على الرغم من الاضطرابات التي تُعاني منها هذه المنطقة من المعمورة، على عتبة خريف 2014، تُشكّل الأردن اليومَ ملجأ من الأمن والاستقرار. مع ذلك، شكّل الخلل والاضطراب السياسي والأمنيّ السائدان في العراق وسوريا، إلى جانب العجز على إيجاد حل عادل للصراع الإسرائيليّ-الفلسطينيّ، بيئة مشحونة تدعم الاقتتال والتطرّف. هذا التهديد المتزايد والآخذ بالتطوّر يُشكّل تحدّيات غير مسبوقة أمام المملكة الأردنيّة الهاشميّة وعلى رأسها – التعامل مع تطرّفٍ مرّ بعمليّات تطبيع.

صرّح ملك الأردن، عبد الله الثاني، في لقاء مع صحيفة الغد الأردنيّة، أنّ الجبهة الداخليّة في أراضيه منيعة ومُحصّنة ضدّ الأيديولوجيّات المتطرّفة والكافرة، إذ أنّ أرض النزاعات الخصبة التي تنمو منها هذه الأيديولوجيّات ليست ذات شعبية وتأييد من قِبل المملكة. يتّفق رئيس الحكومة السابق، معروف البخيت، مع هذا الرأي، مُضيفا أنّه في الأردن ليس هناك خطر حقيقي ملموس من تبلوُر ميليشيات مُسلّحة، كداعش مثلا، وذلك بسبب ثلاثة عوامل. الأول، هناك لدى السلطة الأردنيّة قدرات دفاعيّة متينة للدفاع عن نفسها، والتي تطوّرت قبل حوالي عقد من الزمن، عندما قام زعماؤها بتحديد وتمييز التهديدات الحديثة لإحداث الحروب غير التقليديّة. إذ أفلحت المملكة بتطوير قوات مُتمركزة ذات كفاءة بالمناورة ودقة في الحرب، والتي تمّ ضمّ مُخابرات موثوقة إليها معروفة بحنكتها في تحديد مواقع جماعات متطرّفة تعمل في المنطقة. العامل الثاني؛ هو التضاريس الجغرافيّة للصحراء الشرقيّة والصحراء الشماليّة الفسيحة والشاسعة، والتي تُشكّل عائقا طبيعيّا. الثالث، المبنى الداخلي الضعيف للدولة الإسلامية (داعش)، إذ أنّ التنظيم غير قادر على استغلال واستخدام مخازن أسلحة الجيش العراقي، التي استحوذ عليها، بشكل تامّ.

وإحدى العوامل التي يجب أخذها بعين الاعتبار هو التصرّف البراغماتي لداعش باختياره المعارك التي اشترك فيها وبزمن تخمينه لقوة وشدّة خصمه، ما يُشير بالتالي إلى أنّ الأردن قابعة خارج حساباته، على الأقل على مدى المستقبل القريب المُتنبّئ به.

بينما أشار الأمين العام لحركة حزب الله، حسن نصر الله، إلى أنّ داعش يُمكن أن يتحوّل إلى تهديد على المملكة الأردنيّة، إذ أنّه "في كل مكان يحوي أشخاصا يُؤمنون بأيديولوجيّة داعش فإنّ هُناك قاعدة وأساس لتطوّر التنظيم، وهذا هو الوضع الذي يعمّ ويسود في الأردن..."، كما ولفتَ النظر إلى ازدهار جماعات مُؤيّدة لداعش في مناطق مُختلفة بالدولة، سواءً داخلَ مُخيّمات اللاجئين الفلسطينيّين أو في مدينتَيْ السلط ومعان. وفي الواقع، منذ تنصيب أبي بكر البغداديّ خليفةً للدولة، رفعَ أنصاره في مدينة معان لافتات وشعارات لتأييده وحتّى أنّهم قد أثنوا عليه في أغانيهم. في مدينة الزرقاء، تجمهرَ في اليوم الأوّل من عيد الفطر مُؤيّدون لتنظيم داعش، ونشروا علنًا شعاراتِ التنظيم على اللافتات وردّدوا أغاني موجّهة للدولة الإسلاميّة وأميرها. في ذات الوقت، فقد بايع قائد الحركة السلفيّة الجهاديّة في الأردن، أبو محمّد الطحاويّ، أبا بكر البغداديّ، وأعلنت شبكة الجزيرة أنّ عدد المواطنين الأردنيّين الذين يقتتلون إلى جانب صفوف داعش وجبهة النصرة في سوريا قد وصل إلى ألفَيْ شخص.

