في احدى مدارس مدينة دهوك وفي احدى الصفوف الدراسية كانت عائلة جندي مراد (43 عاما) تضم اكثر افرادها من اذلين نجوا من مصيدة كبيرة وقعوا فيها واصبحوا اسرى لدى داعش (الدولة الاسلامية في العراق والشام ). في الصف، كانت النساء والاطفال تخفي وجوهها من الكاميرا نتيجة الظروف التي هم عليها حيث اختلاط الازبال والملابس والطعام. ما ارتكبوه بحق رجالنا ونسائنا كانت من مظاهر البربرية.

هذه العائلة، والذين نجوا معهم من اقربائهم، شهود عيان على قيام داعش بقتل (53) شخصا في منطقة "قنى مهركا" – شرق مدينة سنجار (20 كم) و اختطاف اكثر من 150 شخصا من العائلة واقربائهم الذين كانوا في ساعة تطويق داعش للمنطقة موجودين معنا يستعدون للهروب الى جبل سنجار في ظهيرة 3 اب 2014.

عائلة جندي (Can Think)

عائلة جندي (Can Think)

يقول سليمان مراد (39 عاما) وهو احد افراد العائلة الذين نجوا باعجوبة من عملية سيطرة داعش عليهم " كانت طوابير السيارات طويلة وهي تخرج من قرى وبلدات جنوب سنجار، محليا يسمنوها "منطقة قبلة ت" ونتيجة الازدحام كانت كل مجموعة تختار طريقا مختلفا عن الاخرى في سبيل الوصول بسرعة الى الجبل انذاك. بالقرب من الجبل، سيطرت داعش على الطريق وطوقت المنطقة وكنا اكثر من مئتي شخص موجودين في تلك اللحظة، هناك".

يقول سليمان "طوقتنا سيارات تحمل رايات واعلام سوداء عليها "الله اكبر ومحمد رسول الله" كانوا سبع او تسع سيارات في كل واحدة شخصان او ثلاثة يرتدون ملابس اسلامية سوداء ورصاصية بعضهم له لحية وملثمين والبعض الاخر مكشوف الوجه كانوا يبدوا واضحين انهم من اهل المنطقة. بعدما طوقوا المكان اتصلوا بسيارات اخرى جاءت تساندهم واخذوا مفاتيح سبع سيارات من سيارتنا ( كيا 2 طن – بيك اب دبل قمارة – سيارة حمل كبيرة – وثلاث سيارات صالون )".

يتابع سليمان و الحزن بدا يسيطر على وجهه " بعدما طوقونا وقاموا بفصل النساء عنا، اعترض قوال منت جردو (50 عاما). كان شخصا طيبا وانسانيا وبعدما اعترض على اخذ النساء، قتلوه في الحال امامنا وبعد بكاء ونواح النساء والاطفال اصبح المشهد مأساويا لايمكن وصفه حقيقة – هاجمونا بشراسة وفرقوا بيننا واستطعت ان اخفي نفسي خلف جدار مهدم انتظر ما الذي سيحدث. كانت ممارستهم وحشية كأنهم برابرة".

عائلة جندي (Can Think)

عائلة جندي (Can Think)

سليمان، وهو يسرد الحادثة، كان بين الفترة والاخرى يتوقف ليسترد اسماء من اختطفوا ويبدو الحزن عليه ليتسائل عن مصير نسائهم. قدم قائمة بأسماء 17 رجلا (تتراوح ما بين الأعمار 80 عاما و 17 عام) و اسماء 15 امرأة و ثلاثة اطفال من عائلته وقائمة أخرى بأسماء 18 أمرأه وثلاثة اطفال وقائمة بأسماء 23 رجلا من افراد عائلة عمه، الى جانب اسماء 49 شخصا من اقربائهم وجيرانهم المتفرقين الذين كانوا معهم لحظة وقوع الحادث، حيث يشير" بعد ان حملوا الرجال في سيارات ومعها حراس تم نقلهم بأتجاه مدينة سنجار. جاءت سيارات اخرى تحمل النساء والاطفال لحظتها عن بعد، تجمدت في مكاني و قلت يا "طاووس ملك" احفظهم من كل مكروه. (طاووس ملك واحدة من الالهة والرموز الكبار في الديانة اليزيدية وبالنسبة لهم هو رئيس الملائكة خلافا للديانات الابراهيمية) حاولت ان اتحرك لكنني رايت قوات اخرى من داعش تأتي الى المنطقة".

ويتابع "كانت الظهيرة قد حلت و الاجواء حارة في سنجار. تفرقت سيارات داعش من تلك المنطقة وتجمع من بقي مخفيا و بدأنا الهرب بأتجاه الجبل وقبل الوصول الى الجانب الثاني من الوادي الصغير وبالقرب من الجانب الثاني للوادي، سمعت صوت اطلاق الرصاص. ركضت العوائل بأتجاه الجبل وحاولت النظر الى الجانب الثاني وفجأة توقفت اذ لم يكن ممكنا ان استمر".

مسيرة سليمان لم تكن سهلة. بعدما شاهد خطف العشرات من ابناء عمومته واقرباءه، شاهد تساقط الجثث في منطقة "قنى مهركا"، حيث يقول "من اشخاص اخرين عرفنا انه تم قتل 53 شخصا في تلك المنطقة وكان صعبا علي الاستمرار. توقفنا لفترة قصيرة خلف بعض الصخور الكبيرة على مقربة من المنقطة، شاهدنا سيارات تحمل رايات الله اكبر وهي تحمل النساء والاطفال ويطلقون الرصاص في الهواء". موضحا "كأنه فيلم للبرابرة والوحوش هكذا كانوا يتحركون ويطلقون النار في الهواء. عم الخوف علينا جميعا فقرر الاشخاص الاخرين الذين التحقوا بنا الهرب أتجاه الى الجبل بأسرع مما يمكن ".

واختتم سليمان حديثه بالقول "عند الطريق كنا نتبادل الموقف واسماء الرجال والنساء الذين تم اختطافهم الحزن كان يعم الجميع. في اقرب نقطة شعرنا بها بالامان جلسنا نتفحص بعضنا، وبعد رحلة شاقة بكينا نواسي انفسنا". وتابع بشيء من الحزن "اخي العزيز في الجبل القصة تختلف، ساد الصمت الحضور..." واختتم حديثه بالقول "لأننا هناك ايضا فقدنا اعزاء لنا اطفال ونساء..."

مبينا ان "الاسبوع الذي قضيناه في الجبل كان قاسيا. الايام لم تكن تمضي بسرعة، الليالي كانت قاسية كلنا كنا نفكر بما قد حدث بالنساء والاطفال الذين تم اختطافهم. ويوم اخبرونا بان طريقا امنا قد فتح، نسينا للوهلة الذين فقدناهم ولكن الان بات الامر يؤرقنا اكثر لأن الاخبار انقطعت عنا ولم نعد على اتصال بهم".

وكانت سنجار، غرب الموصل، قد سقطت بيد داعش مما أدى الى نزوح عشرات الالاف من اليزيدين وقتل وخطف الالاف ايضا – تم حصار الالاف منهم في جبل سنجار لغاية الثامن من شهر اب وتم فتح طريق امن عبر سوريا ليصلوا الى دهوك وبقية مدن اقليم كردستان.

نشرت هذه المقالة لأول مرة على موقع Can Think