يقف استمرار مصالحة فتح وحماس، التي أصبحت رسمية مع إقامة حكومة الوحدة الفلسطينية قبل نحو شهر، أمام علامة سؤال كبيرة جدّا. منذ لحظة إقامتها، صدر ما لا يُحصى من الأصوات من كل حدب وصوب والتي دعت إلى تفكيك الحكومة، ولكن هل فعلا هي في طريقها إلى التفكّك؟

لا تحتاج أن تكون مطلعًا كثيرًا  في الشؤون الفلسطينية حتى تعلم أنّ الحبّ الكبير لا يسود بين فتح وحماس، وأنّ حكومة الوحدة هي نتيجة لشراكة مصالح. لقد عززت أزمة المختطفين الإسرائيليين، التي انتهت أمس بنهاية مأساوية عند العثور على الجثث، الغضب والعداوة بين الحركتين.

للوهلة الأولى، يبدو أنّ الاتفاق على شفة الانهيار فعلا. خلال الأزمة، أعرب رئيس السلطة الفلسطينية، محمود عباس، عن تأييده للتعاون الأمني مع إسرائيل، وأعطى إسرائيل يدًا حرة في تنفيذ العمليات العسكرية الواسعة في الضفة الغربية. بالإضافة إلى ذلك، فقد عملت الأجهزة الأمنية الفلسطينية أيضًا ضدّ عناصر حماس، وكأنّ حكومة الوحدة لم تقم أبدًا، وذلك مع استياء حماس.

خلال الأزمة، نقل رئيس الحكومة الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، إلى عباس أدلة استخباراتية بأنّه قد تمّ تنفيذ الاختطاف بعلم مسؤولين في حماس، وتشكّل هذه الأدلة انتهاكًا لا لبس فيه لاتفاق المصالحة. بالإضافة إلى ذلك، فقد أجرى مسؤول فلسطيني مقابلة مع صحيفة إسرائيلية قبل نحو أسبوعَين وقال: "إذا كان الخاطفون من حماس فعلا، فسنفكّك حكومة الوحدة ونعلّق عملية المصالحة الداخلية الفلسطينية".

إذا كان الغضب على حماس لا يكفي، فإنّ هناك خطرًا آخر يطفو فوق السلطة الفلسطينية: الانهيار الاقتصادي. تعيش السلطة أزمة اقتصادية خطيرة جدًا، فبصعوبة تستطيع دفع الرواتب لموظفيها ولم تنقل بعد أجور 40,000 موظف حماس في قطاع غزة، بخلاف اتفاق المصالحة.

رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس. خطرًا يطفو فوق السلطة الفلسطينية: الانهيار الاقتصادي (Flash90/Issam Rimawi)

رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس. خطرًا يطفو فوق السلطة الفلسطينية: الانهيار الاقتصادي (Flash90/Issam Rimawi)

على خلفية هذه الحالة الاقتصادية الصعبة للسلطة، تكتسب بعض المبادرات من قبل سياسيين أمريكيين لإيقاف ضخّ الأموال من واشنطن إلى رام الله زخمًا، وذلك على ضوء أزمة المختطفين. تدعو المبادرات إلى إيقاف ضخّ الأموال حتى تفكيك حكومة الوحدة، وسيشكّل ذلك ضربة قاضية للسلطة.

بدأت هذه المبادرات الأمريكية بالتحرك بعجلات التشريع الأمريكي في الكونغرس ومجلس الشيوخ، وقد حصلت على دفعة بعد العثور على جثث الشبان ويبدو أنّها تتعزّز. بالإضافة إلى الأمريكيين، تتعالى الدعوات الدولية لتفكيك الحكومة.

ومن جهة حماس، فبتوقيت عشوائي، قبل ساعات من العثور على جثث المختطفين، عُقد في غزة اجتماع بين وزراء المصالحة الذين يعيشون في قطاع غزة، ونوقشت فيه أزمة رواتب الموظفين. وعند انتهاء الاجتماع، عُقد مؤتمر صحفي، اتهمت حماس فيه فتح بالتباطؤ المتعمّد في نقل الرواتب وإهمال قطاع غزة.