بنظرة سطحيّة، كان من الممكن الأخذ بالانطباع الذي ينصّ على أنّ دعم وتأييد داعش في الأردن لهما وقعُهما واعتبارهما، إلّا أنّه لم يصل إلى درجة اعتباره كحاضنة اجتماعيّة. أضاف رئيس الحكومة الأردنية السابق، البخيت، مُشيرًا إلى أنّه يجب تخطّي الفرضيات لأنّ البيئة الاقتصاديّة – التي تشمل معدّلات فقر مُرتفعة، بطالة وظواهر لآثار الإهمال في المنطقة المُحيطة – ستُشكّل، على ما يبدو، الشروط والظروف "المُلائمة" لتذويت أيديولوجيّة داعش وسْطَ العشائر الأردنيّة، لكنّ هذا الأمر من المُتوقّع أن يُؤدّي إلى عدم استقرار استراتيجيّ على المدى القصير فقط.

تقتصر التهديدات المرئية من قِبَل التنظيم على احتمال نفاذ وتسلّل المنظمة إلى داخل الحدود الأردنيّة، من أجل القيام بأعمال هجوميّة هناك، كالواقعة التي حدثت عام 2005 (عندما تولّى تنظيم "القاعدة في العراق" التابع لأبي مصعب الزرقاوي مسؤوليّة تنفيذ سلسلة من تفجيرات مُنسّقة أودت بحياة 60 ضحيّة وإصابة 115 شخصًا إضافيّا في عَمّان)، بمحاولة إلحاق الضرر بالمصالح الأردنيّة خارج البلاد، أو بمُحاولة لإحياء خلايا مُخدّرة حاليّا بهدف إثارة الاضطرابات والفوضى في المناطق الريفيّة.

صحيح أنّه حتى الآن يُشكّل الأردن جزءًا من الائتلاف الدوليّ الذي أُقيم بقيادة الولايات المتّحدة من أجل الاقتتال بداعش، وهذه الحقيقة بحدّ ذاتها من الممكن أن تُشكّل خطرا مُحتمَلا إضافيّا. إذا لم يقدِر المجتمع الدوليّ على هزيمة الإرهابيّين بوسائل عسكريّة وسياسيّة يستخدِم فيها جرعات مُتساوية، فستكون النتائج في المُقابل سلبيّة بالأحرى، الأمر الحريّ أن يُؤدّي إلى ارتفاع وزيادة في التعبير عن التعاطف مع الجماعات المُتطرّفة. لن يكون هذا مُفاجئا، إذا كان الأمر كذلك، وبدأت الجماهير الأردنيّة بالتظاهُر فسيدلّ ذلك على أنّ دعمها بالمُجتمعات السنيّة سيكون لأولئك الذين في سوريا وفي العراق.

طفل سوري، لاجئ في مخيمات الأردن (AFP)

طفل سوري، لاجئ في مخيمات الأردن (AFP)

علاوة على ذلك، إذا تدهور النزاعُ في منطقتنا إزاءَ فشل العمليّات السياسيّة القائمة في العراق، فمن المُتوقّع أن ينضمّ عدد جليل جدّا من اللاجئين العراقيّين إلى المليون وربع لاجئ سوريّ الذين يقبعون مُسبقا وبشكل دائم في مُخيّمات المملكة الأردنيّة. بغض النظر عن إثارة تقييمات مُختلفة وأرقام مُتناقضة بصدد اختلافات ديموغرافيّة مُفاجئة جرت في الدولة في السنوات الأخيرة، ستُشكّل موجة لاجئين إضافيّة من هذا النوع عبئا هائلا على كاهل المؤسسات التعليميّة والمؤسسات الصحيّة التابعة للأردن، بالإضافة إلى مؤسسات الدولة الأخرى.

