قبل بضعة أيام، في الذكرى السنوية لوفاة مقاتلي حزب الله، أعلن الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله في خطابه أن حزب الله سينتصر على السُنّيين الكفار. وفي نفس الخطاب دعا إلى التوحّد والائتلاف في الصراع ضدّ إسرائيل، الدولة التي تهدّد المنطقة بأكملها، ولسبب وجيه.

فليس كما في الماضي، هذه المرة، توجد أسباب وجيهة جدًّا لدى نصر الله لتحويل الاهتمام تجاه إسرائيل. تظهر أنباء تم نشرها مؤخرا بواسطة وسائل الإعلام في لبنان أنّ حزب الله واقع تحت ضغوط كبيرة من جهة داعميه الشيعة في لبنان. تطالب تلك الأصوات التنظيم بالانتقام لموت الكثير من الشيعة، المقاتلين الذين ماتوا في المعارك مع قوات الأسد والكثير الذين ماتوا في الشهرين الأخيرين بالعمليات الإرهابية في الضاحية الجنوبية في بيروت (وهي منطقة سُمّيَت منذ زمن "معقل حزب الله") وفي المناطق الشيعية في البقاع اللبناني.

وقد تمّ تنفيذ هذه التفجيرات من قبل جهات سُنية متطرفة، وعلى رأسها جبهة النصرة وكتائب عبد الله عزام، ولذلك فمن الواضح لماذا توجّه أصابع الاتهام لها. ومع ذلك، وفي نفس الوقت، فإنّ حزب الله وإيران يتهمون إسرائيل كمسؤولة عن المؤامرة، التي تهدف إلى إشعال الحرب الطائفية بين السُنّة والشيعة في العالم الإسلامي. هذا وقد زعموا أنّ إسرائيل تحاول أن تضمن أمنها وإبعاد محور المعارضة، بقيادة إيران، عنها.

وفي أعقاب الانفجارات في الضاحية وفي المناطق الشيعية في البقاع، تم تقويض الحالة الأمنية في الأوساط الشيعية. وينعكس هذا الاتجاه بجلاء في الشبكات الاجتماعية. أحيانًا، يمكن العثور على تغريدات في تويتر لمواطنين من سكان الضاحية على وجه الخصوص، الذين يعربون عن مخاوفهم من الانفجارات، ويتساءلون عمّا إذا كان هناك هجوم إرهابي آخر. نقطة أخرى قد تشير إلى الضغوط التي يعاني منها التنظيم هي التقارير في الأيام الأخيرة، والتي تتحدث كيف كشف حزب الله عن شبكة من نشطاء الجهاد العالمي، والذين عملوا في الضاحية وخطّطوا لتنفيذ عملية إرهابية. وهكذا يظهر من الواضح أن حزب الله حريص على إظهار إنجازات في ضوء الانتقادات اللاذعة التي تصدر من داخل البيت.

صورة نصر الله في موقع الانفجار في الانفجار في الضاحية (AFP)

صورة نصر الله في موقع الانفجار في الانفجار في الضاحية (AFP)

إيران تورّط حزب الله

من البداية دخل حزب الله إلى مستنقع القتال في الحرب الأهلية السورية دون رغبته. وفقا لأخبار نُشرت في وسائل الإعلام الإيرانية، في آذار 2011، بعد اندلاع الأزمة، قال نصر الله للزعيم الإيراني، خامنئي، إنّ عهد الرئيس السوري، بشار الأسد، قد وصل إلى نهايته. وبناءً على ذلك، قال إنّ على حزب الله أن يسحب قواته من سوريا والعودة إلى لبنان. ولكن خامنئي رفض طلبه، وأوضح له بأنّ على حزب الله الاستمرار بالدفاع الشديد عن نظام الأسد، رغم الانتقادات المتزايدة من قبل داعميه.

