في 22 كانون الثاني عام 2013، في الساعة العاشرة مساءً، بدأت تُنشر نماذج الانتخابات الأولية. كانت المفاجأة مذهلة في كل قنوات التلفزيون، وذلك عندما حاز حزب يائير لبيد الجديد، والذي انتقل للتوّ من الإعلام للسياسة، ما لا يقلّ عن 19 مقعدا، أي نحو سدس مقاعد الكنيست.

واليوم، بعد نحو عامين، يبدو أنّ لبيد يقف مرة أخرى أمام انتخابات جديدة، ولكن مع أداء مخيّب للآمال خلفه بصفته وزيرا للمالية، فهذه المرة لم تعد الظروف تماما لصالحه.

بدأ لبيد طريقه السياسي في شهر كانون الثاني عام 2012، عندها أعلن أنّه سيستقيل من وظيفته كمقدّم لنشرة الأخبار الأسبوعية في القناة الثانية، تاركا وظيفته في عالم الإعلام الإسرائيلي، وسيؤسس حزبا جديدا. بعد سنوات عمل فيها كشخصية تلفزيونية معروفة ووسيمة، مع غرّة مشهورة وقدرات كتابية جذبت إليه آلاف القراء، نجح لبيد في ترجمة نجاحه التلفزيوني إلى نجاح سياسي. فضلًا عن ذلك، نجح لبيد - أكثر من جميع الأحزاب الأخرى - بـ "ركوب" موجة الاحتجاجات الاجتماعيّة التي اندلعت في صيف عام 2011، مطالِبةً بتخفيض تكلفة المعيشة في إسرائيل بشكل عام، وأسعار المساكن على وجه الخصوص. بعد عام من ذلك، وكما ذكرنا، تمّ تتويج لبيد باعتباره مفاجأة الانتخابات الكبرى.

لبيد كمراسل شاب في بداية الثمانينات (Moshe ShaiFLASH90)

لبيد كمراسل شاب في بداية الثمانينات (Moshe ShaiFLASH90)

الجيل الثاني للسياسة والإعلام                          

يائير لبيد هو نجل يوسف (تومي) لبيد، أحد الناجين من الهولوكوست وإعلامي معروف تولّى هو أيضًا منصب وزير وعضو كنيست في حزب "التغيير" ("الحركة العلمانية"). حمل لبيد الأب راية معارضة الحاريديين، واعتبر في وقته هو أيضًا نجاحا كبيرا عندما اكتسح 15 مقعدًا حين كان يرأس الحركة في انتخابات عام 2003.

يائير مع والده، يوسف (تومي) لبيد، في الثمانينات (Moshe ShaiFLASH90)

يائير مع والده، يوسف (تومي) لبيد، في الثمانينات (Moshe ShaiFLASH90)

سار لبيد الابن، الذي تلقّى تعليمه في تل أبيب ولندن، على خطى والده، وبدأ هو أيضا في مهنة الصحافة. تمّ نقل لبيد - بعد أن أصيب بنوبة ربو حين كان يخدم في سلاح المدرعات - ليخدم في الصحيفة العسكرية "في المعسكر". ومع تسريحه من الجيش بدأ بالعمل كمراسل في صحيفة "معاريف" ونشر الشعر في المجلات الأدبية. بدأ عام 1991 بكتابة عمود أسبوعي في مجلة نهاية الأسبوع، أولا في "معاريف" وبعد ذلك في "يديعوت أحرونوت". كان يكتب هذا العمود بشكل دائم على مدى تسعة عشر عاما، حتى انتقاله للسياسة في شهر تشرين الأول عام 2012.

