خلال الأسابيع الأخيرة تناولنا تاريخ عظماء الموسيقى العربية والاحترام الكبير الذي كان يكنّه لهم (ولا يزالوا) الموسيقيون الإسرائيليون. أم كلثوم وفريد الأطرش أثرا كثيرًا على المشهد الموسيقي في بلادنا والدليل على ذلك هي النسخ المعدلة التي لا تزال تنشر، صباحًا ومساءً. نحن نعد بأن نعود لنعطي منصة لأشباه أولئك الأشخاص الأساطير الذين مساهمتهم في الموسيقى الإسرائيلية لا يساويها الذهب، إنما في هذه المقالة سنتناول أحد نتاجات الموسيقى العربية، ألحانها الحزينة والرقيقة، أغانيها الطويلة، عوفر ليفي.

يحتفل عوفر ليفي بعد عدة أشهر بعيد ميلاده الـ 50، ولكن في الحقيقة يُخيّل أنه موجود هنا منذ مدة أطول بكثير. منذ أن دخل في وعي الجمهور قبل 25 عامًا – بصوته الرخيم العميق – تسنى له أن يغيّر زيه وغطاء رأسه، نمط حياته وكلمات أغانيه. إنما لم يتخلّ عن الموسيقى. في بداية طريقه، تلقت الأذن الإسرائيلية أغانيه الطويلة بنوع من الشك وتعاملت مع جمهوره على أنه جمهور "محدود"، اليوم صار أسلوبه أكثر شعبية وحتى أنه يعتبر "نوعيًا"، مقارنة بموجة الـ "بوب – شرقي"، التي تدمج آلات موسيقية شرقية – مثل الكمان، العود والطبلة – مع موسيقى إلكترونية وبسيطة نسبيًا.

يتحدث عوفر ليفي عن حياة "المقامر" الكئيبة والوحيدة في باكورة أغانيه التي حققت نجاحًا:

رغم أن أغانيه لم تحظ بالبث على الإذاعات المختلفة، إلا أنه عرض في ملاهي الغناء التركي في تل أبيب واستطاع أن يجمع حوله جمهورًا من المعجبين، الذي رافقه (ولا يزال) منذ ذلك الحين. كان أول ألبوماته "المقامر"، وإن كان النجاح الكبير – والالتفات إلى أعماله الأولى – كان عام 1990، مع إصداره لألبوم "لا أستطيع دونها". بيع من أشرطته عشرات ومئات الآلاف، وكان صوته المحب والكئيب، القوي والحزين، يخرج من كل زاوية. بعد عام من ذلك أصدر ألبوم "نجم التسعينات"، الذي باع منه 400 ألف نسخة (!) وجعله شخصية جماهيرية معروفة. بدأ بتقديم العروض في الملاهي الكبيرة، وحتى على المسرح الروماني القديم في قيساريا، وبعد ذلك تم توفير منصة لفنانين آخرين يغنون الأسلوب التركي.

بوضوح وصراحة ومن الحياة الواقعية – غنى ليفي عن "يوم العزوبية"، ومن قد لا يدندنها ويتماثل معها؟

جاء التحوّل التالي في سيرته مع توبته إلى الدين والإعلان أنه حاريدي، في آخر عام 1995. تابع ليفي بالإبداع وتقديم العروض، ولكنه طلب بالفعل التفرقة بين جمهور الرجال والنساء وقام بتغيير كلمات أغاني، كتلك التي تطرقت للتوق والشوق للمرأة – والتي صارت الآن تصف محبة الرب. أصدر الألبومات، ولكنه لا يُكثر من التجديد من ناحية موسيقية وأخلص لتعلم التوراة والغناء الذي يتركز في الإيمان والتعاليم الدينية. بعد عشر سنوات، حلق لحيته واستبدل ملابس الحاريدي بقلنسوة بيضاء كبيرة، وهكذا استجاب لإلحاح المعجبين وعاد ليقدم العروض في قالب معروف أكثر وتأليف أغاني حب جديدة.

على مر السنين، تغيّرت الكثير من الأمور، ولكن شيئًا واحدًا بقي كما كان – لسان ليفي الطويل. إن كان ليوافق على إجراء مقابلة لوسيلة إعلامية، كان يركّز على تبجيل اسمه والادعاء بأنه أفضل المغنين في إسرائيل، وفي حالات معيّنة، حتى في العالم. اعتبر نقاده ذلك ضعفًا موسيقيًا؛ وافق معجبوه على رأيه...
عودة بهيّة إلى عالم الأغاني الرومانسية – عوفر ليفي في أغنيته الأوسع انتشارًا، "ليلة ليست ليلة":

أثبت ليفي نفسه كفنان متميّز، وصوته العذب وكأنه يقود بقية الآلات إلى ميدان المعركة الموسيقية. إضافة للغرور الذي أبداه خلال مقابلاته القليلة لوسائل الإعلام، قد يخلق الإحساس بأنه الفارس الوحيد، الذي لا يحتاج لفرسان آخرين أو لأحد. لا بد أن هذا الإحساس له أساس من الصحة، غير أنه في السنوات الأخيرة حاول أن يغيّر شخصيته وقام بتسجيل بعض الأغاني الثنائية (دويتو) - تحديدًا مع مغنيّات - والتي حققت نجاحًا ولفتت الانتباه.

"وأنا معك"، التي غناها مع زهافا بن، رأت النور عام 2007؛ "أريد أن أغني لك" هو المثال الأحدث. التعاون بينه وبين أفرات روتم، مغنيّة أوبرا إسرائيلية، يشكل تجميعًا للشتات. تندمج الآلات الموسيقية والأساليب المختلفة، ولكن أصواتها المتناقضة والتي تلامس زوايا مختلفة من الروح تشكل معًا نتيجة مميّزة. بخلاف التجارب السابقة، حيث أن ليفي هنا يخرج من منطقة الأمان ويوجه صوته – المليء بالحزن، برأيي الغالبية - إلى أغاني فيها تفاؤل، حب وفخر.

استمعوا إلى دويتو "أريد أن أغني لك" (مع أفرات روتم) – أغنية حب لإسرائيل والخير الذي فيها:

وها هنا مثال لدويتو بقي فيه ليفي في النمط المعروف – "حين أكون معك"، مع زهافا بن:

من بين مغني الأسلوب التركي، كان هناك من حاول الدخول إلى النمط السائد، مثال آفي بيتر، الذي عرض في مسرحيات رومانسية وفي برامج الواقع التلفزيوينة. اهتم ليفي بأن يبقى في وعي الجمهور – من خلال تعظيم شخصيته، كما هو معروف- ولكنه لم يبحث عن اعتراف المؤسسة، بل اعتراف الجماهير.

عندما أصبح متديّنًا، وعندما كان مغنٍ علماني، وأيضًا عندما كان شخص ملتزم يعتمر قلنسوة، "الملك" (أو "البابا"، وهذا آخر لقب له) كان يقدم عروضًا كثيرة وطويلة تحديدًا. استهان بالإعلاميين الذين أجروا مقابلات معه ولم يهتم بنقّاد الموسيقى، ولكنّه كرس لجمهوره كل جهوده وموارده، كان مخلصًا لأسلوبه وليس أقل أهمية – حافظ على صدقه. يبدو أن هذا هو السبب أنه بعد ربع قرن من دخوله لحياتنا، لا يزال أحد الموسيقيين الإسرائيليين المتميّزين، ولا شك أنه واحد من المثيرين للاهتمام بينهم.

وسنختم مع "هذا يكسر قلب رجل"، ومن أول أغاني عوفر ليفي المؤثرة: