلغات مختلطة. كان من السهل على الأولاد الذين واجهوا صعوبة باللغة العبرية أحيانا أن يتحولوا على الفور لطرح الأسئلة بالعربية وكانت المعلمة وسائر الأولاد يفهمون أقوالهم فورا.

يافطة ثمن السلام

إن المنظر الطبيعي الخلاب والحياة المعزولة لم تكن من نصيب سكان البلدة المشتركة دائمًا: "نحن لسنا معزولين في الحقيقة عما يحدث في الخارج، نحن نعيش في إسرائيل، نشعر بالارتجاجات السياسية والاجتماعية التي يجتازها الشعبان. ففي شهر حزيران من العام الماضي (2012) واجه سكان القرية نشاطات عنيفة بما يسمى عمليات "تدفيع الثمن". فقد وصل مجهولون إلى القرية في ساعات الليل المتأخرة، قاموا بثقب إطارات عشرات السيارات ورشو كتابات التجديف "تحية من حفات غلعاد"، "الموت للعرب" و"تحية من غفعات هئولبناه" في احتجاج على قرار حكومة إسرائيل إخلاء المستوطنات غير القانونية. لقد رشوا هذه الكتابات المخيفة على جدران المدرسة التي تربي على التسامح. نحن بطبيعة الحال اهتممنا بإشراك أولاد المدرسة في تجربة مصححة وبرفقة فنانين فلسطينيين قمنا بطلاء الجدران وأضفنا الرسومات التي تراها اليوم" تقول بولس باعتزاز.

جدران المدرسة بعد محو كتابات التجديف، (تصوير نوعام موسكوفيتش)

جدران المدرسة بعد محو كتابات التجديف،(تصوير نوعام موسكوفيتش)

الماضي، الحاضر والمستقبل في ظل النزاع

بهدف تحويل رؤيا واحة السلام إلى واقع احتاج المؤسسون وواضع الفكرة، هوسار، إلى شركاء في الطريق، إلى مكان جغرافي وإلى موارد مالية. وقد منح رئيس دير اللطرون في ذلك الحين أراض من الدير لإقامة القرية.

كان أول من سكن على الأرض في صيف عام 1972 هو هوسار وصديقة دربه آن. وقد واجه السكان الأوائل صعوبات في ظروف المعيشة الصعبة، هذا ما يرويه لي إيلان فريش، أحد مؤسسي القرية، في حديث ودي تحت شجرة الزيتون الموجودة في مركز القرية ويقول: "لقد عانينا من عدم وجود ماء متدفق، مساكن مؤقتة، عدم وجود مواصلات منتظمة وكثير من العزل".

كان ما يميّز هؤلاء السكان – إيلان، عبد السلام، كوبي وإياس – هو التشبث بفكرة الحياة المشتركة بين اليهود والعرب، وتحقيقها بمساعدة الصبر والانفتاح. من الناحية العملية، كان هناك عدد غير قليل من الخلافات بين الأعضاء فيما يتعلق بالخدمة العسكرية لليهود، طريقة تخليد ذكرى توم كيتايين من سكان المكان الذي استشهد في كارثة المروحيات (اصطدام جوي حدث في شهر شباط من العام 1997، حين اصطدمت مروحيتا يسعور تابعتان لسلاح الجو الإسرائيلي فوق سهل الحولة، حين كانتا تنقلان المقاتلين من لواء هناحال ومن وحدات أخرى إلى مواقع الجيش الإسرائيلي في القطاع الأمني في جنوب لبنان. وقد قُتل في الحادث الجنود الـ 73 الذين كانوا في المروحيتين) والفلسفة التربوية السائدة في مدرسة السلام. على الرغم من ذلك، بعد مرور 44 سنة تقريبا منذ تأسيس البلدة، يمكن أن ينظر مؤسسو البلدة وسكانها باعتزاز إلى المشروع الذي أقاموه.

يروي فريش لي عن الانتقال إلى واحة السلام بحنين كبير: "لم يكن يوجد هنا أي شيء تقريبا. كانت العائلات الأولى عائلات طلائعية. وقد انتقدتني عائلتي ليس بسبب الانتقال إلى بلدة مشتركة كانت في بداية طريقها، بل بسبب الظروف الصعبة. كنت أضع مرآة دائما أمام والديّ وأصدقائي. والديّ اللذان انتقلا للسكن في كيبوتس في الشمال هما أيضا طلائعيان وواجها ظروفًا ميدانية ومعيشية قاسية من دون وصول يُذكر إلى الحد الأدنى من الخدمات. صحيح أن ريادتي كانت تختلف عن ريادتهم ولكن هذا كان يهدئ من مخاوفهم".

أيلان فريش من السكان الأوائل  للواحة، (تصوير نوعام موسكوفيتش)

أيلان فريش من السكان الأوائل للواحة، (تصوير نوعام موسكوفيتش)

ولكن ريادة والدي فريش في الكيبوتسات في الشمال كانت تختلف جدا عن الريادة التي أراد إكسابها لعائلته الصغيرة. بينما كانت الدولة تدعم إقامة كيبوتسات، الاستيطان على الأراضي والتأهيل الزراعي المتطور كجزء من حلم إنقاذ البلاد والصهيونية، فهي قد وضعت عراقيل كثيرة أمام فريش وأعضاء المجتمع المحلي الفتي في واحة السلام: "رفضت الدولة في البداية الاعتراف بواحة السلام كبلدة. شيئًا فشيئًا، اعترفوا بنا كمؤسسة تربوية حين بدأنا تفعيل خطة السلام في مدرسة السلام. بشكل عام، لم تقدم الدولة أي شيء للبلدة، وقد اضطررنا إلى بناء كل شيء بالتعاون مع شركائنا في المجتمع المحلي ومن التبرعات. لقد تحسن الوضع اليوم كثيرا وأصبحت الدولة تعترف بنا كبلدة، وهذا بعد نضال طويل في المحاكم".

وفي رد على سؤال ما إذا كان يرى مستقبلا أفضل لحل النزاع، أجابني بتهكم "لا يمكن أن نكون متفائلين في منطقتنا. أنا شخصيا متشائم جدا. الحكومتان الإسرائيلية والفلسطينية على حد سواء تعرقلان أية محاولة لإقامة مفاوضات والزعماء يرفضون وقف التدهور. على الرغم من ذلك، كلي أمل في أن يتوقف الشعبان ذات يوم عن العيش على حد السيف". وبشأن مستقبل البلدة يقول فريش: "آمل جدا في أن تواصل البلدة ازدهارها ونموها. أنا أومن بالحياة المشتركة وكلي أمل في أن ننجح على الأقل في تربية أجيال إضافية تعيش بشكل مختلف، بجو وباحترام متبادلين لأنه لا يوجد خيار آخر".