مثّل لبيد خلال حياته في عدّة أفلام، وقدّم برامج استضافة معروفة في التلفزيون، حظي بسببها بعدد من الجوائز. انتقل في سنوات التسعينيات إلى الولايات المتحدة حيث أدار هناك قسم التلفزيون في شركة نيو ريجنسي التي يملكها الملياردير الإسرائيلي أرنون ميلتشن. بدأ عام 2008 في تقديم برنامج المجلة الإخبارية الأسبوعية في القناة الثانية، والتي استقال منها كما ذكرنا لصالح السياسة. بعد هذه الخطوات أُصدِر في الكنيست حينذاك "قانون يائير لبيد"، الذي ينصّ على أنّه ينبغي للشخصيات الإعلامية المعنيّة في الانتقال للسياسة الانتظار لفترة تهدئة تمتدّ لنصف عام.

لبيد كمقدم برنامج المجلة الإخبارية الأسبوعية في القناة الثانية (لقطة شاشة)

لبيد كمقدم برنامج المجلة الإخبارية الأسبوعية في القناة الثانية (لقطة شاشة)

رجل أسرة

تزوّج لبيد في أواسط الثمانينيات لتمار فريدمان، وأنجب منها ابنه البكر يوآف. هاجر بعد طلاقه إلى لوس أنجلوس وعمل في مجال التلفزيون، وبعد عامين عاد إلى إسرائيل. تزوّج عام 1990 بامرأة أخرى، المصوّرة ليهي مين، وفي وقت لاحق الصحفية والكاتبة ليهي لبيد. ولدى الاثنين ابن يبلغ من العمر 18 عاما اسمه ليئور، وابنة مصابة بالتوحّد اسمها ياعيل.

عام 2002 انفصل الزوجان لبيد بتغطية إعلامية، ولكن بعد عدة أشهر عاد لبيد إلى المنزل وتزوّج الاثنان من جديد. نفى لبيد في تلك الفترة أن يكون الانفصال قد جاء في أعقاب علاقة غرامية مع الصحفية حينذاك، وعضو الكنيست اليوم، ميراف ميخائيلي.

يائير وليهي لبيد في التسعينيات (Moshe ShaiFLASH90)

يائير وليهي لبيد في التسعينيات (Moshe ShaiFLASH90)

لا يتحدث يائير كثيرا عن حياته الشخصية، ولكن ما زالت جملة واحدة له من مقابلة قدّمها ليلة الانتخابات السابقة محفورة بالذاكرة، وذلك حين قال: "لا أحبّ أن أستخدم ذلك، ولكن لا يمكن أن نقول لشخص يربّي في المنزل طفلة مصابة بالتوحّد بأنّه لا يفهم الحياة، وكيف يعيش الناس الحقيقيّون في دولة إسرائيل".

وزير المالية الذي لا يفهم في الاقتصاد

كما ذكرنا، فقد كانت المنصّة الاجتماعية - الاقتصادية التي ركض عليها لبيد إلى الكنيست في صالحه. فاز لبيد في أعقاب نتائج الانتخابات بثروة سياسية هائلة، حيث أمسك باعتباره رئيس الحزب الثاني في حجمه في الكنيست بمفاتيح تشكيل الائتلاف. نجح لبيد، بعد أيام طويلة مارس فيها الضغوطات على رئيس الحكومة نتنياهو، في تحقيق مطلبه، والتوصل لتشكيل ائتلاف دون الأحزاب الحاريدية. فاز لبيد في وقت لاحق من تولّيه للمنصب بنجاح سياسي آخر في المجال، وذلك عندما مرّر قانون التجنيد الذي يلغي الإعفاء التلقائي للطلاب الحاريديين في المدارس الدينية من التجنيد للجيش. ولكن عندما خرج لبيد من المفاوضات الائتلافية وبيده حقيبة المالية كان هناك من رفع حاجبه.

