مواطنو إسرائيل معتادون على الإصغاء إلى رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو وهو يتحدث عن إيران. إنهم معتادون على سماعه، مرارًا وتكرارا، يكرر نفس الأقوال إلى حد يكاد فيه التهويل وموضعة إسرائيل كدولة ضعيفة ومسكينة تتخوّف من كارثة ثانية، يحظيان بالاستهزاء والنفور. هل هذه هي إسرائيل ذاتها، ذات قوة الردع الهائلة التي يتحدث عنها نتنياهو كل الوقت؟

الخطابات التي يلقيها نتنياهو حول الموضوع الإيراني هي خطابات مقولبة. ما الذي يمكن تجديده بعد؟ حول موضوع كان قد كتب عنه، ألقى محاضرات دعا إليه وخطب عنه كثيرًا. أمس أيضًا، في خطاب افتتاح دورة الكنيست الشتوية، افتتح نتنياهو خطابه بالحقائق والبيانات وتطرق إلى البرنامج النووي الإيراني، إلى مسيرة التمويه التي يتخوف من أنهم يقودونها، إلى الحاجة في الحفاظ على نظام العقوبات المتشدد.

غير أن فقرة واحدة من أقوال نتنياهو كانت هي البيت القصيد:
"للمرة الأولى منذ قيام الدولة، يزيد الإدراك في أجزاء واسعة من العالم العربي أن إسرائيل ليست هي العدو". وأضاف نتنياهو "نحن نشاركهم جبهة واحدة في مواضيع كثيرة وقد يطور هذا الفهم مفاهيم جديدة في منطقتنا. آمل في أن يساعد هذا الأمر عملية السلام بيننا وبين الفلسطينيين أيضا. يمكنني القول أن دولا كثيرة توجه أنظارها إلينا لأنها تشعر بتشبثنا وبإصرارنا على المواقف وباستعدادنا للعمل عند الحاجة من أجل الدفاع عن أنفسنا".

جملة من هاذ النوع يمكن أن تكون مفهومة ضمنا بالنسبة لوزيرة العدل تسيبي ليفني. منذ سنوات وهي تتحدث وتعود وتتحدث عن محور الدول المعتدلة (مصر، إسرائيل، الأردن) مقابل محور الشر: حزب الله، سوريا، إيران. هل تبنى رئيس الحكومة توجّه وزيرة العدل تسيبي ليفني؟

لقد أكدت لي مصادر في الليكود، ممن يعارضون عملية السلام أو تسوية سياسية، مؤخرًا، أن كمية الساعات التي تقضيها ليفني في مكتب رئيس الحكومة مقلقة جدًا. لقد أجريت أمس استيضاحًا بين مقربي ليفني، وهم يروون بالفعل أن طاقم المفاوضات، الذي يشمل المقرّب من رئيس الحكومة، المحامي مولخو، يجلسون في مكتبه ساعات طوال. قالوا لي "إن ما يرويه الإعلام الإسرائيلي للجمهور بعيد كل البعد عن الحقيقة".

إذًا، هل من شأن الجملة المذكورة أعلاه من خطاب رئيس الحكومة أن تجسد توجها سياسيًا جديدًا؟ وفق هذا المفهوم، يتوجب على رئيس الحكومة أن يستثمر جهودًا في تخطيط التعاونات الهادئة مع الدول العربية المعتدلة. هل يمكن أنه من أجل ائتلاف بين إسرائيل وجزء من الدول العربية، سيكون رئيس الحكومة مستعدا حتى لإرضائهم فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية؟

من الصعب أن نعرف، ويبدو أن التحليلات المبالغ بها لخطاب رئيس الحكومة قد ذهبت إلى أبعد مما يجب. إضافة إلى ذلك، لو أراد رئيس الحكومة الاقتراب من الدول العربية، لكان سيختار منصة أخرى وليس منصة الكنيست، ليقول ما قال.

لقد تطرق نتنياهو في معرض حديثه إلى القضية الفلسطينية مباشرة "لدينا هدف آخر، وهو الرغبة في التوصل إلى سلام مع جيراننا الفلسطينيين" وأضاف "السلام يستند إلى أساسين: الأمن والاعتراف المتبادل. على الصعيد الأمني، أخذ يتضح إلى أي مدى كم هو من المهم قرارنا أنه في أية تسوية كانت، سوف تتمكن إسرائيل من الدفاع عن نفسها بنفسها في وجه أي تهديد وهي لن تتكل على قوى أجنبية. والاعتراف المتبادل: كيف يمكن أنه في حين يطالب الفلسطينيون إسرائيل بالاعتراف بدولة القومية الفلسطينية، يرفضون هم الاعتراف بدولة القومية اليهودية؟"

قبل عدة أيام فقط، قال وزير المالية يئير لبيد، في مقابلات أجراها مع وسائل إعلام أجنبية أنه لا يفهم إصرار رئيس الحكومة على المطالبة بالاعتراف بإسرائيل كدولة يهودية. "لم يصل والدي إلى حيفا من الجيتو في بودابست لكي يحصل على اعتراف من أبي مازن"، قال لبيد بأسلوبه البسيط.

تعتبر المجموعات اليسارية في إسرائيل مطالبة نتنياهو هذه (التي تم طرحها لأول مرة قبل بضع سنوات ولم تكن جزءًا من المفاوضات في الماضي) كعرقلة للعملية. ويقول هذا الرأي أن نتنياهو سيقوم دائمًا بإضافة شرط أو طلب، بهدف العرقلة وبهدف إبعاد الطرفين عن استيضاح المشاكل الحقيقية.

هل ينطلق يئير لبيد من الافتراض أن نتنياهو لن ينوي على أية حال التقدم في المفاوضات وهو يضيف أمورًا خاصة به إلى العملية وليس فقط من أجل إبراز اختلافه عن الليكود وعن مفاهيمه المتشددة؟ خصص لبيد افتتاحيته في كتلته، في مؤتمر صحفي مع وسائل الإعلام أمس في مقر الكنيست في القدس للموضوع السياسي.

إذا طرأ أي جديد في الدورة القادمة، فسيكون هذا ربما لبيد الذي سيبدأ الضغط ودفع رئيس الحكومة باتجاه مركز الخارطة السياسية.