وأكّد الناطق باسم حماس، سامي أبو زهري، إلى أنّه بالإضافة إلى أزمة الرواتب، هناك مشكلة في فقدان الاتصال بين وزراء الضفة وغزة، ولذلك فهناك قلق من حصول فراغ أمني وتدهور كبير. لقد أوضح أنّ حماس لن تدخل يديها في ضوء هذا الإهمال، ومن الممكن أن تقيم حماس جهازًا بديلا يمكنه إدارة قطاع غزة بشكل مواز للحكومة الفلسطينية.

الناطق باسم حماس، سامي أبو زهري (AFP)

الناطق باسم حماس، سامي أبو زهري (AFP)

أعربت حماس عن استياء آخر  وهو أنّ اتفاق المصالحة غير مطبّق أساسًا، وفي الواقع فإنّ دخول الحركة إلى مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية لم تلق التشجيع أبدًا.

ومع ذلك، تُظهر جميع الإشارات للوهلة الأولى أنّ أيّام الحكومة باتت معدودة. بالإضافة إلى ذلك، من غير المؤكد أن هذا هو الحال. رغم الأزمة، تقريبًا لم يتمّ سماع دعوات قوية لإلغاء اتفاق الوحدة. من جهة فتح، تم سماع دعوة واحدة مجهولة الاسم. إلى جانب ذلك، أجرى مسؤول فلسطيني مقابلة اليوم مع موقع إسرائيلي آخر وقال إنّه من غير المتوقّع أن تتفكّك حكومة الوحدة.

ومن جهة حماس، فسوى التعبير الواضح لعضو البرلمان يحيى موسى (الذي من الممكن أنه أراد جرف بعض رأس المال السياسي) لم يتمّ سماع أيّة دعوة لتفكيك حكومة الوحدة. وقد أوضح أبو زهري نفسه أمس أنّ حماس ترغب بمشاهدة الاتفاق ينجح. من الصعب أن نصدّق بأنّ حماس هي من ستُفكّك حكومة الوحدة، إلا إذا شعرت بأنّ عباس يريد القيام بذلك فعلا ولا يرغب بأن يُنظر إليه كمبادر لذلك.

حكومة الوفاق الفلسطيني في رام الله (ABBAS MOMANI / AFP)

حكومة الوفاق الفلسطيني في رام الله (ABBAS MOMANI / AFP)

وهل سيفكّك عباس الحكومة فعلا؟ لا يمكن التأكد على الإطلاق. بخصوص خطر إيقاف ضخّ الأموال من الولايات المتحدة، فمن الممكن أنّ من سيقوم بالضغط من أجل عدم إيقاف الضخّ هو إسرائيل، التي لا ترغب في رؤية السلطة الفلسطينية تنهار تمامًا، بحيث من الصعب أن نقدّر بأنّ ضخّ الأموال سيتوقف فعلا.

وماذا بخصوص معرفة كبار مسؤولي حماس عن الاختطاف؟ لم يتمّ الكشف من هم قادة حماس الذين علموا بعملية الاختطاف، ولكن تتحدّث التقديرات أنّهم من مسؤولي حماس غير المتواجدين في قطاع غزة، وعلى رأسهم خالد مشعل. والافتراض أنّه لم يعلم أيّ مسؤول في حماس من قطاع غزة عن عملية الاختطاف، وهذا هو أحد أسباب تجاهل الناطق باسم حماس لها.

والسبب الأخير لمواصلة استمرار حكومة الوحدة الوطنية هو الرأي العام الفلسطيني. إنّ تفكيك حكومة الوحدة سيبدو في الشارع الفلسطيني وكأنه "معانقة" يقدّمها عباس لإسرائيل، في الوقت الذي يهمل فيه إخوانه في حماس. باعتباره زعيمًا لم يُنتخب من قبل الشعب منذ أكثر من تسع سنوات، لا يريد عباس فقدان شعبيّته. إذن فهل تصمد الحكومة الفلسطينية؟ ستخبرنا الأيام.