يلعب جيتار بعد فوز حزبه في الانتخابات (Yossi ZeligerFlash 90)

يلعب جيتار بعد فوز حزبه في الانتخابات (Yossi ZeligerFlash 90)

فقد توقّع المحلّلون منذ ذلك الوقت أنّ لبيد - الذي يفتقد لأي معرفة وخبرة في المجال الاقتصادي - تولّى أكثر منصب مكروه في الحكومة، ومن المتوقع أن يخرج وهو متضرّر بشدّة. وقد صدقوا. فمنذ بداية توليه للمنصب اضطرّ لبيد إلى رفع الضرائب من أجل معالجة عجز بمليارات كان قائما عند تولّيه للمنصب. جعلت عملية "الجرف الصامد" التي بدأت في الصيف الأخير لبيد يدخل في صراع ضدّ رفع موازنة الأمن، ولكنه فشل في ذلك أيضًا. كان أحد أبرز إخفاقات لبيد قانون "ضريبة القيمة المضافة بنسبة صفر"، والذي سعى للإعفاء من الضرائب لدى شراء منزل للأزواج الشابّة الذين خدموا في الجيش وعموما تخفيض أسعار السكن، جنبا إلى جنب مع إعطاء تعويض لمن "يتحمّل العبء". ومع ذلك، فقد ألغت المحكمة العليا منذ بداية اقتراح القانون اشتراط الخدمة العسكرية بسبب التمييز ضدّ الحاريديين والعرب الذين لم يخدموا في الجيش، ومن جهة أخرى فقد تلقّى القانون انتقادات شديدة من قبل خبراء الاقتصاد الذين توقّعوا بأنّ يضرّ القانون بسوق العقارات بشكل أكبر.

أصبح دعم القانون إحدى الوسائل التي "عصَر" فيها نتنياهو لبيد، ولكن الآن، ومنذ أن أوضح نتنياهو أنّه لن يدعم القانون، ومع تقارب الخريطة السياسية للانتخابات، يعتبر قانون "ضريبة القيمة المضافة بنسبة صفر" أحد الإخفاقات الأبرز بالنسبة للبيد.

لبيد مع رئيس الحكومة، نتنياهو، في أيام أفضل (AFP)

لبيد مع رئيس الحكومة، نتنياهو، في أيام أفضل (AFP)

"الانفصال عن الفلسطينيين"

فشل لبيد أيضًا في المجال السياسي، وذلك عندما كان في معسكر الوسط الذي دعا إلى تجديد المفاوضات مع الفلسطينيين والسعي لتحقيق اتفاق، وتميّز مع تسيبي ليفني باعتباره الجانب الأكثر اعتدالا في الائتلاف.

قال لبيد خلال فترة تولّيه للمنصب أكثر من مرة: "حان الوقت للانفصال عن الفلسطينيين"، وأكّد أنّه يؤيّد تعزيز المفاوضات وإقامة دولة فلسطينية لأنّها مصلحة إسرائيلية واضحة. "نحن لا نهتمّ بالسلام إطلاقا، ولكن بالحاجة للوداع بسلام. إنّ هدفنا هو التوصل إلى اتفاق يمكّننا من الانفصال عن الفلسطينيين بأعلى قدر من الكفاءة، مع الحفاظ الحريص على المصالح الأمنية لإسرائيل"، هذا ما قاله لبيد في فترة المفاوضات، وأضاف: "يمكننا الاعتماد على أنفسنا فحسب، والجيش الإسرائيلي هو الذي يمكنه فقط تحقيق الأمن القومي. أثبت الفلسطينيون مرّة تلوَ الأخرى أنّهم لا يستحقّون ثقتنا، ولكن لهذا السبب بالذات، لا يمكن لدولة إسرائيل أن تسمح لنفسها باستيعاب أربعة ملايين فلسطيني داخلها".

ومع ذلك، فقد أثبت فشل المفاوضات والحرب في غزة بالصيف أنّ لبيد وليفني لم يكونا عاملا قويّا بما فيه الكفاية في حكومة نتنياهو اليمينية، ممّا أكد أكثر عدم التوحّد في الائتلاف.

واليوم، بعد فترة ولاية قصيرة لأقلّ من عامين، وأداء فاشل بصفته وزيرا للمالية وشعر أبيض من القلق؛ اضطر لبيد إلى التوجّه للانتخابات مرّة أخرى، ولكن هذه المرة يبدو أنّ الشعب الذي اندفع خلفه بشكل كبير في الانتخابات السابقة، لن يصدّقه بسهولة.