بلغت التكلفة المُقدّرة الإضافيّة بما يخصّ استضافة اللاجئين السوريّين 2.1 مليار دولار (أمريكيّ) لسنة 2013 إلى جانب 3.2 مليار دولار أخرى لعام 2014. هذا في حين حصلت المملكة الأردنيّة على إعانة دوليّة أُعدّت لمساعدة هؤلاء اللاجئين بما يوازي 777 مليون دولار فقط (ليس أكثر من 15% من التكلفة الكلّيّة)، في حين يُغطّي الأردن بنفسه حصة 85% من التكلفة، الأمر الذي يُمارس بدوره ضغوطات إضافيّة على مؤسسات الصحة، التعليم والمياه، وعلى الحاجة إلى دعم وتوفير المنتجات الأساسيّة أيضا، المُستهلكة على يد مواطني الأردن وعلى يد السكان السوريّين.

وعلاوة على ذلك، يُواجه المواطنون الأردنيّون مؤخرًا تنافُسا مُتزايدا في الحصول على الوظائف واقتناء سكن مُستدام. تم رفض مشاريع جوهريّة كثيرة نتيجةً لاحتياطات الإنفاق العام غير الكافية من مخزن الدولة وعدم وجود تخصيص ماليّ مُناسِب، وهذا نظرا إلى الحقيقة التي وفقا لها فإنّ 21% من النفقات الحكوميّة موجّهة هذه الأيام لاحتياجات الأمن العسكريّ، في حين أنّ 22% أخرى تُقسّم بين احتياجات القطاعات الصحيّة، التعليم والتوظيف.

تدريبات للجيش الأردني في الستيلاء على إرهابيين إسلاميين (AFP)

تدريبات للجيش الأردني في الستيلاء على إرهابيين إسلاميين (AFP)

يوجد للأردن تاريخ يشهد على مُناهضته للتطرّف فهو يعرض نموذجا للتعايش وتقبّل الآخر. مع ذلك، بدأت مُؤخّرا ظاهرة جديدة بالتبرعم من أجل تطبيع التطرّف، الذي يُمكن ربطه بالجَوْر والظلم الاجتماعيّ، بدفع الاقتصاد نحو الهامش، وبالفشل لإيجاد حلّ عادِل للقضيّة الفلسطينيّة.

تُشكّل جميع المُخلّفات التي ذُكرت أعلاه مُؤشرات للجوّ والمزاج العامّ، مع خلق بيئة متوتّرة تُعتبر أرضًا خصبة لإنبات أيديولوجيّات مُتطرّفة في الشرق الأوسط.

وفيما يلي ثلاثة طُرق بواسطتها يُمكِن المُساهمة بمنع السلبيّات التي ذكرت أعلاه:

أ‌- سيترتّب على المجتمع الدولي أن يلعب دوره من أجل مُساعدة الأردن في التعامل مع الحِمْل والعبء الاقتصادي والاجتماعيّ الثقيل باستضافة اللاجئين إلى أراضي الدولة.

ب‌- تعزيز التكامُل بين القيم الأردنيّة والقيم الديمُقراطيّة، كالتعدّديّة على سبيل المثال، التنوع، الاعتدال، اتخاذ مُبادرات في مجال حقوق الإنسان وسيادة القانون، سويّا مع الالتزام بتنفيذ الإصلاحات.

ت‌- تحفيز وتسريع الخطوات التي يجب اتباعها من أجل اعتماد خطة سلام شاملة وعادِلة على أساس حل للدولتين، بين إسرائيل وفلسطين، بهدف إنهاء الخِصام والنزاع الإقليميّ الواسع ومن أجل إيجاد وتذويت الأمن والاستقرار في منطقتنا.

نُشِر هذا المقال أولا في موقع INSS