من الصعب التذكر متى في السنة الماضية قال نتنياهو، إن قالها أصلا، كلمة "سلام" في السياق الفلسطيني. ولكن هناك سبب معين، لتحدث رئيس الحكومة الإسرائيلي في الأيام الأخيرة مرارا وتكرارا عن العملية السياسية، ودعوة أبو مازن إلى لقاء شخصي في قصر الإليزيه في باريس، والذي عرفّه بصفته مكانا رائعا للتوقيع فيه على اتفاق".

وقد غرّد نتنياهو في تويتر تغريدة استثنائية وكتب: "لقد عانى الإسرائيليون والفلسطينيون كثيرا. حان الوقت للجلوس معا وتسوية خلافنا بحيث يعم السلام بيننا لوقت طويل".

ولكن لماذا في الواقع تذكّر نتنياهو ذلك السلام المنسي، بعد فترة طويلة من التوتر، الانتفاضة الثالثة أيضا، والتي لم يفكّر فيها أحد حتى في الحديث عن السلام، بل وحتى المعارضة اليسارية في إسرائيل لا تجرؤ على الحديث عنه؟

في الواقع، لا يمكن التشكيك للحظة أن نتنياهو يذكر السلام مصادفة، ومن الواضح أنّ هذا التوجه هو جزء من استراتيجية أكثر اتساعا. في البداية، يجب تذكر خطاب الرئيس المصري، عبد الفتّاح السيسي، في الأسبوع الفائت، والذي حثّ فيه الإسرائيليين والفلسطينيين على تعزيز العملية السياسية. يمكن الافتراض أنّه قد سبق الخطاب عدد غير قليل من المحادثات خلف الكواليس، وأنّ هناك من يعمل بجدّ كبير في مكتب رئيس الحكومة على التقريب وتدفئة العلاقات بين إسرائيل ومصر، بالإضافة إلى دول عربية معتدلة أخرى، من بينها السعودية ودول الخليج. عندما تكون العلاقات مع تلك الدول على جدول الأعمال، فلا مناص لنتنياهو إلا العودة واستخدام مصطلحات المصالحة والسلام، حتى وإن كان استخداما ظاهريا فقط.

ثانيًا، في هذه الأيام يعمل نتنياهو جادا على توسيع حكومته. كما يتضح، سيكون أفيغدور ليبرمان وزير الدفاع القادم، وستقوم الحكومة الأكثر يمينية في تاريخ إسرائيل. مع حقيقة كهذه، والتي يتردّد صداها منذ أسبوع في أرجاء العالم، على نتنياهو أن يعمل بجدّ كبير من أجل محاولة إصلاح صورة إسرائيل في العالم، بالإضافة إلى التفسيرات التي سيضطرّ إلى تقديمها لأمريكا، الصديقة الأفضل لإسرائيل. وخصوصا وأنه هو من يشغل منصب وزير الخارجية في الواقع.

بالإضافة إلى ذلك، يبدو أنّه رغم إدخال حزب ليبرمان إلى الائتلاف، فإنّ نتنياهو لم يتنازل بعد عن أمل ضم "المعسكر الصهيوني" برئاسة يتسحاق هرتسوغ، أو على الأقل جزء منه، إلى الحكومة، وقد يسهّل الحديث عن السلام هذه الخطوة.

في النهاية، كما رأينا اليوم، يرغب نتنياهو في أن يتجنب قدر الإمكان مبادرة السلام الفرنسيّة. إن ذريعته الأفضل لتحقيق ذلك هي القول إنّ "المفاوضات المباشرة هي التي ستُحقق السلام فقط".