وقد وصل بالانتقادات إلى أنّه وفي إطار الخطاب الذي تطوّر في أوساط الجمهور الشيعي بلبنان، النواة الصلبة لداعمي نصر الله، في موضوع مشاركة حزب الله النشيطة في القتال بسوريا؛ وتم الادّعاء بأنّه لا ينبغي تسمية القتلى في تلك المعارك بالشهداء. وكما هو معلوم، فقد كذب نصر الله في البداية (بخلاف عادته) ونفى الأخبار التي سُرّبت حول مشاركة حزب الله المباشرة في المعارك بسوريا، مما عكس الارتباك الكبير الذي يواجهه التنظيم. وقد انضمّ منتقدو حزب الله إلى الداعمين وقالوا في وجه السيد نصر الله، بدرجة كبيرة من الحقّ، إنّه يفتقد إلى الأجندة المستقلة وإنّه يعمل تحت قيادة خامنئي من خلال قائد قوات القدس في الحرس الثوري، الجنرال قاسم سليماني. وبناء على ذلك، فضّل نصر الله أن يخفي مشاركة حزب الله في المعارك بسوريا. ولكن سرعان ما بدأت تظهر في وسائل الإعلام تقارير حول جنائز القتلى وأصبح نفي التنظيم ليس مقبولا. وعلى ضوء ذلك، اعترف نصر الله مؤخرًا بأنّ حزب الله قام بدور نشيط في القتال بسوريا. وذلك في خطابه في أيار 2013 بمناسبة الذكرى السنوية لانسحاب الجيش الإسرائيلي من جنوب لبنان. وقد أوضح في هذه الحالة الاعتذارية أنّ حزب الله قد خرج إلى معركة البقاء في سوريا، والتي ستحدّد إلى درجة كبيرة مستقبل التنظيم نفسه. أوضح نصر الله أنّه فيما لو سقطت سوريا بيد الولايات المتحدة، فستجد المقاومة (أي حزب الله) نفسها تحت الحصار. إذا سقطت سوريا، فسيُقضى على فلسطين. ستضيع المقاومة في فلسطين. ستضيع غزة، الضفة الغربية والقدس".

وفي محاولة لنفيه بأنّ عائلات نشطاء حزب الله قد ضغطوا على قيادة التنظيم بهدف عدم إرسال أبنائهم للمعارك في سوريا صرّح نصر الله:

"لا أجبر شبابنا على الذهاب للجبهة. في الثلاثين عامًا من تاريخنا، لم يتم إرسال أي شخص إلى الجبهة دون رغبته. جميعهم يذهب بإرادتهم. واليوم نحن مجبرون على تنظيم تدفّق المتطوّعين، نظرًا للحماس الهائل لمقاتلينا. لست بحاجة لإعلان الجهاد. أنا فقط بحاجة لأقول كلمة وعشرات الآلاف من المقاتلين سيذهبون إلى تلك الجبهة".

ولكن أقواله لم تقلّص من حجم الانتقادات. فعلى سبيل المثال، أدان المواطنون ووسائل الإعلام في لبنان حزب الله على كون الدخول في المعارك بسوريا ليس فقط لم يمنع انتقال الأزمة من سوريا إلى لبنان، بل على العكس جلبت المعركة إلى أراضيه. وبالتالي، فهناك من يقول إنّ حزب الله مسؤول عن المجازر في الشوارع، بصورة العمليات الإرهابية لجبهة النصرة ضدّ الشيعة في البلاد.

سلسلة من الإخفاقات

أثبت حزب الله أنّه قوة تنفيذية عابر للوطنيات يقوم بتنفيذ مهامّ خارج أراضي لبنان أيضًا وفقا للأوامر القادمة من طهران. تم تنفيذ تلك المهامّ في الماضي ضدّ إسرائيل وكذلك محاولات لتنفيذ عمليات إرهابية تجاهها في بوينس أيرس، بورغاس، قبرص ودول أخرى حول العالم. وكانت المهمّة الأبرز بشكل ملحوظ، والتي هي ليست مألوفة جدًّا في الغرب؛ هي مشاركة حزب الله في قمع أعمال الشغب التي اندلعت في إيران في صيف 2009 بعد تزوير الانتخابات الرئاسية.

والآن، في أعقاب الاضطرابات في المنطقة والتي بدأت بعد الربيع العربي، وخصوصًا نظرًا للانقسام الشيعي - السنّي؛ يحمي حزب الله المصالح الإيرانية ليس فقط في الأراضي السورية وإنما في العراق كذلك. فعلى سبيل المثال، في إقليم الأنبار السنّي، والذي يغطّي نحو ثلث مساحة العراق وتنبع أهميته الاستراتيجية من كونه منطقة حدودية مع الأردن، السعودية وسوريا في الشمال. في ذلك الإقليم اندلع قتال عنيف في كانون الثاني 2014، بعد أن أدان السُنّة حكومة نوري المالكي الشيعية بالتمييز المنهجي ضدّ السُنّة في جميع مجالات الحياة في العراق، في محاولة لإقصائهم عن النظام السياسي في البلاد.

