استغرق خطاب نصر الله الأخير ساعة و 12 دقيقة. الحدث: مرور 40 يوما على اغتيال قيادي حزب الله مصطفى بدر الدين.

استمعتُ لخطابه، كعادتي، رغم أنني قمت بواجبي تجاه المجتمع في كل ما يتعلق بالاستماع المضني لخطابات نصر الله. في حرب لبنان الثانية قضيت أسابيع داخل ما سميته بيني وبين نفسي "حرب نفسية لا نهائية". كنت حينذاك مراسلة الشؤون العربية في إذاعة الجيش، وكان يفترض أن أنقل إلى الجمهور الإسرائيلي، وقت الحرب، ماذا يحدث في حزب الله. نصر الله، شخص يهتم بتفعيل الحرب النفسية جدا وقام بما لا يحصى من التلاعبات بالرأي العام الإسرائيلي. كانت شفافة ولكنها فعالة. كانت المشاركة فيها بمثابة تجربة مشكوك بها جدا.

وبعد مرور عشر سنوات، بقي نصر الله كما عهدناه. من يسمع خطابا واحدا من خطاباته، يعرف كل شيء. إن استخدام الوتيرة، الموسيقى، الوقفات، اللغة الشعبية، التلاعبات الصارخة، دمج خطاب الضحية بالبلطجة، كان أمرا اعتياديا. ولكن حينها "خرج من الخزانة".

"سنقول صراحة وعلنا: إنّ ميزانية حزب الله، وجوده، المال، الطعام، الشراب، الصواريخ - توفر الجمهورية الإسلامية الإيرانية جميعها"

إذا ما هي الدراما؟ لقد قال نصر الله ما يعرفه كل من يعيش في المنطقة: إيران تقف خلف حزب الله وهي راعيته. ولكن قبل عشر سنوات من ذلك، عندما ادعى اللبنانيون أنهم يدفعون ثمنا مبالغا به مقابل التصرفات غير المسؤولة لميليشيا إيرانية أصرّ نصر الله على أنّ حزب الله هو أولا وقبل كل شيء تنظيم لبناني يدافع عن أرض لبنان. الخروج من الخزانة لدى نصر الله، إذا كان الأمر كذلك، يلخّص ما تغيّر في المنطقة في العقد الماضي. أي: كشف الحقيقة.

إنّ الذين يدعون أنّ حرب لبنان الثانية كانت ناجحة بالنسبة لإسرائيل يتجاهلون الحدث الأكثر دراماتيكية في الشرق الأوسط في العقود الأخيرة: الحرب الأهلية السورية، والتي يقع النصر فيها على سلم الأولويات الإقليمي الإيران والذي من المفترض أن ينفّذه حزب الله.

تشغل سوريا حزب الله، وتضعف قوته، تدمر صورته وتبدّد أمواله ولكن تتمتع بميزة أيضًا: تشكل حقل تجارب ومختبرا للمعركة. يشارك حزب الله في عمليات هجومية بمشاركة آلاف الأشخاص وأحيانا يقودها. لقد تعرض إلى مواجهة وسائل قتاليّة روسية متقدمة، قوات خاصة، واستخبارات. رغم أن غوص حزب الله في المستنقع السوري، من دون أن نرى النهاية، ورغم أن الإيرانيين يشغلونه بشكل أو بآخر في اليمن وفي العراق أيضًا، يستمر حزب الله في بناء القوة قُبَيل المعركة القادمة ضدّ إسرائيل انطلاقا من الافتراض أنّه لا مفرّ منها.

الأمين العام لحزب الله، نصرالله (AFP)

الأمين العام لحزب الله، نصرالله (AFP)

مرت عشر سنوات، وأصبح نصر الله أحد القادة المستقرّين في الشرق الأوسط. لا أحد في حزب الله يشكّل خطرا جدّيا على مكانته وهو على علاقة جيّدة جدّا مع الإيرانيين. كما هو معلوم، فقد خرج من المخبأ حتى عشر مرات على الأكثر، وهو يدير الأمور كما يدير عينيه، من دون التعرض إلى الخطر. إنه على اطلاع حول كل قرار استراتيجي في التنظيم (مطلع أقل نسبيا على الوضع الحالي التكتيكي، رغم أنّه الآن يتدخل أكثر بقليل، عقب الفراغ الذي خلّفه مغنيّة وبدر الدين ورائهما). في نظري أصبح عتيقا إلى حد ما، ربما نتيجة حتمية، مثل وزنه الزائد، للحياة في المخبأ. نظرته الإعلامية ملائمة أكثر لتسعينيات القرن الماضي. فهو لا يستخدم الإنستجرام، التويتر (رغم أن ابنه، جواد، هو تحديدا مغرّد نشط ويدافع بحماسة عن والده)، ولا يلتقط صور "السيلفي" (على سبيل المثال، بخلاف قائد قوة قدس التابعة للحرس الثوري الإيراني، قاسم سليماني، الذي يوثّق نفسه يوميا).

ولكن نصر الله فقد شيئا واحدا ولن يُحققه ثانية: الدعم العربي. إذا كانت جميع القنوات الفضائية قبل عشر سنوات توقف بثّها لنقل أحاديثه، وإذا كان الفلسطينيون قد اعتبروه بطلا، وإذا كان، رغم شيعيّته، رمزا لـ "المقاومة" العربية، فإنّ حزب الله اليوم، بالإضافة إلى الأسد وإيران، وبعد قتل مئات آلاف السوريين، أصبحوا مكروهين لدى الغالبية السنية في المنطقة مثلما كان النازيين مكروهين، كما قيل، من قبل يهود العالم في فترة الحرب العالمية الثانية. ليست هناك علاقة مباشرة لإسرائيل بهذا التغيير الدراماتيكي، ولكن توجد له أهمية كبيرة جدا بالنسبة لها.