متظاهرون في سوريا (AFP)

متظاهرون في سوريا (AFP)

فعلى ضوء العلاقات الوثيقة للمالكي مع رعاته في طهران؛ طُلب من حزب الله الانضمام إلى المعركة في الأنبار إلى جانب الجيش العراقي، ووفقًا للأنباء في وسائل الإعلام الخليجية، فإنّ ثلاثة من مقاتليه وقعوا أسرى بيد السنّة. ويتّضح من التقارير أنّ حزب الله لم ينجح في تحقيق مكاسب على الجبهة العراقية أيضًا، والتي يمكنه أن يتباهى بها وأن يستعيد لنفسه سمعته المفقودة بعد التفجيرات التي حصلت ضدّه في لبنان.

حزب الله مُحرج أيضًا لتورّطه في القتال على الجبهة السورية. فحتى الآن، لم ينجح عشرات الآلاف من المقاتلين؛ من بينهم الجيش السوري إلى جانب قوات الحرس الثوري والميليشيات الشيعية الموالية لإيران والعابرة للأوطان؛ في التنظيم في تأمين نظام الأسد والقضاء على الثوار.

إسرائيل في المرمى؟

في أعقاب الضغوط، طُلب بالتالي من التنظيم أن يقوم بتنفيذ عمليات نوعية التي من شأنها أن تعيد له، لنشطائه وللطائفة الشيعية هيبتهم ومكانتهم. ويبدو أنّه من غير المحتمل أن يقوم حزب الله بتنفيذ عملية نوعية ضدّ السُنّة. فعملية من هذا النوع فقط ستزيد من الانتقادات الموجّهة ضدّه في لبنان، وبحسبها يتحوّل إلى "حزب الشيطان" (بدلا من حزب الله)، الذي يحمي المصالح الإيرانية في العالم الإسلامي ويستخدم إسرائيل كذريعة فقط. وبالإضافة إلى ذلك، فإنّ عملية ضدّ أهداف سُنّية "لن تُصوّر" بشكل جيّد في قنوات الإعلام السنّية في العالم الإسلامي، وخصوصًا من جهة قناة التلفزيون القطرية "الجزيرة"، والتي ستستغل ذلك لصالح حملة دعائية واسعة يبدو فيها حزب الله سافك دماء المسلمين السنّة ويُستخدم كأداة من قبل إيران الشيعية. وأيضًا الاحتمال بأن يفضّل حزب الله العمل ضدّ أهداف أمريكية مُلغيّة الآن على ضوء اقتراب العلاقات الإيرانية - الأمريكية.

ويتّضح من جميع ما ورد أعلاه أنّه لا يُستبعد احتمال أن يتحوّل حزب الله للعمل ضدّ إسرائيل خصوصًا. فعملية كهذه ستخدم أهداف حزب الله الدعائية، والتي بحسبها فهو تنظيم معادٍ لإسرائيل ويحمي الشيعة والسنّة سويّة في لبنان ضدّ العدوان الإسرائيلي. وعلى ما يبدو فمن غير المحتمل أن يختار حزب الله تنفيذ هجوم صاروخي أو أن يخطف جنودًا، كما كان سابقًا، لأنّ عملية كهذه ستوجب ردًّا إسرائيليًّا. ولذلك يبدو أنّ طريق العملية المفضّلة للتنظيم هي ضرب التمثيل الإسرائيلي في الخارج، فمن شأن هذه العملية أن ترفع من مكانة حزب الله، من جهة، ولكن لن تفتح جبهة أخرى، من جهة أخرى.

ولأسباب واضحة، أعلنت إسرائيل أكثر من مرّة بأنّها ليست طرفًا في الأزمة السورية. وسلوكها حتى الآن في الأزمة التي تشهدها الحدود الشمالية يعكس ذلك. مع ذلك، فإنّ التطوّرات المذكورة أعلاه تشير إلى الاحتمال أنّه وعلى الرغم من السياسة الإسرائيلية، فإنّ الدينامية ضدّ الشيعة في المنطقة قد تدفع حزب الله إلى الزاوية، وسيختار من خلالها الهروب السهل والمفضّل بالنسبة له، فيوجّه سلاحه صوب إسرائيل.

تم نشر المقالة لأول مرة على موقع ميدا http://mida.org.il